نتائج البحث عن (أداء) 41 نتيجة

  • الْأَدَاء
(الْأَدَاء) التأدية والتلاوة
(الدأداء) آخر أَيَّام الشَّهْر وَيُقَال لَيْلَة دأداء شَدِيدَة الظلمَة (ج) دآدي وَفِي الحَدِيث (لَيْسَ عفر اللَّيَالِي كالدآدي)
(أَدَاء) الرجل دَاء وَيُقَال أَدَاء جَوْفه وَفُلَانًا أَصَابَهُ بداء وَفُلَان أَتَى بريبة وَفُلَانًا ارتاب فِيهِ (لَازم ومتعد)
(الكأداء) الشدَّة وَيُقَال عقبَة كأداء صعبة المرتقى
الأداء: هو تسليم العين الثابت في الذمة بالسبب الموجب، كالوقت للصلاة، والشهر للصوم، إلى من يستحق ذلك الواجب.
الأداء الكامل: ما يؤديه الإنسان على الوجه الذي أُمِرَ به، كأداء المدرك للإمام.
الأداء الناقص: بخلافه، كأداء المنفرد، والمسبوق فيما سبق.
أداء يشبه القضاء: هو أداء اللاحق بعد فراغ الإمام، لأنه باعتبار الوقت مؤدٍّ، وباعتبار أنه التزم أداء الصلاة مع الإمام حين تحرم معه: قاضٍ لما فاته مع الإمام.
الأداء:[في الانكليزية] Practice ،execution [ في الفرنسية] Pratique ،execution

هو والقضاء: بحسب اللغة يطلقان على الإتيان بالمؤقّتات كأداء الصلاة الفريضة وقضائها، وبغير المؤقتات كأداء الزكاة والأمانة وقضاء الحقوق والحج للإتيان به ثانيا بعد فساد الأول ونحو ذلك. وأما بحسب اصطلاح الفقهاء فهما أي الأداء والقضاء عند أصحاب الشافعي رحمه الله تعالى يختصّان بالعبادات المؤقتة. ولا يتصوّر الأداء إلّا فيما يتصوّر فيه القضاء وأما ما لا يتصور فيه القضاء، كصلاة العيد والجمعة فلا يطلقون الأداء فيه. وهما والإعادة أقسام للفعل الذي تعلّق به الحكم فتكون أقساما للحكم أيضا. لكن ثانيا وبالعرض فيقال الحكم إمّا متعلّق بأداء أو قضاء أو إعادة ولهذا قالوا الأداء ما فعل في وقته المقدّر له شرعا أولا. واختيار فعل على وجب ليتناول النوافل المؤقتة. وقيد في وقته للاحتراز عمّا فعل قبل الوقت أو بعده.وقيد المقدّر له للاحتراز عمّا لم يقدّر له وقت كالنوافل المطلقة والنذور المطلقة والأذكار القلبية إذ لا أداء لها ولا قضاء ولا إعادة، بخلاف الحجّ فإنّ وقته مقدّر معيّن لكنه غير محدود فيوصف بالأداء لا بالقضاء لوقوعه دائما فيما قدّر له شرعا أولا. وإطلاق القضاء على الحج الذي يستدرك به حجّ فاسد من قبيل المجاز من حيث المشابهة مع المقضي في الاستدراك. وقيد شرعا للتحقيق دون الاحتراز عمّا قيل وهو المقدّر له لا شرعا كالشهر الذي عيّنه الإمام لزكاته، والوقت الذي عيّنه المكلّف لصلاته لأن إيتاء الزكاة في ذلك الشهر وأداء الصلاة في ذلك الوقت أداء قطعا. اللهم إلّا أن يقال المراد أنه ليس أداء من حيث وقوعه في ذلك الوقت، بل في الوقت الذي قدّره الشارع كما في الحجّ، حتى لو لم يكن الوقت مقدّرا شرعا لم يكن أداء كالنوافل المطلقة والنذور المطلقة. وقولهم أولا متعلّق بفعل واحترز به عن الإعادة فإن الظاهر من كلام المتقدمين والمتأخرين أنّ الإعادة قسيم للأداء والقضاء.وذهب بعض المحققين إلى أنها قسم من الأداء، وأن قولهم أولا متعلّق بالمقدّر احتراز عن القضاء فإنه واقع في وقته المقدّر له شرعا ثانيا حيث قال عليه الصلاة والسلام «فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها» فقضاء صلاة النائم والناسي عند التذكّر قد فعل في وقتها المقدّر لها ثانيا لا أولا. ولا يرد أنّ القضاء موسّع وقته العمر فلا يتقدّر بزمان التذكّر لأنه لا يدّعي انحصار الوقت فيه، بل المراد أن زمان التذكّر وما بعده زمان قد قدّر له ثانيا. فإن قلت فالنوافل لها على هذا وقت مقدّر أولا هو وقت العمر، كما أن لقضاء الظهر وقتا مقدّرا ثانيا هو بقية العمر. قلت البقية قدّرت وقتا له بالحديث المذكور إذا حمل على أن ذلك وما بعده وقت له. وأما أنّ العمر وقت للنوافل فمن قضية العقل لا من الشرع. والقضاء ما فعل بعد وقت الأداء استدراكا لما سبق له وجوب مطلقا.فبقولهم بعد وقت الأداء خرج الأداء والإعادة في وقته. وبقولهم استدراكا خرجت إعادة الصلاة المؤداة في وقتها خارج وقتها، فإنها ليست قضاء ولا أداء ولا إعادة اصطلاحا وإن كانت إعادة لغة. وبقولهم لما سبق له وجوب خرج النوافل. وقولهم مطلقا تنبيه على أنه لا يشترط في كون الفعل قضاء الوجوب على المكلّف بل المعتبر مطلق الوجوب، فدخل فيه قضاء النائم والحائض إذ لا وجوب عليهما عند المحقّقين منهم، وإن وجد السبب لوجود المانع، كيف وجواز الترك مجمع عليه وهو ينافي الوجوب. وأمّا عند أبي حنيفة فالنوم لا يسقط نفس الوجوب بل وجوب الأداء، والحيض وكذا النفاس لا يسقطان نفس الوجوب بل وجوب الأداء إلّا أنه ثبت بالنصّ أن الطهارة عنهما للصلاة فحينئذ لا حاجة إلى قيد مطلقا.وبالجملة فالفعل إذا كان مؤقّتا من جهة الشرع لا يجوز تقديمه لا بكلّه ولا ببعضه على وقت أدائه، فإن فعل في وقته فأداء وإعادة وإن فعل بعد وقته فإن وجد في الوقت سبب وجوبه سواء ثبت الوجوب معه أو تخلّف عنه لمانع فهو قضاء، وإن لم يوجد في الوقت سبب وجوبه لم يكن أداء ولا قضاء ولا إعادة. فإن قلت إذا وقعت ركعة من الصلاة في وقتها وباقيها خارجة عنه فهل هي أداء أو قضاء. قلنا ما وقعت في الوقت أداء والباقي قضاء في حكم الأداء تبعا وكذا الحال فيما إذا وقع في الوقت أقل من ركعة. والإعادة ما فعل في وقت الأداء ثانيا لخلل في الأول، وقيل لعذر كما يجيء في محله. وعند الحنفية من أقسام المأمور به مؤقّتا كان أو غير مؤقّت فالأداء تسليم عين ما ثبت بالأمر إلى مستحقّه، فإنّ أداء الواجب إنما يسمّى تسليما إذا سلم إلى مستحقّه والقضاء تسليم مثل ما وجب بالأمر. والمراد بما ثبت بالأمر ما علم ثبوته بالأمر لا ما ثبت وجوبه، إذ الوجوب إنما هو بالسبب، وحينئذ يصحّ تسليم عين ما ثبت، مع أنّ الواجب وصف في الذمّة لا يقبل التصرّف من العبد، فلا يمكن أداء عينه، وذلك لأن الممتنع تسليم عين ما وجب بالسبب وثبت في الذمة لا تسليم عين ما علم ثبوته بالأمر كفعل الصلاة في وقتها وإيتاء ربع العشر.وبالجملة فالعينية والمثلية بالقياس إلى ما علم من الأمر لا ما ثبت بالسبب في الذمّة فلا حاجة إلى ما يقال إنّ الشرع شغل الذمّة بالواجب ثم أمر بتفريغها، فأخذ ما يحصل به فراغ الذمّة حكم ذلك الواجب كأنه عينه. ثم الثابت بالأمر أعم من أن يكون ثبوته بصريح الأمر نحو وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ أو بما هو في معناه نحو وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ.ومعنى تسليم العين أو المثل في الأفعال والأعراض إيجادها والإتيان بها، كأنّ العبادة حقّ الله تعالى، فالعبد يؤدّيها ويسلّمها إليه تعالى. ولم يعتبر التقييد بالوقت ليعمّ أداء الزكاة والأمانات والمنذورات والكفارات.واختيار ثبت على وجب ليعمّ أداء النفل. قيل هذا خلاف ما عليه الفقهاء من أنّ النفل لا يطلق عليه الأداء إلّا بطريق التوسّع، نعم موافق لقول من جعل الأمر حقيقة في الإيجاب والندب. واختيار وجب في حدّ القضاء بناء على كون المتروك مضمونا والنفل لا يضمن بالترك. وأما إذا شرع فيه فأفسده فقد صار بالشروع واجبا فيقضى، والمراد بالواجب ما يشتمل الفرض أيضا. ولا بدّ من تقييد مثل الواجب بأن يكون من عند من وجب عليه كما قيده به البعض، وقال إسقاط الواجب بمثل من عند المأمور وهو حقه هو القضاء احترازا عن صرف دراهم الغير إلى دينه، فإنه لا يكون قضاء، وللمالك أن يستردّها من ربّ الدّين.وكذا إذا نوى أن يكون ظهر يومه قضاء من ظهر أمسه أو عصره قضاء من ظهره لا يصحّ مع قوّة المماثلة بخلاف صرف النفل إلى الفرض مع أن المماثلة فيه أدنى. وإنّما صحّ صرف النفل إلى الفرض لأن النفل خالص حقّ العبد وهو قادر على فعله، فإذا صرفه إلى القضاء جاز.فإن قيل يدخل في تعريف الأداء الإتيان بالمباح الذي ورد به الأمر كالاصطياد بعد الإحلال، ولا يسمّى أداء إذ ليس في العرف إطلاق الأداء عليه. قلت المباح ليس بمأمور به عند المحققين، فالثّابت بالأمر لا يكون إلّا واجبا أو مندوبا، لكن عند من قال بأنه مأمور به فينبغي أن يسمّى أداء كما ذكر صاحب الكشف.واعلم أنه قد يطلق كل من الأداء والقضاء على الآخر مجازا شرعيا لتباين المعنيين مع اشتراكهما في تسليم الشيء إلى من يستحقه وفي إسقاط الواجب، كقوله تعالى: فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ أي أدّيتم. وكقوله تعالى: فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ أي أدّيت صلاة الجمعة، وكقولك نويت أداء ظهر أمس. وأما بحسب اللغة فقد ذكروا أنّ القضاء حقيقة في تسليم العين والمثل وأنّ الأداء مجاز في تسليم المثل.واعلم أيضا أنهم لم يذكروا الإعادة في هذا التقسيم لأنها داخلة في الأداء والقضاء على ما يجيء في محلها.والأداء ينقسم إلى أداء محض وهو ما لا يكون فيه شبه من القضاء بوجه من الوجوه من حيث تغيّر الوقت ولا من حيث التزامه، وإلى أداء يشبه القضاء. والأول أي الأداء المحض ينقسم إلى كامل وهو ما يؤدّى على الوجه الذي شرع عليه كالصلاة بجماعة وردّ عين المغصوب، وقاصر وهو بخلافه كالصلاة منفردا فإنه أداء على خلاف ما شرع عليه، فإن الصلاة لم تشرع إلّا بجماعة لأن جبرائيل عليه السلام علّم الرسول عليه السلام الصلاة أوّلا بجماعة في يومين، وكرد المغصوب مشغولا بالجناية أو بالدّين بأن غصب عبدا فارغا ثم لحقه الدّين في الجناية في يد الغاصب. والأداء الذي يشبه القضاء كإتمام الصلاة من اللاحق فإنه أداء من حيث بقاء الوقت شبيه بالقضاء من حيث أنه لم يؤدّ كما التزم، فإنه التزم الأداء مع الإمام.والقضاء أيضا ينقسم إلى قضاء محض وهو ما لا يكون فيه معنى الأداء أصلا لا حقيقة ولا حكما، وقضاء في معنى الأداء وهو بخلافه. والأول ينقسم إلى القضاء بمثل معقول وإلى القضاء بمثل غير معقول. والمراد بالمثل المعقول أن يدرك مماثلته بالعقل مع قطع النّظر عن الشرع، وبغير المعقول أن لا يدرك مماثلته إلّا شرعا. والمثل المعقول ينقسم إلى المثل الكامل كقضاء الفائتة بجماعة وإلى القاصر كقضائها بالانفراد. والقضاء الغير المحض كما إذا أدرك الإمام في العيد راكعا كبّر في ركوعه فإنه وإن فات موضعه وليس لتكبيرات العيد قضاء إذ ليس لها مثل، لكن للركوع شبها بالقيام لبقاء الاستواء في النصف الأسفل فيكون شبيها بالأداء، فصارت الأقسام سبعة. ثم جميع هذه الأقسام توجد في حقوق الله وفي حقوق العباد فكانت الأقسام أربعة عشر. هذا كلّه خلاصة ما في العضدي وحواشيه والتلويح وكشف البزدوي. ثم الأداء عند القرّاء يطلق على أخذ القرآن عن المشايخ كما يجيء في لفظ التلاوة.
  • الْأَدَاء
الْأَدَاء: وَكَذَا الْقَضَاء فِي اللُّغَة الْإِتْيَان بالموقتات كَصَلَاة الْفجْر مثلا وَغَيرهَا مثل أَدَاء الزَّكَاة وَالْأَمَانَة وَقَضَاء الْحُقُوق وَقَضَاء الْحَج والإتيان بِهِ ثَانِيًا بعد فَسَاد الأول وَنَحْو ذَلِك كَالصَّلَاةِ بِالْجَمَاعَة بِطَلَب الْفَضِيلَة بعد الصَّلَاة مُنْفَردا.

وَأما: فِي اصْطِلَاح الْفُقَهَاء فَعِنْدَ أَصْحَاب الشَّافِعِي رَحمَه الله الْأَدَاء وَالْقَضَاء يختصان بالعبادات الموقتة وَلَا يتَصَوَّر الْأَدَاء إِلَّا فِيمَا يتَصَوَّر الْقَضَاء. فَلهَذَا قَالُوا الْأَدَاء مَا فعل فِي وقته الْمُقدر لَهُ شرعا أَولا. وَالْقَضَاء مَا فعل بعد وَقت الْأَدَاء استدراكا لما سبق لَهُ وجوب مُطلقًا. وَقَوْلهمْ مُطلقًا تَنْبِيه على أَنه لَا يشْتَرط الْوُجُوب عَلَيْهِ ليدْخل فِيهِ قَضَاء النَّائِم وَالْحَائِض إِذْ لَا وجوب عَلَيْهِمَا عِنْد الْمُحَقِّقين وَإِن وجد السَّبَب لوُجُود الْمَانِع كَيفَ وَجَوَاز التّرْك مجمع عَلَيْهِ وَهُوَ يُنَافِي الْوُجُوب. والإعادة مَا فعل فِي وَقت الْأَدَاء ثَانِيًا لخلل فِي الأول وَقيل لعذر فَالصَّلَاة بِالْجَمَاعَة بعد الصَّلَاة مُنْفَردا يكون إِعَادَة على الثَّانِي لِأَن طلب الْفَضِيلَة عذر لَا على الأول لعدم الْخلَل. فَظَاهر كَلَامهم أَن الْإِعَادَة قسم مُقَابل للْأَدَاء، وَالْقَضَاء خَارج عَن تَعْرِيف الْأَدَاء بقوله أَولا على أَنه مُتَعَلق بقوله فعل فَإِن الْإِعَادَة مَا فعل ثَانِيًا لَا أَولا.

وَذهب الْمُحَقِّقُونَ: إِلَى أَنَّهَا قسم من الْأَدَاء وَأَن قَوْلهم أَولا فِي تَعْرِيف الْأَدَاء مُتَعَلق بقوله الْمُقدر لَهُ شرعا احْتِرَاز عَن الْقَضَاء فَإِنَّهُ وَاقع فِي الْوَقْت الْمُقدر لَهُ شرعا ثَانِيًا حَيْثُ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام من نَام عَن صَلَاة ونسيها فليصلها إِذا ذكرهَا فَذَلِك وَقتهَا فقضاء صَلَاة النَّائِم وَالنَّاسِي عِنْد التَّذَكُّر قد فعل فِي وَقتهَا الْمُقدر لَهَا ثَانِيًا أَو لَا.

وَعند أَصْحَاب: أبي حنيفَة رَحمَه الله الْأَدَاء وَالْقَضَاء من أَقسَام الْمَأْمُور بِهِ مؤقتا كَانَ أَو غير مُؤَقّت فالأداء تَسْلِيم عين مَا ثَبت بِالْأَمر وَاجِبا كَانَ أَو نفلا. وَالْقَضَاء تَسْلِيم مَا وَجب بِالْأَمر. هَذِه عبارَة التَّلْوِيح وَفِيه أَيْضا أَنه يُطلق كل من الْأَدَاء وَالْقَضَاء على الآخر مجَازًا شَرْعِيًّا لتباين الْمَعْنيين مَعَ اشتراكهما فِي تَسْلِيم الشَّيْء إِلَى من يسْتَحقّهُ وَفِي إِسْقَاط الْوَاجِب كَقَوْلِه تَعَالَى: {{فَإِذا قضيتم مَنَاسِككُم}} . أَي أديتم وَقَوله تَعَالَى {{فَإِذا قضيت الصَّلَاة}} . وكقولك أدّيت الدّين ونويت أَدَاء ظهر الأمس. وَأما بِحَسب اللُّغَة فقد ذكرُوا أَن الْقَضَاء حَقِيقَة فِي تَسْلِيم الْعين والمثل لِأَن مَعْنَاهُ الْإِسْقَاط والإتمام والإحكام وَأَن الْأَدَاء مجَاز فِي تَسْلِيم الْمثل لِأَنَّهُ يُنبئ عَن شدَّة الرِّعَايَة وَالِاسْتِقْصَاء فِي الْخُرُوج عَمَّا لزمَه وَذَلِكَ بِتَسْلِيم الْعين دون الْمثل. وَفِي الحسامي الْأَدَاء هُوَ تَسْلِيم عين الْوَاجِب لسببه إِلَى مُسْتَحقّه وَعين الْوَاجِب كَفعل الصَّلَاة وَالثمن. وَسبب الْوَاجِب كالوقت للصَّلَاة والاشتراء للثّمن ومستحق الْوَاجِب هُوَ الله تَعَالَى أَو العَبْد كَمَا فِي الثّمن. وَبِعِبَارَة أُخْرَى الْأَدَاء هُوَ تَسْلِيم الْعين الثَّابِت فِي الذِّمَّة بِالسَّبَبِ الْمُوجب كالوقت للصَّلَاة والشهر للصَّوْم إِلَى من اسْتحق ذَلِك الْوَاجِب.

الْأَدَاء الْكَامِل

دستور العلماء للأحمد نكري

الْأَدَاء الْكَامِل: مَا يُؤَدِّيه الْإِنْسَان على الْوَجْه الَّذِي أَمر بِهِ كأداء الْمدْرك وَالْإِمَام.

الْأَدَاء النَّاقِص

دستور العلماء للأحمد نكري

الْأَدَاء النَّاقِص: مَا يُؤَدِّيه الْإِنْسَان لَا على الْوَجْه الَّذِي أَمر بِهِ كأداء الْمُنْفَرد والمسبوق.

الْأَدَاء المشابه للْقَضَاء

دستور العلماء للأحمد نكري

الْأَدَاء المشابه للْقَضَاء: هُوَ أَدَاء اللَّاحِق بعد فرَاغ الإِمَام لِأَنَّهُ بِاعْتِبَار الْوَقْت مؤد وَبِاعْتِبَار أَنه الْتزم أَدَاء الصَّلَاة مَعَ الإِمَام حِين يحرم مَعَه قَاض لما فَاتَهُ مَعَ الإِمَام. الْأَدَب: (نكاه داشتن حدهر جيزي) وَجمعه الْآدَاب وَمن كَانَ مؤدبا يكون جَامعا للشريعة النَّبَوِيَّة والأخلاق الْحَسَنَة قَالَ الْعَارِف الْجلَال الرُّومِي رَحْمَة الله عَلَيْهِ فِي المثنوي.(از خدا جوئيم توفيق ادب...بِي ادب محروم كشت از لطف رب)

(بِي ادب تنهانه خودراداشت بُد...بلكه آتش درهمه آفَاق زد)
الأداء: الإتيان بالشيء لميقاته ذكره الحرالي، وقال الراغب: لغة: دفع ما يحق دفعه، وعرفا فعل ما دخل وقته قبل خروجه.
الأداء الكامل: ما يؤديه المكلف على ما أمر به كأداء المدرك والإمام، والأداء الناقص بخلافه كأداء المسبوق.
الأداء:* " تأدية القُرَّاء القراءة إلينا بالنقل عمَّن قبلهم ".* ما جاء صحيحاً مستفاضاً متلقى بالقبول كمراتب المد الزائدة على القدر المشترك، وهذا وأمثاله ملحق بالقراءة المتواترة حكماً.
تَكَفَّلَ أداءَالجذر: ك ف ل

مثال: تَكَفَّلَ أداءَ الدينالرأي: مرفوضةالسبب: لتعدي الفعل بنفسه. المعنى: تَعَهَّدَ والتزمَ بأدائه

الصواب والرتبة: -تَكَفَّلَ بأداءِ الدَّيْن [فصيحة]-تَكَفَّلَ أداءَ الدَّيْن [صحيحة] التعليق: الفعل «تَكَفَّل» يُعَدّى بالباء كما في التاج، وهو الشائع في الاستعمالات القديمة والحديثة، ففي الحديث: «تكفل الله لمن جاهد في سبيله بأن يدخله الجنة»، ويقول ابن خلدون: «تكفل الله لنبيه بالعصمة من الناس»، ويقول العقاد: «يتيم تكفلت به أمه»، ويمكن تصحيح المثال المرفوض على حذف حرف الجر، ونصب الاسم بعد حذفه.
الأداء الكامل: ما يؤديه الإنسان على الوجه الذي أُمر به كأداء المُدْرِكْ للإمام.
الأداء الناقص: بخلافالأداء الكامل كأداء المنفرد والمسبوق فيما سبق.

الأدَاء يُشْبِه القضاء

التعريفات الفقهيّة للبركتي

الأدَاء يُشْبِه القضاء: كأداء اللاحق بعد فراغ الإمام، لأنه باعتبار الوقت مؤدٍ وباعتبار أنه التزام أداءَ الصلاة مع الإمام حين أحرم معه قاضٍ لما فاته من الإمام.
شرط الأداء: ما يجب وجوده لصحة الشيء كالطهارة للصلاة.

القَضاءُ يُشبه الأداء

التعريفات الفقهيّة للبركتي

القَضاءُ يُشبه الأداء: هو الذي لا يكون إلا بمثل معقول بحكم الاستقراء كقضاء الصوم والصلاة.
وُجوب الأداء: عبارةٌ عن طلب تفريغ الذمة.

إصلاح المنطق والطبع، لأداء القراآت السبع

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة

إصلاح المنطق والطبع، لأداء القراآت السبع
....
الْأَدَاء: الْعِبَادَة الَّتِي وَقعت فِي وَقتهَا الْمعِين، وَلم تسبق بأَدَاء مختل.الْقَضَاء: الَّتِي وَقعت بعد وَقتهَا، وَوجد فِيهِ سَبَب وُجُوبهَا، وَقيل: إتْيَان الْعِبَادَة بعد وَقتهَا الْمُقدر استدراكا لما فَاتَ.

لغة: ما يؤديه المرء على الوجه الذي أمر به.

اصطلاحا: تلاوة القرآن الكريم



وتجويده وفق القواعد والأصول التجويدية المصطلح عليها بين القراء، محاكاة واتباعا لقراءة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.

وأداء القرآن يشمل كلّا من:

1 - التلاوة تعبّدا وتفكّرا.

2 - العرض على الأساتذة.

3 - تلقين الأستاذ لطلابه.

(راجع: التلاوة، العرض، التلقين).

التَّعْرِيفُ:
1 - الأَْدَاءُ: الإِْيصَال يُقَال: أَدَّى الشَّيْءَ أَوْصَلَهُ، وَأَدَّى دَيْنَهُ تَأْدِيَةً أَيْ قَضَاهُ. وَالاِسْمُ: الأَْدَاءُ. كَذَلِكَ الأَْدَاءُ وَالْقَضَاءُ يُطْلَقَانِ فِي اللُّغَةِ عَلَى الإِْتْيَانِ بِالْمُؤَقَّتَاتِ، كَأَدَاءِ صَلاَةِ الْفَرِيضَةِ وَقَضَائِهَا، وَبِغَيْرِ الْمُؤَقَّتَاتِ، كَأَدَاءِ الزَّكَاةِ وَالأَْمَانَةِ، وَقَضَاءِ الْحُقُوقِ وَنَحْوِ ذَلِكَ (1) . وَفِي اصْطِلاَحِ الْجُمْهُورِ مِنَ الأُْصُولِيِّينَ وَالْفُقَهَاءِ: الأَْدَاءُ فِعْل بَعْضِ (وَقِيل كُل) مَا دَخَل وَقْتُهُ قَبْل خُرُوجِهِ وَاجِبًا كَانَ أَوْ مَنْدُوبًا، أَمَّا مَا لَمْ يُقَدَّرْ لَهُ زَمَانٌ فِي الشَّرْعِ، كَالنَّفْل وَالنَّذْرِ الْمُطْلَقِ وَالزَّكَاةِ، فَلاَ يُسَمَّى فِعْلُهُ أَدَاءً وَلاَ قَضَاءً (2) . وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: الأَْدَاءُ تَسْلِيمُ عَيْنِ مَا ثَبَتَ بِالأَْمْرِ. وَلَمْ يُعْتَبَرْ فِي التَّعْرِيفِ التَّقْيِيدُ بِالْوَقْتِ لِيَشْمَل أَدَاءَ الزَّكَاةِ وَالأَْمَانَاتِ وَالْمَنْذُورَاتِ وَالْكَفَّارَاتِ، كَمَا أَنَّهُ يَعُمُّ فِعْل الْوَاجِبِ وَالنَّفَل. وَقَدْ يُطْلَقُ كُلٌّ مِنَ الأَْدَاءِ وَالْقَضَاءِ عَلَى الآْخَرِ مَجَازًا شَرْعِيًّا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِذَا قَضَيْتُمْ
__________
(1) لسان العرب، والمصباح المنير، والتلويح على التوضيح 1 / 160 ط صبيح، وكشاف اصطلاحات الفنون ص 100
(2) جمع الجوامع بشرح المحلي وحاشية البناني 1 / 109 ط الأزهرية، والبدخشي مع الأسنوي 1 / 64 ط صبيح، والتلويح 1 / 160 ط صبيح

مَنَاسِكَكُمْ} (1) أَيْ أَدَّيْتُمْ، وَكَقَوْلِكَ: نَوَيْتُ أَدَاءَ ظُهْرِ الأَْمْسِ (2) .
2 - وَالأَْدَاءُ إِمَّا مَحْضٌ، سَوَاءٌ أَكَانَ كَامِلاً كَصَلاَةِ الْمَكْتُوبَةِ فِي جَمَاعَةٍ، أَمْ قَاصِرًا كَصَلاَةِ الْمُنْفَرِدِ؛ وَإِمَّا غَيْرُ مَحْضٍ، وَهُوَ الشَّبِيهُ بِالْقَضَاءِ، كَفِعْل اللاَّحِقِ الَّذِي أَدْرَكَ أَوَّل الصَّلاَةِ بِالْجَمَاعَةِ، وَفَاتَهُ الْبَاقِي فَأَتَمَّ صَلاَتَهُ بَعْدَ فَرَاغِ الإِْمَامِ، فَفِعْلُهُ أَدَاءٌ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ فِي الْوَقْتِ، قَضَاءٌ بِاعْتِبَارِ فَوَاتِ مَا الْتَزَمَهُ مِنَ الأَْدَاءِ مَعَ الإِْمَامِ، فَهُوَ يَقْضِي مَا انْعَقَدَ لَهُ إِحْرَامُ الإِْمَامِ، مِنَ الْمُتَابَعَةِ وَالْمُشَارَكَةِ مَعَهُ بِمِثْلِهِ (3) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْقَضَاءُ:
3 - الْقَضَاءُ لُغَةً: مَعْنَاهُ الأَْدَاءُ. وَاسْتَعْمَلَهُ الْفُقَهَاءُ بِالْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيِّ الآْتِي، خِلاَفًا لِلْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ لِلتَّمْيِيزِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الأَْدَاءِ. وَاصْطِلاَحًا: مَا فُعِل بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِ أَدَائِهِ اسْتِدْرَاكًا لِمَا سَبَقَ لِفِعْلِهِ مُقْتَضٍ، أَوْ تَسْلِيمِ مِثْل مَا وَجَبَ بِالأَْمْرِ، كَمَا يَقُول الْحَنَفِيَّةُ. فَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الأَْدَاءِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ مُرَاعَاةُ قَيْدِ الْوَقْتِ فِي الأَْدَاءِ دُونَ الْقَضَاءِ، وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ مُرَاعَاةُ
__________
(1) سورة البقرة / 200
(2) التلويح 1 / 161، 162، وشرح المنار ص 150، 154 ط العثمانية، وكشاف اصطلاحات الفنون ص 102 ط الهند، وكشف الأسرار 1 / 135 وما بعدها ط مكتبة الصنايع.
(3) التلويح 1 / 116، وكشاف اصطلاحات الفنون ص 102

الْعَيْنِ فِي الأَْدَاءِ وَالْمِثْل فِي الْقَضَاءِ، إِذِ الأَْدَاءُ كَمَا سَبَقَ هُوَ فِعْل الْمَأْمُورِ بِهِ فِي وَقْتِهِ بِالنِّسْبَةِ لِمَا لَهُ وَقْتٌ، عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَفِي أَيِّ وَقْتٍ بِالنِّسْبَةِ لِمَا لَيْسَ لَهُ وَقْتٌ مُحَدَّدٌ، عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ.

ب - الإِْعَادَةُ:
4 - الإِْعَادَةُ لُغَةً: رَدُّ الشَّيْءِ ثَانِيًا، وَاصْطِلاَحًا: مَا فُعِل فِي وَقْتِ الأَْدَاءِ ثَانِيًا لِخَلَلٍ فِي الأَْوَّل وَقِيل لِعُذْرٍ. فَالصَّلاَةُ بِالْجَمَاعَةِ بَعْدَ الصَّلاَةِ مُنْفَرِدًا تَكُونُ إِعَادَةً بِاعْتِبَارِ أَنَّ طَلَبَ الْفَضِيلَةِ عُذْرٌ (1) ، فَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الأَْدَاءِ السَّبْقُ وَعَدَمُهُ.

الأَْدَاءُ فِي الْعِبَادَاتِ:
5 - الْعِبَادَاتُ الَّتِي لَمْ تُحَدَّدْ بِوَقْتٍ لاَ تُوصَفُ بِالأَْدَاءِ بِالْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيِّ، أَيِ الَّذِي يُقَابِل الْقَضَاءَ، وَذَلِكَ عِنْدَ غَيْرِ الْحَنَفِيَّةِ، إِلاَّ أَنَّهُمْ يُطْلِقُونَ عَلَيْهَا لَفْظَ الأَْدَاءِ إِطْلاَقًا لُغَوِيًّا بِمَعْنَى الإِْتْيَانِ بِالْمَأْمُورِ بِهِ الأَْعَمِّ مِنَ الأَْدَاءِ الَّذِي يُقَابِل الْقَضَاءَ. وَلِذَلِكَ يَقُول الشَّبْرَامُلْسِيُّ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَلَى أَدَاءِ الزَّكَاةِ - أَيْ دَفْعِهَا: لَيْسَ الْمُرَادُ بِالأَْدَاءِ الْمَعْنَى الْمُصْطَلَحِ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّ الزَّكَاةَ لاَ وَقْتَ لَهَا مُحَدَّدًا حَتَّى تَصِيرَ قَضَاءً بِخُرُوجِهِ (2) . أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَغَيْرُ الْوَقْتِ عِنْدَهُمْ يُسَمَّى أَدَاءً شَرْعًا وَعُرْفًا، وَالْقَضَاءُ يَخْتَصُّ بِالْوَاجِبِ الْمُوَقَّتِ (3) .
__________
(1) التلويح 1 / 161، وجمع الجوامع 1 / 109 - 118 والبدخشي 1 / 64
(2) نهاية المحتاج 3 / 134، والتلويح 1 / 160، 204، وجمع الجوامع 1 / 110
(3) كشف الأسرار 1 / 136، 146، وابن عابدين 1 / 487 ط بولاق.

أَقْسَامُ الْعِبَادَاتِ بِاعْتِبَارِ وَقْتِ الأَْدَاءِ:
6 - الْعِبَادَاتُ بِاعْتِبَارِ وَقْتِ الأَْدَاءِ نَوْعَانِ: مُطْلَقَةٌ وَمُؤَقَّتَةٌ.
فَالْمُطْلَقَةُ: هِيَ الَّتِي لَمْ يُقَيَّدْ أَدَاؤُهَا بِوَقْتٍ مُحَدَّدٍ لَهُ طَرَفَانِ؛ لأَِنَّ جَمِيعَ الْعُمْرِ فِيهَا بِمَنْزِلَةِ الْوَقْتِ فِيمَا هُوَ مُوَقَّتٌ، وَسَوَاءٌ أَكَانَتِ الْعِبَادَةُ وَاجِبَةً كَالزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَاتِ، أَمْ مَنْدُوبَةً كَالنَّفْل الْمُطْلَقِ (1) .
وَأَمَّا الْعِبَادَاتُ الْمُوَقَّتَةُ: فَهِيَ مَا حَدَّدَ الشَّارِعُ وَقْتًا مُعَيَّنًا لأَِدَائِهَا، لاَ يَجِبُ الأَْدَاءُ قَبْلَهُ، وَيَأْثَمُ بِالتَّأْخِيرِ بَعْدَ أَنْ كَانَ الْمَطْلُوبُ وَاجِبًا، وَذَلِكَ كَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَصَوْمِ رَمَضَانَ. وَوَقْتُ الأَْدَاءِ إِمَّا مُوَسَّعٌ وَأَمَّا مُضَيَّقٌ.
فَالْمُضَيَّقُ: هُوَ مَا كَانَ الْوَقْتُ فِيهِ يَسَعُ الْفِعْل وَحْدَهُ، وَلاَ يَسَعُ غَيْرَهُ مَعَهُ، وَذَلِكَ كَرَمَضَانَ فَإِنَّ وَقْتَهُ لاَ يَتَّسِعُ لأَِدَاءِ صَوْمٍ آخَرَ فِيهِ، وَيُسَمَّى مِعْيَارًا أَوْ مُسَاوِيًا (2) .
وَالْمُوَسَّعُ: هُوَ مَا كَانَ الْوَقْتُ فِيهِ يَفْضُل عَنْ أَدَائِهِ، أَيْ أَنَّهُ يَتَّسِعُ لأَِدَاءِ الْفِعْل وَأَدَاءِ غَيْرِهِ مِنْ جِنْسِهِ، وَذَلِكَ كَوَقْتِ الظُّهْرِ مَثَلاً، فَإِنَّهُ يَسَعُ أَدَاءَ صَلاَةِ الظُّهْرِ وَأَدَاءَ صَلَوَاتٍ أُخْرَى، وَلِذَلِكَ يُسَمَّى ظَرْفًا (3) . وَالْحَجُّ مِنَ الْعِبَادَاتِ الَّتِي يُشْتَبَهُ وَقْتُ أَدَائِهِ بِالْمُوَسَّعِ وَالْمُضَيَّقِ؛ لأَِنَّ الْمُكَلَّفَ لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُؤَدِّيَ
__________
(1) كشف الأسرار 1 / 146، 213، وجمع الجوامع 1 / 109،192 وما بعدها، والتلويح 1 / 202 وما بعدها.
(2) كشف الأسرار 1 / 213، والتلويح 1 / 202، وفواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت 1 / 71
(3) فواتح الرحموت 1 / 71، والتلويح 1 / 202، وشرح البدخشي 1 / 89 ط صبيح، والقواعد والفوائد الأصولية ص 70 ط السنة المحمدية.

حَجَّتَيْنِ فِي عَامٍ وَاحِدٍ، فَهُوَ بِهَذَا يُشْبِهُ الْمُضَيَّقَ، وَلَكِنْ أَعْمَال الْحَجِّ لاَ تَسْتَوْعِبُ وَقْتَهُ، فَهُوَ بِهَذَا يُشْبِهُ الْمُوَسَّعَ، هَذَا عَلَى اعْتِبَارِهِ مِنَ الْوَقْتِ، وَقِيل إِنَّهُ مِنَ الْمُطْلَقِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْعُمْرَ وَقْتٌ لِلأَْدَاءِ كَالزَّكَاةِ (1) .

صِفَةُ الأَْدَاءِ (حُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ) :
7 - الْعِبَادَاتُ إِمَّا فَرْضٌ أَوْ مَنْدُوبٌ، فَإِنْ كَانَتْ فَرْضًا كَالصَّلاَةِ وَالصِّيَامِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَالْجِهَادِ وَالنُّذُورِ وَالْكَفَّارَاتِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ الأَْهْل أَدَاؤُهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ، إِذَا تَحَقَّقَ سَبَبُهَا، وَتَوَفَّرَتْ شُرُوطُهَا. فَإِنْ كَانَتِ الْعِبَادَةُ مُحَدَّدَةً بِوَقْتٍ لَهُ طَرَفَانِ، سَوَاءٌ أَكَانَ الْوَقْتُ مُوَسَّعًا، كَوَقْتِ الصَّلاَةِ، أَمْ كَانَ مُضَيَّقًا كَرَمَضَانَ فَإِنَّهُ يَجِبُ أَدَاؤُهَا فِي الْوَقْتِ الْمُحَدَّدِ، وَلاَ يَجُوزُ أَنْ تَتَقَدَّمَ عَلَيْهِ وَلاَ أَنْ تَتَأَخَّرَ عَنْهُ إِلاَّ لِعُذْرٍ؛ لأَِنَّهَا تَفُوتُ بِفَوَاتِ الْوَقْتِ الْمُحَدَّدِ دُونَ أَدَاءٍ، وَتَتَعَلَّقُ بِالذِّمَّةِ إِلَى أَنْ تَقْتَضِيَ. وَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي تَحْدِيدِ الْوَقْتِ الَّذِي يَجِبُ فِيهِ الأَْدَاءُ فِيمَا كَانَ وَقْتُهُ مُضَيَّقًا؛ لأَِنَّ الْوَقْتَ كُلَّهُ مَشْغُولٌ بِالْعِبَادَةِ، وَلَيْسَ فِيهِ زَمَنٌ فَارِغٌ مِنْهَا، إِلاَّ أَنَّهُمْ يَخْتَلِفُونَ فِي تَعْيِينِ النِّيَّةِ لِصِحَّةِ الأَْدَاءِ فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ يَكْفِي مُطْلَقُ النِّيَّةِ؛ لأَِنَّ الْوَقْتَ لَمَّا كَانَ مِعْيَارًا فَلاَ يَصْلُحُ لِعَمَلٍ آخَرَ مِنْ جِنْسِهِ، وَعِنْدَ الْجُمْهُورِ لاَ بُدَّ مِنَ التَّعْيِينِ، فَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ لَمْ يُجْزِهِ (2) .
__________
(1) شرح مسلم الثبوت 1 / 71، والتلويح 1 / 202، والبدخشي 1 / 92، وجمع الجوامع 1 / 191
(2) التلويح 1 / 208، والبدخشي 1 / 89، وكشف الأسرار 1 / 214، والبدائع 1 / 96، والمهذب 1 / 187، ومنتهى الإرادات 1 / 437، 445، ومنح الجليل 1 / 384، 387

أَمَّا مَا كَانَ وَقْتُهُ مُوَسَّعًا فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَحْدِيدِ الْجُزْءِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ وُجُوبُ الأَْدَاءِ، فَعِنْدَ الْجُمْهُورِ هُوَ الْكُل لاَ جُزْءٌ مِنْهُ؛ لأَِنَّ الأَْمْرَ يَقْتَضِي إِيقَاعَ الْفِعْل فِي أَيِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْوَقْتِ، لِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْوَقْتُ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ (1) ، وَهُوَ يَتَنَاوَل جَمِيعَ أَجْزَائِهِ، وَلَيْسَ تَعْيِينُ بَعْضِ الأَْجْزَاءِ لِوُجُوبِ الأَْدَاءِ بِأَوْلَى مِنْ تَعْيِينِ الْبَعْضِ الآْخَرِ، إِلاَّ أَنَّ الأَْدَاءَ يَجِبُ فِي أَوَّل الْوَقْتِ مَعَ الإِْمْكَانِ، وَقِيل يُسْتَحَبُّ؛ لِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَوَّل الْوَقْتِ رِضْوَانُ اللَّهِ، وَآخِرُهُ عَفْوُ اللَّهِ (2) . وَيَجُوزُ التَّأْخِيرُ إِلَى آخِرِ الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ؛ لأَِنَّ عَدَمَ جَوَازِ التَّأْخِيرِ فِيهِ ضِيقٌ عَلَى النَّاسِ، فَسُمِحَ لَهُمْ بِالتَّأْخِيرِ، وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ يَجُوزُ التَّأْخِيرُ لَكِنْ مَعَ الْعَزْمِ عَلَى الْفِعْل، فَإِنْ لَمْ يَعْزِمْ أَثِمَ. وَإِنْ ظَنَّ الْمُكَلَّفُ أَنَّهُ لاَ يَعِيشُ إِلَى آخِرِ الْوَقْتِ، الْمُوَسَّعِ تَضَيَّقَ عَلَيْهِ الْوَقْتُ وَحَرُمَ عَلَيْهِ التَّأْخِيرُ اعْتِبَارًا بِظَنِّهِ، فَإِنْ أَخَّرَهُ وَمَاتَ عَصَى اتِّفَاقًا، فَإِنْ لَمْ يَمُتْ بَل عَاشَ وَفَعَل فِي آخِرِ الْوَقْتِ فَهُوَ قَضَاءٌ عِنْدَ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ الْبَاقِلاَّنِيِّ أَدَاءٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، لِصِدْقِ
__________
(1) حديث: " الوقت ما بين. . . " أخرجه مسلم (1 / 370،371) تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، وأخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان وابن خزيمة وأحمد (الدراية 1 / 98 - 100)
(2) أخرجه الدارقطني، وله اللفظ المذكور (الفتح الكبير 1 / 466) . وأخرجه الترمذي (1 / 321 ط البابي الحلبي - تحقيق أحمد شاكر 1356 هـ) بلفظ: " الوقت الأول من الصلاة رضوان الله، والوقت الآخر عفو الله ". وفي سنده راو منكر الحديث، وفي الباب عن غير ابن عمر، إلا أن الإمام أحمد قال: لا أعرف شيئا يثبت فيه، يعني في هذا الباب (تلخيص الحبير 1 / 180) .

تَعْرِيفِ الأَْدَاءِ عَلَيْهِ، وَلاَ عِبْرَةَ بِالظَّنِّ الْبَيِّنِ خَطَؤُهُ.
وَعِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَقْتُ الأَْدَاءِ هُوَ الْجُزْءُ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ الْفِعْل، وَأَنَّ الصَّلاَةَ لاَ تَجِبُ فِي أَوَّل الْوَقْتِ عَلَى التَّعْيِينِ، وَإِنَّمَا تَجِبُ فِي جُزْءٍ مِنَ الْوَقْتِ غَيْرِ مُعَيَّنٍ، وَإِنَّمَا التَّعْيِينُ إِلَى الْمُصَلِّي مِنْ حَيْثُ الْفِعْل حَتَّى إِنَّهُ إِذَا شَرَعَ فِي أَوَّل الْوَقْتِ يَجِبُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَكَذَا إِذَا شَرَعَ فِي وَسَطِهِ أَوْ آخِرِهِ، وَمَتَى لَمْ يُعَيِّنْ حَتَّى بَقِيَ مِنَ الْوَقْتِ مِقْدَارُ مَا يُصَلِّي فِيهِ أَرْبَعًا - وَهُوَ مُقِيمٌ - يَجِبُ عَلَيْهِ تَعْيِينُ ذَلِكَ الْوَقْتِ لِلأَْدَاءِ فِعْلاً وَيَأْثَمُ بِتَرْكِ التَّعْيِينِ.
وَقَال بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ الْعِرَاقِيِّينَ: إِنَّ وُجُوبَ الأَْدَاءِ يَتَعَلَّقُ بِآخِرِ الْوَقْتِ، فَعَلَى هَذَا، فَإِنْ قَدَّمَهُ ثُمَّ زَالَتْ أَهْلِيَّتُهُ قَبْل آخِرِ الْوَقْتِ فَالْمُؤَدَّى نَفْلٌ. وَقَال بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: إِنَّ الْوُجُوبَ يَتَعَلَّقُ بِأَوَّل الْوَقْتِ فَإِنْ أَخَّرَهُ فَهُوَ قَضَاءٌ. وَكِلاَ الْفَرِيقَيْنِ مِمَّنْ يُنْكِرُونَ التَّوَسُّعَ فِي الْوُجُوبِ (1) .

بِمَ يَتَحَقَّقُ الأَْدَاءُ إِذَا تَضَيَّقَ الْوَقْتُ؟
8 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا يُمْكِنُ بِهِ إِدْرَاكُ الْفَرْضِ إِذَا تَضَيَّقَ الْوَقْتُ، فَعِنْدَ الْجُمْهُورِ يُمْكِنُ إِدْرَاكُهُ بِرَكْعَةٍ بِسَجْدَتَيْهَا فِي الْوَقْتِ، فَمَنْ صَلَّى رَكْعَةً فِي الْوَقْتِ ثُمَّ خَرَجَ الْوَقْتُ يَكُونُ مُؤَدِّيًا لِلْجَمِيعِ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
__________
(1) شرح البدخشي 1 / 89، والتلويح 1 / 207، وجمع الجوامع 1 / 187 وما بعدها، والقواعد والفوائد الأصولية لابن اللحام ص 70، 71، مطبعة أنصار السنة، والفروق للقرافي 2 / 75 وما بعدها ط دار المعرفة بيروت، والبدائع 1 / 95، والمهذب 1 / 60 والمغني 1 / 395 ط الثالثة بمطبعة المنار.

قَال: مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبْحِ قَبْل أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْل أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ (1) ، وَذَهَبَ أَشْهَبُ إِلَى أَنَّهَا تُدْرَكُ بِالرُّكُوعِ وَحْدَهُ وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَبَعْضِ الْحَنَابِلَةِ يُمْكِنُ إِدْرَاكُ الصَّلاَةِ بِتَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: إِذَا أَدْرَكَ أَحَدُكُمْ أَوَّل سَجْدَةٍ مِنْ صَلاَةِ الْعَصْرِ قَبْل أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَلْيُتِمَّ صَلاَتَهُ، وَإِذَا أَدْرَكَ أَوَّل سَجْدَةٍ مِنْ صَلاَةِ الصُّبْحِ قَبْل أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَلْيُتِمَّ صَلاَتَهُ (2) وَفِي رِوَايَةٍ: فَقَدْ أَدْرَكَ؛ وَلأَِنَّ الإِْدْرَاكَ إِذَا تَعَلَّقَ بِهِ حُكْمٌ فِي الصَّلاَةِ اسْتَوَى فِيهِ الرَّكْعَةُ وَمَا دُونَهَا. وَقَال بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ: إِنَّهُ يَكُونُ مُؤَدِّيًا لِمَا صَلَّى فِي الْوَقْتِ قَاضِيًا لِمَا صَلَّى بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ، اعْتِبَارًا لِكُل جُزْءٍ بِزَمَانِهِ، وَاسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّةُ مِنْ ذَلِكَ صَلاَةَ الصُّبْحِ وَحْدَهَا، فَإِنَّهَا لاَ تُدْرَكُ إِلاَّ بِأَدَائِهَا كُلِّهَا قَبْل طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَعَلَّلُوا ذَلِكَ بِطُرُوءِ الْوَقْتِ النَّاقِصِ عَلَى الْوَقْتِ الْكَامِل، وَلِذَا عَدُّوا ذَلِكَ مِنْ مُبْطِلاَتِ الصَّلاَةِ (3)
__________
(1) حديث أبو هريرة: " من أدرك. . . " متفق عليه (تلخيص الحبير 1 / 175)
(2) حديث أبي هريرة " إذا أدرك أحدكم. . . " رواه النسائي، وهذا لفظه (1 / 257) ط المكتبة التجارية، ورواه مسلم من حديث عائشة (1 / 424)
(3) ابن عابدين 1 / 242، ومنح الجليل 1 / 111، والمهذب 1 / 60، ونهاية المحتاج 1 / 360، 361، والدسوقي 1 / 182، والمغني 1 / 377، 378، ومنتهى الإرادات 1 / 136، ومراقي الفلاح 180 بحاشية الطحطاوي.

وَأَمَّا مَا كَانَ وَقْتُهُ مُطْلَقًا كَالزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَاتِ وَالنُّذُورِ الْمُطْلَقَةِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وَقْتِ وُجُوبِ الأَْدَاءِ بِنَاءً عَلَى اخْتِلاَفِهِمْ فِي الأَْمْرِ بِهِ، هَل هُوَ عَلَى الْفَوْرِ أَوْ عَلَى التَّرَاخِي؟ وَالْكَلاَمُ فِيهِ عَلَى مِثَال مَا قِيل فِيمَا كَانَ وَقْتُهُ مُوَسَّعًا فِي أَنَّهُ يَجِبُ تَعْجِيل الأَْدَاءِ فِي أَوَّل أَوْقَاتِ الإِْمْكَانِ، وَيَأْثَمُ بِالتَّأْخِيرِ بِدُونِ عَزْمٍ عَلَى الْفِعْل، أَوْ أَنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي وَلاَ يَجِبُ التَّعْجِيل وَلاَ يَأْثَمُ بِالتَّأْخِيرِ عَنْ أَوَّل أَوْقَاتِ الإِْمْكَانِ، لَكِنَّ الْجَمِيعَ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ وُجُوبَ الأَْدَاءِ يَتَضَيَّقُ فِي آخِرِ عُمُرِهِ فِي زَمَانٍ يَتَمَكَّنُ فِيهِ مِنَ الأَْدَاءِ قَبْل مَوْتِهِ بِغَالِبِ ظَنِّهِ، وَأَنَّهُ إِنْ لَمْ يُؤَدِّ حَتَّى مَاتَ أَثِمَ بِتَرْكِهِ (1) . هَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلْعِبَادَاتِ الْوَاجِبَةِ سَوَاءٌ أَكَانَتْ مُوَقَّتَةً أَمْ مُطْلَقَةً.
9 - أَمَّا الْمَنْدُوبُ مِنَ الْعِبَادَاتِ فَمِنَ الْمُقَرَّرِ أَنَّ الْمَنْدُوبَ حُكْمُهُ الثَّوَابُ عَلَى الْفِعْل وَعَدَمُ اللَّوْمِ عَلَى التَّرْكِ، لَكِنَّ فِعْلَهُ أَوْلَى مِنْ تَرْكِهِ. وَمِنَ الْمَنْدُوبِ مَا هُوَ مُوَقَّتٌ كَالرَّكْعَتَيْنِ قَبْل الظُّهْرِ وَالرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَهُ، وَمَا بَعْدَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، وَرَكْعَتَيِ الْفَجْرِ، وَمِنْهُ مَا هُوَ مُسَبَّبٌ كَصَلاَةِ الْخُسُوفِ وَالْكُسُوفِ، وَمِنْهُ مَا هُوَ مُطْلَقٌ كَالتَّهَجُّدِ. وَمِثْل ذَلِكَ فِي الصَّوْمِ أَيْضًا، فَمِنْهُ مَا هُوَ مُوَقَّتٌ، كَصِيَامِ يَوْمِ عَرَفَةَ لِغَيْرِ الْحَاجِّ، وَصِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، وَمِنْهُ مَا يَتَطَوَّعُ بِهِ الإِْنْسَانُ فِي أَيِّ يَوْمٍ. وَقَدْ وَرَدَتْ آثَارٌ كَثِيرَةٌ فِي فَضْل مَا زَادَ عَلَى الْفَرْضِ مِنَ الْعِبَادَاتِ مِنْ صَلاَةٍ وَصَوْمٍ وَحَجٍّ وَزَكَاةٍ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَفْضَل الصَّلاَةِ
__________
(1) بدائع الصنائع 2 / 96، 104، 118، وابن عابدين 2 / 28، والمغني 2 / 684 و 3 / 341، ومنتهى الإرادات 1 / 416، ونهاية المحتاج 3 / 229 والمهذب 1 / 147، 206

بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلاَةُ اللَّيْل (1) .
وَقَوْلُهُ: صَوْمُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ كَفَّارَةُ سَنَةٍ (2) . وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنْ رَسُول اللَّهِ أَنَّهُ قَال: مَنْ ثَابَرَ عَلَى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ (3) . وَهَذِهِ الْعِبَادَاتُ الْمَنْدُوبَةُ يُطْلَبُ أَدَاؤُهَا طَلَبًا لِلثَّوَابِ وَلاَ يَجِبُ الأَْدَاءُ إِلاَّ مَا شُرِعَ فِيهِ، فَيَجِبُ إِتْمَامُهُ، وَإِذَا فَسَدَ قَضَاهُ، وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ. أَمَّا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فَيُسْتَحَبُّ الإِْتْمَامُ إِلاَّ فِي تَطَوُّعِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَإِنَّهُ إِذَا شَرَعَ فِيهِمَا فَيَجِبُ إِتْمَامُهُمَا بِاتِّفَاقِ الْجَمِيعِ (4) .

أَدَاءُ أَصْحَابِ الأَْعْذَارِ:
10 - يُشْتَرَطُ لأَِدَاءِ الْعِبَادَةِ أَهْلِيَّةُ الأَْدَاءِ مَعَ الإِْمْكَانِ وَالْقُدْرَةِ. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ الأَْدَاءِ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ كَانَ أَهْلاً لِلأَْدَاءِ فِي أَوَّل الْوَقْتِ، ثُمَّ طَرَأَ عَلَيْهِ عُذْرٌ
__________
(1) حديث: " أفضل الصلاة. . . " رواه مسلم، وهذا لفظه (2 / 821) ط الحلبي، وأحمد (2 / 303، 329) ط الميمنية، وأبو داود (1 / 566) ط الحلبي.
(2) حديث: " صوم يوم عاشوراء. . . . " رواه مسلم وابن حبان من حديث أبي قتادة (تلخيص الحبير 2 / 213) .
(3) حديث عائشة: " من ثابر. . . " رواه النسائي وابن ماجه والترمذي، وقال الترمذي: غريب من هذا الوجه وقال النسائي: المغيرة بن زياد ليس بالقوي. وقال أحمد ضعيف. وأخرجه مسلم من حديث عنبسة بن أبي سفيان عن أم جيبة (تلخيص الحبير 2 / 12) .
(4) ابن عابدين 1 / 84، والبدائع 1 / 284 - 290، ونهاية المحتاج 3 / 124، ومنتهى الإرادات 1 / 461، والمغني 2 / 140، ومنح الجليل 1 / 210، 409، 563، والتلويح 1 / 125، وجمع الجوامع 1 / 90

فِي آخِرِهِ، كَمَنْ كَانَ أَهْلاً لِلصَّلاَةِ فِي أَوَّل الْوَقْتِ، فَلَمْ يُصَل حَتَّى طَرَأَ عَلَيْهِ آخِرَ الْوَقْتِ عُذْرٌ يَمْنَعُ مِنَ الأَْدَاءِ، كَمَا إِذَا حَاضَتِ الطَّاهِرَةُ فِي آخِرِ الْوَقْتِ أَوْ نَفِسَتْ أَوْ جُنَّ الْعَاقِل أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ، أَوِ ارْتَدَّ الْمُسْلِمُ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ وَقَدْ بَقِيَ مِنَ الْوَقْتِ مَا يَسَعُ الْفَرْضَ. فَعِنْدَ الْجُمْهُورِ يَلْزَمُهُمُ الْفَرْضُ؛ لأَِنَّ الْوُجُوبَ وَالأَْهْلِيَّةَ ثَابِتَةٌ فِي أَوَّل الْوَقْتِ فَيَلْزَمُهُمُ الْقَضَاءُ.
أَمَّا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فَلاَ يَلْزَمُهُمُ الْفَرْضُ؛ لأَِنَّ الْوُجُوبَ يَتَعَيَّنُ فِي آخِرِ الْوَقْتِ إِذَا لَمْ يُوجَدِ الأَْدَاءُ قَبْلَهُ، فَيَسْتَدْعِي الأَْهْلِيَّةَ فِيهِ؛ لاِسْتِحَالَةِ الإِْيجَابِ عَلَى غَيْرِ الأَْهْل، وَلَمْ يُوجَدْ، فَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ قَضَاءٌ. وَهُوَ أَيْضًا رَأْيُ الإِْمَامِ مَالِكٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ وَابْنِ عَرَفَةَ، خِلاَفًا لِبَعْضِ أَهْل الْمَدِينَةِ وَابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ حَيْثُ الْقَضَاءُ عِنْدَهُمْ أَحْوَطُ.
أَمَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلاً فِي أَوَّل الْوَقْتِ، ثُمَّ زَال الْعُذْرُ فِي آخِرِ الْوَقْتِ، كَمَا إِذَا طَهُرَتِ الْحَائِضُ فِي آخِرِ الْوَقْتِ وَأَسْلَمَ الْكَافِرُ وَبَلَغَ الصَّبِيُّ وَأَفَاقَ الْمَجْنُونُ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ وَأَقَامَ الْمُسَافِرُ أَوْ سَافَرَ الْمُقِيمُ فَلِلْحَنَفِيَّةِ قَوْلاَنِ:
أَحَدُهُمَا وَهُوَ قَوْل زُفَرَ أَنَّهُ لاَ يَجِبُ الْفَرْضُ وَلاَ يَتَغَيَّرُ الأَْدَاءُ إِلاَّ إِذَا بَقِيَ مِنَ الْوَقْتِ مِقْدَارُ مَا يُمْكِنُ فِيهِ أَدَاءُ الْفَرْضِ.
وَالْقَوْل الثَّانِي لِلْكَرْخِيِّ وَأَكْثَرِ الْمُحَقِّقِينَ: أَنَّهُ يَجِبُ الْفَرْضُ وَيَتَغَيَّرُ الأَْدَاءُ إِذَا بَقِيَ مِنَ الْوَقْتِ مِقْدَارُ مَا يَسَعُ التَّحْرِيمَةَ فَقَطْ، وَهُوَ قَوْل الْحَنَابِلَةِ وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ. وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يَجِبُ الْفَرْضُ إِذَا بَقِيَ مِنَ

الْوَقْتِ مِقْدَارُ رَكْعَةٍ مَعَ زَمَنٍ يَسَعُ الطُّهْرَ، وَهُوَ قَوْلٌ لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ، وَفِي قَوْلٍ آخَرَ لِلشَّافِعِيَّةِ إِذَا بَقِيَ مِقْدَارُ رَكْعَةٍ فَقَطْ (1) .
هَذَا مِثَالٌ لاِعْتِبَارِ أَهْلِيَّةِ الأَْدَاءِ فِي بَعْضِ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ. وَلِمَعْرِفَةِ التَّفَاصِيل (ر: أَهْلِيَّةٌ. حَجٌّ. صَلاَةٌ. صَوْمٌ) .
11 - أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْقُدْرَةِ عَلَى الأَْدَاءِ فَإِنَّ الْمَطْلُوبَ أَدَاءُ الْعِبَادَةِ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي وَرَدَ بِهَا الشَّرْعُ، فَفِي الصَّلاَةِ مَثَلاً يَجِبُ أَنْ يَكُونَ أَدَاؤُهَا عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي وَرَدَتْ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَلِكَ لِمَا جَاءَ فِي قَوْلِهِ: صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي (2) ، فَمَنْ عَجَزَ عَنْ أَدَاءِ الصَّلاَةِ عَلَى الصِّفَةِ الْمَشْرُوعَةِ جَازَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِالصِّفَةِ الَّتِي يَسْتَطِيعُ بِهَا أَدَاءَ الصَّلاَةِ، فَمَنْ عَجَزَ عَنِ الْقِيَامِ صَلَّى جَالِسًا، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ. وَهَذَا بِاتِّفَاقٍ لِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: صَل قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ (3) ، وَهَكَذَا (4) ، وَكَذَلِكَ الْعَاجِزُ عَنِ الصَّوْمِ لِشَيْخُوخَةٍ أَوْ مَرَضٍ لاَ يُرْجَى بُرْؤُهُ لاَ يَجِبُ عَلَيْهِ الصَّوْمُ؛ لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: {وَمَا جَعَل عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} (5) مَعَ
__________
(1) بدائع الصنائع 1 / 95، 96، والمهذب 1 / 60، 61، ومنح الجليل 1 / 111 - 114، والفروق للقرافي 2 / 137، والكافي 1 / 238، والدسوقي 1 / 185، 186 ط دار الفكر، والمغني 1 / 373، 396، 397، نشر مكتبة الرياض الحديثة.
(2) متفق عليه (تلخيص الحبير 1 / 217 و 2 / 122)
(3) أخرجه البخاري والنسائي (تلخيص الحبير 1 / 225)
(4) المغني 4 / 143 ط الرياض، والمهذب 1 / 108 ط دار المعرفة بيروت، ومنح الجليل 1 / 165، 166، والدسوقي 1 / 257 وما بعدها والبدائع 1 / 106
(5) سورة الحج / 78

الاِخْتِلاَفِ فِي وُجُوبِ الْفِدْيَةِ وَعَدَمِهَا، فَقِيل: تَجِبُ عَنْ كُل يَوْمٍ مُدٌّ مِنْ طَعَامٍ، وَقِيل: لاَ تَجِبُ (1) . وَالْحَجُّ أَيْضًا لاَ يَجِبُ أَدَاؤُهُ إِلاَّ عَلَى الْمُسْتَطِيعِ بِالْمَال وَالْبَدَنِ وَالْمَحْرَمِ أَوِ الرُّفْقَةِ الْمَأْمُونَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَرْأَةِ. فَمَنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ فَلاَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ (2) ؛ لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً (3) } .
12 - وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْعِبَادَاتِ الْمَالِيَّةِ كَالزَّكَاةِ فَنَظَرًا لِلأَْهْلِيَّةِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ عَلَى الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، فَعِنْدَ الْجُمْهُورِ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي مَال الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، لأَِنَّهُ حَقٌّ يَتَعَلَّقُ بِالْمَال، وَيُؤَدِّي عَنْهُمَا وَلِيُّهُمَا، وَتُعْتَبَرُ نِيَّةُ الْوَلِيِّ فِي الإِْخْرَاجِ. وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لاَ يَجِبُ عَلَيْهِمَا الزَّكَاةُ؛ لأَِنَّ الزَّكَاةَ عِبَادَةٌ، وَهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْلِهَا (4) .
وَكَذَلِكَ مَنْ عَجَزَ عَنْ أَدَاءِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنَ الْكَفَّارَةِ وَقْتَ الْوُجُوبِ، ثُمَّ تَغَيَّرَ حَالُهُ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ. فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ: الْعِبْرَةُ بِوَقْتِ الأَْدَاءِ لاَ بِوَقْتِ الْوُجُوبِ، وَهُوَ أَحَدُ الأَْقْوَال عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، فَلَوْ كَانَ مُوسِرًا وَقْتَ الْوُجُوبِ جَازَ لَهُ الصَّوْمُ.
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِوَقْتِ الْوُجُوبِ لاَ بِوَقْتِ الأَْدَاءِ. وَفِي قَوْلٍ آخَرَ
__________
(1) المهذب 1 / 185 ومنتهى الإرادات 1 / 443 ط دار الفكر، ومنح الجليل 1 / 392، والدسوقي 1 / 516، وابن عابدين 2 / 123 ط الثالثة.
(2) المهذب 1 / 203، ومنتهى الإرادات 2 / 2، والكافي 1 / 356 ط مكتبة الرياض، والبدائع 2 / 118
(3) سورة آل عمران / 97
(4) المغني 2 / 622، ومنح الجليل 1 / 344، والمهذب 1 / 147، وبدائع الصنائع 2 / 4، 5

لِلشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ أَغْلَظُ الأَْحْوَال مِنْ حِينِ الْوُجُوبِ إِلَى حِينِ التَّكْفِيرِ (1) .

تَعْجِيل الأَْدَاءِ عَنْ وَقْتِ الْوُجُوبِ أَوْ سَبَبِهِ:
13 - الْعِبَادَاتُ الْمُوَقَّتَةُ بِوَقْتٍ، وَالَّتِي يُعْتَبَرُ الْوَقْتُ سَبَبًا لِوُجُوبِهَا، كَالصَّلاَةِ وَالصِّيَامِ فَإِنَّ الْوَقْتَ فِيهِمَا سَبَبُ الْوُجُوبِ؛ لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: {أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ (2) } ، وقَوْله تَعَالَى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ (3) } . هَذِهِ الْعِبَادَاتُ لاَ يَجُوزُ تَعْجِيل الأَْدَاءِ فِيهَا عَنْ وَقْتِ الْوُجُوبِ، وَهَذَا بِاتِّفَاقٍ. أَمَّا الْعِبَادَاتُ الَّتِي لاَ يُعْتَبَرُ الْوَقْتُ سَبَبًا لِوُجُوبِهَا، وَإِنْ كَانَ شَرْطًا فِيهَا، كَالزَّكَاةِ، أَوِ الْمُطْلَقَةِ الْوَقْتِ كَالْكَفَّارَاتِ، فَإِنَّ الْفُقَهَاءَ يَخْتَلِفُونَ فِي جَوَازِ تَعْجِيل الأَْدَاءِ عَنْ وَقْتِ وُجُوبِهَا أَوْ عَنْ أَسْبَابِهَا: فَفِي الزَّكَاةِ مَثَلاً يَجُوزُ تَعْجِيل الأَْدَاءِ قَبْل الْحَوْل مَتَى تَمَّ النِّصَابُ، وَذَلِكَ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، لأَِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَسَلَّفَ مِنَ الْعَبَّاسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ زَكَاةَ عَامَيْنِ (4) ؛ وَلأَِنَّهُ حَقُّ مَالٍ أُجِّل لِلرِّفْقِ، فَجَازَ تَعْجِيلُهُ قَبْل مَحِلِّهِ، كَالدَّيْنِ الْمُؤَجَّل.
أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَإِنَّهُ لاَ يَجُوزُ عِنْدَهُمْ إِخْرَاجُ الْوَاجِبِ قَبْل تَمَامِ الْحَوْل إِلاَّ بِالزَّمَنِ الْيَسِيرِ كَالشَّهْرِ. وَصَدَقَةُ الْفِطْرِ يَجُوزُ تَعْجِيلُهَا عَنْ وَقْتِهَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، أَمَّا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فَلاَ يَجُوزُ
__________
(1) البدائع 5 / 97، والكافي 1 / 454، ونهاية المحتاج 8 / 174، والمهذب 2 / 116، والمغني 7 / 381
(2) سورة الإسراء / 78
(3) سورة البقرة / 85
(4) أخرجه الطبراني والبزار من حديث ابن مسعود وفي إسناده محمد بن ذكوان وهو ضعيف (تلخيص الحبير 2 / 163)

إِخْرَاجُهَا قَبْل وَقْتِهَا إِلاَّ بِالزَّمَنِ الْيَسِيرِ، كَالْيَوْمِ وَالْيَوْمَيْنِ.
وَكَفَّارَةُ الْيَمِينِ يَجُوزُ تَعْجِيلُهَا قَبْل الْحِنْثِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، مَعَ تَخْصِيصِ الشَّافِعِيَّةِ التَّقْدِيمَ إِذَا كَانَ بِغَيْرِ الصَّوْمِ، وَلاَ يَجُوزُ التَّقْدِيمُ عَلَى الْحِنْثِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (1) . وَفِي الْمَوْضُوعِ تَفْصِيلاَتٌ كَثِيرَةٌ تُنْظَرُ فِي مَوَاضِعِهَا.

النِّيَابَةُ فِي أَدَاءِ الْعِبَادَاتِ:
14 - الْعِبَادَاتُ الْمَالِيَّةُ الْمَحْضَةُ كَالزَّكَاةِ وَالصَّدَقَاتِ وَالْكَفَّارَاتِ تَجُوزُ فِيهَا النِّيَابَةُ، سَوَاءٌ كَانَ مَنْ هِيَ عَلَيْهِ قَادِرًا عَلَى الأَْدَاءِ بِنَفْسِهِ أَمْ لاَ؛ لأَِنَّ الْوَاجِبَ فِيهَا إِخْرَاجُ الْمَال، وَهُوَ يَحْصُل بِفِعْل النَّائِبِ.
15 - أَمَّا الْعِبَادَاتُ الْبَدَنِيَّةُ الْمَحْضَةُ كَالصَّلاَةِ وَالصَّوْمِ فَلاَ تَجُوزُ فِيهَا النِّيَابَةُ حَال الْحَيَاةِ بِاتِّفَاقٍ؛ لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: {وَأَنْ لَيْسَ لِلإِْنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى} ، وَقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لاَ يَصُومُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ، وَلاَ يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ (2) ، أَيْ فِي حَقِّ الْخُرُوجِ عَنِ الْعُهْدَةِ، لاَ فِي حَقِّ الثَّوَابِ. أَمَّا بَعْدَ الْمَمَاتِ فَكَذَلِكَ الْحُكْمُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، إِلاَّ مَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ مِنْ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ عَنِ الْمَيِّتِ مَنْ يُصَلِّي عَنْهُ مَا فَاتَهُ
__________
(1) ابن عابدين 2 / 27، والبدائع 2 / 40، 50 و 5 / 97، ونهاية المحتاج 3 / 139 و 8 / 171، 172، والحطاب 4 / 275، ومنح الجليل 1 / 333، والكافي 1 / 303 وشرح. منتهى الإرادات 3 / 428 و 1 / 422، والمغني 9 / 30
(2) أخرجه عبد الرزاق عن ابن عمر موقوفا (الدراية 1 / 283) ، وذكره مالك بلاغا من قول ابن عمر كذلك (الموطأ بتحقيق محمد عبد الباقي 1 / 303)

مِنَ الصَّلَوَاتِ (1) .
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لاَ تَجُوزُ النِّيَابَةُ عَنِ الْمَيِّتِ فِي الصَّلاَةِ. أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلصَّوْمِ فَعِنْدَهُمْ أَنَّ مَنْ فَاتَهُ شَيْءٌ مِنْ رَمَضَانَ، وَمَاتَ قَبْل إِمْكَانِ الْقَضَاءِ، فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ، أَيْ لاَ يُفْدَى عَنْهُ وَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ، أَمَّا إِذَا تَمَكَّنَ مِنَ الْقَضَاءِ، وَلَمْ يَصُمْ حَتَّى مَاتَ، فَفِيهِ قَوْلاَنِ:
أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ الصَّوْمُ عَنْهُ، لأَِنَّهُ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ، فَلاَ تَدْخُلُهَا النِّيَابَةُ فِي حَال الْحَيَاةِ فَكَذَلِكَ بَعْدَ الْمَوْتِ.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَصُومَ وَلِيُّهُ عَنْهُ، بَل يُنْدَبُ، لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ (2) وَهَذَا الرَّأْيُ هُوَ الأَْظْهَرُ. قَال السُّبْكِيُّ: وَيَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُخْتَارُ وَالْمُفْتَى بِهِ، وَالْقَوْلاَنِ يَجْرِيَانِ فِي الصِّيَامِ الْمَنْذُورِ إِذَا لَمْ يُؤَدَّ (3) .
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ لاَ تَجُوزُ النِّيَابَةُ عَنِ الْمَيِّتِ فِي الصَّلاَةِ أَوِ الصِّيَامِ الْوَاجِبِ بِأَصْل الشَّرْعِ - أَيِ الصَّلاَةِ الْمَفْرُوضَةِ وَصَوْمِ رَمَضَانَ - لأَِنَّ هَذِهِ الْعِبَادَاتِ لاَ تَدْخُلُهَا النِّيَابَةُ حَال الْحَيَاةِ، فَبَعْدَ الْمَوْتِ كَذَلِكَ. أَمَّا مَا أَوْجَبَهُ الإِْنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بِالنَّذْرِ، مِنْ صَلاَةٍ أَوْ صَوْمٍ، فَإِنْ كَانَ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ فِعْل الْمَنْذُورِ، كَمَنْ نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ مُعَيَّنٍ وَمَاتَ قَبْل حُلُولِهِ، فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ، فَإِنْ تَمَكَّنَ مِنَ الأَْدَاءِ وَلَمْ يَفْعَل حَتَّى مَاتَ سُنَّ لِوَلِيِّهِ فِعْل النَّذْرِ عَنْهُ؛ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: جَاءَتِ
__________
(1) البدائع 2 / 212 ط شركة. المطبوعات العلمية، وابن عابدين 1 / 514 و 2 / 121 - 130 و 5 / 96 ط بولاق ثالثة، والحطاب 2 / 543، 544 نشر مكتبة النجاح، والفروق 2 / 205، 3 / 188،. وكشف الأسرار 1 / 150
(2) متفق عليه من حديث عائشة (تلخيص الحبير 2 / 209)
(3) نهاية المحتاج 3 / 184 - 187

امْرَأَةٌ إِلَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: يَا رَسُول اللَّهِ إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ نَذْرٍ أَفَأَصُومُ عَنْهَا؟ قَال: أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِيهِ أَكَانَ يُؤَدِّي ذَلِكَ عَنْهَا؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَال: فَصُومِي عَنْ أُمِّكِ (1) . وَلأَِنَّ النِّيَابَةَ تَدْخُل فِي الْعِبَادَةِ بِحَسَبِ خِفَّتِهَا، وَالنَّذْرُ أَخَفُّ حُكْمًا؛ لأَِنَّهُ لَمْ يَجِبْ بِأَصْل الشَّرْعِ. وَيَجُوزُ لِغَيْرِ الْوَلِيِّ فِعْل مَا عَلَى الْمَيِّتِ مِنْ نَذْرٍ بِإِذْنِهِ وَبِدُونِ إِذْنِهِ (2) .
16 - وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ بِالنِّسْبَةِ لِلْحَجِّ بِاعْتِبَارِ مَا فِيهِ مِنْ جَانِبٍ مَالِيٍّ وَجَانِبٍ بَدَنِيٍّ. وَالْمَالِكِيَّةُ - فِي الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ - هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِعَدَمِ جَوَازِ النِّيَابَةِ فِي الْحَجِّ. أَمَّا بَقِيَّةُ الْفُقَهَاءِ فَتَصِحُّ عِنْدَهُمُ النِّيَابَةُ فِي الْحَجِّ، لَكِنَّهُمْ يُقَيِّدُونَ ذَلِكَ بِالْعُذْرِ، وَهُوَ الْعَجْزُ عَنِ الْحَجِّ بِنَفْسِهِ؛ لِمَا رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ خَثْعَمَ قَالَتْ: يَا رَسُول اللَّهِ إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَال: نَعَمْ. (3)
وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ قَال لِرَجُلٍ: أَرَأَيْتُكَ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكَ دَيْنٌ، فَقَضَيْتَهُ عَنْهُ قُبِل مِنْكَ؟ قَال: نَعَمْ، فَقَال
__________
(1) حديث ابن عباس: " جاءت امرأة. . . أخرجه مسلم (2 / 804 تحقيق محمد عبد الباقي) ورواه البخاري ببعض اختلاف في ألفاظه 3 / 44 ط محمد علي صبيح.
(2) شرح منتهى الإرادات 1 / 121، 417، 418، 457، 458، والمغني 9 / 31
(3) حديث ابن عباس: " إن امرأة من خثعم. . . " أخرجه مسلم (2 / 973) ، وهذا لفظه، وأخرجه البخاري (تلخيص الحبير 2 / 224)

النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَاللَّهُ أَرْحَمُ. حُجَّ عَنْ أَبِيكَ. (1)
وَضَابِطُ الْعُذْرِ الَّذِي تَصِحُّ مَعَهُ النِّيَابَةُ هُوَ الْعَجْزُ الدَّائِمُ إِلَى الْمَوْتِ، وَذَلِكَ كَالشَّيْخِ الْفَانِي وَالزَّمِنِ وَالْمَرِيضِ الَّذِي لاَ يُرْجَى بُرْؤُهُ. فَهَؤُلاَءِ إِذَا وَجَدُوا مَالاً يَلْزَمُهُمُ الاِسْتِنَابَةُ فِي الْحَجِّ عَنْهُمْ.
وَمَنْ أَحَجَّ عَنْ نَفْسِهِ لِلْعُذْرِ الدَّائِمِ، ثُمَّ زَال الْعُذْرُ قَبْل الْمَوْتِ، فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لَمْ يَجُزْ حَجُّ غَيْرِهِ عَنْهُ، وَعَلَيْهِ الْحَجُّ؛ لأَِنَّ جَوَازَ الْحَجِّ عَنِ الْغَيْرِ ثَبَتَ بِخِلاَفِ الْقِيَاسِ، لِضَرُورَةِ الْعَجْزِ الَّذِي لاَ يُرْجَى زَوَالُهُ، فَيَتَقَيَّدُ الْجَوَازُ بِهِ. (2)
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ يُجْزِئُ حَجُّ الْغَيْرِ، وَيَسْقُطُ عَنْهُ الْفَرْضُ؛ لأَِنَّهُ أَتَى بِمَا أُمِرَ بِهِ فَخَرَجَ مِنَ الْعُهْدَةِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَبْرَأْ. لَكِنَّ ذَلِكَ مُقَيَّدٌ بِمَا إِذَا عُوفِيَ بَعْدَ فَرَاغِ النَّائِبِ مِنَ الْحَجِّ، فَإِذَا عُوفِيَ قَبْل فَرَاغِ النَّائِبِ فَيَنْبَغِي أَنْ لاَ يُجْزِئَهُ الْحَجُّ؛ لأَِنَّهُ قَدَرَ عَلَى الأَْصْل قَبْل تَمَامِ الْبَدَل، وَيُحْتَمَل أَنْ يُجْزِئَهُ، وَإِنْ بَرَأَ قَبْل إِحْرَامِ النَّائِبِ لَمْ يُجْزِئْهُ بِحَالٍ. وَلِلشَّافِعِيَّةِ قَوْلاَنِ بِالإِْجْزَاءِ وَعَدَمِهِ وَالْمَرِيضُ الَّذِي يُرْجَى زَوَال مَرَضِهِ وَالْمَحْبُوسُ وَنَحْوُهُ إِذَا أَحَجَّ عَنْهُ فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ هَذَا الْحَجُّ مَوْقُوفٌ. إِنْ مَاتَ الْمَحْجُوجُ عَنْهُ وَهُوَ مَرِيضٌ أَوْ مَحْبُوسٌ جَازَ الْحَجُّ، وَإِنْ زَال الْمَرَضُ أَوِ الْحَبْسُ قَبْل الْمَوْتِ لَمْ يَجُزْ. وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيَّةِ: لَيْسَ لَهُ أَنْ
__________
(1) حديث: " أرايتك لو كان على أبيك دين. . . " أخرجه أحمد 6 / 429
(2) البدائع 2 / 212، وابن عابدين 2 / 244،245، 247

يَسْتَنِيبَ أَصْلاً؛ لأَِنَّهُ لَمْ يَيْأَسْ مِنَ الْحَجِّ بِنَفْسِهِ، فَلاَ تَجُوزُ فِيهِ النِّيَابَةُ كَالصَّحِيحِ، فَإِنْ خَالَفَ وَأَحَجَّ عَنْ نَفْسِهِ، لَمْ يُجْزِئْهُ وَلَوْ لَمْ يَبْرَأْ؛ لأَِنَّهُ يَرْجُو الْقُدْرَةَ عَلَى الْحَجِّ بِنَفْسِهِ فَلَمْ يَكُنْ بِهِ الاِسْتِنَابَةُ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ مَرَّةً أُخْرَى، وَفِي الْقَوْل الثَّانِي لِلشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ إِذَا مَاتَ؛ لأَِنَّهُ لَمَّا مَاتَ تَبَيَّنَّا أَنَّهُ كَانَ مَأْيُوسًا مِنْهُ (1) .
وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ لاَ تَجُوزُ النِّيَابَةُ فِي الْحَجِّ مُطْلَقًا. وَقِيل تَصِحُّ النِّيَابَةُ فِي الْحَجِّ لِغَيْرِ الْمُسْتَطِيعِ، قَال الْبَاجِيُّ: تَجُوزُ النِّيَابَةُ لِلْمَعْضُوبِ كَالزَّمِنِ وَالْهَرِمِ.
وَقَال أَشْهَبُ: إِنْ آجَرَ صَحِيحٌ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ لَزِمَهُ لِلْخِلاَفِ (2) . وَسَوَاءٌ فِيمَا مَرَّ فِي الْمَذَاهِبِ حَجُّ الْفَرِيضَةِ وَحَجُّ النَّذْرِ. وَالْعُمْرَةُ فِي ذَلِكَ كَالْحَجِّ (3) .
17 - أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِحَجِّ التَّطَوُّعِ فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ تَجُوزُ فِيهِ الاِسْتِنَابَةُ بِعُذْرٍ وَبِدُونِ عُذْرٍ، وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِنْ كَانَ لِعُذْرٍ جَازَ وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ عُذْرٍ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا يَجُوزُ؛ لأَِنَّهَا حَجَّةٌ لاَ تَلْزَمُهُ بِنَفْسِهِ، فَجَازَ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِيهَا كَالْمَعْضُوبِ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ لاَ يَجُوزُ، لأَِنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الْحَجِّ بِنَفْسِهِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِيهِ كَالْفَرْضِ، وَلِلشَّافِعِيَّةِ قَوْلاَنِ فِيمَا إِذَا كَانَ بِعُذْرٍ: أَحَدُهُمَا لاَ يَجُوزُ؛ لأَِنَّهُ غَيْرُ مُضْطَرٍّ إِلَى الاِسْتِنَابَةِ فِيهِ، فَلَمْ تَجُزِ الاِسْتِنَابَةُ فِيهِ كَالصَّحِيحِ، وَالثَّانِي يَجُوزُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لأَِنَّ كُل عِبَادَةٍ جَازَتِ النِّيَابَةُ فِي فَرْضِهَا
__________
(1) المغني 3 / 227 - 230، والمهذب 1 / 206، ومغني المحتاج 1 / 469
(2) منح الجليل 1 / 449 - 455، والدسوقي 2 / 17، 18
(3) البدائع 2 / 212 و 5 / 96، وابن عابدين 4 / 244 وما بعدها ومغني المحتاج 1 / 469 و 4 / 364، والمغني 3 / 227 وما بعدها.

جَازَتِ النِّيَابَةُ فِي نَفْلِهَا. وَتُكْرَهُ الاِسْتِنَابَةُ فِي التَّطَوُّعِ عَنِ الْمَالِكِيَّةِ (1) .
18 - وَمَا مَرَّ إِنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ لِلْحَيِّ. أَمَّا الْمَيِّتُ فَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَالشَّافِعِيَّةِ: مَنْ مَاتَ قَبْل أَنْ يَتَمَكَّنَ مِنْ أَدَاءِ الْحَجِّ سَقَطَ فَرْضُهُ، وَلاَ يَجِبُ الْقَضَاءُ عَنْهُ، وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ التَّمَكُّنِ مِنَ الأَْدَاءِ وَلَمْ يُؤَدِّ لَمْ يَسْقُطِ الْفَرْضُ، وَيَجِبُ الْقَضَاءُ مِنْ تَرِكَتِهِ، لِمَا رَوَى بُرَيْدَةُ قَال: أَتَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا رَسُول اللَّهِ إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ، وَلَمْ تَحُجَّ فَقَال لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: حُجِّي عَنْ أُمِّكِ (2) ، وَلأَِنَّهُ حَقٌّ تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ حَال الْحَيَاةِ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِالْمَوْتِ، كَدَيْنِ الآْدَمِيِّ، وَمِثْل ذَلِكَ الْحَجُّ الْمَنْذُورُ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ قَال: أَتَى رَجُلٌ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَال لَهُ: إِنَّ أُخْتِي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ، وَإِنَّهَا مَاتَتْ، فَقَال النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَوْ كَانَ عَلَيْهَا دَيْنٌ أَكُنْتَ قَاضِيَهُ؟ قَال: نَعَمْ. قَال: فَاقْضِ اللَّهَ فَهُوَ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ (3) .
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ: مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ فَلاَ يَجِبُ الْحَجُّ عَنْهُ، إِلاَّ أَنْ يُوصِيَ بِذَلِكَ، فَإِذَا أَوْصَى حُجَّ مِنْ تَرِكَتِهِ. وَإِذَا لَمْ يُوصِ بِالْحَجِّ عَنْهُ، فَتَبَرَّعَ الْوَارِثُ بِالْحَجِّ بِنَفْسِهِ، أَوْ بِالإِْحْجَاجِ عَنْهُ رَجُلاً جَازَ، وَلَكِنْ مَعَ الْكَرَاهَةِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ (4) .
__________
(1) ابن عابدين 1 / 515 و 2 / 244، والمغني 3 / 230، والمهذب 1 / 306، ومنح الجليل 1 / 449
(2) أخرجه مسلم 2 / 805 عيسى الحلبي.
(3) حديث: " إن أختي نذرت. . . " أخرجه البخاري 8 / 177 ط محمد علي صبيح.
(4) ابن عابدين 1 / 514، 515 و 2 / 245، والمغني 3 / 241 - 243، ومغني المحتاج 1 / 468، والمهذب 1 / 206، ومنح الجليل 1 / 451

تَأْخِيرُ الأَْدَاءِ عَنْ وَقْتِ الْوُجُوبِ:
19 - تَأْخِيرُ أَدَاءِ الْعِبَادَاتِ عَنْ وَقْتِ الْوُجُوبِ دُونَ عُذْرٍ يُوجِبُ الإِْثْمَ، فَإِنْ كَانَ مِنَ الْعِبَادَاتِ الْمُؤَقَّتَةِ بِوَقْتٍ مُحَدَّدٍ، كَالصَّلاَةِ وَالصِّيَامِ وَجَبَ قَضَاؤُهَا، وَكَذَلِكَ النَّذْرُ الْمُعَيَّنُ إِذَا لَمْ يُؤَدَّ. وَإِنْ كَانَتِ الْعِبَادَاتُ وَقْتُهَا الْعُمْرُ، كَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ فَإِنَّهُ مَتَى تَوَفَّرَتْ شُرُوطُ الأَْدَاءِ، كَحَوَلاَنِ الْحَوْل وَكَمَال النِّصَابِ فِي الزَّكَاةِ مَعَ إِمْكَانِ الأَْدَاءِ، وَلَمْ يَتِمَّ الأَْدَاءُ تَرَتَّبَ الْمَال فِي الذِّمَّةِ، وَكَذَلِكَ الْحَجُّ إِذَا وُجِدَتِ الاِسْتِطَاعَةُ الْمَالِيَّةُ وَالْبَدَنِيَّةُ، وَلَمْ يُؤَدِّ الْحَجَّ فَهُوَ بَاقٍ فِي ذِمَّتِهِ.
وَمِثْل ذَلِكَ الْوَاجِبَاتُ الْمُطْلَقَةُ كَالنُّذُورِ وَالْكَفَّارَاتِ مَعَ اخْتِلاَفِ الْفُقَهَاءِ فِيمَنْ مَاتَ، وَلَمْ يُؤَدِّ الزَّكَاةَ أَوِ الْحَجَّ أَوِ النَّذْرَ أَوِ الْكَفَّارَةَ، وَكُل مَا كَانَ وَاجِبًا مَالِيًّا، وَأَمْكَنَ أَدَاؤُهُ، وَلَمْ يُؤَدَّ حَتَّى مَاتَ الْمُكَلَّفُ، فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ لاَ تُؤَدَّى مِنْ تَرِكَتِهِ، إِلاَّ إِذَا أَوْصَى بِهَا، فَإِذَا لَمْ يُوصِ فَقَدْ سَقَطَتْ بِالنِّسْبَةِ لأَِحْكَامِ الدُّنْيَا، وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَالشَّافِعِيَّةِ تُؤَدَّى مِنْ تَرِكَتِهِ وَإِنْ لَمْ يُوصِ (1) . وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ وَلِلتَّفْصِيل (ر: قَضَاءٌ. حَجٌّ. زَكَاةٌ. نَذْرٌ) . هَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلْعِبَادَاتِ الْوَاجِبَةِ سَوَاءٌ كَانَتْ مُؤَقَّتَةً أَوْ غَيْرَ مُؤَقَّتَةٍ.
__________
(1) البدائع 2 / 103، 212، وابن عابدين 1 / 514، 515 و 2 / 121، والدسوقي 1 / 263 و 4 / 442، ومنح الجليل 1 / 451، ونهاية المحتاج 3 / 151، والمهذب 1 / 61، 182، 206، 250، ومنتهى الإرادات 1 / 417، 2 / 4، والمغني 3 / 242

20 - أَمَّا النَّفْل - سَوَاءٌ مِنْهُ الْمُطْلَقُ أَوِ الْمُتَرَتِّبُ بِسَبَبٍ أَوْ وَقْتٍ - فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي قَضَائِهِ إِذَا فَاتَ: فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ لاَ يُقْضَى شَيْءٌ مِنَ السُّنَنِ سِوَى سُنَّةُ الْفَجْرِ. وَاسْتَدَل الْحَنَفِيَّةُ عَلَى ذَلِكَ بِمَا رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَل حُجْرَتِي بَعْدَ الْعَصْرِ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ: مَا هَاتَانِ الرَّكْعَتَانِ اللَّتَانِ لَمْ تَكُنْ تُصَلِّيهِمَا مِنْ قَبْل؟ فَقَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: رَكْعَتَانِ كُنْتُ أُصَلِّيهِمَا بَعْدَ الظُّهْرِ، وَفِي رِوَايَةٍ: رَكْعَتَا الظُّهْرِ شَغَلَنِي عَنْهُمَا الْوَفْدُ، فَكَرِهْتُ أَنْ أُصَلِّيَهُمَا بِحَضْرَةِ النَّاسِ، فَيَرَوْنِي. فَقُلْتُ: أَفَأَقْضِيهِمَا إِذَا فَاتَتَا؟ قَال: لاَ. (1) وَهَذَا نَصٌّ عَلَى أَنَّ الْقَضَاءَ غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَى الأُْمَّةِ، وَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ اخْتُصَّ بِهِ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقِيَاسُ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ لاَ يَجِبُ قَضَاءُ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ أَصْلاً، إِلاَّ أَنَّا اسْتَحْسَنَّا الْقَضَاءَ إِذَا فَاتَتَا مَعَ الْفَرْضِ؛ لأَِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَهُمَا مَعَ الْفَرْضِ لَيْلَةَ التَّعْرِيسِ (2) ، فَنَحْنُ نَفْعَل ذَلِكَ لِنَكُونَ عَلَى طَرِيقَتِهِ، وَهَذَا بِخِلاَفِ الْوِتْرِ؛ لأَِنَّهُ
__________
(1) لم نجده بهذا اللفظ، وقد أخرجه بألفاظ مقاربة أحمد في مسنده 6 / 315 ط الميمنية، وابن حبان في صحيحه (الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان 3 / 80 - 82 ط المكتبة السلفية بالمدينة) ، والبيهقي في " سننه " 2 / 484، 485 ط 2 بدائرة المعارف العثمانية. قال الهيثمي " رجال أحمد رجال الصحيح " (مجمع الزوائد 2 / 224) ط القدسي.
(2) رواه بالمعنى مسلم (1 / 471، نشر محمد عبد الباقي) وأبو داود من حديث أبي هريرة، في قصة التعريس في الوادي، وابن خزيمة وابن حبان والحاكم (الدراية في تخريج أحاديث الهداية ص 118)

وَاجِبٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالْوَاجِبُ مُلْحَقٌ بِالْفَرْضِ فِي حَقِّ الْعَمَل (1) .
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ قَال الإِْمَامُ أَحْمَدُ: لَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى شَيْئًا مِنَ التَّطَوُّعِ إِلاَّ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ وَالرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ، وَقَال الْقَاضِي وَبَعْضُ الأَْصْحَابِ: لاَ يُقْضَى إِلاَّ رَكْعَتَا الْفَجْرِ وَرَكْعَتَا الظُّهْرِ. وَقَال ابْنُ حَامِدٍ: تُقْضَى جَمِيعُ السُّنَنِ الرَّوَاتِبِ، لأَِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بَعْضَهَا وَقِسْنَا الْبَاقِيَ عَلَيْهِ. وَفِي شَرْحِ مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ: يُسَنُّ قَضَاءُ الرَّوَاتِبِ إِلاَّ مَا فَاتَ مَعَ فَرْضِهِ وَكَثُرَ فَالأَْوْلَى تَرْكُهُ، إِلاَّ سُنَّةَ فَجْرٍ، فَيَقْضِيهَا مُطْلَقًا لِتَأَكُّدِهَا.
وَلِلشَّافِعِيَّةِ قَوْلاَنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ السُّنَنَ الرَّاتِبَةَ لاَ تُقْضَى؛ لأَِنَّهَا صَلاَةُ نَفْلٍ، فَلَمْ تُقْضَ، كَصَلاَةِ الْكُسُوفِ وَالاِسْتِسْقَاءِ، وَالثَّانِي تُقْضَى (2) لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ نَامَ عَنْ صَلاَةٍ أَوْ سَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا (3) .
21 - وَأَمَّا قَضَاءُ سُنَّةِ الْفَجْرِ إِذَا فَاتَتْ فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لاَ تُقْضَى إِلاَّ إِذَا فَاتَتْ مَعَ الْفَجْرِ، وَإِذَا فَاتَتْ وَحْدَهَا فَلاَ تُقْضَى. وَعِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ تُقْضَى سَوَاءٌ فَاتَتْ وَحْدَهَا أَوْ مَعَ الْفَجْرِ. وَاخْتُلِفَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَمْتَدُّ إِلَيْهِ الْقَضَاءُ، فَعِنْدَ
__________
(1) بدائع الصنائع 1 / 287، ومنح الجليل 1 / 210، والدسوقي 1 / 319
(2) المغني 2 / 128 ومنتهى الإرادات 1 / 230 والمهذب 1 / 91
(3) ذكره بهذا اللفظ صاحب المهذب (1 / 91) وفي كتب الحديث " من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها. . . " رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي. الفتح الكبير (3 / 242)

الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ: تُقْضَى إِلَى الزَّوَال، وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى الضُّحَى، وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ تُقْضَى أَبَدًا (1) . وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ. وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مَكَانٍ آخَرَ (ر: نَفْلٌ. قَضَاءٌ) .
22 - وَمَا شَرَعَ فِيهِ مِنَ النَّفْل الْمُطْلَقِ فَإِنَّهُ يَجِبُ إِتْمَامُهُ، وَإِذَا فَسَدَ يُقْضَى. وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ. وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَالشَّافِعِيَّةِ يُسْتَحَبُّ الإِْتْمَامُ وَلاَ يَجِبُ، كَمَا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الْقَضَاءُ إِلاَّ فِي تَطَوُّعِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَيَجِبُ إِتْمَامُهُمَا إِذَا شَرَعَ فِيهِمَا (2) .

الاِمْتِنَاعُ عَنِ الأَْدَاءِ:
23 - الْعِبَادَاتُ الْوَاجِبَةُ وُجُوبًا عَيْنِيًّا أَوْ كِفَائِيًّا كَالصَّلاَةِ وَالصِّيَامِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَالْجِهَادِ وَصَلاَةِ الْجِنَازَةِ تُعْتَبَرُ مِنْ فَرَائِضِ الإِْسْلاَمِ وَمَعْلُومَةٌ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، وَقَدْ وَرَدَ الأَْمْرُ بِهَا فِي كَثِيرٍ مِنْ آيَاتِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} وقَوْله تَعَالَى (3) {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَال} (4) وَقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بُنِيَ الإِْسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ (5) . وَهَذِهِ الْعِبَادَاتُ يَجِبُ عَلَى كُل مُكَلَّفٍ أَدَاؤُهَا عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي وَرَدَ
__________
(1) ابن عابدين 1 / 474 ومنح الجليل 1 / 210 والمجموع شرح المهذب 4 / 41،42 ط المنيرية والمغني 2 / 128
(2) البدائع 1 / 287 وابن عابدين 1 / 463 والشرح الصغير 1 / 408 ومنتهى الإرادات 1 / 461 والمهذب 1 / 195
(3) سورة البقرة / 43
(4) سورة البقرة / 216
(5) أخرجه البخاري 1 / 10 ط محمد علي صبيح، ومسلم باختلاف يسير في ألفاظه 1 / 45 بتحقيق محمد عبد الباقي.

بِهَا الشَّرْعُ. وَمَنِ امْتَنَعَ عَنْ أَدَائِهَا فَإِنْ كَانَ جَاحِدًا لَهَا فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ كَافِرًا يُقْتَل كُفْرًا بَعْدَ أَنْ يُسْتَتَابَ. وَإِنِ امْتَنَعَ عَنْ أَدَائِهَا كَسَلاً فَفِي الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ، كَالصَّلاَةِ يُؤَدَّبُ وَيُعَزَّرُ، وَيُتْرَكُ إِلَى أَنْ يَتَضَيَّقَ الْوَقْتُ، فَإِنْ ظَل عَلَى امْتِنَاعِهِ قُتِل حَدًّا لاَ كُفْرًا، وَهَذَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ يُحْبَسُ أَبَدًا حَتَّى يُصَلِّيَ. وَفِي الْعِبَادَاتِ الْمَالِيَّةِ كَالزَّكَاةِ إِنِ امْتَنَعَ عَنْ أَدَائِهَا بُخْلاً فَإِنَّهَا تُؤْخَذُ مِنْهُ كُرْهًا، وَيُقَاتَل عَلَيْهَا كَمَا فَعَل أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِمَانِعِي الزَّكَاةِ، أَمَّا تَارِكُ الْحَجِّ كَسَلاً فَسَوَاءٌ أَكَانَ عَلَى الْفَوْرِ أَمْ عَلَى التَّرَاخِي فَإِنَّهُ يُتْرَكُ، وَلَكِنْ يُؤْمَرُ بِهِ وَيُدَيَّنُ لأَِنَّ شَرْطَهُ الاِسْتِطَاعَةُ، وَقَدْ يَكُونُ لَهُ عُذْرٌ بَاطِنِيٌّ لَمْ يُعْرَفْ.
24 - أَمَّا غَيْرُ الْوَاجِبَاتِ مِنَ الْعِبَادَاتِ وَهُوَ مَا يُسَمَّى مَنْدُوبًا أَوْ سُنَّةً أَوْ نَافِلَةً فَهُوَ مَا يُثَابُ فَاعِلُهُ وَلاَ يُذَمُّ تَارِكُهُ، وَهَذَا عَلَى الْجُمْلَةِ؛ لأَِنَّ مِنَ السُّنَّةِ مَا يُعْتَبَرُ إِظْهَارًا لِلدِّينِ، وَتَرْكُهَا يُوجِبُ إِسَاءَةً وَكَرَاهِيَةً، وَذَلِكَ كَالْجَمَاعَةِ وَالأَْذَانِ وَالإِْقَامَةِ وَصَلاَةِ الْعِيدَيْنِ؛ لأَِنَّهَا مِنْ شَعَائِرِ الإِْسْلاَمِ، وَفِي تَرْكِهَا تَهَاوُنٌ بِالشَّرْعِ، وَلِذَلِكَ لَوِ اتَّفَقَ أَهْل بَلْدَةٍ عَلَى تَرْكِهَا وَجَبَ قِتَالُهُمْ بِخِلاَفِ سَائِرِ الْمَنْدُوبَاتِ؛ لأَِنَّهَا تُفْعَل فُرَادَى (1) .

أَثَرُ الأَْدَاءِ فِي الْعِبَادَاتِ:
25 - أَدَاءُ الْعِبَادَةِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ بِاسْتِيفَاءِ أَرْكَانِهَا وَشَرَائِطِهَا يَسْتَلْزِمُ الإِْجْزَاءَ وَهَذَا بِاتِّفَاقٍ عَلَى
__________
(1) الاختيار 1 / 103 والبدائع 1 / 141، 311، والمهذب 1 / 58، 62، 125، 183 و 2 / 228 ومنتهى الإرادات 1 / 117، 122، 305، 336، ومنح الجليل 1 / 117، 710 والتلويح على التوضيح 2 / 124، وشرح البدخشي 1 / 47، وابن عابدين 1 / 72 والشرح الصغير 1 / 246

تَفْسِيرِ الإِْجْزَاءِ بِمَعْنَى الاِمْتِثَال بِالإِْتْيَانِ بِالْمَأْمُورِ بِهِ. وَأَنَّ ذَلِكَ يُبَرِّئُ الذِّمَّةَ بِغَيْرِ خِلاَفٍ، وَعَلَى تَفْسِيرِ الإِْجْزَاءِ بِمَعْنَى إِسْقَاطِ الْقَضَاءِ فَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ يَسْتَلْزِمُهُ، خِلاَفًا لِعَبْدِ الْجَبَّارِ الْمُعْتَزِلِيِّ مِنْ أَنَّهُ لاَ يَسْتَلْزِمُهُ. وَالْفِعْل الْمُؤَدَّى عَلَى وَجْهِهِ الْمَشْرُوعِ يُوصَفُ بِالصِّحَّةِ، وَإِلاَّ فَبِالْفَسَادِ أَوِ الْبُطْلاَنِ، مَعَ تَفْرِيقِ الْحَنَفِيَّةِ بَيْنَ الْفَاسِدِ وَالْبَاطِل. وَالصِّحَّةُ أَعَمُّ مِنَ الإِْجْزَاءِ؛ لأَِنَّهَا تَكُونُ صِفَةً لِلْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلاَتِ، أَمَّا الإِْجْزَاءُ فَلاَ يُوصَفُ بِهِ إِلاَّ الْعِبَادَاتُ (1) .
وَإِذَا كَانَتِ الْعِبَادَاتُ الْمُسْتَجْمَعَةُ شَرَائِطُهَا وَأَرْكَانُهَا تُبَرِّئُ الذِّمَّةَ بِلاَ خِلاَفٍ فَإِنَّهُ قَدِ اخْتُلِفَ فِي تَرَتُّبِ الثَّوَابِ عَلَى هَذِهِ الْعِبَادَةِ أَوْ عَدَمِ تَرَتُّبِهِ، فَقِيل: إِنَّهُ لاَ يَلْزَمُ مِنْ إِبْرَاءِ الذِّمَّةِ تَرَتُّبُ الثَّوَابِ عَلَى الْفِعْل، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ يُبَرِّئُ الذِّمَّةَ بِالْفِعْل وَلاَ يُثِيبُ عَلَيْهِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ، وَهَذَا هُوَ مَعْنَى الْقَبُول، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى قَاعِدَةِ أَنَّ الْقَبُول وَالثَّوَابَ غَيْرُ الإِْجْزَاءِ وَغَيْرُ الْفِعْل الصَّحِيحِ. وَقِيل: إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الشَّرْعِ وَاجِبٌ صَحِيحٌ يُجْزِئُ إِلاَّ وَهُوَ مَقْبُولٌ مُثَابٌ عَلَيْهِ، كَمَا هُوَ مُقْتَضَى قَاعِدَةِ سَعَةِ الثَّوَابِ، وَالآْيَاتِ وَالأَْحَادِيثِ الْمُتَضَمِّنَةِ لِوَعْدِ الْمُطِيعِ بِالثَّوَابِ (2) .
__________
(1) جمع الجوامع 1 / من 100الى 105 ط مصطفى الحلبي الثانية، والبدخشي من 1 / 57 إلى 60 وما بعدها ط صبيح، ومسلم الثبوت 1 / 120، 393، والتلويح 2 / 122
(2) الفروق للقرافي 2 / 50 وما بعدها، وهامش الفروق 2 / 78 ط دار المعرفة بيروت.

أَدَاءُ الشَّهَادَةِ
حُكْمُ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ:
26 - أَدَاءُ الشَّهَادَةِ فَرْضُ كِفَايَةٍ؛ لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: {وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ} (1) ، وَقَوْلِهِ: {وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا} (2) ، فَإِذَا تَحَمَّلَهَا جَمَاعَةٌ وَقَامَ بِأَدَائِهَا مِنْهُمْ مَنْ فِيهِ كِفَايَةٌ سَقَطَ الأَْدَاءُ عَنِ الْبَاقِينَ، لأَِنَّ الْمَقْصُودَ بِهَا حِفْظُ الْحُقُوقِ وَذَلِكَ يَحْصُل بِبَعْضِهِمْ، وَإِنِ امْتَنَعَ الْكُل أَثِمُوا جَمِيعًا لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: {وَلاَ تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ} (3) ، وَلأَِنَّ الشَّهَادَةَ أَمَانَةٌ فَلَزِمَ الأَْدَاءُ عِنْدَ الطَّلَبِ. وَقَدْ يَكُونُ أَدَاءُ الشَّهَادَةِ فَرْضَ عَيْنٍ إِذَا كَانَ لاَ يُوجَدُ غَيْرُهُ مِمَّنْ يَقَعُ بِهِ الْكِفَايَةُ، وَتَوَقَّفَ الْحَقُّ عَلَى شَهَادَتِهِ فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الأَْدَاءُ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَحْصُل الْمَقْصُودُ إِلاَّ بِهِ.
إِلاَّ أَنَّهُ إِذَا كَانَتِ الشَّهَادَةُ مُتَعَلِّقَةً بِحُقُوقِ الْعِبَادِ وَأَسْبَابِهَا أَيْ فِي مَحْضِ حَقِّ الآْدَمِيِّ، وَهُوَ مَا لَهُ إِسْقَاطُهُ كَالدَّيْنِ وَالْقِصَاصِ فَلاَ بُدَّ مِنْ طَلَبِ الْمَشْهُودِ لَهُ لِوُجُوبِ الأَْدَاءِ، فَإِذَا طُلِبَ وَجَبَ عَلَيْهِ الأَْدَاءُ، حَتَّى لَوِ امْتَنَعَ بَعْدَ الطَّلَبِ يَأْثَمُ، وَلاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ قَبْل طَلَبِ الْمَشْهُودِ لَهُ؛ لِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِبُ حَتَّى يَشْهَدَ الرَّجُل قَبْل أَنْ
__________
(1) سورة الطلاق / 2
(2) سورة البقرة / 282
(3) سورة البقرة / 283

يُسْتَشْهَدَ. (1) وَلأَِنَّ أَدَاءَهَا حَقٌّ لِلْمَشْهُودِ لَهُ، فَلاَ يُسْتَوْفَى إِلاَّ بِرِضَاهُ، وَإِذَا لَمْ يَعْلَمْ رَبُّ الشَّهَادَةِ بِأَنَّ الشَّاهِدَ تَحَمَّلَهَا اسْتُحِبَّ لِمَنْ عِنْدَهُ الشَّهَادَةُ إِعْلاَمُ رَبِّ الشَّهَادَةِ بِهَا.
وَإِذَا كَانَتِ الشَّهَادَةُ مُتَعَلِّقَةً بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، وَفِيمَا سِوَى الْحُدُودِ، كَالطَّلاَقِ وَالْعِتْقِ وَغَيْرِهَا مِنْ أَسْبَابِ الْحُرُمَاتِ فَيَلْزَمُهُ الأَْدَاءُ حِسْبَةً لِلَّهِ تَعَالَى عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَى الأَْدَاءِ مِنْ غَيْرِ طَلَبٍ مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعِبَادِ.
وَأَمَّا فِي أَسْبَابِ الْحُدُودِ مِنَ الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ فَالسَّتْرُ أَمْرٌ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ؛ لِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ (2) ، وَلأَِنَّهُ مَأْمُورٌ بِدَرْءِ الْحَدِّ. وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّ الأَْوْلَى السَّتْرُ إِلاَّ إِذَا كَانَ الْجَانِي مُتَهَتِّكًا، وَبِمِثْل ذَلِكَ قَال الْمَالِكِيَّةُ (3) .
27 - وَإِذَا وَجَبَ أَدَاءُ الشَّهَادَةِ عَلَى إِنْسَانٍ وَلَكِنَّهُ عَجَزَ لِبُعْدِ الْمَسَافَةِ، كَأَنْ دُعِيَ مِنْ مَسَافَةِ الْقَصْرِ أَوْ كَانَ سَيَلْحَقُهُ ضَرَرٌ فِي بَدَنِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ أَهْلِهِ فَلاَ يَلْزَمُهُ الأَْدَاءُ لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: {وَلاَ يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ (4) } ، وَقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لاَ
__________
(1) أخرجه البخاري (7 / 3 ط السلفية) .
(2) أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه (الفتح الكبير 3 / 243) ورواه البخاري بلفظ مقارب.
(3) حاشية ابن عابدين على الدر 4 / 387 ط بولاق الثالثة والبدائع 6 / 282 ط الجمالية ومغني المحتاج 4 / 451 ط مصطفى الحلبي والشرح الصغير 4 / 249 ط دار المعارف والمغني 9 / 147، 206 ط الرياض الحديثة والمهذب للشيرازي 2 / 323 وكشاف القناع 6 / 406 ط الرياض والدسوقي 4 / 175
(4) سورة البقرة / 282

ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ (1) . وَلأَِنَّهُ لاَ يَلْزَمُهُ أَنْ يَضُرَّ نَفْسَهُ لِنَفْعِ غَيْرِهِ.
كَذَلِكَ قَال بَعْضُ الْفُقَهَاءِ: لاَ يَجِبُ الأَْدَاءُ إِذَا كَانَ الْحَاكِمُ غَيْرَ عَدْلٍ، قَال الإِْمَامُ أَحْمَدُ: كَيْفَ أَشْهَدُ عِنْدَ رَجُلٍ لَيْسَ عَدْلاً، لاَ أَشْهَدُ (2) .

كَيْفِيَّةُ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ:
28 - يُعْتَبَرُ لَفْظُ الشَّهَادَةِ فِي أَدَائِهَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، فَيَقُول: أَشْهَدُ أَنَّهُ أَقَرَّ بِكَذَا وَنَحْوَهُ؛ لأَِنَّ الشَّهَادَةَ مَصْدَرُ شَهِدَ يَشْهَدُ، فَلاَ بُدَّ مِنَ الإِْتْيَانِ بِفِعْلِهَا الْمُشْتَقِّ مِنْهَا؛ وَلأَِنَّ فِيهَا مَعْنًى لاَ يَحْصُل فِي غَيْرِهَا مِنَ الأَْلْفَاظِ، وَلَوْ قَال: أَعْلَمُ أَوْ أَتَيَقَّنُ أَوْ أَعْرِفُ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ وَلاَ تُقْبَل شَهَادَتُهُ، إِلاَّ أَنَّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ مَنْ لَمْ يَشْتَرِطْ لأَِدَاءِ الشَّهَادَةِ صِيغَةً مَخْصُوصَةً بَل قَالُوا: الْمَدَارُ فِيهَا عَلَى مَا يَدُل عَلَى حُصُول عِلْمِ الشَّاهِدِ بِمَا شَهِدَ بِهِ كَرَأَيْتُ كَذَا أَوْ سَمِعْتُ كَذَا وَهُوَ الأَْظْهَرُ عِنْدَهُمْ (3) . وَلِتَحَمُّل الشَّهَادَةِ وَأَدَائِهَا شُرُوطٌ تَفْصِيلُهَا فِي مُصْطَلَحِ (شَهَادَةٌ) .
__________
(1) أخرجه مالك في الموطأ مرسلا، وأخرجه ابن ماجه عن ابن عباس وعبادة بن الصامت وأخرجه الحاكم في مستدركه والبيهقي والدارقطني (الأشباه والنظائر للسيوطي ص 75، 76) ط التجارية وقال المناوي في فيض القدير (6 / 432) ط التجارية: " قال الهيثمي رجاله ثقات وقال النووي في الأذكار هو حسن ".
(2) مغني المحتاج 4 / 451، ومنتهى الإرادات 3 / 535 والشرح الصغير 4 / 285
(3) البدائع 6 / 273، والهداية 3 / 118، والشرح الصغير 2 / 348 ط الحلبي، والمغني 9 / 216، ومغني المحتاج 4 / 453

أَدَاءُ الدَّيْنِ
مَفْهُومُ الدَّيْنِ:
29 - الدَّيْنُ هُوَ الْوَصْفُ الثَّابِتُ فِي الذِّمَّةِ، أَوْ هُوَ اشْتِغَال الذِّمَّةِ بِمَالٍ وَجَبَ بِسَبَبٍ مِنَ الأَْسْبَابِ، سَوَاءٌ أَكَانَ عَقْدًا كَالْبَيْعِ وَالْكَفَالَةِ وَالصُّلْحِ وَالْخُلْعِ، أَمْ تَبَعًا لِلْعَقْدِ كَالنَّفَقَةِ، أَمْ بِغَيْرِ ذَلِكَ كَالْغَصْبِ وَالزَّكَاةِ وَضَمَانِ الْمُتْلَفَاتِ، وَيُطْلَقُ عَلَى الْمَال الْوَاجِبِ فِي الذِّمَّةِ مَجَازًا، لأَِنَّهُ يَؤُول إِلَى الْمَال (1) .

حُكْمُ أَدَاءِ الدَّيْنِ:
30 - أَدَاءُ الدَّيْنِ عَلَى الْوَصْفِ الَّذِي وَجَبَ فَرْضٌ بِالإِْجْمَاعِ؛ لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: {فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ (2) } . وَهُوَ يُعْتَبَرُ كَمَا قَال بَعْضُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَوَائِجِ الأَْصْلِيَّةِ. وَإِذَا كَانَ الدَّيْنُ حَالًّا فَإِنَّهُ يَجِبُ أَدَاؤُهُ عَلَى الْفَوْرِ عِنْدَ الطَّلَبِ، وَيُقَال لَهُ الدَّيْنُ الْمُعَجَّل وَذَلِكَ مَتَى كَانَ قَادِرًا عَلَى الأَْدَاءِ لِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَطْل الْغَنِيِّ ظُلْمٌ (3)
أَمَّا إِذَا كَانَ الدَّيْنُ مُؤَجَّلاً فَلاَ يَجِبُ أَدَاؤُهُ قَبْل حُلُول الأَْجَل، لَكِنْ لَوْ أُدِّيَ قَبْلَهُ صَحَّ وَسَقَطَ عَنْ ذِمَّةِ الْمَدِينِ.
__________
(1) بدائع الصنائع 7 / 174، والأشباه لابن نجيم 2 / 209 والأشباه للسيوطي ص 329، وكشاف اصطلاحات الفنون 2 / 502، وابن عابدين 4 / 176 و 3 / 323 والمغني 4 / 93، وما بعدها.
(2) سورة البقرة / 283
(3) حديث: " مطل الغني ظلم " أخرجه البخاري 3 / 117 ط محمد علي صبيح، ومسلم (3 / 1197 تحقيق محمد عبد الباقي) .

وَقَدْ يُصْبِحُ الْمُؤَجَّل حَالًّا فَيَجِبُ أَدَاؤُهُ عَلَى الْفَوْرِ وَذَلِكَ بِالرِّدَّةِ أَوْ بِالْمَوْتِ أَوْ بِالتَّفْلِيسِ (1) .
وَلِلْفُقَهَاءِ تَفْصِيلاَتٌ كَثِيرَةٌ فِي ذَلِكَ تُنْظَرُ فِي (دَيْنٌ. أَجَلٌ. إِفْلاَسٌ) .

كَيْفِيَّةُ أَدَاءِ الدَّيْنِ:
31 - الأَْدَاءُ هُوَ تَسْلِيمُ الْحَقِّ لِمُسْتَحِقِّهِ، وَتَسْلِيمُ الْحَقِّ فِي الدُّيُونِ إِنَّمَا يَكُونُ بِأَمْثَالِهَا؛ لأَِنَّهُ لاَ طَرِيقَ لأَِدَاءِ الدُّيُونِ سِوَى هَذَا، وَلِهَذَا كَانَ لِلْمَقْبُوضِ فِي الصَّرْفِ وَالسَّلَمِ حُكْمُ عَيْنِ الْحَقِّ إِذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَصَارَ اسْتِبْدَالاً بِبَدَل الصَّرْفِ وَرَأْسِ مَال السَّلَمِ وَالْمُسْلَمِ فِيهِ قَبْل الْقَبْضِ وَهُوَ حَرَامٌ، وَكَذَا لَهُ حُكْمُ عَيْنِ الْحَقِّ فِي غَيْرِ الصَّرْفِ وَالسَّلَمِ، بِدَلِيل أَنَّهُ يُجْبَرُ رَبُّ الدَّيْنِ عَلَى الْقَبْضِ، وَلَوْ كَانَ غَيْرَ حَقِّهِ لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ، وَفِيمَا لاَ مِثْل لَهُ مِمَّا تَعَلَّقَ بِالذِّمَّةِ تَجِبُ الْقِيمَةُ كَمَا فِي الْغَصْبِ وَالْمُتْلَفَاتِ. وَقِيل إِنَّهُ فِي الْقَرْضِ إِذَا تَعَذَّرَ الْمِثْل فَإِنَّهُ يَجِبُ رَدُّ الْمِثْل فِي الْخِلْقَةِ وَالصُّورَةِ؛ لِحَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُ أَنْ يَقْضِيَ الْبِكْرَ بِالْبِكْرِ؛ وَلأَِنَّ مَا ثَبَتَ فِي الذِّمَّةِ بِعَقْدِ السَّلَمِ ثَبَتَ بِعَقْدِ الْقَرْضِ قِيَاسًا عَلَى مَا لَهُ مِثْلٌ (2) .
وَيَجُوزُ الأَْدَاءُ بِالأَْفْضَل إِذَا كَانَ بِدُونِ شَرْطٍ، لأَِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَسْلَفَ مِنْ رَجُلٍ بِكْرًا
__________
(1) القرطبي 3 / 415، والقواعد والفوائد الأصولية ص 182 وابن عابدين 2 / 6، والمهذب 1 / 311، ومنح الجليل 3 / 112، والحطاب 5 / 39، وكفاية الطالب 2 / 290، والمغني 4 / 481
(2) كشف الأسرار 1 / 160، والتلويح 1 / 168، والبدائع 7 / 150، 395، 396، والمغني 4 / 352 والدسوقي 3 / 226، والمهذب 1 / 311

فَقَدِمَتْ عَلَيْهِ إِبِلٌ مِنْ إِبِل الصَّدَقَةِ فَأَمَرَ أَبَا رَافِعٍ أَنْ يَقْضِيَ الرَّجُل بِكْرَهُ، فَرَجَعَ إِلَيْهِ رَافِعٌ فَقَال: لَمْ أَجِدْ فِيهَا إِلاَّ خِيَارًا رُبَاعِيًّا، فَقَال: أَعْطِهِ إِيَّاهُ، إِنَّ خِيَارَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً (1) .
وَمَنْ طُولِبَ بِالأَْدَاءِ بِبَلَدٍ آخَرَ فِيمَا لاَ حِمْل لَهُ وَلاَ مُؤْنَةَ وَجَبَ الأَْدَاءُ (2) .

مَا يَقُومُ مَقَامَ الأَْدَاءِ:
32 - إِذَا أَدَّى الْمَدِينُ مَا عَلَيْهِ بِالصِّفَةِ الْوَاجِبَةِ سَقَطَ عَنْهُ الدَّيْنُ، وَبَرِئَتْ ذِمَّتُهُ، وَيَقُومُ مَقَامَ الأَْدَاءِ فِي إِسْقَاطِ الدَّيْنِ وَبَرَاءَةِ الذِّمَّةِ إِبْرَاءُ صَاحِبِ الدِّينِ لِلْمَدِينِ مِمَّا عَلَيْهِ أَوْ هِبَتُهُ لَهُ أَوْ تَصَدُّقُهُ بِهِ عَلَيْهِ، كَذَلِكَ يَقُومُ مَقَامَ الأَْدَاءِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ الْحَوَالَةُ بِالدَّيْنِ أَوِ الْمُقَاصَّةُ، أَوِ انْقِضَاءُ الْمُدَّةِ أَوِ الصُّلْحُ أَوْ تَعْجِيزُ الْعَبْدِ نَفْسَهُ فِي بَدَل الْكِتَابَةِ، وَذَلِكَ كُلُّهُ بِالشُّرُوطِ الْخَاصَّةِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْفُقَهَاءُ لِكُل حَالَةٍ مِنْ ضَرُورَةِ الْقَبُول أَوْ عَدَمِهِ، وَفِيمَا يَجُوزُ فِيهِ مِنَ الدُّيُونِ وَمَا لاَ يَجُوزُ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الشُّرُوطِ (3) . وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي ذَلِكَ فِي (إِبْرَاءٌ، دَيْنٌ، حَوَالَةٌ، هِبَةٌ، إِلَخْ) .
__________
(1) حديث: " استسلف من رجل. . " أخرجه مسلم 3 / 1224 بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي. وهذا لفظه. وهو في الصحيحين بمعناه من حديث أبي هريرة (تلخيص الحبير 3 / 34)
(2) البدائع 7 / 395، والمغني 4 / 356، والدسوقي 3 / 227، والمهذب 1 / 311
(3) ابن عابدين 4 / 521، 14، 251، 263، والبدائع 6 / 11، 15، و 7 / 295 والشرح الصغير 4 / 290 والمهذب 1 / 455 و 2 / 15 والمغني 4 / 577 وما بعدها إلى 606

الاِمْتِنَاعُ عَنِ الأَْدَاءِ:
33 - مَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَكَانَ مُوسِرًا فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَدَاؤُهُ، فَإِنْ مَاطَل وَلَمْ يُؤَدِّ أَلْزَمَهُ الْحَاكِمُ بِالأَْدَاءِ بَعْدَ طَلَبِ الْغُرَمَاءِ، فَإِنِ امْتَنَعَ حَبَسَهُ لِظُلْمِهِ بِتَأْخِيرِ الْحَقِّ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ؛ لِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِل عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ (1) ، وَالْحَبْسُ عُقُوبَةٌ، فَإِنْ لَمْ يُؤَدِّ وَكَانَ لَهُ مَالٌ ظَاهِرٌ بَاعَهُ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَاعَ عَلَى مُعَاذٍ مَالَهُ وَقَضَى دُيُونَهُ (2) . وَكَذَلِكَ رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ بَاعَ مَال أُسَيْفِعٍ وَقَسَمَهُ بَيْنَ غُرَمَائِهِ (3) .
34 - وَإِنْ كَانَ لِلْمَدِينِ مَالٌ وَلَكِنَّهُ لاَ يَفِي بِدُيُونِهِ وَطَلَبَ الْغُرَمَاءُ الْحَجْرَ عَلَيْهِ لَزِمَ الْقَاضِيَ إِجَابَتُهُمْ، وَلَهُ مَنْعُهُ مِنَ التَّصَرُّفِ حَتَّى لاَ يَضُرَّ بِالْغُرَمَاءِ، وَيَبِيعُ مَالَهُ إِنِ امْتَنَعَ هُوَ عَنْ بَيْعِهَا، وَيَقْسِمُهَا بَيْنَ الْغُرَمَاءِ بِالْحِصَصِ. وَهَذَا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ، وَخَالَفَ أَبُو حَنِيفَةَ فَقَال: لاَ يُحْجَرُ عَلَى الْمَدِينِ، لأَِنَّ الْحَجْرَ فِيهِ إِهْدَارٌ لآِدَمِيَّتِهِ، وَإِنَّمَا يَحْبِسُهُ الْقَاضِي إِذَا كَانَ لَهُ مَالٌ حَتَّى يَبِيعَ
__________
(1) حديث: " لي الواجد. . . " أخرجه أبو داود 3 / 426) نشر المكتبة التجارية 1369 هـ، وابن ماجه 2 / 811) ط عيسى البابي الحلبي 1373 هـ تحقيق محمد عبد الباقي وأحمد 4 / 222
(2) حديث: " بيع مال معاذ) أخرجه الدارقطني والحاكم بلفظ: أنه صلى الله عليه وسلم حجر على معاذ وباع عليه ما له، ورواه البيهقي بلفظ مقارب، قال ابن الطلاع في الأحكام: هو حديث ثابت (تلخيص الحبير 3 / 37)
(3) أثر: " بيع مال أسيفع " أخرجه مالك في الموطأ بسند منقطع ووصله الدارقطني في العلل ورواه ابن أبي شيبة والبيهقي وعبد الرزاق (تلخيص الحبير 3 / 40، 41 وكنز العمال 6 / 253 ط حلب.

وَيُوَفِّيَ دَيْنَهُ، إِلاَّ إِنْ كَانَ مَالُهُ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ، وَالدَّيْنُ مِثْلُهُ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَقْضِي الدَّيْنَ مِنْهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ؛ لأَِنَّ رَبَّ الدَّيْنِ لَهُ أَخْذُهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَالْقَاضِي يُعِينُهُ عَلَيْهِ.
35 - وَإِنْ كَانَ الْمَدِينُ مُعْسِرًا وَثَبَتَ ذَلِكَ خَلَّى سَبِيلَهُ، وَوَجَبَ إِنْظَارُهُ؛ لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ (1) } .
36 - وَالْمَدِينُ الْمُعْسِرُ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّكَسُّبُ لِوَفَاءِ مَا عَلَيْهِ، وَلَكِنَّهُ لاَ يُجْبَرُ عَلَى التَّكَسُّبِ وَلاَ عَلَى قَبُول الْهَدَايَا وَالصَّدَقَاتِ، لَكِنْ مَا يَجِدُّ لَهُ مِنْ مَالٍ مِنْ كَسْبِهِ فَإِنَّ حَقَّ الْغُرَمَاءِ يَتَعَلَّقُ بِهِ. (2)
37 - وَالْغَارِمُ إِنِ اسْتَدَانَ لِنَفْسِهِ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ يُؤَدِّي دَيْنَهُ مِنَ الزَّكَاةِ؛ لأَِنَّهُ مِنْ مَصَارِفِهَا (3) .
38 - هَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلْحَيِّ، أَمَّا مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَإِنَّ الدَّيْنَ يَتَعَلَّقُ بِالتَّرِكَةِ، وَيَجِبُ الأَْدَاءُ مِنْهَا قَبْل تَنْفِيذِ الْوَصَايَا وَأَخْذِ الْوَرَثَةِ نَصِيبَهُمْ؛ لأَِنَّ الدَّيْنَ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ؛ وَلأَِنَّ فَرَاغَ ذِمَّتِهِ مِنْ أَهَمِّ حَوَائِجِهِ، وَقَدْ قَال النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الدَّيْنُ حَائِلٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ (4) وَأَدَاءُ الْفَرْضِ أَوْلَى مِنَ التَّبَرُّعَاتِ،
__________
(1) سورة البقرة / 280
(2) البدائع 7 / 173 ط الجمالية والاختيار 2 / 96، 98 ط دار المعرفة بيروت، والحطاب 5 / 44، 48، والدسوقي 3 / 270، ومغني المحتاج 2 / 146، 147، وقليوبي 4 / 324 و 3 / 197 والمغني 4 / 484 إلى 495
(3) قليوبي 3 / 197، والمغني 2 / 667، والاختيار 1 / 119
(4) ذكره صاحب الاختبار لتعليل المختار 5 / 86، ولم نجده بلفظه في مظانه من كتب الحديث، وأخرج الإمام أحمد والنسائي والطبراني والحاكم وأبو نعيم في المعرفة حديثا بمعناه، وهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: في الدين: " والذي نفسي بيده لو أن رجلا قتل في سبيل الله ثم أحيي، ثم قتل ثم أحيي، ثم قتل وعليه دين ما دخل الجنة حتى يقضى عنه دينه ". (كنز العمال 6 / 245 نشر مكتبة التراث الإسلامي بحلب 1397هـ) .

وَقَدْ قَدَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْقِسْمَةِ فِي قَوْله تَعَالَى: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} . (1)
فَتَجِبُ الْمُبَادَرَةُ بِأَدَاءِ دَيْنِهِ تَعْجِيلاً لِلْخَيْرِ لِحَدِيثِ: نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ. (2)
وَمَا مَرَّ إِنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ لِدُيُونِ الآْدَمِيِّ. أَمَّا دُيُونُ اللَّهِ تَعَالَى كَالزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَاتِ وَالنُّذُورِ فَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ. (ف: 14، 16)

أَدَاءُ الْقِرَاءَةِ
مَعْنَى الأَْدَاءِ فِي الْقِرَاءَةِ:
39 - الأَْدَاءُ عِنْدَ الْقُرَّاءِ يُطْلَقُ عَلَى أَخْذِ الْقُرْآنِ عَنِ الْمَشَايِخِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التِّلاَوَةِ وَالْقِرَاءَةِ، أَنَّ التِّلاَوَةَ هِيَ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ مُتَتَابِعًا كَالأَْوْرَادِ وَالأَْحْزَابِ، وَالأَْدَاءُ هُوَ الأَْخْذُ عَنِ الْمَشَايِخِ، وَالْقِرَاءَةُ تُطْلَقُ عَلَى الأَْدَاءِ وَالتِّلاَوَةِ فَهِيَ أَعَمُّ مِنْهُمَا. وَالأَْدَاءُ الْحَسَنُ فِي الْقِرَاءَةِ هُوَ تَصْحِيحُ الأَْلْفَاظِ وَإِقَامَةُ الْحُرُوفِ عَلَى الصِّفَةِ الْمُتَلَقَّاةِ مِنْ أَئِمَّةِ الْقِرَاءَةِ
__________
(1) سورة النساء / 11
(2) قليوبي 1 / 344، والشرح الصغير 4 / 618 ط دار المعارف والاختيار 5 / 85، 86، والمغني 4 / 502، وحديث: " نفس المؤمن معلقة " أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن 3 / 389، 390 برقم 1079 ط الحلبي، وابن ماجه 2 / 806 برقم 413 ط الحلبي واللفظ لهما، وأخرجه أحمد (2 / 440، 475 ط الميمنية) والدارمي (2 / 262 ط محمد أحمد دهمان) .

الْمُتَّصِلَةِ بِالرَّسُول (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) الَّتِي لاَ تَجُوزُ مُخَالَفَتُهَا، وَلاَ الْعُدُول عَنْهَا إِلَى غَيْرِهَا، وَلِذَلِكَ فَإِنَّ مِنَ اللَّحْنِ الْخَفِيِّ مَا يَخْتَصُّ بِمَعْرِفَتِهِ عُلَمَاءُ الْقِرَاءَةِ وَأَئِمَّةُ الأَْدَاءِ الَّذِينَ تَلَقَّوْا مِنْ أَقْوَال الْعُلَمَاءِ، وَضَبَطُوا عَنْ أَلْفَاظِ أَهْل الأَْدَاءِ الَّذِينَ تُرْتَضَى تِلاَوَتُهُمْ، وَيُوثَقُ بِعَرَبِيَّتِهِمْ، وَلَمْ يَخْرُجُوا عَنِ الْقَوَاعِدِ الصَّحِيحَةِ فَأَعْطُوا كُل حَرْفٍ حَقَّهُ مِنَ التَّجْوِيدِ وَالإِْتْقَانِ.

حُكْمُ حُسْنِ الأَْدَاءِ فِي الْقِرَاءَةِ:
40 - قَال الشَّيْخُ الإِْمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ نَصْرٍ عَلِيٌّ بْنُ مُحَمَّدٍ الشِّيرَازِيُّ فِي كِتَابِهِ (الْمُوَضِّحُ فِي وُجُوهِ الْقِرَاءَاتِ) : إِنَّ حُسْنَ الأَْدَاءِ فَرْضٌ فِي الْقِرَاءَةِ، وَيَجِبُ عَلَى الْقَارِئِ أَنْ يَتْلُوَ الْقُرْآنَ حَقَّ تِلاَوَتِهِ صِيَانَةً لِلْقُرْآنِ عَنْ أَنْ يَجِدَ اللَّحْنُ وَالتَّغْيِيرُ إِلَيْهِ سَبِيلاً.
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْحَالاَتِ الَّتِي يَجِبُ فِيهَا حُسْنُ الأَْدَاءِ، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ مَقْصُورٌ عَلَى مَا يَلْزَمُ الْمُكَلَّفَ قِرَاءَتُهُ فِي الْمُفْتَرَضَاتِ، فَإِنَّ تَجْوِيدَ اللَّفْظِ وَتَقْوِيمَ الْحُرُوفِ وَاجِبٌ فِيهِ فَحَسْبُ.
وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَى كُل مَنْ قَرَأَ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ كَيْفَمَا كَانَ، لأَِنَّهُ لاَ رُخْصَةَ فِي تَغْيِيرِ النُّطْقِ بِالْقُرْآنِ وَاتِّخَاذِ (1) اللَّحْنِ إِلَيْهِ سَبِيلاً إِلاَّ عِنْدَ الضَّرُورَةِ وَقَدْ قَال اللَّهُ تَعَالَى: {قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ (2) } وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحَيْ " تَجْوِيدٌ، تِلاَوَةٌ ".
__________
(1) كشاف اصطلاحات الفنون 1 / 102، 103 ط بيروت عن طبعة الهند، والنشر في القراءات العشر ص 210 وما بعدها ط مصطفى محمد.
(2) الزمر / 28

* فضل أداء الزكاة:
قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) (البقرة/277).
* تجب الزكاة في مال الكبير والصغير، والذكر والأنثى، والمعتوه والمجنون إذا كان المال مستقراً، وبلغ نصاباً، وحال عليه الحول، وكان المالك مسلماً حراً.
* الكافر لا تجب عليه الزكاة وكذا سائر العبادات، لكنه يحاسب عليها يوم القيامة، أما في الدنيا فلا يُلزم بها، ولا تُقبل منه حتى يسلم.
* الخارج من الأرض، ونتاج السائمة، وربح التجارة تجب فيها الزكاة إذا بلغت النصاب ولا يشترط لها تمام الحول، أما الركاز فتجب الزكاة في قليله وكثيره، ولا يشترط له نصاب ولا حول.
* نتاج السائمة، وربح التجارة حولهما حول أصلهما إن كان نصاباً.
* من كان له دين على مليء فيخرج زكاته إذا قبضه لما مضى، والأفضل أن يزكيه قبل قبضه، وإن كان الدَّين على معسر أو مماطل فيزكيه إذا قبضه لسنة واحدة.
‫أ- لغة:‬
‫الأداء فى اللغة: اسم مصدر، من فعل أدى يؤدى تأديه وأداء ومن معانى الأداء: الإيصال قال فى القاموس: "أداه تأدية: أوصله والاسم: الأداء" (القاموس- 4/3 )، وقال فى اللسان: "أدى الشئ: أوصله، والاسم: الأداء" (اللسان- 14/26) قلت: فكأن الشيخ عندما يؤدى الحديث لطلابه، يوصله إليهم‬
‫ب- اصطلاحاً:‬
‫لم أجد للأقدمين من المؤلفين تعريفاً صريحاً للأداء، وإنما أشاروا إلى حقيقته ضمن كلامهم، ويمكن أن يصاغ ذلك بما يلى:‬

‫أداء الحديث: "هو تبليغه، وإلقاؤه للطالب بصورة من صور الأداء، بصيغة تدل على كيفية تحمله"(انظر منهج النقد فى علوم الحديث: ص222، وعلوم الحديث ومصطلحه ص1 4، ولمحات فى علوم الحديث ص343).‬

صيغ الأداء هي الألفاظ التي تشير إلى كيفية تحمل الراوي الحديث ممن فوْقَه في السند ، انظر (صيغ الأداء).
ثم إنه قد جرت عادتهم باختصار أكثر هذه الصيغ ، وذلك باستبدال الصيغة ببعض حروفها ؛ وهكذا حلَّ مكان هذه الصيغ في كثير من كتب الحديث رموز يُقصر فيها على بعض حروفها ، وهي رموز متعارَف عليها ، فلا تُشكِل على أحد من أهل هذا العلم وطلبته والمشاركين فيه ، وإن كانت قد تشكل على غيرهم.
قال ابن الصلاح في (مقدمته) (ص180): (غلب على كَتَبة الحديث الاقتصار على الرمز في قولهم "حدثنا" و "أخبرنا" ، غير أنه شاع ذلك وظهر حتى لا يكاد يلتبس.
أما "حدثنا" فيُكتب منها شطرها الأخير ، وهو الثاء والنون والألف ؛ وربما اقتُصر على الضمير منها ، وهو النون والألف.
وأما "أخبرنا" ، فيكتب منها الضمير المذكور مع الألف أولاً.
وليس بحسن ما يفعله طائفة من كتابة "أخبرنا" بألف مع علامة "حدثنا" المذكورة أولاً ، وإن كان الحافظ البيهقي ممن فعله.
وقد يكتب في علامة "أخبرنا" راء بعد الألف ، وفي علامة "حدثنا" دال في أولها.
وممن رأيت في خطه الدال في علامة "حدثنا" الحافظ أبو عبد الله الحاكم ، وأبو عبد الرحمن السلمي ، والحافظ أحمد البيهقي ، رضي الله عنهم ، والله أعلم )
؛ انتهى.
أدى فلان الحديث أداءً: أي حدَّثَ به غيرَه وبلّغه إياه.
والأداء يلزمه التحمل فلبا يقع أحدهما مجرداً عن الآخر ، فهما ركنان لأمر واحد فيتلازمان ، كالبيع لا يقع من غير شراء والعكس صحيح ؛ وانظر (التحمل).
سن التحمل هي السن التي يصح فيها تحمل الطالب ، فلا يطعن في تحمله بصغره.
وسن الأداء هي السن التي يصح فيها التحديث من غير أن يكون الصغر أو الكبَر قادحاً في الأداء.
واختُلف في سن التحمل والأداء ، والأصح اعتبار سن التحمل بالتمييز ؛ وسنُّ الأداء يقدَّر بالاحتياج والتأهل لذلك.
صيغ الأداء هي الألفاظ التي يذكرها الراوي عند تحديثه بالحديث قبل أن يذكر من تحمل منه - أو تحمل عنه - الحديث ، أو بعد ذلك ، مشيراً بها إلى كيفية تحمله لذلك الحديث ، مثل أن يقول: (حدثني الشافعي قال سمعت مالكاً قال: بلغني عن ابن عمر أنه كان يفتي بكذا) ، أو يقول: (سفيان بن عيينة حدثني قال سمعت عمرو بن دينار قال ----) ، ثم يسوق حديثاً من رواية سفيان.
وتنقسم هذه الصيغ من حيث دلالتها على الاتصال أو ضده ، ثلاثةَ أقسام:
القسم الأول: صيغ صريحة في الاتصال ، مثل (سمعتُ) و (حدثني).
القسم الثاني: صيغ صريحة في الانقطاع ، مثل (بلغَني عنه أنه قال---) ، ومثل (حُدثتُ عنه أنه قال---) ، ومثل (يُذكر أنه كان يقول---).
القسم الثالث: صيغ محتملة للاتصال وللانقطاع ولما اختلف في اتصاله وانقطاعه من أنواع التحمل كالإجازة أو بعض أنواعها ، مثل (قال) و (عن).
وصيغ الأداء تقسم باعتبار آخر أيضاً ، فإنها تنقسم إلى أقسام على عدد كيفيات التحمل ، يتعلق كل قسم منها بقسم من تلك الكيفيات؛ وعليه تكون هذه الأقسام كما يلي:
1-…صيغ الأداء المستعملة للسماع من لفظ الشيخ.
2-…صيغ الأداء المستعملة للقراءة على الشيخ ، وتسمى العرض.
3-…الصيغ المستعملة للتحمل بالإجازة.
4-…الصيغ المستعملة للوجادة--- إلى آخر الأقسام.
قال ابن حجر في (نخبة الفكر):
(وصيغ الأداء:
(سمعت)
و (حدثني)
ثم (أخبرني) و (قرأت عليه)
ثم (قرىء عليه وأنا أسمع)
ثم (أنبأني)
ثم (ناولني)
ثم (شافهني)(1)
ثم (كتب إلي)(2)
ثم (عن) ، ونحوها(3)
فالأولان(4): لمن سمع وحده من لفظ الشيخ.
فإن جمع: فمع غيره(5).
وأولها(6): أصرحها(7)، وأرفعها في الإملاء(8).
والثالث والرابع(9): لمن قرأ بنفسه(10).
فإن جمع(11) فكالخامس(12).
والإنباء بمعنى الإخبار، إلا في عرف المتأخرين فهو للإجازة ، كعن.
وعنعنة المعاصر محمولة على السماع إلا من مدلس.
وقيل: يشترط ثبوت لقائهما ولو مرة؛ وهو المختار(13).
وأطلقوا(14) المشافهة(15) في الإجازة المتلفظ بها(16).
والمكاتبة(17) في الإجازة المكتوب بها(18).
واشترطوا(19) في صحة المناولة(20) اقترانها بالإذن بالرواية.
وهي(21) أرفع أنواع الإجازة.
وكذا اشترطوا الإذن في الوجادة(22) والوصية بالكتاب وفي الإعلام(23)، وإلا فلا عبرة بذلك كالإجازة العامة(24)؛ وللمجهول(25) وللمعدوم على الأصح في جميع ذلك).
هذا شيء مختصر ، وقد بين العلماء على سبيل التفصيل ما يقال من صيغ الأداء في كل طريقة من طرق التحمل ، تجد ذلك في كتب علوم الحديث (كالكفاية) للخطيب و(الإلماع) لعياض و(علوم الحديث) لابن الصلاح و(شرح علل الترمذي) لابن رجب و (فتح المغيث ) للسخاوي ، وغيرها.
تنبيه: قال العلامة أحمد محمد شاكر في (شرح الفية السيوطي) (ص123-124):
(كتب المتقدمين لا يصح لمن يرويها أن يغير فيها ما يجده من ألفاظ المؤلف أو شيوخه ، في قولهم (حدثنا) أو (اخبرنا) أو نحو ذلك -: بغيره ، وإن كان الراوي يرى التسوية بين هذه الألفاظ ، لاحتمال أن يكون المؤلف أو شيوخه ممن يرون التفرقة بينهما ، ولأن التغيير في ذاته ينافي الأمانة في النقل.
وأما إذا روى الراوي حديثاً عن أحد الشيوخ - وهذا في غير الكتب المؤلفة - فإن كان الشيخ ممن يرى التفرقة بين الإخبار والتحديث فإنه لا يجوز للراوي إبدال أحدهما من الآخر ؛ وإن كان الشيخ ممن يرى التسوية بينهما جاز للراوي ذلك ، لأنه يكون من باب الرواية بالمعنى ، هكذا قاله بعضهم ، وقال آخرون بمنعه مطلقاً ، وهو الحق ، لأن هذا العمل ينافي الدقة في الرواية ، ولذلك قال أحمد بن حنبل - فيما نقله عنه ابن الصلاح (ص164): " اتبع لفظ الشيخ في قوله حدثنا وحدثني وسمعت وأخبرنا ولا تعْدُه "). انتهى.
قاعدة: الصيغ الصريحة في الاتصال والصيغ الصريحة في الانقطاع حكمها في الأصل الاتصال والانقطاع كما هو واضح ؛ والصيغ المحتملة يحكم لها في الأصل بالاتصال إذا كان الراوي غير مدلس والمذكور فوقه شيخه ، وبالانقطاع إذا لم يجتمع فيها هذان الشرطان ؛ ولكن من العلماء من يزيد على ذلك فيحكم بالاتصال لرواية الراوي غير المدلس ، عن معاصره ، وإن لم يثبت سماعه منه بشرط أن لا يثبت عدم سماعه منه وأن لا يقْوَى الظن بذلك ، أي بعدم السماع.
__________
(1) أي بالإجازة، وهي السادسة.
(2) أي بالإجازة، وهي السابعة.
(3) أي ونحو (عن) من الصيغ المحتملة للسماع والإجازة ولعدم السماع أيضاً ، وهذا مثل (قال) و(ذكر) و(روى).
(4) من صيغ الأداء وهما (سمعت) و(حدثني).
(5) إن أتى الراوي بصيغة الجمع في الصيغة الأولى كأن يقول: (حدثنا فلان أو سمعنا فلاناً يقول) فهو دليل على أنه سمع منه مع غيره وقد تكون النون للعظمة لكن بقلّة.
(6) أي أول صيغ المراتب المذكورة، والمقصود (سمعت).
(7) أي أصرح صيغ الأداء في سماع قائلها، لأنها لا تحتمل الواسطة؛ ولأن (حدثني) قد يطلق في الإجازة تدليساً.
(8) أي (سمعت) هي أرفع صيغ الأداء مقداراً إذا كان السماع بالإملاء، وذلك لما فيه من التثبت والتحفظ.
(9) وهما (أخبرني) و (قرأت عليه).
(10) على الشيخ.
(11) فقال (أخبرنا) أو (قرأنا عليه).
(12) وهو (قرئ عليه وأنا أسمع).
(13) لا أدري لم أخر هذا القول ومرّضه ثم قال: (وهو المختار) بعد أن قدم القول الآخر وحكاه بصيغة الجزم! إلا أن يكون قد حكى أولاً قول الجمهور ثم حكى قول المحققين واختاره.
(14) أي المتأخرون أو كثير منهم.
(15) أي لفظة (شافهني فلان).
(16) تجوزاً؛ وهذا بخلاف صنيع المتقدمين، فإنهم إنما يطلقونها فيما سمعه التلميذ من شيخه.
(17) أطلقوها أيضاً.
(18) قال ابن الصلاح (ص154-155): (ذهب غير واحد من علماء المحدثين وأكابرهم، منهم الليث بن سعد ومنصور إلى جواز إطلاق "حدثنا" و "أخبرنا" في الرواية بالمكاتبة ؛ والمختار قول من يقول فيها "كتب إلي فلان قال حدثنا فلان بكذا وكذا " ، وهذا هو الصحيح اللائق بمذهب أهل التحري والنزاهة؛ وهكذا لو قال: "أخبرني به مكاتبة، أو كتابة " ونحو ذلك من العبارات).
(19) يعني علماء الحديث.
(20) أي في صحة الرواية بها.
(21) أي الرواية المقرونة بالإذن.
(22) وهي أن يجد شيئاً مكتوباً بخطٍّ يعرف كاتبَه فيقول: وجدت بخط فلان ولا يسوغ فيه إطلاق (أخبرني) بمجرد ذلك إلا إن كان له منه إذن بالرواية عنه.
(23) وهو أن يعلم الشيخ أحد الطلبة بأنني أروى الكتاب الفلاني عن فلان؛ فإن كان له منه إجازة اعتبر.
(24) في المجاز له لا في المجاز به، كأن يقول: أجزت لأهل البلدة الفلانية.
(25) أي وكالإجازة للمجهول.
20 - التَّحَمُّل والأداء
لغة: التحمل صيغة تَفَعُّل مأخوذ من حملت الشيء أحمله جملا- بكسر الحاء- إذا كان فى الأثقال المحمولة فى الظاهر، ومنه قوله تعالى} وساء لهم يوم القيامة حِمْلا {{(طه 101). وحملت المرأة الجنين فى بطنها حَملا- بفتح الحاء، ومنه قوله تعالى}} فلما تغشاها حملت حَمْلا خفيفاً {{(الأعراف 189) وحملته الرسالة: كلفته حملها، ومنه قوله تعالى:}} مثل الذين حمِّلوا التوراة ثم لم يحملوها {{(الجمعة 5).

والأداء: مأخوذ من أدَّى الشيء أى دفعه، وأدَّى دينه: أى قضاه قال تعالى}}
إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها {(النساء 58).

واصطلاحا: هذا التعبير استخدمه علماء الحديث ويقصدون به بيان الكيفية التى يستقبل بها الطالب المادة العلمية للحديث الشريف وما يتعلق به- وهو المراد بكلمة التحمل، ثم بيان الأسلوب الذى ينبغى اتباعه فى إبلاغ ما استوعبه الطالب، وهو المعبر عنه بالأداء ... فكلمة التحمل إنما هى خاصة بمرحلة طلب العلم، وكلمة الأداء خاصة بمرحلة إبلاغ العلم، ويمكن تسمية هذا العلم بلغة العصر (الاستقبال والإرسال) أو (التلقى والبلاغ).

ولم يرد هذا التعبير فى كتب المصطلح الأولى، وإنما عبر عنه الأئمة بتعبيرات قريبة من هذا سماه القاضى عياض (ت 544 هـ): أنواع الأخذ وأصول الرواية (1).

وابن الأثير (ت 606هـ) بقوله "مسند الراوى وكيفية أخذه" (2).

وابن الصلاح (ت 643 هـ) بقوله: كيفية. سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه (3).

أما الأصوليون فعبروا عن ذلك أحيانا بقولهم "صفة الرواية" (4) وأحيانا "مراتب الرواية (5).

ولا يشترط للتحمل عقيدة- أعنى إسلاماً فيصح لغير المسلم أن يتحمل العلم، وإن كان لا يصح له الأداء إلا بعد إسلامه، حتى نطمئن على صدق الخبر.

أما بالنسبة للسن، فالقول باشتراط سن محددة لحضور مجالس الحديث غير سديد، بل العبرة بالتمييز وفهم ما يسمع .. وقد حضر الصحابة وهم صغار السن مجالس الحديث. وللتحمل طرق .. وللأداء صيغ ..

فطرق التحمل ثمانية، مرتبة كالتالى: السماع، القراءة، وتسمى العرض عند بعض العلماء، ثم المكاتبة فالمناولة، فالإجازة، فالوصية، فالإعلام، فالوجادة، وهذه الطرق الثمانية بعضها متفق على العمل بها، وهى السماع، والقراءة، والمكاتبة، والمناولة، وبعضها مختلف فيها.

ولكل طريق من طرق التحمل السابقة صيغته التى يؤدى بها، والقاعدة فى هذا الشأن أن أعلى صيغ الأداء لأى طريق ما اشتق من الطريق نفسه، فمن تحمل العلم سماعا يؤديه بقوله: سمعت أو سمعنا؟ وفى القراءة: قرأت أو قرأنا وفى المكاتبة: كتب إلى 0000 إلخ.

وفى طريق السماع رأى الإمام أحمد أن صيغة: حدثنى أو حدثنا أقوى من سمعت أو سمعنا، وحين سئل فى ذلك قال: حدثنى شديد000 يقصد أن الراوى لا يقول حدثنى إلا إذا كان موجودا فى مجلس الحديث0000

بخلاف سمعت فإنها قد تقال على لسان من لم يحضر الحلقة، ولو أردنا تعريفات لطرق التحمل الثمانية نقول:

السماع: أن يسمع الطالب شيخه وهو يحدث بحديثٍ أو بأحاديث من حفظه، أو من كتابه.

القراءة: أن يقرأ الطالب على شيخه حديثا، أو أحاديث من حفظه، أو من كتابه .. أو يستمع إلى من يقرأ على الشيخ، وبعض العلماء يسمى ذلك (عرضا) وبعضهم يغاير بين القراءة والعرض، ويجعل بينهما عموما وخصوصاً.

المكاتبة: أن يرسل الأستاذ إلى الطالب رسالة مكتوبة أو كتابا يحتوى على مروياته.

المناولة: أن يناول الشيخ الطالب كتابه المشتمل على مروياته.

الإجازة: أن يأذن الشيخ للطالب- مشافهة أو كتابة- أن يروى عنه مؤلفاته أو مروياته ..

المناولة: أن يناول الشيخ الطالب بعض مؤلفاته أو مروياته، ويجيزه روايتها صراحة أو كتابة.

الوصية: أن يوصى الشيخ بكتبه أو مروياته بأن تروى عنه عند سفره أو مرضه أو موته.

الوجادة: أن يجد الطالب كتابا أو كتبا لشيخ لم يتمكن الطالب من سماعها من هذا الشيخ. وفى مسند أحمد كثير مرا الروايات من رواية ابنه عبد الله عنه بالوجادة .. يقول: وجدت فى كتاب أبى كذا وكذا ..

أ. د/ مصطفى محمد أبو عمارة
1 - الإلماع للقاضى عياض تحقيق الأستاذ السيد أحمد صقر ص 68، ط الأولى1970م الناشر: دار التراث.
2 - جامع الأصول، لابن الأثير، تحقيق محمد حامد الفقى، 1/ 38 ط الأولى 1370 هـ.
3 - مقدمة ابن الصلاح ص 163 ط الأولى الناشر محمد عبد المحسن الكتبى.
4 - الإحكام فى أصول الأحكام لابن حزم 2/ 262 ط الأولى 4 0 4 1 هـ الناشر: دار الحديث.
5 - شرح مختصر الروضة للطوفى المتوفى (716) 2/ 88 ط الأولى 1410 هـ مؤسسة الرسالة- بيروت.
__________
المرجع
1 - اختصار علوم الحديث لابن كثير، وتعليق الشيخ أحمد شاكر عليه.
2 - توضيح الأفكار للصنعانى وتعليق الشيخ محمد محيى الدين عبد الحميد.
3 - فتح المغيث للسخاوى.
4 - تدريب الراوى للسيوطى.
5 - شرح علل الترمذى لابن رجب.

أداء زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود البارزاني لليمين الدستورية كرئيس لإقليم كردستان العراق لمدة 4 سنوات.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

أداء زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود البارزاني لليمين الدستورية كرئيس لإقليم كردستان العراق لمدة 4 سنوات.
1426 جمادى الآخرة - 2005 م
انتخب مسعود البارزاني يوم 12/ 6/2005 من قبل المجلس الوطني لكردستان العراق بالإجماع كأول رئيس منتخب لإقليم كردستان في تاريخ الشعب الكردي، وقام مسعود البارزاني بأداء اليمين الدستورية كرئيس لإقليم كردستان العراق لمدة 4 سنوات.

إصلاح المنطق والطبع لأداء القراآت السبع

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون

إصلاح المنطق والطبع، لأداء القراآت السبع
....
لغة: من أدى دينه تأدية: قضاه. والأداء أيضا: يطلق على الإيصال، يقال: أدى الشيء، أي: أوصله.
ويطلق الأداء والقضاء في اللغة على الإتيان بالموقتات كأداء صلاة الفرائض وقضائها، وبغير الموقتات كأداء الزكاة والأمانة، وقضاء الحقوق، ونحو ذلك.
والأداء: هو الإتيان بالشيء لميقاته. ذكره الحرّالى.
قال الراغب: الأداء لغة: دفع الحق دفعة وتوفيته كأداء الخراج، والجزية، وردّ الأمانة.
ويطلق أيضا على: ما ينبئ عن شدّة الرعاية والمبادرة إلى تسليم عين الواجب، فيستعمل في تسليم عين الواجب عن طريق المسارعة، ولهذا يقال في الثلاثي منه: الذئب يأدو للغزال فيختله، أي: يراعى حضوره شدة الرعاية وينتهز الفرصة بالحيلة حتى يأخذه.
وعرفا: فعل ما دخل وقته قبل خروجه.
وقيل: هو إعلام الشاهد الحاكم بشهادته بما يحصل له العلم بما شهد به. بهذا قال ابن عرفة.
وقيل: هو عبارة عن تسليم عين الواجب في الوقت. وبهذا قال أبو البقاء في «الكليّات».
وقيل: هو عبارة عن إتيان عين الواجب في الوقت.
وقيل: هو تسليم العين الثابت في الذّمّة بالسبب الموجب كالوقت للصلاة والشهر للصوم إلى من يستحق ذلك الواجب.
وقيل الأداء: هو الإتيان بالفعل المأمور به أو ببعض معين منه في وقته المقدر له شرعا، مثل: الإتيان بصلاة الظهر بركعاتها الأربع في الوقت المحدد لها شرعا.
والأداء في اصطلاح الجمهور من الأصوليين والفقهاء: هو فعل بعض، وقيل: كل ما دخل وقته قبل خروجه واجبا كان أو مندوبا، أما ما لم يقدر له زمان في الشّرع كالنفل، والنذر المطلق، والزكاة فلا يسمى فعله أداء ولا قضاء. عند أصحاب الشافعي- رحمه الله-: الأداء والقضاء يختصّان بالعبادات المؤقتة ولا يتصور الأداء إلّا فيما يتصور الفقهاء له وقت، فلهذا قالوا: الأداء: ما فعل في وقته المقدر له شرعا أولا، والقضاء: ما فعل بعد وقت الأداء استدراكا لما سبق له وجوب مطلق.
فائدة:
قولهم: «مطلقا» : تنبيه على أنه لا يشترط الوجوب عليه ليدخل فيه قضاء النائم والحائض إذ لا وجوب عليهما عند المحققين، وإن وجد السبب لوجود المانع، كيف وجواز الترك مجمع عليه وهو ينافي الوجوب.
والإعادة: ما فعل في وقت الأداء ثانيا لخلل في الأول، وقيل: لعذر في الصلاة بالجماعة بعد الصلاة منفردا يكون إعادة على الثاني لأن طلب الفضيلة عذر لا على الأول لعدم الخلل.
فظاهر كلامهم: أن الإعادة قسم مقابل للأداء، والقضاء خارج عن تعريف الأداء لقوله «أولا» على أنه متعلق لقوله فعل، فإن الإعادة ما فعل ثانيا «لا أولا».
وهناك أداء يشبه القضاء هو: أداء اللاحق بعد فراغ الإمام، لأنه باعتبار الوقت مؤدّ، وباعتبار أنه التزم أداء الصلاة مع الإمام حين تحرم معه قاض لما فاته مع الإمام.
والأداء أنواع:
الأول: الأداء الكامل: وهو ما يؤديه الإنسان على الوجه الذي أمر به كأداء المدرك للإمام.
الثاني: الأداء الناقص: بخلافه (الأداء الكامل) كأداء المنفرد والمسبوق فيما سبق.
الثالث: الأداء الاختياري: قال الشيخ ابن عرفة- رضى الله عنه- ما نصه في حد الأول: هو المذكور غير المنهي عن تأخير فعلها عنه أو إليه، ومعناه ابتداء تعلق وجوبها باعتبار المكلف المنهي عن تأخير فعلها عنه أو إليه.
والأداء عند علماء القراءات: التلاوة.
وعند المحدثين: رواية الحديث، يقابلها: التحمل.
والأداء عند الأصوليين: فعل العبادة أو ركعة في وقتها المقدر لها شرعا.
وبعضهم قيدها بألا تسبق بإتيان مشتمل على خلل. والأداء- بالكسر والمد-: الوكاء، وهو شداد السقاء.
«النهاية 1/ 32، والمفردات ص 14، ومختار الصحاح ص 11، والمعجم الوسيط 1/ 10، ومعجم مقاييس اللغة 1/ 74، والتوقيف ص 44، وتحرير ألفاظ التنبيه ص 211، والمعتبر للزركشى ص 304، ولب الأصول مختصر جمع الجوامع ص 16، وميزان الأصول للسمرقندى ص 62، 63، والكليات ص 66، 308، وشرح حدود ابن عرفة ص 117، 598، والموجز في أصول الفقه ص 104، والحدود الأنيقة ص 76، وغاية الوصول للأنصاري ص 16، والتعريفات 1029، والدستور لأحمد بكرى 1/ 60، وم. م. الاقتصادية ص 45».

شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت