يعتمد النموذج الإسلامي للتنمية في تحقيق عمارة الأرض على فريضة الزكاة كأداة أساسية تباشر دورها التنموي من خلال توفير المورد التمويلية المحلية اللازمة، لتنمية الإمكانيات المادية والبشرية المتاحة [1] .
ومما يلفت الاهتمام أن في قاعدة محلية الزكاة التي جعلها الإسلام قاعدة لنظامه المالي والاقتصادي، والتي بمقتضاها تؤخذ الزكاة من أغنيائهم وتوزع على فقرائهم، ضمان لحصول كل إقليم وأهله على حظه من عملية التنمية حتى يستغنى عنها أهله. ومن ناحية أخرى فإن محلية الزكاة سياسة شرعية فعالة لتحريك وإشراك القوى المزكية أي المنتجة في المجتمع في عملية التنمية، بما تتوفر فيها من أسس وعقائد إيمانية وسلوكيات شرعية ومقاصد مرعية، وهذا هو الهدف والوسيلة المفقودة في عملية التنمية في كثير من المجتمعات المعاصرة التي تسعى للنهوض باقتصادياتها، إذ لا تنمية حقيقية بغير مشاركة شعبية جادة وحقيقية في سعيها الحثيث نحو رفع مستوى معيشتها أو سد حاجاتها الأساسية والضرورية [2] .
فقد شرع الله الزكاة وجعلها فريضة في المال، أي حق المال، وحقا لمستحقيها، وقد روعي في تحديد سعرها الثبات [3] ، ويجب الاستمرار في تحصيلها سواء احتاج المجتمع المحلي إلى حصيلتها أولم يحتاجها."فهي محددة المصرف والغرض، ميزانيتها، ضاقت أو اتسعت، لا تنفق إلا في مشروعات البر والإحسان التي أشارت إليها آيات القرآن" [4] .
وعلى ذلك، فإن التوازن بمفهومه العام، أي تساوي تقدير إيرادات الزكاة مع مصارفها ليس هدفا يجب السعي إلى تحقيقه. ففي حالة تحقيق فائض ـ تقدير أو فعلي ـ في موازنة الزكاة المحلية، فإن هذا الفائض يرحل إلى موازنة المؤسسة المركزية للزكاة. وأما في حالة تسجيل عجز في موازنة الزكاة المحلية، وكان مقدار العجز ذو تأثير سلبي على تحقيق أهداف الزكاة محليا، عندئذ يتم استدراك النقص أو تمويل العجز من خلال إجراءات السياسة المالية والتي منها: مخصصات مؤسسة الزكاة المركزية للتنمية المحلية، وتعجيل الزكاة وتحصيلها مقدما لسنة أو سنتين.
ومن خلال ذلك يتم تحقيق عدالة توزيع التنمية بين أقاليم البلد الواحد، لما للتنمية المحلية من آثار إيجابية على التنمية الشاملة في المدى الطويل، فالتوازن الإقليمي للتنمية الاقتصادية والاجتماعية يؤدي إلى استغلال الموارد الاقتصادية المتاحة في كل إقليم، ويقلل من هجرة الأيدي العاملة من الأقاليم المتخلفة إلى الأقاليم التي تحققت فيها التنمية بمعدلات مرتفعة [5] .
(1) نعمت عبد اللطيف مشهور، الزكاة الأسس الشرعية والدور الإنمائي والتوزيعي. الولايات المتحدة الأمريكية: المركز العالمي للفكر الإسلامي، بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 1413/ 1993، ص 12.
(2) عبد الحميد محمود البعلي، اقتصاديات الزكاة واعتبارات السياسة المالية والنقدية. القاهرة: دار السلام، 1991، ص 111.
(3) يختلف سعر الزكاة باختلاف الأموال: فالزكاة تجب بواقع 2,5 % من رؤوس الأموال المنقولة كعروض التجارة والنقود ... الخ، وما بين 5 % و 10 % من دخل الأموال الثابتة كالأراضي الزراعية ... وذلك بحسب ما إذا كان الدخل بجهد أو بغير جهد، وبواقع 20 % من الركاز سواء كان كنزا مدفونا أو ثروة باطنية كالبترول والفحم .. الخ، (أنظر محمد شوقي الفنجري. الإسلام والضمان الاجتماعي. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط 3، 1990، ص ص 65 - 72.
(4) محمد الغزالي، الإسلام والأوضاع الاقتصادية. القاهرة: دار الصحوة، ط 7، 1407/ 1987، ص 169.
(5) عبد الله الطاهر، المرجع السابق ذكره، ص 274 وما بعدها.