فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 86

الحاضر، وفي الغالب أيضًا - وذلك كما قلناه منذ هُنَيْهَة - تُبْدِعُ الأمم في أجيالها شبه

المتوحشة أنفسَ آثارها الأدبية وأنفسَ آثارها الفنية على الخصوص، والذى يلوح هو أن

دورَ تجلِّي شخصيةِ الأمة في الفنون هو دور تَفَتُّحِ طفولتها أو فنونها لا دور نضجها،

وإذا نظرنا إلى مناحي العالم الجديد النفعية التي نُبصر فجرها وجدنا شأن الفنون لا

يكاد يكون باديًا فيها، وأمكننا أن نُبصراليوم الذي تُصَنَّفُ فيه هذه الفنون بين مظاهر

الحضارة الثانوية إن لم تُعدَّ من أدنى مظاهرها.

وهنالك عدة أسباب تحول دون سير الفنون في تطورها سيرًا موازيًا لتقدم عناصر

الحضارة الأخرى ومؤديًا إلى الاطلاع على حال هذه الحضارة دائمًا، وسواءٌ علينا أَنَظرنا

إلى مصرأم إلى الإغريق أم إلى مختلف أمم أوربة لم نرَ سوى سُنَّة عامة واحدة؛ وهي: أن

الحضارة عندما تبلغ مستوى معينًا؛ أي حينما تظهر بعضُ الآثار النفيسة، يبدو دورٌ

من الانحطاط في الفنون مستقلٌّ عن سير عناصرالحضارة الأخرى، وطور الانحطاط في

الفنون هذا يبقى إلى الزمن الذي يُدخِل فيه انقلابٌ سياسي أو غزوٌ أجنبي أو اعتناقُ

معتقَدٍ جديد أو أيُّ عامل آخر عناصرَجديدة إلى الفن، وذلك كما وقع في القرون الوسطى

حين أسفرت الحروب الصليبية عن جلب معارف وأفكار جديدة قفزت بالفنون إلى الأمام،

فنشأ عن ذلك تحويل الطِّراز الروماني إلى الطراز القوطي؛ وذلك كما وقع بعد بضعة

قرون حين أوجبت النهضةُ تحويلَ الفن القوطي؛ وذلك كما وقع في بلاد الهند حين أدَّت

المغازي الإسلامية إلى تغيير الفن الهندوسي تغييرًا تامٍّا.

وإذا كانت الفنون - كما نلاحظ أيضًا - تعبِّر بوجه عام عن بعض ضرورات

الحضارة، وكانت تلائم بعض المشاعر، فإنها مقضيٌّ عليها بأن تعاني من التحولات ما

يلائم هذه الضرورات، كما أنها محكوم عليها بالزوال تمامًا عند تحوُّل الضرورات أو

المشاعر التي أوجبت حدوثها أو زوال هذه الضرورات، ولا يدل هذا على أن الحضارة

تكون في دور الانحطاط إذ ذاك، وهنا أيضًا نلمس فقدان الموازاة بين تطور الفنون

وتطور عناصر الحضارة الأخرى، وما تقدمت الحضارة في أي دور من أدوار التاريخ

كتقدمها الآن، وما كانت الفنون أكثر ابتذالًا وأقل شخصية مما هي عليه اليوم على ما

يحتمل، وبيان ذلك أن غياب المعتقدات الدينية والأفكار والاحتياجات، التي تجعل من

الفن عنصرًا جوهريٍّا من عناصر الحضارة في الدور الذي كانت المعابد والقصور فيه

محاريب لها، أسفر عن صَيْرِ الفن أمرًا ثانويٍّا؛ أي موضوع تسلية يتعذَّر تخصيصوقت

كبير ومال كثير من أجله، وإذ صار الفن أمرًا غيرضروري فإنه لا يكون إلا مصنوعًا أو

أثر تقليد، واليوم لا ترى أمة ذات فن قومي، وكل أمة تركن اليوم إلى نسخ ما كان في

غابر الأدوار نسخًا موفقًا أو غير موفق سواءٌ أكان ذلك في فن العمارة أم في فن النحت.

نعم، إن فن العمارة وفن النحت وليدا احتياجات وأهواء لا ريب، ولكن من الواضح

أنهما لا يعبران عن أفكارنا الحديثة، ومما يثير عجبي ما كان يأتي به متفننونا في

القرون الوسطى من الآثار الساذجة حين كانوا يصوِّرون القديسين ويسوعَ والجنَّات

وجهنمَ، حين كانوا يصوِّرون أمورًا أساسية في ذلك الزمن، أمورًا كانت تُعدُّ أغراض

الحياة الرئيسة آنئذ، بيد أن المصورين الذين أصبحوا عاطلين من تلك المعتقدات، إذا ما

ستروا جُدُرنا بالأساطير الابتدائية أو بالرموز الصبيانية محاولين الرجوع إلى فن زمن

آخر، لم يكونوا قد صنعوا بذلك غير تقليد هزيل لصور لا فائدة منها للحاضر وتكون

عرضة للازدراء في المستقبل.

والفنون الحقيقية الوحيدة، والفنون الوحيدة التي تعبِّر عن دور ما، هي التي

يَعرِض بها المتفنن ما يشعر به وما يراه بدلًا من اقتصاره على تقليد أشكال تلائم ما

لا وجود له في الساعة الحاضرة من الاحتياجات أو المعتقدات، وما في أيامنا من تصوير

صادق وحيد يقوم على نقل الأشياء التي تحيط بنا، وما في أيامنا من فنِّ عمارةٍ صادق

أيضًا هو شَيْدُ بيتٍ ذي طبقات خمس، وإنشاء قنطرة، وإقامة محطة لخط حديدي،

ويلائم هذا الفن النفعي احتياجات حضاراتنا وأفكارها، وهذا الفن هو من مميزات هذا

الدور كما كان الفن الذي شِيدَتْ به الكنيسةُ القوطية والقصر الإقطاعي من مميزات

الماضي، وسيكون للفنادق العصرية الكبرى وللكنائس القوطية القديمة فائدةٌ متساوية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت