فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 86

وسيظل تباين العروق، لطويل زمنٍ، مصدر اصطراع بين الأمم الناقصة التمدن على

الخصوص، كأمم البلقان التي لم يَسْطِعْ شيء أن يُسَكِّن أحقادها المتأصلة.

ولا يؤثِّر الزمان في تباين العروق إلا بأقصى البطوءِ، وإذا لاح أحيانًا تغيُّر أمة فإن

بعض الأحوال لا يلبث أن يكشف أن هذه التغيرات لم تكن في غير الظاهر، وأنها لم تتناول

غير ما في الشخصية من النواحي الثانوية.

ولا تكفي تقلبات البيئة ولا الفتوح لتغيير روح الشعب، ولا يمكن تحوُّل الشعب إلا

بالتوالد المكرَّر، وما كانت الأرضولا النُّظُم ولا الديانة لتغيِّر روح العرق.

على أن التوالد لا يكون مؤثرًا إلا إذا وقع بين أمم ذات نفسية متقاربة، ولا يكون

التوالد إلا مضرٍّا بين أمم ذات نفسية شديدة الاختلاف، ولا يكون لتزاوج البِيضوالسُّود

والهندوس والپوروج (أصحاب الجلود الحمر) نتيجةٌ سوى انحلال ما في حصائل هذا

التزاوج من عناصرالثبات النفسيالموروث، وذلك من غير إحداث ما يقوم مقامها، وتظل

قيادة الأمم المولَّدة؛ كأمم المكسيك، وأمم الجمهوريات الإسپانية الأمريكية، أمرًا متعذرًا؛

لأنها مولَّدة فقط، وقد أثبتت التجربة أن أي نظام أو تربية لم يقْدِر على إخراج هذه الأمم

من الفوضى.

قلنا آنفًا إن من أسباب الحرب الأوربية الرئيسة هو ما تسرَّب في أدمغة الألمان بالتدريج

من الفكر القائل إن الألمان قوم عالون أعُِدُّوا لفتح العالم.

وإني، حين درست في أحد فصول هذا الكتاب أمر انتشار الأفكار وتأثيرها في حياة

الأمم، بيَّنْت كيف أن الفكر لا يُعَتِّمُ أن يكون ذا سلطان على طبقات الأمة العميقة فيغدو

كالسيل المنهمر بعد أن يلازم المنطقة النظرية المتحولة للرأي الصرف، وهنالك لا يستطيع

الزعماء الذين أَبْدَوْه أن يَسُدُّوا مجراه، والزعماء هم الذين يأتون بناحية الفكر المجردة،

والجماعة هي التي تحوِّل الفكر إلى أعمال.

وبذلك الجهاز قام اعتقاد ألمانية الحديثة بأفضليتها كما قامت عبادتها للقوة، وما

انفكت كتيبة من الأساتذة والفلاسفة والكتَّاب والجمعيات الوطنية تنشر في ألمانية مَثَلَ

الصدارة الأعلى والتعطش إلى الفتح منذ خمسين سنة.

وببطء، ولكن مع قوة، نَفَذَتْ تلك النظريات في روح الشعب الألماني فلم تنشب أن

صارت من العقائد ذات المسحة الدينية، وما فتئت ألمانية تبدو قانعة بأن لله دعاها إلى

تجديد العالم واستغلاله.

نما ذلك المعتقد، واتفق له من القدرة ما شهر الإمبرطور به الحرب في زمن لو نظر

فيه إلى أن أسطوله أدنى من أسطول إنكلترة لرأى عدم استعداده لها، ولوجد أن الانتظار

خير من الإقدام عليها لا ريب.

وأظهرت الحوادث الحاضرة صواب كثير من المبادئ الأخرى المعروضة في هذا الكتاب؛

ومن ذلك أنني حين درست ما تم في القرون القديمة من مختلف الفتوح، ولا سيما فتح

الرومان لبلاد اليونان، سألتُ عن استطاعة بعض الملكات المتوسطة، إذا ما تصرَّف فيه

مثل عالٍ قوي، أن يمنح إحدى الأمم قدرة على تقويضحضارات رفيعة عندما يكون نمو

هذه الحضارات الذهني قد أبطل صفات الخُلق.

والمستقبل سيخبرنا بقدرة ألمانية على تحقيق تلك السنَّة التاريخية التي وردها كثير

من البلدان القديمة كمصروفارس واليونان وإيطالية، إلخ.

أجل، إنك لا تجد خلفاء للعظماء الذين شَرُفت بهم ألمانية فيما مضى، بيد أن ألمانية

عَلِمت نظام المراتب، وأنها عرفت أن تنتفع بجميع قواها مهما صغرت، وأنها استطاعت

بفضل نظامها الحربي الشديد أن تجعل من نَقْع أبنائها المتوسطين كتلة هائلة مهدِّدة

لسلم العالم.

وفي المستقبل ستكون معضلة الحياة لدى الأمم ذات الحضارات الرفيعة أن تُنَضِّدَ

فوق ثقافتها الذهنية تربية للخلق صارمة وتدريبًا للإرادة على الخصوص، تَيْنِكَ القوتين

القادرتين على ضمان استقلال الأمم.

ومما قلتُه غير مرة في هذا الكتاب، وفي كتب لاحقة أخرى، أن قوة الأمم بأخلاقها

لا بذكائها، والذكاء يساعد على البحث في أسرار الطبيعة والانتفاع بقواها، والأخلاق تعلِّم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت