الصفحة 2 من 25

يوصف العالم الذي نعيش فيه"بالقرية الصغيرة"و"القرية العالمية"أو"شبكة الانترنت"التي كانت بالأمس القريب مجرد حلم إذ مكّن التطور المذهل في وسائل الاتصالات وتقنية المعلومات ملايير البشر من التواصل فيما بينهم على مدار الساعة لتبادل الرسائل و أنواع المعلومات و الوثائق و الصور، و التسوق بها.

الطفرة الهائلة التي جلبتها الثورة التقنية و شيوع استخدامها خلقت عالما جديدا لا يعترف بالحدود الجغرافية و السياسية للدول و لا بسيادتها، إلى درجة أنها تحولت إلى أداة لا يمكن الاستغناء عنها نظرا لسهولة و سرعة التواصل مع الغير، فلقد أحدث تحولا و تأثيرا في مصير البشرية، إذ يمكن الجزم أن الانترنت أهم متغير تكنولوجي، و اقتصادي و اجتماعي للعقد الأخير.

منذ انطلاق شبكة الانترنت مع نهاية الحرب البادرة شهدت تطورا كبيرا و سريعا إذ أصبحت نظام معلومات ضخمة منفتحة على العالم، تضم في أحشائها سيل من صفحات الويب في كل المجالات، نهيك عن وجود العديد من محركات البحث، محدثة بذلك ثورة في الممارسات و العادات و التقاليد، إذ تغلغلت هذه التكنولوجية في حياتنا اليومية، فاتحة آفاقا جديدة، مؤسسة لعلاقات اجتماعية بين الأفراد لا يجمعهم لا الدين و لا الأصل و لا اللغة بل هم مجموعة غرباء و أجانب في نقاط جغرافية متناثرة من هذا الكون.

ولقد ترتب عن هذه الثورة بروز وزيادة خطورة الجرائم العابرة للحدود وتعقيدها، سواء من حيث تسهيل الاتصال بين الجماعات الإجرامية وتنسيق عملياتها، أو من حيث ابتكار أساليب وطرق إجرامية متقدمة، فإذا كانت للانترنت الكثير من المزايا، فإن المجرمون وجدوا في هذه الوسيلة التكنولوجية ضالتهم لأنها طريقة آمنة للأعمال غير المشروعة، فتحولت خلال بضع سنوات إلى فضاء يعج بالآفات التي نصادفها في العالم الحقيقي ابتداء من الاحتيال والسرقة، إلى انتهاك الحياة الخاصة، مرورا بالتعدي على الحرمات بنشر المواد الإباحية،، وكذلك الاتجار بالمخدرات والبشر. تطرح الجريمة العابرة للحدود التي تستعمل الوسائل التكنولوجية الجديدة تحديات تكمن في صعوبة تصنيف النشاطات الإجرامية ضمن الجرائم التقليدية المنصوص عليها في التشريعات الجنائية الوطنية، و كذلك في ضعف وسائل الملاحقة القضائية الوطنية التي تعترضها مسائل التسليم و المحاكمة و تنازع الاختصاص الجنائي.

أهداف الدراسة:

تسعى هذه الدراسة إلى محاولة استكشاف وتحديد معالم ظاهرة الجريمة العابرة للأوطان التي تعتمد على استخدام الإمكانيات العلمية والتقنية واستغلال وسائل الاتصالات وشبكات المعلومات، وذلك من حيث تحديد مفهوم هذه الجريمة، وبيان أسبابها ودوافعها، وتحديد خصائصها وأهدافها، ومن ثم إبراز أهم مظاهرها وأشكالها، و التحديات التي تطرحها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت