فرنجية وينتمي إلى نادٍ وطني ويستعمل السيغار ويطالع الصحف، بيد أنه لا يمضي
عليه زمن قصير حتى يرى نفسه سيئ الطالع من قلة ذلك المبلغ الطفيف، وإن كان
يكفي لمعيشة عائلتين هنديتين محافظتين على العادات الهندية.
والمقايسة بين حاجات العربي الجزائري وبين حاجات المستعمر الأوربي تكفي
لإثبات درجة التباين في رغائب شعبين متفاوتين في سلم الحضارة، فأما العربي الجزائري
فرغباته تتجلى في مؤونة قليلة من الحبوب تكفيه لطبخ أكلة المفتول (الكسكسو) ، وفي
شيء من الماء الخالص وخيمة وبرنس، وأما المستعمر الأوربي - ولو كان من الطبقة
الدنيا - فذو احتياجات معقدة، فهو يحتاج إلى بيت ولحم وخمر وكثير من الثياب، أي
إلى جميع ما تعوده في البيئة الأوربية.
نستخرج من تلك الأمور الكثيرة التي تشاهد في كل مكان الناموس النفسي الآتي:
وهو أن تطبيق التربية الأوربية على أبناء المستعمرات يجعلهم بائسين فهو يلزمهم مبادئ
جديدة، وطريقة عيش رفيعة من غير أن يمن عيهم بوسائل التمتع بها، ومعنى هذا أنه
يمحو وصايا ماضيهم الموروثة ملقيًا إياهم في قلق وبلبلة بال أمام الحال.
وهل تقربنا نظمنا وتربيتنا من الشرقيين الذين تفصلهم عنا هوة سحيقة؟ الأمثلة
التي أوردناها لا تجعلنا نأمل ذلك، وقد جاءت النظريات فدعمت تلك الأمثلة عندما دلتنا
على أن أصعب شيء على الأمة هو أن تبدل مشاعرها الموروثة، وبالمشاعر الموروثة يختلف
الشرق عن الغرب اختلافًا تامٍّا.
ولما أثرت في تلك المشاعر القومية نظم واحدة ومعتقدات واحدة تأثيرًا استمر قرونًا
كثيرة، أصبح لا سلطان للتربية عليها، ثم إن المشاعر عنوان ماضي الأمة ونتيجة تجارب
عدد كبير من الأجيال وعنوان عوامل السير الإرثية. وهي ذات سيطرة عظيمة؛ لأن روح
الأمة مؤلفة منها.
ولتلك الأخلاق القومية التي لا يجهلها أحد شأن كبير في التاريخ، فالرومان استولوا
على بلاد اليونان والإنكليز يحكمون الهند في هذه السنين بأخلاقهم القومية الراقية،
وبصبرهم ونشاطهم أكثر مما بسمو ذكائهم، وما من تربية تستطيع أن تردع بعض
الأقوام كالزنوج مثلًا عن الاندفاع وعدم التبصر والعجز عن الاستمرار في السير والجهود.
وإذا نظرنا إلى التعليم كفن لاستظهار عدد من النظريات المدرسية، نرى الشعوب
التي ينعتها تاريخ الإنسان الطبيعي بالشعوب المتأخرة كالزنوج مثلًا تستطيع أن
تكتسب تربية كالأوربيين، فلقد قص أحد أساتذة الجامعة الموسيو (هيبو) عند عودته
من أميركا أنه رأى فيها ناشئة الزنوج تستظهر أدلة هندسية، وتترجم مختارات من
كتب (توسيديد) ترجمة متقنة، ثم قال»: لا شيء أدل على أن الزنوج والبيض أبناء رب
واحد، وأن الطبيعة لم تفرق بين الفريقين من ذلك الأمر «.
ولا أدري هل الزنوج والبيض أبناء رب واحد أو لا، وإنما الذي أعلمه أن الأستاذ
المذكور ران على قلبه الوهم كما ران على قلوب كثير ممن يهتمون بأمر تهذيب الشعوب
المتأخرة كالمبشرين مثلًا، أقول إنه ران على قلوبهم للسبب الآتي وهو: إن التعليم في
المدارس يقوم على استظهار المباحث العلمية، وكل شيء يملأ الذاكرة، فإذا أخذ ذكاء المرء
في النمو قدر على الانتفاع بتلك المحفوظات، ويكون الانتفاع بها على نسبة قابليته العقلية
والخلقية الموروثة التي هي بالحقيقة خلاصة ما اكتسبه شعبه في غضون القرون،
واختلاف القابليات هو سر تفاوت الشعوب، ولا تقدر أية تربية على إزالة هذا التفاوت.
ينجح ابن الشعب المتأخر في المدرسة كما ينجح الأوربي، وليس لذلك علة سوى أن
الدروس المدرسية دروس استظهار جديرة بأدمغة الصبيان، وأن التفاوت الذهني بين
الشعوب لا يبدو قبل سن الرشد، وبهذا نود أن نقول إن الصبي الأوربي يفقد كلما تقدم
في السن عقله الصبياني مع أن عقل ابن الشعب المتأخر يقف بحكم نواميس الوراثة عند
بعض الحدود وقوفًا يمنعه من الانتفاع بما اكتسبه في المدرسة، وإن كنتم في ريب من
ذلك فتعقبوا البيض والزنوج الذين كانوا متساوين في عهد دراستهم لتروا الفروق التي
تفصل بين العرقين في معترك الحياة.
أكرر قولي إن النتيجة النهائية للتربية الأوربية هي أنها تفسد صفات الزنوج والعرب