الفصل الثالث
كيف يؤدي تغيير روح العروق إلى تغيير
تطور الأمم التاريخي
تدلُّ الأمثلة التي ذكرناها على أن تاريخ الأمة يرجع إلى خُلقها؛ أي إلى عرقها، لا إلى
نُظُمها، ونحن حين بحثنا في تكوين العروق التاريخية رأينا أن انحلال هذه العروق يتم
بالتوالد، وأن الأمم التي حافظت على وحدتها وقوتها؛ كالآريين في الهند قديمًا وكالإنكليز
في مختلف مستعمراتهم، هي التي ابتعدت بعنايةٍ عن كل اختلاط بالأجانب، ووجود
الأجانب، وإن قلوا، يكفي لتغيير روح الأمة، ووجود الأجانب يُفقد الأمة أهليتها للدفاع
عن أخلاق عرقها وعن آثار تاريخها وعن أعمال أجدادها.
وتلك النتيجة صادرة عما تقدم، وإذا ما وجب عد عناصرالحضارة مظهرًا خارجيٍّا
لروح الأمة كان من البديهي أن تتغير حضارة الأمة بتغير روحها.
ولنا في تاريخ الماضيأدلة لا جدال فيها، وسيكون لنا في تاريخ المستقبل أدلة أخرى
أيضًا.
تَحَوُّلُ الحضارة الرومانية التدريجي هو من أبرز الأمثلة التي يمكن الاستناد إليها،
وعلى العموم يُظْهِرُ المؤرخون لنا هذا الحادث نتيجةً لما قام به البرابرة من غارات
مخربة، غير أن البحث الدقيق في الوقائع يثبت من جهةٍ أن الغاراتِ التي أوجبت سقوط
الإمبراطورية الرومانية كانت سِلْمِيَّةً لا حربية، وهو يثبت من جهة أخرى أن البرابرة
كانوا يحترمون هذه الإمبراطورية احترام إعجاب على الدوام، وأنهم لم يألوا جهدًا في
انتحالها وإدامتها، والبرابرة هؤلاء قد حاولوا اعتناق لغة تلك الإمبراطورية ونُظُمها
وفنونها، والبرابرة هؤلاء قد عملوا حتى أواخر عهد الميرو?نجيين على إدامة الحضارة
القوية التي ورثوها، وترى جميع أعمال الإمبراطور العظيم، شارلمان، مُشْبَعَةً من هذه
الفكرة.
ولكننا نعلم أن عملًا كهذا مما يتعذر تحقيقه على الدوام؛ فقد تطلَّب تكوين البرابرة
لعرق متجانس بعض التجانس مرور قرون قَضَوْها في التوالد المكرَّر وفي أحوال عيش
متماثلة، وذلك العرق عندما تكوَّن حاز بسبب تكوُّنه وحده فنونًا جديدة ولغة جديدة
ونُظُمًا جديدة وحضارة جديدة من حيث النتيجة، وما انفكَّت ذكرى رومة تشتد على هذه
الحضارة، وما بُذل من جهود كثيرة في سبيل إحيائها ذهب أدراج الرياح، ومن العبث أن
حاولت (النهضة) بعث فنون رومة وأن جَدَّت الثورة الفرنسية في إعادة نُظُمها.
إذن، لم يفكر البرابرة الذين أغاروا بالتدريج على الإمبراطورية منذ القرن الأول من
الميلاد، والذين ابتلعوها مؤخَّرًا، في هدم حضارة هذه الإمبراطورية، بل كانوا يفكرون
في إدامتها فقط، حتى إن مجرى التاريخ ما كان ليتغير لو لم يحارب البرابرة رومة
ويقتصروا على الاختلاط بالرومان شيئًا فشيئًا ويقل عدد الرومان بذلك يومًا فيومًا؛ أي
إن اختلاط الفريقين كان كافيًا لتقويض الروح الرومانية وإن لم يخرب البرابرة رومة،
ولذلك يمكن القول بأن الحضارة الرومانية لم تدمَّر قط، بل أدُيمت بتحويلها في غضون
القرون؛ وذلك لوقوعها في أيدي عروق مختلفة.
وإن أقل نظرة إلى التاريخ غارات البرابرة يؤيد ذلك تأييدًا كبيرًا.
وقد دلت مباحث علماء العصر الحاضر، ولا سيما مباحث فُوستِل دوكلانج، على
أن غارات البرابرة السلمية هي التي أدت إلى اضمحلال الدولة الرومانية بالتدريج، لا
الغزوات العدوانية التي ردها مرتزقة الإمبراطورية في أكثر الأحايين، وكان من العادات
التي اتُّخذت منذ عهد الأباطرة الأولين هو استخدام البرابرة في الجيوش، وكانت هذه
العادة تستفحل كلما زاد الرومان ثراءً وزهدًا في الخدمة العسكرية، فلما انقضت بضعة
وكان القوط»، قرون عاد لا يكون في الجيش سوى أناس من الغرباء كما في الإدارة
«. والبورغون والفَرَنْج جنودًا مؤتلفين في خدمة القيصرالروماني