العلامات السيئة لا محالة نائل بعد مرور خمس وأربعين سنة راتب 4400 فرنك إذا كان
مستخدمًا في قلم ثابت و 5500 فرنك إذا كان متنقلًا، ولا يقل راتب تقاعد الموظفين عن
ثلثي راتبهم أيام قيامهم بأمور وظائفهم، ويتقدم أولو الكفاءة كل ثلاثة سنوات، ويتأخر
تقدم الذين أقل منهم أهلية ثلاثة أشهر، وقد انتقدت الصحف أيام نشرت تعليمات تقدم
الموظفين تساهل الإدارة في ترقيتهم بحسب القدم مهما ساءت علاماتهم.
إذًا ما هي علة ذلك الاعتصاب؟ علته نوبة زهو في زمرة من الموظفين الشاعرين
أن الوزراء «بقدرتهم التي أغمضت الحكومة عن اكتسابهم لها، جاء في جريدة الطان
ومستشاريهم الذين قبضوا على أعنة الحكم منذ اثنتي عشرة سنة ساروا على سياسة
استعطاف مرؤوسيهم، فأصغوا إلى جميع مطاليبهم واعتبروها سهلة التنفيذ غافلين عن
القالب الذي أفرغت فيه.»
والسلطة كانت تتملق بتذلل وكلاء جميع الموظفين، «فقد ثبت أن رئيسها كان
يتغدى في كل أسبوع مع مستشار الدولة الذي كان يأخذ رأيه في جدول ترقي الموظفين
وتعيين المديرين.»
وعلى أثر مناقشة وقعت توترت العلائق بين الطرفين فجأة بسبب عدم كفاية الميزانية
لتلبية المطاليب الزائدة، ونظرًا لتعود أولئك الوكلاء أن يخاطبوا الرؤساء مخاطبة الآمر
الناهي استشاطوا غيظًا من مقاومتهم لهم، وأخذوا يهددونهم، ومن البديهي أن يقع
الخصام بينهم عندما ترفض السلطة الرخوة مطاليبهم أول مرة.
وقع الخصام على الوجه الآتي:
لما رجع وفد رجال البريد في 13 مارس من غير أن ينال من الوزير مطلوبه القائل
بعدم الترقية على الخيار ذهب إلى دائرة البرق المركزية صاخبًا ناشرًا عدم النظام، وفي
اليوم الثاني من ذلك التاريخ اجتمع موظفو البريد والبرق في (تيفولي فوهال) ، فقرروا
الاعتصاب باتفاق الآراء.
وماذا حدث بعد ذلك؟ بعد أن قاومت الحكومة مقاومة ضعيفة استمرت بضعة
أيام، ألقت السلاح على رغم تأييد مجلس النواب إياها راكبة ظهر الخزي والعار، وقد
علم مفوض رجال البريد كيف يصف هزيمة الحكومة لزملائه - الذين تغلبت الحماسة
عليهم - بالعبارة الآتية وهي:
وقتما رأيت ولاة الأمور في غرفة رئيس الوزراء، يلتمسون ختام الخصام وهم
جاثون على ركبهم شعرت بأننا أقوياء حازمون.
ولم يحتجِ المعتصبون إلى كبير زمن ليستنبطوا نتائج ظفرهم، فقد أشار إليها أحد
مفوضيهم في قوله»:إننا باعتصابنا علمنا قيمة كلمة سيد، فليس في نظرنا من هو سيد
بعد، ولن نكون مرؤوسين في المستقبل، فكلنا معاونون «.
نحن السادة، وقد أثبتنا ذلك وسنثبته»: هذا المفوض متواضع في كلامه، ولو قال
لكان كلامه أقرب إلى الواقع والصواب. «فيما بعد
وأي زاجر أدبي يستطيع اليوم أن يكبح جماح موظفين يعلمون أنه ليس عليهم إلا
أن يأتوا بضروب الوعيد والتهديد لينالوا مطاليبهم؟ وكل في هذه الأوقات يزيد مطاليبه
ويبالغ في رغائبه، وما شذت شرط المدن عن هؤلاء قط.
ويظهر أن رئيس منتسبي النقابات (ب) عالم بأحوال الناس النفسية علمًا عمليٍّا،
فقد استنبط من ذلك الاعتصاب المحزن درسًا كبيرًا، فقال»: اقترف ولاة الأمور سيئة
عظيمة بجعلهم المأمورين يشعرون بما كان لا يخطر ببالهم من قوة كامنة فيهم «، ولا
يجهل (ب) قيمة النظام، فهو يعرف كيف يطاع من الموظفين الذين لا تؤثر الحكومة
فيهم، وقد صرح على رؤوس الأشهاد أنه لو أمر برمي جميع موظفي البريد في القدور
لنفذ أمره حالًا.
وقد لاحظت صحف الاشتراكيين نتائج نجاح ذلك الاعتصاب أيضًا، فإليك ما جاء في
أهمها»:يمكن الصعاليك أن يشعروا من الآن بقوتهم الناشئة عن كون وسائل المخابرات
البريدية والبرقية والتلفونية بأيديهم لا في اعتصاب كالاعتصاب الحاضر الذي يعني
مطاليب خاصة أو عزل مستشار في الوزارة، بل في تنازع عام يحدث لتحريرهم «.