حمى من كل ضغط، وفي منتأى من كل جوار، ويرى الأجنبي ذلك الاحتياج إلى الاستقلال
في المحطات المطروقة حيث يطوف الجمهور في كل ساعة من غير أن يُزْرَبَ كقطيع من
الغنم الطَّيِّعِ خلف حاجز يحرسه موظف كما لو وجب عليه حفظ سلامة الناس الذين
لا يجدون في أنفسهم من الانتباه الضروري ما يصونون به أنفسهم من الدَّوْس، ويطَّلع
ذلك الأجنبي على نشاط ذلك العرق في عمل العامل القاسي كما يطَّلِع عليه في عمل الطالب
الذي وُضِعَ حبلُه على غاربه منذ صباه فيتعلم السير وحده عالمًا أنه لا أحد غيره يُعْنَى
بمصيره، ويطَّلع ذلك الأجنبي على نشاط ذلك العرق لدى الأساتذة الذين يكتفون بقليل
تعليم ويبالون بكثير أخلاق، عادِّين الخُلق من أقوى العوامل المحركة في العالم، 2 وإذا ما
رجع ذلك الأجنبي بصرَه إلى حياة المواطن العامة أبصرأنه يعتمد، دائمًا، على قوة المبادرة
الفردية لا على الدولة، لا فرق في ذلك بين إصلاح ينبوع قرية وإنشاء مرفأ بحري، ومد
خط حديدي، وحين يتابع ذلك الأجنبي بحثه لا يلبث أن يعترف بأن تلك الأمة هي الأمة
الحرة الوحيدة حقٍّا على الرغم من معايبها التي تجعلها في نظر الأجنبي أكثر الأمم جفاء؛
وذلك لأنها وحدها هي التي استطاعت أن تعرف كيف تسير طليقة فلا تترك لحكومتها
غير أدنى حد من العمل، وإذا ما تصفَّح الباحث تاريخ تلك الأمة وجد أنها أول من
عرف أن يتخلَّص من كل سيطرة للكنيسة أو للملوك، وكان الفقيه فُورتِسْكُو يعارض
القانون الروماني - الذي هو تراث الأمم اللاتينية - بالقانون» في القرن الخامس عشر
الإنكليزي؛ فيقول: إن الأول هو من صنع الأمراء المطلقين فيعمل على التضحية بالفرد،
«وإن الثاني هو من عمل الجميع فيعمل على حماية الفرد
وإذا ما هاجرت أمةٌ تلك هي حالها إلى أية بقعة من بِقاع الدنيا لم تُعتِّم أن تصير
ذات شوكة وأن تؤسِّس دولًا قوية، وإذا كان العرق الذي تغزوه على جانب كبير من
الضعف فلا يُنتَفع به، كأصحاب الجلود الحمر (الپوروج) بأمريكة مثلًا، أبادته بانتظام،
وإذا كان العرق المقهور كثير العدد وكان يمكن استغلاله، كأهل الهند، أكُرِه على العمل
في سبيل سادته، واستُثمر بمهارة مع تركه حرٍّا في عاداته ونُظمه.
ويجب، في بلد جديد كأمريكة، تَتَبُّع التقدم العجيب المدين لمزاج العرق الإنكليزي
النفسي، ولا أحد يجهل ماذا أصبح هذا العرق، وهو المعتمد على نفسه، فيما نُقل إليه
من تلك البقاع العاطلة من الفلاحة والتي لم يكد يسكنها بعض المتوحشين؛ فقد كفاه
قرن واحد لينال إحدى المراتب الأولى بين دول العالم العظمى حتى قلَّ من يقدر على
مكافحته في الوقت الحاضر، وتراني أوصيبقراءة كتب مسيو روزيه عن الولايات المتحدة
أولئك الذين يرغبون في الوقوف على مقدار المبادرة العظيمة والنشاط الفردي اللذين
يبذلهما أبناء تلك الجمهورية القوية، فهنالك يبصرون استعداد الناس إلى أقصى حد
لإدارة أنفسهم بأنفسهم وللاشتراك في إنشاء المشاريع الكبيرة وبناء المدن وشَيْدِ المدارس
والمرافئ والخطوط الحديدية إلخ، وهنالك يبصرون عمل الدولة إلى أدنى حد حتى يمكن
القول بعدم وجود سلطات عامة تقريبًا، وما يكون نَفعُ تلك السلطات فيما خلا الشرطة
والجيش والتمثيل الدِّبْلُمِيَّ.
ثم إنه لا يُكتب في الولايات المتحدة فلَاحٌ إلا لمن هو حائز للصفات الخُلقية المذكورة
سابقًا، ولذلك ترى المُهاجَرَات الأجنبية لا تغيِّر روح العرق العامة أبدًا، ومن شروط
الحياة هنالك أن الذي يكون عاطلًا من تلك الصفات يغدو محكومًا عليه بالزوال السريع،
والأنغلوسكسوني وحده هو الذي يَقْدِرُ على العيش في ذلك الوسط المُشْبَع من الاستقلال
والإقدام، وأما الإيطالي فيموت فيه جوعًا، وأما الإيرلندي والزنجي فيعيشان في الخِدَم
الدنيا.
وتمثِّل تلك الجمهورية الكبرى أرض الحرية لا ريب، وهي ليست أرض المساواة
والإخاء، ذَيْنَك الوهمين اللاتينيين اللذين لا تعرفهما سنَّة التقدم، ولا تجد في العالم مثل
ذلك القطر قطرًا أنشب الانتخاب الطبيعي فيه أظفاره. نعم، يبدو ذلك الانتخاب الطبيعي
فاقد الرحمة هنالك، وهو، لِعَطَلِه من الرحمة، حافَظَ العرق الذي أوجب تكوينه على قوته
وإقدامه، ولا مكان في الولايات المتحدة للضعفاء ومتوسطي الحال والقاصرين. ولعامل
الانحطاط وحده تجد الأشخاص المنحطين مُعَرَّضين للهلاك هنالك، شعوبًا ومنفردين،