فهرس الكتاب

الصفحة 74 من 86

تُنْجِبُ بهم البشرية أحيانًا ولكن نادرًا، هم أولئك الذين يُحدِثون فوق سيل الظواهر

الباطلة، وهي كل ما نقدر على معرفته من الحقائق، وفوق دولاب الدنيا المسنن الصُّلْب

الجامد - أوهامًا قوية مهدئة مُخفِية عن الإنسان ما في مصيره من نواحٍ قاتمة، هم

أولئك الذين يقيمون للإنسان منازل عامرة بالآمال والأحلام.

ونحن إذا ما نظرنا إلى الأمر من الناحية السياسية وحدها وجدنا تأثير المعتقدات

الدينية عظيمًا أيضًا، وتقوم قوة المعتقدات التي لا تقاوَم على أنها العامل الوحيد الذي

يستطيع أن يُنعِم على الأمة بوحدة مطلقة من المنافع والمشاعر والأفكار حينًا من الزمن،

وهكذا تقوم الروح الدينية دفعة واحدة مقام تلك المتراكمات البطيئة الموروثة الضرورية

لتكوين روح الأمة. أجل، إن الأمة التي يهيمن عليها المعتقد لا تغيِّر مزاجها النفسي، غير

أن جميع ملكاتها تتوجه بذلك إلى غرضواحد، تتوجه إلى نصرمعتقدها، فتصبح قوتها

هائلة لهذا السبب. وفي أدوار الإيمان التي تتحول ذات حين تقوم الأمم بتلك الجهود

العجيبة، تقوم بشَيْدِ الدول التي تدهش التاريخ، ومن ذلك أن بعض القبائل العربية

التي اتحدت بفعل فكرة محمد قَهَرَتْ في سنين قليلة أممًا كانت لا تعرف منها حتى

الأسماء، فأقامت إمبراطورية واسعة.

ودرجة سيطرة المعتقدات على النفوس، لا صفتها، هي التي يجب أن يُلتفت إليها،

ولا فرق في ذلك بين دعوتك مُولَكَ أو أي إله آخر أشد قسوة، ويقوم نفوذ الإله على

عدم تسامحه وعلى غلظته في بعضالأحيان، ولا تمنُّ الآلهة الكثيرة التسامح والحلم على

عبادها بالقوة، وقديمًا ساد أتباع محمد الصارم قسمًا كبيرًا من العالم لطويل زمن، ولا

يزال هؤلاء الأتباع مرهوبين، وأما أتباع بُدَّهَة (بوذا) الهادئ فلم يؤسسوا ما هو باقٍ،

فنسيهم التاريخ.

إذن، مثَّلت الروح الدينية دورًا سياسيٍّا مهمٍّا في حياة الأمم؛ وذلك لأنها كانت العامل

الوحيد القادر، دائمًا، على التأثير في أخلاقها بسرعة، ومما لا شك فيه أن الآلهة ليست

خالدة، غير أن الروح الدينية باقية. والروح الدينية، وإن كانت تغفو لحين، تصحو عند

ابتداع ألوهية جديدة، والروح الدينية هي التي استطاعت أن تقف بها فرنسة منذ قرن

ظافرة أمام أوربة المدجَّجة بالسلاح، وبذلك قد رأى العالم مرة أخرى ما تقدر عليه

الروح الدينية؛ وذلك لأن دينًا جديدًا كان يقوم آنئذ نافخًا من روحه في أمة بأسرها. نعم،

إن الآلهة التي برزت كانت من سرعة العطب بحيث لا تدوم، ولكنها كانت ذات سلطان

مطلق مدة وجودها.

على أن ما في الأديان من قدرة على تحويل النفوس مؤقت، ومن النادر أن تدوم

المعتقدات زمنًا كافيًا فتبلغ درجة من الاشتداد ما تتحول به الأخلاق تحولًا تامٍّا؛ فالحلم

لا يلبث أن يذوي، والمنوَّم لا يلبث أن يصحو قليلًا، فيبدو أساس الأخلاق القديم مرة

أخرى.

ومع ما تكون عليه المعتقدات من قدرة عظيمة تلوح الأخلاق القومية، دائمًا،

من خلال النمط الذي تُنْتَحَل به هذه المعتقدات ومن خلال المظاهر التي تؤدي إليها،

وانظروا إلى المعتقد الواحد في إنكلترة وإسپانية وفرنسة تجدوا الفروق عظيمة جدٍّا!

وهل كان الإصلاح الديني ممكنًا في إسپانية؟ وهل كانت إنكلترة تخضع لنير محاكم

التفتيش الهائل؟ أفلا تُرَى بسهولة لدى الأمم التي انتحلت الإصلاح الديني أخلاقُ العروق

الأساسية التي حافظت، بالرغم من تنويم المعتقدات، على صفات مزاجها النفسي الخاصة

كالاستقلال والإقدام وعادة التعقل وعدم الخنوع لسيد؟

ولا مراء في أن تاريخ الأمم السياسي والفني والأدبي وليد معتقداتها، بيد أن

المعتقدات مع تأثيرها في الأخلاق تتأثر بالأخلاق تأثرًا عظيمًا، وإذا سألت عن أخلاق الأمة

ومعتقداتها وجدتهما مفاتيح مصيرها. والأخلاق، لما كان من عدم تغيُّرها في عناصرها

الأساسية، ومن عدم تغيُّرها وحده، تجد التاريخ محافظًا على شيء من الوحدة على الدوام.

والمعتقدات، لما كان من تغيرها، ومن تغيرها وحده، تجد التاريخ حافلًا بالانقلابات.

وأقل تغيُّر في معتقدات الأمة يؤدِّي إلى سلسلة من التطورات في حياتها بحكم

الضرورة، ومما رأيناه في غضون فصل سابق أن رجال القرن الثامن عشر بفرنسة كانوا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت