فهرس الكتاب

الصفحة 80 من 86

الآثار التي أوجبت عظمتها، ولكن رومة كانت قد خسرت العنصرالأساسي الذي لا يقوم

مقامه أي نمو في الذكاء، كانت قد خسرت الأخلاق. 1 وكان لدى الرومان الأولين احتياجاتٌ

ضعيفة جدٍّا، وكان لديهم مثلٌ عالٍ قوي جدٍّا، وكان هذا المثل الأعلى الذي هو عظمة رومة

يستولي على النفوس فيستعد كل روماني للتضحية بأسرته وثروته وحياته في سبيله،

ولمَّا أضحت رومة قطب العالم وأغنى مدن الدنيا قصدها الغرباء من كل صوب وحدب،

فنالوا حقوق الروماني منها في نهاية الأمر، ولم تَمِلْ نفوس هؤلاء الغرباء إلى غير التمتع

بترف رومة فلم يبالوا بمجدها إلا قليلًا، وهنالك غدت رومة فندقًا واسعًا، وهنالك عادت

رومة لا تكون رومة، وهي، وإن لاحت ذاتَ حياةٍ إذ ذاك، لم تكن إلا ميِّتةً منذ زمن

طويل.

وعللُ انحطاطٍ كتلك تهدد حضاراتنا الرفيعة، وإلى تلك العلل تضاف عللٌ أخرى

صادرةٌ عن تطور النفوس بفعل الاكتشافات العلمية الحديثة، والعلم قد جدد مبادئنا

ونزع كل سلطان من مبادئنا الدينية والاجتماعية، والعلم قد أثبت للإنسان مكانه

الضعيف في العالم وعدم اكتراث الطبيعة المطلق له. والإنسان قد رأى أن الذي يسميه

حرية ليس إلا جهلًا بالعلل التي تستعبده، وأن من مقتضى طبيعته أن يُستعبد في شبكة

من الضرورات، والإنسان قد أبصرأن الطبيعة تجهل ما نسميه بالرحمة، وأن كل تقدُّمٍ

نشأ عن الطبيعة تم بانتخاب شديد مؤدٍّ بلا انقطاع إلى سحق الضعفاء في سبيل الأقوياء.

وأوجبت جميع تلك المبادئ الجامدة الشديدة، المناقضة لما تقوله المعتقدات القديمة

التي فتنت آباءنا، حدوث مصادمات مزعجة في النفوس، وأحدثت في بعض الأدمغة

العادية من فوضى المبادئ ما يظهر أنه آية الإنسان في هذا الزمان، وأدَّت تلك المصادمات

في الشبيبة المتفننة والمثقفة إلى ضربٍ من عدم المبالاة القاتمة الهادمة لكل عزيمة، وإلى

عجز تام عن الولوع بأية قضية، وإلى عبادة مباشرة شخصية للمآرب دون سواها.

وفسَّر أحد وزراء المعارف العامة ملاحظةَ أحد الكتاب المعاصرين الصائبة القائلة:

فصرَّح مسرورًا في خطبة له جاء، «إن الحس النسبي يهيمن على الفكر في هذا العصر»

إن استبدال المبادئ النسبية بالمبادئ المجردة في مختلف المعارف البشرية هو أعظم»: فيها

ونحن نقول: إن هذا الفتح الذي أعُْلِنَتْ جِدَّتُه هو قديم في الحقيقة؛ فقد «. فوز تم للعلم

أتَمَّته فلسفة الهند منذ قرون طويلة، ولا نرى ما يقتضي التهنئة على ذُيُوعه في الوقت

الحاضر، فالخطر الحقيقي على المجتمعات الحديثة ينجم عن فقد الناس لكل ثقة بقيمة

المبادئ التي تقوم عليها، ولا أعلم منذ بدء العالم أن أي تمدن أو أي نظام أو أي معتقد

وُفِّق للبقاء مستندًا إلى مبادئ ليس لها غير قيمة نسبية، وإذا لاح أن المستقبل لتلك

المبادئ الاشتراكية التي يرفضها العقل؛ فذلك لأن هذه المبادئ وحدها هي التي يتكلم

الرسل عنها باسم الحقائق المطلقة، وتُقبِل الجماعات، دائمًا، على أولئك الذين يحدِّثونها

عن الحقائق المطلقة، وتحتقر الجماعات ما سواها في كل وقت.

وعلى من يود أن يكون من رجال الدولة أن يعلم كيف ينفُذُ روحَ الجماعة ويدرك

أحلامها ويترك المجردات الفلسفية، والأمور لا تتغير أبدًا، وما يُصنع من المبادئ عنها هو

الذي قد يتغير كثيرًا، وفي هذه المبادئ يجب أن يُعرف كيف يؤثَّر.

ولا ريب في أننا لا نعلم من العالَم الحقيقي سوى الظواهر، سوى أحوال وجدانية

ذات قيمة نسبية كما هو واضح، بيد أننا إذا نظرنا إلى الأمر من الوجهة الاجتماعية

أبصرنا للجيل المعيَّن أو للمجتمع المعيَّن من أحوال العيش ومن سنن الأخلاق ومن النُّظم

ما هو ذو قيمة مطلقة ما دام ذلك المجتمع لا يقدر على البقاء بغيره، وإذا ما غدت قيمة

هذه المقوِّمات موضع جدل، وإذا ما ساور الشك النفوس، قُضيعلى المجتمع بالهلاك.

هذه حقائق يمكن أن تُعلَّم بإقدام، ولا تجد علمًا يقدر على إنكارها، ولا تؤدي

مخالفتها إلا إلى نتائج مضرةٍ، وما يبثُّه اليوم بعضُذوي الرأي من العدمية الفلسفية في

أناسٍ من ضعاف النفوس يجعل هؤلاء يستنبطون من فورهم كون نظامنا الاجتماعي

ذا جَوْرٍ مطلق، وكونَ جميع المراتب مخالفة للصواب، ويوحي إليهم بحقد على الأمور

الحاضرة، ويقودهم إلى الاشتراكية والفوضى توٍّا.

ورجال الدولة المعاصرون شديدو الاعتقاد بتأثير النُّظم، ضعيفو الإيمان بتأثير

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت