الصفحة 3 من 25

واكب تسارع الأحداث السياسية الذي رافقه ثورة معلوماتية، و علمية و تكنولوجية هائلة منذ نهاية القرن 20، تحول حضاري و ثقافي دعمه انفتاح العالم على مصراعيه الخاضع لرياح العولمة [1] الهادفة إلى إنشاء مجتمع تختفي فيه الحدود الجغرافية بتشجيع حرية تنقل الأشخاص، و المعلومات و الأفكار و البضائع [2] ، فضلا عن التدفق الإعلامي التلفزيوني الآتي من الأقمار الصناعية، و التكنولوجيا المعلومات و شبكتها الرقمية التي حصرت العالم في"قٌرية كونية صغيرة". طبيعي أن تتكيف العصابات مع الوضع الجديد الذي خلف أشكال إجرامية جديدة سماتها الأساسية اختراق حدود الدول بعد ما كانت إلى وقت قريب تتميز بالطابع المحلي، مهددة في طريقها استقرار الأنظمة السياسية و أمن المجتمع الدولي، بعبارة أخرى انتقلت الجريمة من المستوى القطري إلى المجال العالمي، ومن القوقعة الداخلية إلى الفضاء الخارجي، الأمر الذي دفع فقهاء القانون الجنائي الدولي إلى اعتبار"كل عمل يكون خلفه جماعات معينة تستخدم العنف لتحقيق نشاطها الإجرامي و تهدف إلى الربح"جريمة منظمة" [3] . على هذا الأساس تعد مثل هذه الجرائم من المسائل التي تهدد الأمن و السلم الدوليين، بالنظر للخطر الذي تشكله على المجتمعات البشرية، لأن عصابات الإجرام المنظم الموزعة عبر المناطق الجغرافية المختلفة من العالم تتعاون فيما بينها للتصدي للأنظمة السياسية للدول التي تسعى جاهدة لمكافحتها، مستغلة الفجوات القانونية التي حتى و إن وجدت لا تتلاءم و التشريع الدولي."

يبدو جليا أن تدويل الحياة المرافق لسهولة الاتصالات و حركة الأشخاص ساعد في تفاقم و انتشار الجريمة التي أضحت ممارستها في نطاق عدد من المناطق الجغرافية المختلفة و من قبل جماعات من الأفراد ينتمون إلى دول متعددة. فضلا عن ذلك أن تعميم استخدام الكمبيوتر (الحاسوب) على نطاق واسع أحدث ثورة في مجال الاتصال والمعلومات، عادت بالنفع لصالح البشرية لما توفره التكنولوجية من فوائد [4] و رفاه على الإنسان، إذ سمحت الشبكة العنكبوتية باختزال المسافات و كسر الحواجز الجغرافية محولة العالم إلى شبكة المعلومات تعرف تحت تسمية مجتمع المعلومات. لكن في المقابل و بالموازاة مع عائدات الخير تطورت قوى الشر بقدر ما ازدهرت الوسائل التقنية، إذ أدركت العصابات ما يمكن أن تحققه من أرباح بفضل استخدام الوسائل التكنولوجية، فظهرت ما يعرف اليوم بالجرائم الالكترونية التي أصبحت تشكل تهديدا للأمن القومي للدول، نهيك عن انتهاكات الواقعة على حياة الخاصة للأفراد المؤدية في كثير من الأحيان إلى المساس بالأخلاق و الآداب.

(1) المظاهر الاقتصادية للعولمة: تنامي نشاط الشركات متعدّدة الجنسيات، حرية المبادلات التجارية، إلغاء الحواجز الجمركية، إنشاء منظمة التجارة العالمية، تعميم اقتصاد السوق، خصخصة المؤسسات الحكومية الصناعية، تدخّل صندوق النقد الدّولي والبنك العالمي في التوجّهات المالية والاقتصادية للدول، الشراكة فيما بين الدّول أو فيما بين الدّول من جهة والتكتلات الاقتصادية من جهة أخرى، أو فيما بين التكتلات نفسها. أنظر في هذا المجال: عبد العزيز بن عبد الله السنبل. كيف نواجه العولمة، مجلة المعرفة، العدد 48. الرياض، 1999. ص 78 - 81.

(2) رمضان الألفي."العولمة والأمن"الانعكاسات السلبية والإيجابية كدراسات اقتصادية، مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية. الأهرام، السنة الثانية 1998، العدد 27، ص 5

(3) د. شريف بسيوني، الجريمة عبر الوطنية، دار الشروق، 2004، القاهرة، ص 11

(4) مزايا الثورة المعلوماتية: عولمة المعلومات، تسهيل كثير من الخدمات والأعمال، تخزين ومعالجة واسترجاع المعلومات، التصميم والتصنيع والتعليم والإدارة، تطوير تطبيقاته لتشمل أداء خدمات عديدة مثل التعليم والتشخيص والخدمات التمريضية وتسهيل المعاملات والخدمات البنكية والحجز الآلي لنقل الأشخاص وإدارة المكاتب الحديثة وقيادة المعارك؛ وعلى وجه العموم دخل الحاسب الآلي في شتى نواحي الحياة الإنسانية. للمزيد أنظر د. محمود سرى طه، الكمبيوتر في مجالات الحياة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1990.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت