فهرس الكتاب

الصفحة 108 من 145

والهنود الموروثة من غير أن تمنحهم صفات الأوربيين، نعم قد ينالون في بعض الأحيان

بصيصًا من المبادئ الأوربية إلا أنهم لا ينتفعون به إلا بعد أن ينظروا إليه من خلال

تأملات شعوبهم المتأخرة ومشاعرها، وهكذا يتقاذفهم متباين الأفكار ومتناقض المبادئ

الخلقية، وتتجاذبهم مصادفات الحياة دون أن يقدروا على تذليل واحدة منها، وهم

يستمرون على هذه الحال حتى لا يكون لهم دليل غير اندفاعات الزمن.

إذًا لا يخدعنَّك الطلاء الضعيف الذي يكتسبه ابن المستعمرات من تربيتنا الأوربية،

فهذا الطلاء يشبه ثياب الممثلين التي يلبسونها في المسارح، والتي يستحب أن لا ينظر

إليها من قريب، وقد حادثت أكثر من مئة مرة متعلمي الهند الذين تخرجوا على المدارس

الإنكليزية الهندية أو على الجامعات في أوربا فشاهدت أن المسافة بين أفكارنا وأفكارهم

ومنطقنا ومنطقهم عظيمة جدٍّا.

وهل يعني ذلك أن الشعوب المتأخرة لن تصل إلى مستوى الحضارة الأوربية؟ لا

ريب في أنها ستصل إليه في أحد الأيام، ولكن هذا الوصول لا يتيسر لها إلا بعد أن تمر

بالتدريج - لا بالطفرة - من جميع المراحل التي تفصلها عنه، فأجدادنا أيضًا عانوا

طور الهمجية، وقد تطلب خروجهم منه وانتفاعهم بكنوز الحضارة القديمة مساعيَ

استمرت ألف سنة على وجه التقريب، وليس أمر التبدلات التي أدخلوها في عناصر تلك

الحضارة، أي في لغتها وأناظيمها وفنونها ليلتئموا بها بالأمر المجهول، فكأن حضارة

رفيعة كتلك كانت لا تناسب عقولهم المتأخرة كما أن حضارتنا لا تلائم عقول الشعوب

المتأخرة في الوقت الحاضر.

سنن التطور الاجتماعي واجبة وجوب نواميس ذوات الحياة، فالبزرة لا تصير

شجرة والطفل لا يصبح رجلًا، والحضارات لا تضحَى رفيعة إلا بعد أن تنالها يد النمو

التدريجي غير المحسوس، وليس من المتعذر أن نعكر على الأمم أمر تطورها بما نأتي به

من عنف، كما أننا نقدر على الوقوف حيال نمو البزرة بكسرها إلا أننا لا نستطيع أن

نبدل سنن ذلك التطور.

نعبر بالكلمة الآتية عن أحد الأسباب في عجزنا عن إلزام الأمم المتأخرة حضارتنا وهي:

إن هذه الحضارة معقدة جدٍّا بالنسبة إلى تلك الأمم، فالأنظمة والمعتقدات والتربية التي

تقدر على التأثير في مزاجها النفسي هي التي لا تقلب طرق معايشها رأسًا على عقب،

وبهذا نفسر تأثير المسلمين في الشرق، فالأمم التي استولى عليها المسلمون هي في الغالب

أمم شرقية ذات مشاعر وحاجات وعادات مثل ما عندهم، أي ليس عليها أن تقاسي كثيرًا

في اتخاذ عناصر الحضارة الإسلامية كما عليها أن تقاسيه في اعتناق حضارتنا الغربية

المعقدة.

ظن المؤرخون بعزوهم تفوق المسلمين الذهني والمادي في العالم إلى قوتهم المادية

أنهم أصابوا كبد الحقيقة، فيرد عليهم بأن الحضارة الإسلامية استمرت على الانتشار

زمنًا طويلًا بعد زوال سلطان المسلمين، وبأن عدد المؤمنين بالقرآن بلغ في الصين عشرين

مليونًا مع أنه لم يكن للمسلمين هيمنة على تلك البلاد في وقت من الأوقات، وبأن عدد

مسلمي الهند صار خمسين مليونًا، أي أكثر منه أيام دولة المغول، ولا يزال عدد المؤمنين

بالإسلام يزيد زيادة مطردة، فالعرب بعد الرومان هم الأمة الوحيدة التي استطاعت أن

تمدن مختلف الشعوب، وأن تجعلها ترضى بكل عنصر من عناصر حضارتها، أي بدينها

ونظمها وفنونها، وهم بدلًا من أن يتقلَّص نفوذهم بعد الذي طرأ على كيانهم السياسي

تراه أكثر من ذي قبل ويبلغ مبلغًا لم يتفق لهم أيام دولتهم العظيمة النضرة، وعلة ذلك

أن القرآن والمبادئ التي تستنبط منه يلائم احتياجات الأمم المبتدئة لبساطته.

يبذر المسلمون أينما مروا وحلوا ولو بصفتهم تجارًا أنظمتهم ومعتقداتهم، وكلما

أمعن السياح في ارتياد مجاهل إفريقية شاهدوا قبائل تنشر تعاليم الإسلام، فالمسلمون

يُمَدِّنُونَ شعوب إفريقية جهدهم، ويبسطون سلطانهم الأدبي عليها، وأما الأوربيون الذين

يجوبون الشرق سواء كفاتحين أم كتجار لا يتركون فيه أثرًا لنفوذهم الأدبي.

والخلاصة أن الأوربيين لا يقدرون على التأثير بتربيتهم وأنظمتهم ومعتقداتهم الدينية في

الشرقيين بسرعة، ولا يُعترض عليَّ بتاريخ اليابان الحديث، فلما كان مجال هذا الكتاب لا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت