يتسع لتفصيل أمر أمة بلغت درجة رفيعة في سلم الحضارة أكتفي بالبيان الآتي وهو:
إن الياباني بإقباله دفعة واحدة على مبتكرات الوقت الحاضر لم يغيِّر قوانينه الأساسية
ومعتقداته وأخلاقه، فمَثَلُهُ كمثل الأمير الإقطاعي الذي نزل إلى معترك الحياة، فتعلم
سَوْقَ القاطرات واستعمال المدافع دون أن يغير مزاجه العقلي، غير أن ما تيسر للياباني
من تغيير سطحي في حياته الخارجية حجب عن أعين الأوربي ثبات حياته الباطنية.
ومهما كان الأمر لم تكن البلاد التي نود استعمارها وقت افتتاحنا لها ذات حضارة
كحضارة اليابان السابقة؛ ولذا نقول إن آمالنا في إدغام أي شعب أو حمله على التَّفَرْنُسِ
عبارة عن أوهام خطرة، فلنترك لأبناء المستعمرات عاداتهم ونظمهم وقوانينهم غير
ساعين في إلزامهم نظامنا الإداري المعقَّد، ولنكتفِ بالوصاية عليهم، ويجب للوصول إلى
هذا الغرض أن نقلل عدد موظفينا في المستعمرات، وأن نطالب ما يبقى منهم بدرس
طبائع أبناء المستعمرات وعاداتهم ولغتهم درسًا دقيقًا، وأن نجعلهم في حال يقدِرون
بها على اكتساب ما يلزمهم من النفوذ.
اكتفيت بإيجاز مبادئ الإصلاح المذكورة لاعتقادي أن تفصيلها لا يجدي نفعًا،
فالرأي العام لا ينال إلا بعد زمن طويل، وبما أنه يتألف من المبادئ السياسية الحاضرة
المناقضة للمبادئ المذكورة جريان للرأي العام يصعب اقتحامها، والمشاعر لكونها تملي
علينا سياسة الإدغام التي نخسر في سبيل تطبيقها كثيرًا من المال والرجال لا تأثير
للمنطق العقلي في هذه السياسة، ولا يتم النصر للمنطق العقلي إلا بعد عدد كبير من
التجارب، فالمصائب وحدها هي التي تقدر على تنوير بصائر الناس المفعمة قلوبهم
بالأوهام.
وإنا لنورد - والحزن يملأ قلوبنا - هذه الأسئلة وهي: هل من الصحيح أن نثابر
على ضلالنا الخطر لتحقيق أحلام وهمية كالمعتقدات الدينية التي سفك أجدادنا من
أجلها كثيرًا من دمائهم؟ وهل مما يقبله العقل أن يكون بين رجالنا السياسيين أناس
يعتقدون صحة رسالتنا لمنح الشعوب أنواع السعادة على رغمها؟ وهل من الصواب أن
يرى كثير من علماء الاقتصاد إمكان تحويل مزاج الشعوب النفسي- كمزاج العرب مثلًا
-بتغيير نظامهم العائلي وإلغاء المشاع في قراهم ومدنهم؟
فلنفكر قليلًا فيما جرَّته مبادئنا في الإنسانية علينا من الويلات، فباسمها أهرقنا
كثيرًا من دمائنا لتحرير الشعوب التي أصبحت اليوم عدوة لنا، وباسمها نود حمل أمم
مطمئنة آمنة على التفرنس، وهل نلنا من جراء ذلك غير أحقاد مختلف الشعوب علينا
ومناصبتها إيانا العداء؟
يستولي دهش كبير على السائح الفرنسوي الذي يترك مستعمراتنا ليسيح في
المستعمرات الأوربية الأخرى حيث لا تطبق سياسة كسياستنا في مستعمراتنا، إذ يرى
الإنكليز يديرون مستعمرة الهند التي يسكنها 250 مليونًا من البشر بألف موظف
إنكليزي وجنود لا يربي عددهم على ستين ألفًا ويراهم يفتحون في الهند ترعًا ويسترونها
بالسكك الحديدية وغيرها من الأعمال دون أن يطالبوا إنكلترة بدانق واحد، نعم إن
تلك الملايين من الهنود لا تعرف نظام الانتخابات العامة، ولا عهد لها بالمجالس العامة
وبأنظمتنا المعقدة، وليس لها في برلمان بريطانيا نواب يمثلونها، إلا أنها تدير نفسها
بنفسها حسب عاداتها القديمة وتحت وصاية عدد قليل من موظفي الإنكليز الذين لا
يتدخلون في شؤونها جهدهم.
وهل هؤلاء الهنود أكثر تعاسة من أبناء مستعمراتنا الذين ندير أمورهم على يد
جحفل من الموظفين حسب قوانيننا وعاداتنا التي لم تسن لأجلهم؟ ليزر من يعتقد ذلك
قرانا القليلة في الهند كي يرى أنه يديرها مئات من الموظفين الفرنسويين الذين لا هم
لهم سوى قلب النظم الهندية القديمة رأسًا على عقب، وأنه نشأ عن تطبيق أنظمتنا
عليها قيام الفوضى والحروب الأهلية مقام السلم فيها، ثم ليذهب إلى بلاد الهند ليرى
أول وهلة أن الهندي ينظر إلى أسياده الإنكليز بعين التعظيم وأن الموظف الإنكليزي قلما
يتدخل في أمور الهنود العامة والخاصة، وأنه يحترم أنظمتهم وعاداتهم وأخلاقهم ممتعًا
إياهم بحرية حقيقية لا وهمية كالتي يتمتع بها أبناء مستعمراتنا، ولو كنت قادرًا على