الفصل الثاني
شأن المعتقدات الدينية في تطور الحضارات
مَثَّلت المبادئ الدينية دورًا أساسيٍّا عظيمًا بين مختلف المبادئ التي تسيِّر الأمم، والتي
هي مناور للتاريخ وقطوب للحضارة، فترانا نُفرد لها فصلًا خاصٍّا.
وتَكوَّن من المعتقدات الدينية في كل وقت أهمُّ عنصر في حياة الأمم، ومن ثم في
تاريخها، وكان ظهور الآلهة وموتها أعظم الحوادث التاريخية، وتُولد مع كل مبدأ ديني
جديد حضارة جديدة، وما انفكت المسائل الدينية تكون من المسائل الأساسية في قديم
الأجيال وحديثها، ولو حدث أن أضاعت البشرية آلهتها لكان مثل هذا الحادث في نتائجه
أهم الحوادث التي تمت على وجه الأرض منذ فجر الحضارات الأولى.
ولا يغب عن البال أن جميع النُّظم السياسية والاجتماعية منذ بدء الأزمنة التاريخية
قامت على معتقدات دينية، وأن الآلهة مَثَّلَت الدور الأول على مَسْرَحِ العالم في كل زمن،
وإذا عَدَوْتَ الحب، الذي هو دين قوي أيضًا ولكنه شخصي موقت، وجدتَ المعتقدات
الدينية وحدها تؤثر في الأخلاق تأثيرًا سريعًا، ولك أن تتبين حال أمة نَوَّمَتْهَا أوهامُها من
خلال فتوح العرب والحروب الصليبية وإسپانية في زمن محاكم التفتيش وإنكلترة في
الدور الپيوريتاني وفرنسة في ملحمة سان بارتلمي وحروب الثورة الفرنسية. وللأوهام
تأثير دائم يبلغ من الشدة ما يتحول به كل مزاج نفسي تحولًا عميقًا، ولا مِراء في أن
الإنسان هو الذي يَخْلُق آلهته، ولكنه إذا ما خلقها استعبدته من فوره، وليست الآلهة
وليدة الخوف كما زعم لوكريس، بل هي وليدة الأمل، ولذلك تبقى ذات نفوذ أبدي.
والذي أنْعَمَتْ الآلهة به على الإنسان حتى الآن - والآلهة وحدها هي التي استطاعت
أن تُنعِم به - هو الحال النفسية التي تنطوي على السعادة، ولا تجد فلسفة استطاعت
أن تحقق مثل هذا العمل.
والنتيجة - إن لم تكن الغاية - لكل حضارة ولكل فلسفة ولكل ديانة هي إحداث
بعض الأحوال النفسية، ومن هذه الأحوال ما يتضمن السعادة ومنها ما لا يتضمنها،
وتتوقف سعادتنا على أحوال خارجية لا ريب، ولكنها ترجع إلى حالتنا الروحية على
الخصوص، فمن المحتمل أن كان الشهداء يعتقدون وهم على المواقد أنهم أكثر سعادة من
جلَّاديهم، ومن المحتمل أن كان مُرَمِّمَ الطرق وهو يَقْضِمُ كِسْرَة الخبز المفروكة بالثوم
أشد قناعة بمراحل من صاحب الملايين الذي تساوره الهموم.
ومن دواعي الأسف أن كان تطور الحضارات يُحْدِثُ في الإنسان الحاضر طائفة من
الاحتياجات من غير أن يَمُنُّ عليه بوسائل قضائها فيوجب بذلك سُخْطًا عامٍّا في النفوس.
أجل، إن التطور أصل التقدم، ولكنه أصل الاشتراكية والفوضى أيضًا؛ أي أصل ذينك
التعبيرين المرهوبين اللذين يَنِمَّان على قنوط جماعات لا تستند إلى معتقد. قابِلوا بين
الأوربي القلق الهائج الساخط على حظه والشرقي الراضي بمصيره، تروْا أنهما يختلفان
في حالهما الروحية، والأمة تتحول إذا ما تحول طِراز تصورها ومن ثم تفكيرها وسَيْرها.
وأول ما يجب أن يبحث عنه المجتمع هو إيجاد حال نفسية تجعل الإنسان سعيدًا،
وإن لم يفعل المجتمع ذلك لم يُكتب له طويل بقاء، وقد استندت جميع المجتمعات التي
قامت حتى الآن إلى مَثَلٍ عالٍ قادرٍ على إخضاع النفوس، وهذه المجتمعات قد اضمحلت
بعد أن عاد ذلك المثل الأعلى لا يُخْضِعُها.
ومن أكبر أغاليط العصر الحاضر أن يُعتقد وجود السعادة في الأمور الخارجية
وحدها، فالسعادة تقيم بنا، وهي مما نوجده، وهي لا تكون خارجة عنا تقريبًا؛ ونحن
بعد أن حطَّمنا مُثُل الأجيال القديمة العليا نُبصر اليوم صعوبة العيش بدونها، ويجب
أن نجد سرَّ استبدال غيرها بها خشية الزوال.
والمحسنون الحقيقيون لبني الإنسان، وهم الذين يستحقون أن تقيم لهم الأمم
الشاكرة تماثيلَ فخمةً من الذهب، هم أولئك السحرة الأقوياء المبدعون للمُثُل العليا الذين