فهرس الكتاب

الصفحة 64 من 145

ومتى سلك سبيل منح الامتيازات المنحدر عن جبن وجب التدرج إلى أسفل نقطة

فيه، وهذا ما يقع؛ فلقد أشارت الصحف إلى كبيرة يكاد العقل لا يصدقها، وهي أن

مجلس إدارة سكك الدولة الحديدية قرر أن يضم إليه أحد كاتمي أسرار جمعية اتحاد

العمال الثورية الذي لم يكتم عزمه على تقويض دعائم المجتمع بعنف، وبهذا ترى ماذا

يكون مصير رؤساء لا يتكلون على غير رحمة مرؤوسيهم.

ومع أن نجاح عصاة الموظفين موقت نرى له نتائج بعيدة المدى، وإني لا أبحث

هنا في غير أقربها: نكاد نشاهد استفحال الفوضى العامة التي أبصرنا وقوعها منذ زمن

طويل، وعلى ما في سقوط مالية الدولة ومصالحها العامة من بطء لا بد من تمام هذا

السقوط، والذي يتداعى اليوم تداعيًا ظاهرًا هو المقومات الأدبية، أي أركان المجتمع، وأمر

مثل هذا لا يكون ابن يومه، فلم يقصر زعماء الأحزاب ورجال السياسة منذ كثير من

السنين في إفعام قلوب الناخبين بوعود لا تتحق وفي امتداح أحط غرائزهم لنيل أصواتهم

في المعارك الانتخابية.

وهكذا أصبح أعضاء اللجان الانتخابية ومعلمو المدارس الابتدائية وأصحاب الحانات

سادتنا الحقيقيين، وأي مثل أعلى ينشأ عن ذلك؟ ينشأ عنه قضاء تدريجي على سلسلة

المراتب والنظام والإخلاص للمصلحة العامة.

إذًا الفوضى التي نشاهد حدوثها أمر لا مناص منه، وقد أوشك الوقت الذي تفيدنا

فيه عبر التاريخ أن ينقضي، ومنها أن الفوضى في جميع البلدان تؤدي إلى الحكم المطلق

الجائر، كما أدت إليه في روما وأثينا والجمهوريات الإيطالية.

لا ننكر أن ولاة الأمور بحثوا عن دواء لمعالجة الحالة التي نشأت عن اعتصاب موظفي

البريد، غير أنهم لما كانوا مشبعين من الوهم اللاتيني القائل إن القوانين قادرة على فعل كل

شيء رأوا أن يقاتلوا الفوضى بوضع الأنظمة، فأسرعت الحكومة في سن قانون في واجبات

الموظفين يجازي من يعتصب منهم، وبذلك دلت على بساطتها الداعية للاستغراب، وإلا

فهل من الرأي أن يقال بإمكان عزل عشرة آلاف موظف أو سجنهم عندما يعتصبون

دفعة واحدة؟ وها إن الحكومة هددتهم بالعزل في أثناء الاعتصاب الأخير، فماذا كان

تأثير التهديد فيهم؟ لم يؤثر قط.

ولم يكن هذا التدبير وحده هو الذي اقترح، فقد قيل في أثناء المناقشة التي دارت

في البرلمان آراء سخيفة أيضًا، أي إن نائبًا بسيط القلب ذكر مؤكدًا في مجلس النواب أن

الأمور تجري في مجاريها، والنظام يسود إذا حولت مصلحة البريد إلى وزارة!

ولا نرى بعد الاعتصاب الثاني غير دواء واحد لمعالجة الحالة، أي إن على الحكومة

أن تسير حسب ما رأته في اعتصاب عمال الكهرباء الذين شجع جبن مديريهم موظفي

البريد على الاعتصاب.

لا وسيلة للهرب متى تقابل الجيشان، فيجب على أحدهما أن يختار أحد الأمرين:

فإما أن يلقي السلاح ويقع أسيرًا وإما أن يحارب، فإذا وقع أسيرًا أصبح تحت رحمة

الغالب الذي يملي عليه شروطه، وإذا حارب فقد يتم له النصر وقد يغلب على أمره مع

إنقاذ شرفه.

إذًا القرار الشافي الذي كان واجبًا هو أن تعارك الحكومة المستندة إلى البرلمان جميع

القوى المتحالفة ضدها، نعم كان من الممكن أن ينضم إلى موظفي البريد عمال الكهرباء

ومستخدمو السكك الحديدية وغيرهم، وأن يقع شيء من الهوش في شوارع باريس التي

قد تصيبها المجاعة بضعة أيام، غير أنه لا بد من ظفر الحكومة في ذلك، وأما إلقاء

الحكومة السلاح بنذالة وخنوع فقد جعل العراك في المستقبل أمرًا محتمًا، ولا أحد يفهم

من ينال النصر فيه، فالجيش وإن كان يؤيد الحكومة في هذا الزمن قد لا يدعمها بعد

قليل من السنين.

وعلى ذلك من الضروري اجتياز فترة صعبة من الزمن لاجتناب فترات أكثر منها

حرجًا، وهنالك مبدآن متناقضان لا يكونان في آن واحد وهما: النظام والثورة ولقد عانت

الشعوب انقلابات كثيرة، ولكننا لا نتذكر أنها عاشت ولو مرة واحدة في دور ثوري

مستمر كالذي يظهر أننا داخلون فيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت