وعندما أصبحت رومة لا تملك جنودًا من غير البرابرة، وعندما صارت الولايات
الرومانية لا تُدار بسوى رؤساء من البرابرة، غدا من البديهي أن يميل هؤلاء الرؤساء إلى
الاستقلال، والواقع هو أنهم وُفِّقُوا لذلك، بيد أن رومة كانت تتمتع بنفوذ بالغ لم يفكر
معه أحد من هؤلاء في هدم الإمبراطورية الرومانية، وذلك مع وقوع رومة في سلطانه،
وحينما استولى ملك الهيرول، أدُواكُر، التابع للقيصرعلى رومة في سنة 476 لم يلبث أن
التمس من القيصرالمقيم بالقسطنطينية آنئذ أن يسمح له بأن يتولى أمر إيطالية حاملًا
لقب بطريق، 1 ولم يسِرْ أحد من أولئك الرؤساء على غير هذه السُّنة، وأولئك الرؤساء
كانوا يديرون شؤون الولايات باسم رومة على الدوام، وهم لم يفكروا قط في التصرف في
الأرض أو في مس النُّظم، وكان كلو?يس يعد نفسه موظفًا رومانيٍّا، وكان فخورًا بنيله
من القيصر لقب قنصل، ومضت ثلاثون سنة بعد موته ولم ينفك خلفاؤه في أثنائها
يمتثلون ما يمليه القياصرة من الأحكام ملزمين أنفسهم بمراعاتها، ولم يجرؤ رؤساء
برابرة الغول علىضرب النقود الحاملة لصورهم إلا في أوائل القرن السابع، وهذه النقود
لم تحمل غير صور الأباطرة حتى ذلك الحين، وبعد هذا التاريخ فقط صار الغوليون
لا يعدون القيصر رئيسًا لهم، ولذلك ترى المؤرخين يبدءون بتاريخ فرنسة قبل الواقع
بمئتي سنة، ويضيفون بضعة عشر ملكًا إلى سلسلة ملوكنا.
ولا شيء أقل شبهًا بالفتح من غزوات البرابرة ما دام الأهلون قد حافظوا على
أراضيهم ولغتهم وقوانينهم، وما دام هذا لا يقع في الفتوحات الحقيقية كفتح النورمان
لإنكلترة.
ومن المحتمل أن زالت الدولة الرومانية بالتدريج من غير أن يَشْعُرَ المعاصرون
بذلك، وبيان ذلك أن الولايات كانت قد تعودت منذ قرون وجود رؤساء يديرون شؤونها
باسم الأباطرة، ثم تدرَّج أولئك الرؤساء إلى السير على حساب أنفسهم فلم يُغيَّرشيء لهذا
2 السبب، وقد عُمل بهذا النظام تحت سادةٍ جددٍ طيلة العهد الِميرُوفَنْجيِّ.
وإنما التغيير الحقيقي الوحيد، وهو الذي أضحى عميقًا مع الزمن، هو ظهور
عرق جديد وظهور حضارة جديدة كنتيجة لازمة له؛ وذلك وَفْقَ السُّنن التي عرضناها.
وبتكرار الأمور الأبدي، الذي يبدو أنه أقوى سنن التاريخ، ترانا اليوم مدعوين على
الأرجح إلى مثل تلك الغزوات السلمية التي أدت إلى تحويل الحضارة الرومانية، وقد يدعو
انتشار الحضارة الحديثة العامُّ إلى الاعتقاد بأنه لا برابرة اليوم، أو أن البرابرة التائهين
في سواء آسية وإفريقية هم من البعد منا بحيث لا نخشىغزواتهم، وليس لدينا ما نخاف
به مغازيهم لا ريب، وأنهم لن يصبحوا خطرين علينا إلا بمزاحمتهم الاقتصادية التي
سيوجهونها إلى أوربة ذات يوم كما بينت في كتاب آخر، وليس أولئك هم الذين نقصدهم
هنا إذن. والبرابرة قريبون في الحقيقة وإن بدوا بعيدين، وهم أقرب جدٍّا مما كانوا أيام
أباطرة الرومان؛ وذلك لوجودهم في صميم الأمم المتمدنة بالواقع، وترى كل أمة تشتمل
على عدد كبير من العناصرالدنيا العاجزة عن ملاءمة حضارة تفوق مستواها كثيرًا لِما
تكلمت عنه من تعقُّد حضارتنا الحديثة ومن تفاوت الأفراد بالتدريج، وهكذا يتكوَّن
سِقطٌ كبير لا ينفك يزيد فيكون عمله هائلًا في الأمم التي تُبْتَلى به.
واليوم يتجه أولئك البرابرة الجدد نحو الولايات المتحدة بأمريكة كما لو كانوا
مجمعين على ذلك، واليوم ترى أولئك البرابرة يهددون حضارة تلك الأمة العظيمة تهديدًا
جِدِّيٍّا، ويكون الهضم سهلًا نافعًا ما دامت هجرة الأجانب إلى ذلك البلد نادرة، وما
دامت مؤلفة من عناصر إنكليزية على الخصوص، وهجرة كهذه أوجبت عظمة أمريكة،
واليوم تخضع الولايات المتحدة لغزو هائل من عناصر منحطة لا ترغب في هضمها ولا
تقدر على امتصاصها، وقد دخل الولايات المتحدة نحو ستة ملايين مهاجر من أدنياء
العمال المنتسبين إلى جميع الأصول بين سنة 1880 وسنة 1890، ولا تجد اليوم بين
أهالي شيكاغو البالغ عددهم 1100000 شخص غيرَ الربع من الأمريكيين، وتشتمل هذه
المدينة على 400000 ألماني و 220000 إيرلندي و 50000 بولوني و 5500 شيكي إلخ،
ولا تبصر أي امتزاج بين هؤلاء المهاجرين والأمريكيين، ولا يبالي أولئك المهاجرون بتعلم
لغة وطنهم الجديد، وفي وطنهم الجديد هذا يُنْشِئون مستعمرات بسيطة ذات أعمال