الصفحة 25 من 69

• أحدها: القيمة والقَدْر. فالإنسان بطبعه ينحو إلى المصلحة العظيمة وإن فَوَّتت مصلحةً أقلَّ منها، أو استلزمت مفسدة يسيرة، ويفرُّّ من المفسدة العظيمة وإن اضطره ذلك إلى تجشُّم مفسدة أقل منها أو تفويت مصلحة يسيرة. ولكن يتباين الناس في القدر الذي (( يُقيِّمون ) )به المصلحة والمفسدة كما أسلفنا سابقا. ويعمد الطبع الإنساني ـ بشكل عام ـ إلى وضع قيمة للمصالح والمفاسد المادِّية المحسوسة أكبر مما يضعه للمصالح والمفاسد المعنوية والرُّوحية.

• والثاني: الحُلُول والتأجيل. فيفضِّل الإنسان المصلحة الحالَّة والعاجلة على الآنفة والآجلة. ويتجنب المفسدة العاجلة بحماسٍ أكبرَ من تجنب المفسدة الآجلة.

• والثالث: احتماليَّة الوقوع. فيفضِّلُ المصلحةَ مؤكَّدةَ الوقوع أو القطعية على المظنونة، والمظنونة على المشكوك بها وهكذا. وكذلك يفضِّل تجنُّبَ المفسدة مؤكَّدةِ الوقوع على ما يليها في احتمالية الوقوع.

• والرابع: العموم والخصوص. فيُفَضِّلُ بطبعه المصلحة الخاصة على العامة، بل إنه في كثير من الأحيان ينسى المصلحة العامة تماما لا سيَّما إذا كانت مُغْرِقةً في العموم بأن خرجت عن دائرة المعارف والأقارب والجيران إلى أهل المدينة أو ما هو أكبر من ذلك.

فهذه الاعتبارات الأربعة والتي يمكن تسميتها بـ (( معايير ) )الموازنة بين المصالح والمفاسد هي التي يخضع لها الإنسان عند تقريره القيام أو الإحجام عن فعل ما. وبحسب طبيعة الفعل تكون سرعة إجراء هذه الموازنة في العقل، فمن الأفعال ما يقرِّر الإنسان القيام به في ثوانٍ معدودة ومنها ما يحتاج إلى أيام بل شهور وسنين. ومن الأفعال ما لا يحتاج قبل فعله إلى موازنة أصلا وذلك حين يكون الإنسان قد اعتاد هذا الفعل وأَوْكَل أمره إلى (( لاوَعْيِه ) )وعقله الباطن.

والأخطاء التي قد تقع للإنسان أثناء موازنته بين المصالح والمفاسد تنتج عن انسياقه وراء الطبع والشهوة دون تحكيم العقل ـ المستنير بأنوار الشريعة ـ بالقدْر اللازم. وكما قلت سابقا: الطبع مياَّلٌ إلى المصالح المادية أكثر من المعنوية، وإلى المصالح العاجلة أكثر من الآجلة، وإلى المصالح الخاصَّة أكثر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت