فهرس الكتاب

الصفحة 101 من 145

المناقضة للطبائع والعادات المتأصلة.

لندع تلك البلاد النائية ولننظر إلى بلاد الجزائر التي هي أهم مستعمراتنا، حينئذ

نرى أغلبية سياستنا متفقة على حملها على التفرنس بواسطة التربية، نعم إن أهل

الجزائر يختلفون عن أهل الهند عرقًا، ولكن هل التجارب التي أتينا بها في الجزائر مما

يجعلنا نأمل أن ننال فيها نتائج أفضل من التي نالها الإنكليز في إمبراطوريتهم الهندية؟

يصعب أن نحقق بالتجربة قيمة تأثير تربيتا في مسلمي الجزائر؛ لأنهم لا يؤمون

مدارسنا أبدًا ومع أن دائرة اختبار الأمر ضيقة يكفي ما عثرنا عليه لإعطاء حكم فيه،

فإليك ما رواه الموسيو (پول دوما) في كتابه «فرنسيس أفريقية» :

أيام ضربت المجامعة أطنابها سنة 1868 في بلاد الجزائر، رأى مطران الجزائر

الموسيو (لافيجيري) أن الفرصة حانت لتطبيق أسلوبه في التبشير، فجمع عددًا

كبيرًا من صبيان الجزائر المتروكين لإطعامهم وتربيتهم، وقد نلنا من هذا

العمل الخيري درسًا محزنًا مفيدًا في آن واحد، فلما عدت منذ مدة قريبة من

مدينة الجزائر إلى مدينة قسطنطين صادفت في القطار قسيسًا وجيهًا فكلمته

في أحوال الجزائر فرأيته قانطًا من إصلاح العنصر العربي التعس، وقد دعم

ادِّعاءه بذكر مسألة أيتام الموسيو (لافيجيري) حيث قال: «لقد جمع ذلك

المطران أربعة آلاف صبي، فعادوا إلى الدين الإسلامي ما عدا مئة منهم ظلوا

نصارى، ولهؤلاء أسوأ سمعة في الجزائر، فقد اضطر كرام المستعمرين الذين

استخدموهم إلى التخلص منهم بسرعة لاتصافهم بالاختلاس والخمول وإدمان

المسكرات، ثم خطر على البال أمر زواجهم فأحلوا قرى خاصة وأقطعوا أطيانًا

وجهزوا بأحسن جهاز، وقد أتوا بعد ذلك كله بأفظع الأعمال، ففي سنة 1880

قتلوا في إحدى تلك القرى قسيسهم، فتأمل!

إن هذه التجربة التي يعرفها سكان الجزائر من التجارب البارزة، فلقد طبقت على

أربعة آلاف صبي وضعوا في أحوال ملائمة للتأثير فيهم بتربيتنا، أي في بيئة بعيدة من

نفوذ آبائهم، وسواء أكانت التربية بمزاولة كتب المدارس أم كانت بالاختلاط، فإنها لا

تؤدي إلا إلى مثل تلك النتائج، فما من تربية تقدر على قهر النفوس أكثر من نظام

الجندية، ولا شيء عندنا نستطيع به أن ندغم العرب في الفرنسيس أحسن من جمع

الفريقين في كتائب واحدة، وقد جربنا ذلك فعلًا فجندنا العرب في كتائب الجزائر

وجعلناهم تحت إمرة ضباط فرنسويين، فهل تفرنسوا بعد هذا الاختلاط المديد؟ كلا،

وإنا مع اعترافنا بأنهم جند بسلاء نراهم يتخلصون من الطلاء الأوربي الضعيف دفعة

واحدة بعد أن يخلعوا اللباس الرسمي عنهم.

قال ذلك المؤلف: «بعد أن نسرح الجندي الجزائري يلبس برنسه، ويرجع إلى حوائه

أو قريته ويقبل على أكل المفتول (الكسكسو) ويتزوج ما يطيب له من النساء مؤمنًا

بأن لله واحد وأن محمدًا رسوله وأن النصارى كلاب أبناء كلاب وأن المرأة من الدواب،

فالجزائري أقل الناس تفرنسًا، وإذا اقتبس منا شيئًا فنقائصنا ولا سيما نقيصة معاقرة

الخمرة.»

لم أتفرد بالرأي القائل باستحالة صب الحضارة الأوربية في قلوب عرب الجزائر

بواسطة تربيتنا، فلقد قاله جميع الذين بحثوا عن أمور الجزائر بحثًا بعيدًا من المنافع

الشخصية. وليس رأي متعلمي العرب غير ذلك في الموضوع، فما خاطبت مسلمًا في أي

قطر من أقطار المسلمين الممتدة من مراكش حتى قلب آسيا إلا رأيته على ذلك الرأي،

فكل منهم يقول إن تربيتنا تجعل المسلمين شديدي العداوة للأوربيين الذين ينظرون

إليهم قبل نيلها بعدم المبالاة والاكتراث، وقد أكد لي جميع متعلمي العرب الذين أخذت

رأيهم في الأمر أن تربيتنا لا تؤدي إلى غير إفساد أبناء وطنهم وخلق احتياجات جديدة

لهم دون أن تمن عليهم بما يقضونها، أي لا تؤدي إلى غير مقتهم سوء طالعهم وجعلهم

عصاة متمردين، ومما يتعلمونه في مدارسنا كون المسافة التي تفصلنا عنهم كبيرة، وأنه

لا شيء أشد عارًا على الأمة من أن ترضى بسيطرة الأجنبي عليها من دون أن تثور في

وجهه ثورة عنيفة، ولا ريب في أنه إذا أصبحت التربية شاملة في مستعمراتنا الأفريقية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت