والتي ترتد مفاسدها في نهاية المطاف على الشخص نفسه أو عائلته، ومن هنا جاء حديث السفينة الذي جاء فيه: (( مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذِ من فوقنا. فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا ) ) [1] . ويركِّزُ القرآن الكريم على أن المفاسد الواقعة بشكل عام على المجتمعات ما هي إلا نتيجة ـ غالبا غير مباشرة ـ لفعل الإنسان نفسه كما في قوله تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ} (الروم:41) وقوله تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} (الشورى:30) .
• خامسا: المصالح والمفاسد المُضَافة إلى الفعل البشري، أي التي يستلزمها هذا الفعل: إما سابقة له أو مقارنة أو لاحقة. ففعل الأكل مثلا:
• تسبقه مفسدة مشقة تحصيل المال وتحضير الطعام،
• وتقارنه مصلحة الالتذاذ بالطعام، ومفسدة مشقة التناول والمضغ والبلع،
• وتلحقه مصلحة الشِّبَع، ومصلحة توافر الطاقة والقدرة للقيام بالأعمال، ومفسدة مشقة تنظيف الأواني واليدين، ومفسدة تعطيل النفس والإشقاق عليها بالتبرز والاستنجاء والوضوء.
• سادسا: المصالح والمفاسد المضافة إلى الفعل البشري تتباين في الخصوص والعموم، فالمصلحة أو المفسدة (( الخاصَّة جدًَّا ) )هي التي تعود على الفرد نفسه دون أَحَدٍ سواه كمصلحة الشِّبَع مثلا، ثُمَّ تبدأ الحلَقَة التي تطالها المصلحة أو المفسدة في التوسُّع يمينا وشِمالًا: فتبدأ بالأسرة ثم الأصدقاء والمعارف والأقارب والزملاء ثم أهل المسجد والجيران وأهل الحي ثم أهل المدينة ثم البلد ثم الإقليم ثم المسلمين جميعا ثم البشرية جمعاء. ومع إقرارنا بوجود مصالِحَ (( خاصَّةٍ جدَّا ) )إلا أنَّا نستبعد وجود فعل بشري تُضاف إليه مصالحُ أو مفاسدُ خاصَّةٌ فقط دون أيِّ مصلحة أو مفسدة عامة. أي أن المصالح الخاصة المجرَّدة موجودة في الذهن فقط، أما في مواقع الوجود فهي لا بد أن تكون مختلطةً بمصالح
(1) البخاري، الصحيح، ج 2، ص 882.