ينبوع موضوعات استقت منه جميع الأمم بالتتابع، وانظر إلى فنون اليونان تجدها قد
نشأت عن الفنون التي ظهرت على ضفاف دِجْلة والنيل، وانظر إلى الطراز اليوناني تجد
الطراز الروماني قد صدر عنه، ثم اختلط الطراز الروماني هذا بمؤثرات شرقية فاشتق
منه الطراز البزنطي والطراز الرومَني والطراز القوطي؛ أي اشتقت منه طُرُز مختلفة
باختلاف عبقرية الأمم التي نشأت فيها، وعلى حسب عمر هذه الأمم، ولكن مع وجود
أصل واحد لهذه الطُّرُز.
وأقول مكررًا: إن ما بيَّناه آنفًا عن الفنون يطبَّق على جميع عناصر الحضارة
من نظم ولغات ومعتقدات؛ ومن ذلك أن اللغات الأوربية تشتق من لغة أصلية كان
يُتكلم بها في هضبة آسية الوسطى، ومن ذلك أنَّ فِقْهَنا وليد الفقه الروماني، وأن الفقه
الروماني وليد فقه سابق له، ومن ذلك أن الديانة اليهودية صدرت رأسًا عن المعتقدات
الكلدانية، وأن الديانة اليهودية اختلطت بعد ذلك بمعتقدات آرية فصارت هذه الديانة
العظيمة التي تسيطر على أمم الغرب منذ ألفي سنة، ولم تكن علومنا نفسها لتبلغ ما
بلغته اليوم لولا عمل القرون البطيء، وتبصر أعاظم مؤسسي علم الفلك الحديث، مثل
كُوپِرْنِيك وكِپْلِر ونيوتن، مرتبطين في بطليموسَ الذي كان يُرجَع إلى كتبه حتى القرن
الخامس عشر، وتبصربطليموس هذا يرتبط في المصريين والكلدانيين من طريق مدرسة
الإسكندرية، وهكذا نبصر، على الرغم من الفراغ الهائل الذي نراه في تاريخ الحضارة،
تطورًا بطيئًا في معارفنا نَرْجِع به من خلال العصور والدول إلى فجر تلك الحضارات
القديمة التي يحاول العلم الحديث في الوقت الحاضر ربطها بالأزمنة الأولى حين لم يكن
للبشرية تاريخ، بيد أن الينبوع إذا كان واحدًا فإن ما تُحدثه كل أمة بحسب مزاجها
النفسي من التحولات في العناصر المستعارة إقبالًا وإدبارًا مختلف إلى الغاية، ومن هذه
التحولات يتألف تاريخ الحضارات.
وفيما تقدم بيَّنا أن العناصر الأساسية التي تتألف منها حضارة أمة ما خاصةٌ
بهذه الأمة، وأن هذه العناصر نتيجة مزاجها النفسي وعنوان هذا المزاج، وأنها لا تنتقل
من عرق إلى آخر من غير أن تخضع لتحولات عميقة جدٍّا، ومما رأيناه أيضًا أن الذي
يحجب مدى هذه التحولات هو، من ناحيةٍ، الضرورة اللغوية التي تحملنا على تعيين
أمور مختلفة بألفاظ واحدة، وهو، من ناحية أخرى، الضرورة التاريخية التي لا تؤدي
إلى غير البصر بأقصى وجوه الحضارة، لا إلى وجوهها المتوسطة، ونحن حين ندرس في
الفصل الآتي السُّنَنَ العامة لتطور الفنون يمكننا أن نثبت، بما هو أدق من ذلك، تعاقب
التحولات التي تعتور عناصر الحضارة الأساسية عند انتقال هذه العناصر من أمة إلى
أخرى.