الديني والمبدأ الإقطاعي، وعن هذين المبدأين صدرت فنون تلك القرون وآدابها وطراز
نظرها إلى الحياة كلها، ثم حلَّ عصرالنهضة فطرأ على ذينك المبدأين بعض التغيير؛ فقد
فرض المثل الأعلى للعالم الإغريقي اللاتيني سلطانَه على أوربة، فلم تُعتِّم أنصرت تبصر
تحولًا في وجه النظر إلى الحياة، وتحولًا في الفنون والفلسفة والآداب، ثم تزعزع سلطان
التقاليد فقامت الحقائق العلمية مقامَ الحقيقة المنزلة بالتدريج، فأخذت الحضارة تتحول
مجددًا. واليوم يظهر أن المبادئ الدينية القديمة فقدت شيئًا من سلطانها فصارت تلوح
بوادر انهيار النظم الاجتماعية التي تستند إليها.
ولا يمكن أن يتجلى تاريخ تكوين المبادئ وسلطانها واضمحلالها وتحولاتها وزوالها
إلا إذا استند إلى عدة أمثلة، وإذا ما دخلنا دائرة الجزئيات ثبت لنا أن كل عنصر من
عناصرالحضارة - من فلسفة ومعتقدات وفنون وآداب إلخ - خاضع لعدد قليل من
المبادئ الناظمة التي تتحول ببطء شديد على العموم، ولا تشذ العلوم نفسها عن هذه
القاعدة، واليوم يُشتق جميع علم الفيزياء من مبدأ عدم فناء الطاقة، ويُشتق جميع
علم الحياة من مبدأ تحول الأنواع، ويُشتق علم الطب من مبدأ أصغر ما يكون، ويُثبت
تاريخ هذه المبادئ أنها لم تستقر إلا مقدارًا فمقدارًا وبصعوبة مع أنها لم توجَّه إلى غير
ذوي البصائر، ولا يتطلب استقرار مبدأ علمي أساسي أقل من خمس وعشرين سنة في
هذا العصر الذي يسير فيه كل شيء بسرعة، وذلك في نطاق من المباحث التي لا تؤثر
فيها الشهوات والمآرب، ولم يقتضِ زمنًا أصغر من هذا استقرارُ أوضحِ المبادئ العلمية
وأسهلها إثباتًا وأقلها احتياجًا إلى الجدل كمبدأ الدورة الدموية.
ويتمُّ انتشار جميع المبادئ على نمط واحد في كل وقت سواء أكان المبدأ علميٍّا أم
فنيٍّا أم فلسفيٍّا أم دينيٍّا أم أي مبدأ آخر، ويجب اعتناق المبدأ في بدء الأمر من قِبَل عدد
قليل من الرسل الذين ينالون نفوذًا كبيرًا بشدة إيمانهم أو منزلتهم. ويؤثِّر الرسل؛ إذ
ذاك، بالتلقين أكثر مما بالبرهان، ولا يجب أن يُبْحَثَ في قيمة البرهان عن عناصرالإقناع
الجوهرية، والمتكلم يفرض أفكاره بنفوذه الشخصي أو بمخاطبته الأهواء، والمتكلم لا
يمارس أي نفوذ بمخاطبته العقل وحده، والجماعات لا تقنع بالأدلة أبدًا، بل بضروب
التوكيد، ويتوقف سلطان هذا التوكيد على نفوذ الشخص الذي يَصْدُرُ عنه.
وإذا ما وفِّق الرسل لإقناع عدد قليل من الأشياع فكثر عددهم بذلك أخذ المبدأ يدخل
مِنْطَقَةَ الجَدَلِ، فيثير المبدأ في بدء الأمر اعتراضًا عامٍّا لما يَصْدِمُه من أمور كثيرة قديمة
مقرَّرة بحكم الضرورة، ومن الطبيعي أن يثير هذا الاعتراض مَن يدافع عن المبدأ من
الرسل فلا يُسفر عن غير اقتناع هؤلاء الرسل بأفضليتهم على بقية الناس، فيناضلون
عن المبدأ الجديد بحماسة؛ لا لأن هذا المبدأ صواب، وهم في الغالب لا يعرفون عنه شيئًا،
بل لأنهم اعتنقوه فقط، وهنالك يغدو المبدأ الجديد موضع مناظرة مشتدة؛ أي إنه يُنتحل
بالحقيقة جملة واحدة من قِبَل فريق، ويُرفض جملة واحدة من قبل فريق آخر، وكلا
الفريقين يتبادل النفي والتوكيد، وهما قلما يتبادلان البراهين؛ وذلك لأن أسباب قبول
المبدأ الواحد أو رفضه ترجع لدى معظم الناس إلى المشاعر، والمشاعر لا يؤثَّر فيها
بالمعقول أبدًا.
وينمو المبدأ رويدًا رويدًا بفعل تلك المجادلات المحتدِمة على الدوام، وتميل الناشئة
الجديدة التي تجده مناقَشًا فيه إلى اعتناقه؛ لأنه نوقش فيه، والناشئة، وهي ولُوع
بالاستقلال في كل وقت، تتصف اتصافًا كليٍّا بمعارضتها دفعة واحدة للمبادئ التي سار
الناس عليها.
والمبدأ يداوم، إذن، على النمو، والمبدأ لا يُعتِّم أن يستغني عن أية دعامة كانت،
والمبدأ ينتشر إذ ذاك بفعل التقليد من طريق العدوى، والتقليد هو المَلَكة التي يتصف
بها الناس إلى أبعد درجة على العموم كما تتصف بها القردة الكبيرة التي يذهب العلم
الحديث إلى أنها أجداد الناس.
وإذا ما تناول المبدأَ عاملُ العدوى فأخذ ينتشر دَخَلَ الدورَ المؤدي إلى النجاح بحكم
الضرورة، ولَسُرْعَان ما يقبله الرأي العام، وهنالك يكتسب قوةً نفَّاذةً دقيقة ينتشر بها
في جميع الأدمغة بالتدريج محدِثًا جوٍّا خاصٍّا، وإن شئت فقل نمطًا عامٍّا للتفكير، وهو