فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 86

شعوب مصر وكلدة في قرون كثيرة، وقد اقتبست الإغريق ذلك الكنز بواسطة الفنيقيين

وأمم آسية الصغرى، وقد اقتبسته الهند بواسطة فارس، وهكذا ترى أن حضارتي

الإغريق والهند تُرَدَّان إلى ينبوع واحد، مع العلم بأن المَجْرَيَيْنِ اللذين تفرعا من هذا

الينبوع لم يلبثا أن اختلفا في كلا البلدين اختلافًا كليٍّا وفق عبقرية كلٍّ من عرقيهما.

بيد أن الفن إذا كان ذا علاقة وثيقة بمزاج العرق النفسي كما قلنا، وإذا كان الفن

الذي تقتبسه عروق مختلفة يكتسب وجوهًا متباينة لذلك السبب، فإنه يجب علينا أن

ننتظر حيازة الهند التي تسكنها عروق مختلفة أشد الاختلاف فنونًا متباينة وطرز بناء

غير متشابهة على الرغم من وحدة العقائد.

ويؤيد البحث في مباني مختلف بقاع الهند ذلك المبدأ، وما بين مباني الهند من

فروق بلغ من بُعْدِ الغَوْر ما نُقَسِّمها معه بحسب البقاع؛ أي بحسب العرق، لا بحسب

دين الشعوب التي شادتها، وإنا لا نجد أي شبه بين مباني شمال الهند ومباني جنوبها

التي أقيمت في دور واحد من قِبَل أمم تدين بدين متماثل على الخصوص، حتى في أيام

سلطان الإسلام، في ذلك الدور الذي بلغت الوحدة السياسية فيه حدها، والذي وصلت

السلطة المركزية فيه إلى غايتها، تبصراختلاف المباني الإسلامية الصرفة بين بقعة وبقعة

اختلافًا كبيرًا، فلا ترى بين مساجد أحمد آباد ولاهور وأغره وبيجاپور سوى نَسَب

ضعيف، سوى نَسَبٍ أقل مما بين عمارة أقيمت في عصرالنهضة ومباني العصرالقوطي

مع أن تلك المساجد خاصة بدين واحد.

وليس فن البناء وحده هو الذي يختلف في الهند بين عرق وعرق، بل تجد صُنع

التماثيل يختلف في مختلف بقاعها أيضًا؛ لا من حيث الأمثلة التي تُعرض وحدها؛ بل

من حيث الوجه الذي تُعمَل به أيضًا، فقابِلوا تماثيل سانچي أو نقوشها البارزة بما

في بَهارَت تجدوا الفرق واضحًا، مع أن ما فيهما صُنع في زمن واحد تقريبًا، ويشتد

هذا الفرق عند المقابلة بين تماثيل ولاية أوريسة ونقوشها وبين ما في بُنْدِيل كَهَند، أو

عند المقابلة بين تماثيل مَيْسور وما في المعابد الكبرى بجنوب الهند، وهنالك يبدو تأثير

العرق في كل مكان، ثم هو يبدو في أقل الأدوات الفنية، ولا أحد يجهل درجة اختلاف

هذه الأدوات بين ناحية وناحية من أنحاء الهند، ولا احتياج إلى كبير خبرة للتفريق بين

صندوق صغير مصنوع من الخشب المحفور في ميسور وصندوق صغير مصنوع من

الخشب المحفور في الكَجَرات، كما أنه لا احتياج إلى كبير خبرة للتفريق بين حِليةٍ صُنعت

في ساحل أوريسة وحليةٍ صُنعت في ساحل بَمْبِي.

أجل، إن فن بناء الهند فن ديني على الخصوص كفن بناء جميع الشرقيين، ولكن

مهما كان المؤثر الديني كبيرًا في الشرق خاصة تجد التأثير العرقي أعظم منه بدرجات.

وروح العرق التي تسيِّر مصير الأمم توجِّه معتقداتها ونظمها وفنونها إذن، ومهما

يكن عنصر الحضارة الذي نبحث عنه نجد فيه تلك الروح على الدوام، وتلك الروح هي

القدرة الوحيدة التي لا تغلبها قدرة، وهي تمثل وطأة الأجيال وخلاصة أفكارها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت