فهرس الكتاب

الصفحة 78 من 86

خلودها وقامت حضاراتٌ أخرى، وليس ملكوت السماوات كما قال به الإنجيل هو الذي

أعُِدَّ لضعفاء العقل، بل ملكوت الأرضهو الذي أعد لهم على أن يكون عندهم من الإيمان

الأعمى ما يقدرون به على رفع الجبال، وعلى الفلاسفة الذين خصصوا قرونًا لهدم ما

شاده المؤمنون في يومٍ واحد أن يركعوا أحيانًا أمام هؤلاء المؤمنين، ومن المؤمنين يتألف

قسمٌ من القُوى الخفية التي تهيمن على العالم، والمؤمنون هم الذين أوجبوا ظهور أهم

الحوادث التي يسجِّل التاريخ مجراها.

أجل، إن المؤمنين لم ينشروا غير الأوهام لا ريب، بيد أن البشرية عاشت حتى الآن،

وستعيش على الراجح، بتلك الأوهام المرهوبة المُغْرِية الباطلة، وليست تلك الأوهام سوى

ظلال، ويجب احترامها مع ذلك، فبفضلها عرف آباؤنا الأمل، وهم، بما كان من عَدْوِهم

الجريء الأهوج خلف تلك الظلال، قد أخرجونا من الهمجية الأولى وقادونا إلى ما نحن فيه

اليوم، ومن المحتمل أن كانت الأوهام أقوى جميع العوامل في نشوء الحضارات، فالوهم

هو الذي أوجب شَيْدَ الأهرام، وهو الذي أدى إلى ستر مصربتماثيل حجرية ضخمة مدة

خمسين قرنًا، وبفعل الوهم شيدت كنائسنا الكبرى في القرون الوسطي، وبفعل الوهم

انقضالغرب على الشرق للاستيلاء على أحد القبور، وأسفر اتباع طائفة من الأوهام عن

تأسيس أديان أخضعت نصف البشر لشرائعها وعن إقامة أعظم الإمبراطوريات وهدمها.

وفي سبيل الغواية، لا الحقيقة، بذلت البشرية معظم جهودها، وما كان للبشرية أن تبلغ

الأهداف الوهمية التي تسعى إليها، ولكنها وهي تَجِدُّ في أثرها حققت كل رقي لم تكن

لتطلبه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت