موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
الصليبيون (الفرنجة)
The Crusaders «الصليبيون» ترجمة لكلمة «كروسيدرز Crusaders» المشتقة من كلمة «كروس cross» ، ومعناها «صليب» . وهي عبارة تُستخدَم في الخطاب السياسي والتاريخي في الغرب للإشارة إلى الفرنجة الذين شنوا عدة حملات على العالم العربي والإسلامي في القرن الثاني عشر، وقد تَبنَّى كثير من العرب المحدثين هذا المصطلح. ونحن نستخدم في هذه الموسوعة عبارة «حروب الفرنجة» للإشارة إلى الحملات الغربية التي جُرِّدت ضد الشرق الإسلامي لنهبه، ولم تكن المسيحية سوى ديباجة سطحية استخدمها الغزاة ولا علاقة لها برؤيتهم للكون، ونستخدم عبارة «حملة صليبية» للإشارة إلى الحملات التي كانت تُجرِّدها الكنيسة ضد فرق المهرطقين في جنوب فرنسا وغيرها من المناطق، فهذه حملات كانت تتم باسم المسيحية ولصالحها. ونحن نعتبر حملات الفرنجة تعبيراً عن الإرهاصات الصهيونية الأولى. حملات الفرنجة والجماعات اليهودية في غرب أوربا وفلسطين The Crusades and the Jewish Communities in Western Europe and Palestine تُسمَّى «حروب الفرنجة» في الخطاب الغربي «الحروب الصليبية» نسبة إلى الصليب. وهو مصطلح يُطلَق على الحروب التي شنها حكام أوربا المسيحية الإقطاعية لاحتلال فلسطين إبان العصور الوسطى. وهي حروب كانت تساندها حركة سياسية واجتماعية ضخمة قادتها النخبة الحاكمة (الكنيسة والنبلاء) ووجدت صدى عميقاً لدى الجماهير الشعبية التي انضمت إليها بأعداد ضخمة لم تضعها النخبة الحاكمة نفسها في الحسبان. ويرى د. سعيد عاشور أن الفرنجة أو من يقال لهم «الصليبيون» هم من جموع المسيحيين الغربيين الكاثوليك الذين خرجوا من بلادهم في شتى أنحاء الغرب الأوربي، واتخذوا الصليب شعاراً لهم لغزو ديار الإسلام، وبخاصة منطقة الشرق الأدنى وبلاد الشام حيث الأراضي المقدَّسة. ومعنى هذا أن المسيحيين الشرقيين من روم وأرمن وسريان وأقباط ونحوهم لا يدخلون في دائرة مصطلح «الصليبيين» لأن هؤلاء من أهل البلاد (وليسوا وافدين عليها من الخارج) ربطتهم بالأرض التي ينتمون إليها روابط أصيلة جذرية ترجع إلى ما قبل الإسلام. وعاش معظمهم قبل الحركة الصليبية تحت مظلة الإسلام يتمتعون بما كفلته لهم هذه الديانة من حقوق ويؤدون ما فرضته عليهم من واجبات. ومن ثم نفضل استخدام مصطلح «فرنجة» في هذه الموسوعة بدلاً من «الصليبيين» . ولكننا نستخدم مصطلح «صليبيين» أحياناً للإشارة إلى الحملات الصليبية التي جرَّدتها الكنيسة ضد الهرطقات المختلفة، أو للتعبير عن المنظور الغربي لحملات الفرنجة. وتشير المصادر المعاصرة إلى الصليبيين باعتبارهم «الفرنجة» أو «الفرنج» . وهذا يعود إلى أن المكون البشري لهذه الحركة الاستيطانية الغربية لم يكن متجانساً عرْقياً، ورغم هذا فإن الفرنجة سكان بلاد الغال (غاليا) التي عُرفت فيما بعد باسم «فرنسا» كانوا أكثر إقبالاً من غيرهم على المشاركة في الحركة الاستيطانية. وتشير بعض المصادر اليهودية إلى الفرنجة بكلمة «إشكناز» وهي الكلمة التي استُخدمت فيما بعد للإشارة إلى يهود أوربا، خصوصاً ألمانيا وبولندا. وحروب الفرنجة جزء من المواجهة التاريخية العامة بين الحضارة الغربية وحضارة الشرق الأدنى والتي تعود بجذورها إلى بداية ظهور الحضارة الغربية نفسها حين وصلت شعوب البحر (الفلستيون) من كريت وبحر إيجة إلى ساحل مصر، ثم استقروا في ساحل أرض كنعان بعد أن صدهم المصريون. وحينما هيمن الفرس على الشرق الأدنى، أخذت المواجهة شكل اشتباك عسكري بينهم وبين الدول المدن اليونانية التي صدت الغزو الفارسي. ثم قام الإسكندر الأكبر بغزو الشرق وأسس الإمبراطورية اليونانية التي انقسمت إلى ثلاث امبراطوريات بعد موته. كما هيمن الرومان بعد ذلك على معظم الشرق الأدنى القديم. وقد انقسمت الإمبراطورية الرومانية إلى قسمين: الإمبراطورية الشرقية (البيزنطية) ، والامبراطورية الغربية. ومع وصول الإسلام وقيامه بفتح المنطقة وتوحيدها، وتحويله البحر الأبيض المتوسط إلى بحيرة عربية إسلامية، انحسر نفوذ العالم الغربي وأصبح محصوراً داخل القارة الأوربية. بل إن الجيب البيزنطي المتبقي على أرض الشرق في آسيا الصغرى كان قد بدأ يقع تحت هجمات السلاجقة وهي الهجمات التي أدَّت في نهاية الأمر لسقوط الدولة البيزنطية، وكذلك القسطنطينية، على يد العثمانيين. وقد هُزم جيش بيزنطي بقيادة الإمبراطور رومانوس ديجينيس هزيمة ساحقة على يد السلاجقة بقيادة ألب أرسلان في مانزيكريت في أرمينيا. ثم استمر التوسع السلجوقي، فتم الاستيلاء على أنطاكية عام 1085، الأمر الذي اضطر الإمبراطور أليكسيوس كومنينوس إلى أن يطلب العون من الغرب حيث لم يجد آذاناً صاغية وحسب بل شهية مفتوحة. ويعود هذا إلى مركب من الأسباب المادية والمعنوية: 1 ـ يُلاحَظ أن الاقتصاد الغربي بمعظم مؤسساته تساقط على أثر سقوط الإمبراطورية الرومانية الغربية وتردَّى إلى حالة من الاقتصاد البدائي والطبيعي. ولكنه بدأ يصحو من كبوته ابتداءً من القرن التاسع الميلادي، فشهدت الفترة التي سبقت حروب الفرنجة شيئاً من الانتعاش الاقتصادي، وكانت هناك محاولات ترمي لزيادة الرقعة الزراعية عن طريق اجتثاث الأشجار وتسهيل حركة التجارة وتنظيم الأسواق الدولية والمحلية. وقد ساعدت تلك الحروب بدورها على هذا الانتعاش الاقتصادي، ذلك أن التاجر المسيحي تبع المقاتل الفرنجي بعد أن ترك كثيراً من خوفه من الطرق المجهولة وعاد بالسلع من الشرق بعد أن كان التاجر اليهودي يحتكر هذه العملية تقريباً من خلال شبكة الاتصالات الدولية اليهودية الخاصة به. كما أن الملوك والنبلاء والفرسان العائدين استعذبوا مذاق السلع الترفيهية الشرقية وهو ما كان يعني ظهور سوق لها في الغرب ونشاط للتجارة الدولية. 2 ـ تزايد نفوذ المدن الإيطالية التجارية بخاصة البندقية وجنوا وبيزا، وأصبح لها أساطيلها التجارية الضخمة التي فكت الهيمنة الإسلامية على البحر الأبيض المتوسط. وقام الجنويون والبيزيون بطرد المسلمين من قواعدهم في جنوب إيطاليا وجزيرة كورسيكا في القرن العاشر الميلادي، وهيمنوا على غربي المتوسط في القرن الحادي عشر الميلادي. بل حاولت المدن الإيطالية تأمين موطئ قدم لها على ساحل المتوسط ذاته، فعبأت كل من جنوة وبيزا أسطولاً هاجم تونس عام 1087، واضطر أمير تونس بعدها إلى أن يفرج عن الأسرى المسيحيين وأن يدفع تعويضاً ويعفي التجار الجنويين والبيزيين من ضرائب الاستيراد. وكان لمدينة البندقية نشاطها أيضاً، فقد هيمنت على البحرين الأدرياتيكي والإيجي في بداية القرن الحادي عشر الميلادي ووصلت إلى البحر الأسود. ولا شك في أن حروب الفرنجة ساهمت في العملية المتصاعدة الهادفة إلى فك الحصار الذي فرضه المسلمون على تجارة الشرق، وأعطت المدن الإيطالية موطئ قدم في مواقع مهمة من شرق المتوسط. وقد حصلت هذه المدن على امتيازات وتسهيلات تجارية ضخمة داخل الممالك الخاضعة للفرنجة في الشام وفلسطين. 3 ـ يُلاحَظ أن أوربا شهدت تزايداً في عدد السكان مع نهاية القرن العاشر الميلادي واستمر التزايد حتى القرن الثالث عشر الميلادي وهو تزايد لم تواكبه بالضرورة زيادة في الرقعة الزراعية، ومن هنا بدأت السلطات الدنيوية في تحريم امتلاك اليهود للأراضي الزراعية وهو حظر طُبِّق على الكنائس والأديرة. 4 ـ يدور النظام الإقطاعي الغربي حول نشاطين أساسيين: الزراعة والقتال. وكما بيَّنا، كان النظام الإقطاعي يواجه تَناقُص الرقعة المزروعة. ومن القواعد الأساسية في الإقطاع الغربي أن الابن الأكبر وحده هو الذي يرث الضيعة، أما بقية إخوته فلم يكن أمام أيٍّ منهم فرصة سوى محاولة البحث عن وريثة غنية يقترن بها، أو أن ينخرط في سلك الكنيسة أو يتوجه إلى المهن الأخرى مثل القتال. 5 ـ كان هناك ما يشبه المجاعة في غرب أوربا، وخصوصاً في فرنسا، من القرن العاشر حتى أواخر القرن الحادي عشر الميلاديين. وربما كانت هذه المجاعة وراء النشاط الاقتصادي الذي شهدته الفترة، وكذلك سوء حال الفلاحين والأقنان. وتُشكِّل الحروب والمشاريع الاستيطانية وسيلة تقليدية للتخلص من العناصر المشاغبة التي لا مكان لها في المجتمع (من نبلاء بلا أرض، إلى تجار يبحثون عن مزيد من الأرباح، وفلاحين جوعى ومجرمين ولصوص) وذلك حتى يحقق المجتمع الغازي استقراراً اجتماعياً داخلياً. ويبدو أن عدد الأطفال غير الشرعيين كان يتزايد في أوربا، وكانت حروب الفرنجة وسيلة للتخلص منهم، وقد أخذت إحدى الحملات التي خرجت من أراجون عام 1269 اسم «حملة الأطفال غير الشرعيين» . 6 ـ تمتعت أوربا بشيء من الاستقرار السياسي، وتزايدت إمكاناتها ومقدرتها على تجريد حملات ضخمة كما بدا بوضوح مع الفتح النورماندي لإنجلترا وإيطاليا وصقلية في بدايات القرن الحادي عشر، وقد تزايدت حدة حركة استرداد إسبانيا في القرن الحادي عشر الميلادي حين قام ألفونسو السادس (من ليون) بالاستيلاء على طليطلة عام 1085. وابتداءً من القرن العاشر الميلادي، بدأ التوسع الألماني نحو الشرق والشمال وهي حركة لم تتوقف إلا في القرن الثالث عشر الميلادي. 7 ـ حدث بَعْث ديني حقيقي في بداية القرن العاشر الميلادي. ويمكن القول بأن حروب الفرنجة تعود إلى ما يُسمَّى «الإصلاح الكلوني» وهي حركة إحياء دينية بدأت عام 910 في مدينة كلوني بفرنسا، وأكدت تَفوُّق سلطة الكنيسة على السلطة الدنيوية. وقد تزامنت حروب الفرنجة مع المجامع اللاترانية الأربعة في أعوام 1123، 1139، 1179، 1215 على التوالي. وهي المجامع التي بلورت موقف الكنيسة من عدة قضايا، منها تحريم الربا وتحديد وضع اليهود وكثير من علاقات الكنيسة بالسلطة الدنيوية. ولعبت الكنيسة دوراً أكثر نشاطاً في الحياة الدنيوية، وأخذت تؤكد نفسها بشكل أكثر جرأة. وقد أُعيدت صياغة البنية الكهنوتية وهو ما سمح للبابوات بأن يلعبوا دوراً أكثر فعالية. ووجدت الكنيسة في حروب الفرنجة فرصة مواتية لزيادة نفوذها وتسريب طاقة الأمراء والملوك القتالية إلى الشرق، ولتحقيق السلام والاستقرار في الغرب المسيحي. ومما له دلالته أن مجلس كليرمون (عام 1095) ، الذي اتخذ القرارات التي بدأت حملات الفرنجة على الشرق، جدد ما يُسمَّى «هدنة الرب» في الغرب! وقد وجدت الكنيسة الرومانية أن تجريد حملة تحت سلطتها، لمساعدة الدولة البيزنطية، قد يسرع بتحقيق حلم روما القديم بإخضاع الكنيسة البيزنطية. 8 ـ شهدت الفترة التي سبقت حروب الفرنجة تزايد حركة الحج. وكانت أهم المزارات روما حيث يُوجد ضريح لكلٍّ من بطرس وبولس، وكذلك ضريح سنتياجو دي كومبوستلا في شمال غربي إسبانيا. ولكن أهم المزارات جميعاً كانت هي القدس حيث تضم كنيسة القيامة. ولم يكن الحج عملاً من أعمال التقوى وحسب، وإنما أصبح وسيلة للتكفير عن الذنوب. بل كان القساوسة يوصون، في بعض الأحيان، بالحج لمن يرون أنه اقترف إثماً فاحشاً. وكان الحجاج يرجعون بقصص عن مدى ثراء الشرق، كما أنهم كانوا يتحدثون أيضاً عن المتاعب التي تجشموها والأهوال التي لاقوها. ولا شك في أن حديثهم هذا كان له أساس من الصحة حيث إن المنطقة لم تكن تنعم بالهدوء أو الاستقرار، وخصوصاً أن السلاجقة كانوا قد بدأوا في شن هجومهم على الدولة البيزنطية. ولكن مما لا شك فيه أنه كان هناك عنصر مبالغة، فالعائدون كانوا يريدون إبراز بطولتهم، وكان الوجدان الشعبي يتلقف هذه القصص ويضخمها، وخصوصاً أن المستوى الثقافي لجماهير أوربا آنذاك كان متدنياً إلى أقصى حد. 9 ـ يبدو أن حركة استرداد إسبانيا من المسلمين، وتَفاعُل المسيحيين مع المسلمين إبان حرب الاسترداد، قد تركا أثرهما في الرؤية المسيحية للحرب، إذ تأثر العالم المسيحي بفكرة الجهاد الإسلامي، فبدا أن الحرب للدفاع عن المجتمع المسيحي، ولاسترداد القدس، ليست حرباً عادلة وحسب وإنما حرب مقدَّسة أيضاً. ويبدو أن نشوء جماعات من الرهبان المحاربين مثل فرسان الهيكل وفرسان الإسعاف (الداوية والإسبتارية) هو صدى لفكرة المرابطين الإسلامية. 10 ـ من الأفكار المسيحية الشعبية الراسخة، ما يُطلَق عليه العقائد أو الأحلام الألفية، وتتمثل هذه الأفكار في الإيمان بأن الدورة الكونية أو التاريخية تستغرق ألف عام في العادة، وأن عام ألف أي بداية القرن الحادي عشر الميلادي سيشهد نهاية العالم والتاريخ، كما سيشهد عودة المسيح. وقد سادت هاتان الفكرتان أوربا في العصور الوسطى، وهما من الأفكار التي ازدادت شيوعاً إبان تفاقم الأزمات الاجتماعية وازدياد البؤس بين الجماهير. ويقول العلماء إن تاريخ نهاية العالم لم يكن محدداً بهذه الدقة، وأن الأحلام الألفية استمرت خلال القرن الحادي عشر الميلادي كله وحتى بعد ذلك التاريخ. ومن الأساطير الألفية التي شاعت أن الإمبراطور الأخير سيكون هو ملك الفرنجة خليفة شارلمان، وأنه هو الذي سيقود المؤمنين إلى القدس لينتظر العودة الثانية للمسيح ليؤسس مملكة السلام والعدل ويحكم العالم من صهيون، أي القدس، وما القدس الدنيوية سوى رمز للقدس الأخروية! 11 ـ واجهت الكنيسة، ابتداءً من القرن الحادي عشر الميلادي، ظهور هرطقات في جنوب فرنسا، فظهر الكاثاري في بداية الأمر ثم تبعهم أصحاب الهرطقة الألبيجينية. وهذه الجماعات كانت جماعات ثنوية تؤمن بوجود إلهين: إله الخير وإله الشر. وكان بعضهم يذهب، شأنه شأن الغنوصيين، إلى أن هذا العالم من خلق الإله الصانع (الشرير) ، كما كانوا ينزعون منزعاً واحدياً روحياً ينكر أية حقيقة للمادة. وقد جردت الكنيسة أول حملة صليبية ضدهم عام 1208، وتبع ذلك تأسيس محاكم التفتيش الرومانية (مقابل محاكم التفتيش الإسبانية) عام 1233. ولا شك في أن أحساس الكنيسة بأنها مهددة ساهم في تصعيد حمى الحرب. وقد استخدمنا كلمة «مركب» للإشارة إلى الأسباب التي أدَّت إلى حروب الفرنجة حتى لا نتوهم أن هناك بنية تحتية من الدوافع الاقتصادية والاجتماعية تغطيها قشرة من الأكاذيب أو التبريرات الدينية. فالنفس البشرية لا تتحرك بهذه الطريقة الآلية إذ تتداخل في عقل الإنسان أنبل الدوافع وأكثرها خسة في آن واحد، فالفلاح المسيحي الذي حمل صليبه وفأسه كان مدفوعاً برغبة دينية حقيقية، وإن كان هذا لا ينفي أيضاً وجود دوافع مادية. فهو حين كان يفعل ذلك، كان يهرب من الفاقة والدَّيْن ويحمل في وجدانه أحلام الثراء والخلاص. وحين دعا البابا إربان الثاني (1088 ـ 1118) ، وكان فرنسياً (أي من الفرنجة) لمجلس في كليرمون في 18 نوفمبر 1059، حضره أساقفة من جنوب فرنسا، كما حضره آخرون من شمالها ومن أماكن أخرى. وألقى البابا خطاباً أشار فيه إلى بؤس الكنيسة البيزنطية، وتهديد الحجاج المسيحيين، وتدنيس الأماكن المقدَّسة. وحث هؤلاء الذين يعكرون السلام في الغرب على أن يوجهوا قواهم القتالية لخدمة غرض مقدَّس، كما أشار إلى إمكانات الحصول على الثروة من أرض تفيض باللبن والعسل، فصاح الجميع باللاتينية «ديوس وولت deus volt» ، أي «الله يريد ذلك» . ثم تتالت الأحداث وجاء المتطوِّعون من كل أنحاء أوربا، ولكنهم جاءوا أساساً من الأراضي الفرنسية وشبه الفرنسية مثل اللورين وجنوب إيطاليا وصقلية. ولكن، لماذا كان أعضاء الجماعات اليهودية بالذات هدفاً أساسياً لهجمات الفرنجة؟ لا يمكن تفسير هذه الظاهرة إلا بالعودة لمركب آخر من الأسباب. وقد أسلفنا الإشارة إلى الطابع الشعبي لحملات الفرنجة وكيف انضم إليها المعدمون والفقراء. فهذه العناصر الشعبية لم يكن من الممكن التحكم فيها وضبطها كما هو الحال مع الجيوش النظامية. ولكن، وهذا هو الأهم، لابد أن نتذكر أن وجود الجماعات اليهودية داخل التشكيل الحضاري الغربي الوسيط كان يستند إلى مواثيق تمنحهم الكثير من المزايا باعتبارهم أقناناً تابعين للخزانة الملكية. فهم، إذن، كانوا جزءاً من الطبقة الحاكمة أو جماعة وظيفية وسيطة تابعة للحاكم تمتص الأموال الزائدة في المجتمع عن طريقها. ورغم أن اليهود لم يراكموا ثروات حقيقية إذ أن الأموال التي كانوا يجمعونها كانت تصب كلها في الخزانة الملكية (باعتبار أنهم وكل ما يملكون ملكية للملك) ، إلا أن آليات الاستغلال في المجتمع الوسيط لم تكن واضحة، على الأقل بالنسبة إلى الجماهير الشعبية، وكان اليهودي هو الجزء الواضح والمباشر والمتعيِّن في عملية الاستغلال. كما أن اليهودي، على عكس النبيل الإقطاعي أو الإمبراطور، كان قريباً من هذه الجماهير حيث يمكنها الوصول إليه في الجيتو رغم أنه كان موضوعاً تحت الحماية الملكية. كما أنه كان أحياناً مباحاً، بمعنى أن الحماية الملكية كانت تُرفَع عنه ويُلقَى به كبش فداء للجماهير. ويُلاحَظ أن اليهود كانوا يشكلون أحياناً عنصراً غريباً لا من الناحية الطبقية أو الدينية وحسب وإنما من الناحية الإثنية أيضاً. وكما أسلفنا، فقد سبقت حروب الفرنجة بعث اقتصادي، وظهور الجمهوريات الإيطالية وقوى بورجوازية مسيحية أخرى (دولية ومحلية) بدأت تُزاحم اليهود وتحاول الحد من قوتهم. فمنعت البندقية، قبل حروب الفرنجة، نَقْل التجار اليهود على سفنها، كما اتخذت العصبة الهانسية إجراء مماثلاً للحد من التجارة اليهودية. وقبل أن يحل القرن الثاني عشر الميلادي سُنَّت قوانين تحد من نشاط اليهود التجاري في الداخل. ومن الحقائق التي تستحق الذكر أن كبار المموِّلين اليهود قد اشتركوا في تمويل بعض حملات الفرنجة عن طريق إقراض الملوك أو النبلاء الإقطاعيين الذين اشتركوا في تلك الحملات أو قاموا بتجريدها. وقد اضطر هؤلاء إلى رهن ضياعهم لدى المرابين اليهود لتدبير الأموال اللازمة. كما أن كثيراً من صغار النبلاء بل بعض الحرفيين والتجار كانوا مدينين لليهود. لكل هذا، كان من مصلحة كثير من القطاعات الاقتصادية الهجوم على اليهود كوسيلة للتخلص من الأعباء المالية، ويرجع ذلك إلي أن الكنيسة كانت إما تجمد الفوائد على الديون أو تلغيها كليةً بالنسبة لمن يشترك في الحملة وذلك كنوع من المساهمة في عملية التعبئة. ومن هنا، كان الشعار الذي طرحه الفرنجة هو أن حملاتهم لابد أن تبدأ في أوربا ضد اليهود. وقد أشرنا إلى الصراع بين الكنيسة والسلطة الحاكمة الدنيوية من قبل. ورغم أن علاقة الكنيسة بالطبقة الحاكمة كانت وثيقة، ورغم أن الكنيسة كانت تُزوِّد اليهود بالحماية، فإن ثمة مسافة كانت تفصل بين السلطة الدينية والسلطة الدنيوية، وكثيراً ما كان اليهود يشكلون رقعة الصراع. فكانت الكنيسة، لتزيد من شرعيتها وتقوِّض شرعية السلطة الدنيوية، تهاجم اليهود برغم حمايتها لهم. وهذا لا يتناقض بتاتاً مع موقف الكنيسة الذي كان ينبع من مفهوم الشعب الشاهد الداعي إلى ضرورة حماية بقاء اليهود كجماعة دينية عاصرت منشأ الكنيسة وتحمل العهد القديم الذي يتنبأ بمقدم المسيح، وبذلك تقف شاهداً على صدق الكنيسة. ولكن أعضاء هذه الجماعة يجب أن يظلوا، مع ذلك، أو ربما بسبب ذلك، في حالة ضعة دائمة ليقفوا شاهداً على عظمة الكنيسة. لكن الهجوم المسيحي الحقيقي قاده صغار رجال الدين من رهبان فقراء ووعاظ جائلين، أي قادة المسيحية الشعبية الذين كانوا يتصرفون حسبما يمليه عليهم المنطق المطلق للخطاب الديني الذي صاغته المسيحية الحاكمة، ومن هنا سادت فكرة أنه إذا كان الهدف من الحملات هو استعادة القدس والقضاء على الكفرة في أقصى بلاد الأرض، فلم لا نبدأ بتنظيف منزلنا من قتلة المسيح؟ وثمة عنصر مهم مرتبط بسابقه لا تذكره الأدبيات الغربية في الموضوع، وهو ارتباط اليهود بالمسلمين في الوجدان الغربي آنذاك، فأكثر من نصف يهود العالم كانوا موجودين داخل التشكيل الحضاري الإسلامي. كما أن ثقافة الجماعات اليهودية داخل هذا التشكيل كانت ثقافة عربية إسلامية، وكان الفكر العقلاني الإسلامي قد ترك أثراً عميقاً في الفكر الديني اليهودي الذي وصل إلى قمته في أعمال موسى بن ميمون. وقد وجدت هذه الأفكار طريقها إلى كتابات اليهود في الغرب ومنها إلى الفكر الديني المسيحي، وقامت مناظرات بشأنها حتى قبل موسى بن ميمون. وقد اعتبرت الكنيسة أن هذه العقلانية تهدد الإيمان الديني من أساسه، وبالتالي كان يُنظَر إلى اليهود على أنهم أداة الفكر الإسلامي. كما أنه إبَّان عملية فَتْح الأندلس، ثم بعد ذلك إبَّان استردادها على يد الإسبان (وهي عملية بدأت قبل حروب الفرنجة واستمرت بعدها) ، كانت هناك قطاعات كبيرة من الجماعة اليهودية تقف إلى جوار المسلمين، سواء مع الفتح الإسلامي أو ضد الغزو المسيحي، وتعمل كجواسيس لصالح المسلمين (والعكس صحيح أيضاً) . كما أن من الثابت الآن أن بعض أعضاء الجماعات اليهودية في الغرب كانوا يعملون جواسيس لصالح العالم الإسلامي، وكانوا يزودونه بالمعلومات عن حجم التجهيزات العسكرية الفرنجية. لكن الوجدان الشعبي يروِّج دائماً لجزء من الحقيقة. وانتشرت الاتهامات بأن اليهود يخونون المسيحيين لصالح المسلمين منذ القرن التاسع المبلادي. وبالإضافة إلى كل هذا، كان يُنظَر إلى كلٍّ من المسلم واليهودي، من منظور مسيحي مطلق، على أنهما كافران لأنهما يرفضان عقيدة التثليث. بل إن هناك كتابات مسيحية وسيطة تتهم المسلمين بصلب المسيح. وهناك رسوم لحادثة الصلب وقد وقف النبي محمد (عليه الصلاة والسلام) وهو يضرب المسيح. ويجب أن نضيف أن محاولة الكنيسة القضاء على الهرطقات في جنوب فرنسا زادت الحمية والغيرة ضد اليهود واليهودية. لكل هذا، كان من المتوقع أن تهاجم قوات الفرنجة الجماعات اليهودية في الغرب، وهذا ما حدث بالفعل في فرنسا واللورين وحوض الراين، ثم في بوهيميا وأخيراً إنجلترا. وقد جُرِّدت الحملة الأولي (1096 ـ 1099) التي دعا إليها إربان الثاني في مؤتمر كليرمون، وهي الحملة الوحيدة التي حققت بعض النجاح لأنها أخذت المسلمين على حين غرة. وقد بدأت الحملة بما يُسمَّى «حملة الفلاحين الشعبية» التي قادها بطرس الراهب والفارس ولتر المفلس، وقد ضمت في صفوفها حشداً كبيراً من الفلاحين وصغار الفرسان بلغ ما بين 15 و 20 ألفاً اتجهوا إلى القسطنطينية ومنها إلى الأراضي المقدَّسة. ولكن جيشاً تركياً تصدى لهم في آسيا الصغرى وسحقهم عام 1096 وقتل أعداداً كبيرة منهم وأسر أعداداً أخرى بيعت رقيقاً. وقد جُرِّدت بعد ذلك حملة الأمراء التي استفادت من حملة الفلاحين حيث تَوهَّم الأتراك، بناءً على تجربتهم مع جيش الفلاحين، أن قدرات أوربا القتالية متدنية. وقد نجحت الحملة الأولى في تأسيس أربع ممالك للفرنجة على النمط الإقطاعي الغربي. وقد قام الإقطاعيون والأساقفة بحماية يهود فرنسا. أما في ألمانيا، فقد شعر أعضاء الجماعة اليهودية بالخطر المحدق بهم وأرسلوا إلى الإمبراطور هنري الرابع الذي كان يزور روما آنذاك يستغيثون به، ولكن الغوث لم يصلهم. ووقع الهجوم عليهم في عدة أماكن من بينها مينز وورمز وكولونيا. ويُقال إنه قُتل اثنا عشر ألف يهودي، وهو رقم مبالغ فيه جداً، وأنه تم تحطيم كثير من مراكز تَجمُّعهم ونُهبَت ممتلكاتهم، كما فُرض على كثير منهم التنصر في ألمانيا وبوهيميا. ولكن، حينما عاد الإمبراطور، فرض عقوبات على المشتركين في أحداث الشغب وعلى المسئولين الذين لم يزوِّدوا اليهود بالحماية الكافية، وصرح لمن عُمِّد من اليهود قسراً بالعودة لدينه، وأعاد إليهم ممتلكاتهم. بل إنه اتخذ خطوة حاسمة عام 1103 حين أصدر قراراً بأن يتمتع اليهود بالحماية نفسها التي يتمتع بها القساوسة. أما في فلسطين، فقد قام الفرنجة بذبح اليهود الحاخاميين والقرائين (بل المسيحيين الشرقيين) بعد استيلائهم على القدس، وإن كان قد سُمح لليهود بعد ذلك بأن يعيشوا داخل حدود ممالك الفرنجة. أما الحملة الثانية (1146 ـ 1147) التي جُرِّدت لغوث ممالك الفرنجة واسترجاع ما استولى عليه عماد الدين زنكي عام 1044، والتي بشر بها القديس برنارد وقادها الإمبراطور كونراد الثالث، فقد بدأت بالهجوم على تجمعات يهود فرنسا. وأعلن البابا إيوجنياس الثالث إلغاء الفوائد على ديون المتطوعين للقتال، الأمر الذي أضر بالوضع المالي لأعضاء الجماعات اليهودية. ويمكن القول بأن الطبقة الحاكمة نجحت هذه المرة في تزويد الجماعات اليهودية بالحماية المطلوبة، ولم تقع سوى عدة مذابح قليلة راح ضحيتها أعداد صغيرة لا تُذكَر. وقد فشلت الحملة فيما كانت تهدف إليه. وبعد الحملة الثانية، شهدت المنطقة فترة توازن استمرت طوال أعوام 1131 ـ 1174. ولكن بعد ذلك التاريخ، أخذ المسلمون بزمام المبادرة إلى أن قضوا على جيوب الفرنجة. أما الحملة الثالثة (1189 ـ 1192) ، فكان على رأسها فريدريك الأول (بارباروسا) إمبراطور ألمانيا، وفيليب الثاني ملك فرنسا، وريتشارد قلب الأسد ملك انجلترا. وكان الحماس لها كبيراً في إنجلترا وأدَّت إلى هجمات على أعضاء الجماعة اليهودية فيها. أما بالنسبة إلى الحملات الأخرى التي تم تجريد آخرها عام 1250، فلم تُصب أعضاء الجماعات اليهودية بأذى كبير. ويعود هذا إلى تزايد سلطة الإمبراطورية الرومانية المقدَّسة، وخصوصاً في زمن فريدريك الثاني، فنجحت في فرض سلطتها وحماية أعضاء الجماعات اليهودية، وإن كانت حملة 1320 التي يُقال لها «حملة الرعاة» قد هاجمت اليهود في شمال إسبانيا وجنوب فرنسا. ولا يُعرَف عدد الضحايا من أعضاء الجماعات اليهودية على وجه الدقة لأن التقارير المعاصرة تميل إلى المبالغة والتهويل، ولكن يمكن القول بأنه كان بين خمسة آلاف واثنى عشر ألفاً، وهو ليس بالعدد الذي يُستهان به برغم صغر حجمه بمقاييس أيامنا هذه. ففي بعض التقديرات، لم يكن يزيد عدد يهود إنجلترا بأسرها على أربعة آلاف، ولم يكن يزيد عدد يهود أوربا المسيحية كلها على نصف مليون يهودي وربما أقل، وقد كانوا متمركزين أساساً في المدن أو في البقاع التي كانت تكتسب طابعاً حضرياً. وربما لم تكن المبالغة مقصودة وإنما راجعة إلى خلل في طريقة الرصد والملاحظة. فقد «اختفت» أعداد من اليهود بعض الوقت، فحُسبوا في عداد القتلى، بينما كان اختفاؤهم في واقع الأمر مؤقتاً، إذ أنهم كانوا قد تركوا أماكن إقامتهم أثناء الاضطرابات، ثم عادوا إليها بعد سكونها. وعاد أعضاء الجماعة اليهودية في سبير ومينز وكولونيا وغيرها من المدن الألمانية بعد أن كانوا قد تركوها. والوضع نفسه ينطبق على يهود إنجلترا. بل يُلاحَظ تزايد العدد الكلي ليهود أوربا خلال القرنين الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين. ومع حلول القرن الثالث عشر الميلادي، كانت أغلبية يهود العالم تعيش في أوربا لأول مرة في التاريخ. وربما يعود هذا إلى أن نتائج المذابح لم تكن بالضخامة التي تنسبها إليها روايات المعاصرين (وإن كان آرثر كوستلر يُفسِّر ظاهرة تزايد أعداد اليهود بالإشارة إلى ما يسميه «الشتات الخزري» في أرجاء أوربا) . وتميل التواريخ الصهيونية إلى تسجيل المذابح التي تعرض لها أعضاء الجماعات اليهودية دون وضعها في سياقها التاريخي السليم، ودون ذكر المذابح الأخرى التي ارتُكبت ضد قطاعات إثنية وطبقية أخرى في المجتمع، فيبدو الأمر وكأن الشر مُوجَّه ضد اليهود وحدهم. وهذا ما فعلته التواريخ الصهيونية بالهولوكوست، أي إبادة اليهود على يد النازي، حيث تُغفل الدراسات إبادة الغجر والسلاف ويتم التركيز على اليهود وحدهم. ولكن من الثابت تاريخياً أن عُنْف حملات الفرنجة لم يكن قط مقصوراً على اليهود، فقد قتل الفرنجة سبعين ألف مسلم في الحملة الأولى وحدها. أما بالنسبة إلى المسيحيين الشرقيين الذين جاء الفرنجة لتحريرهم، فقد حوَّلهم الفرنجة إلى ما يشبه أرقاء أرض، وفرضوا عليهم سلطة إقطاعية أشد قسوة مما كان سائداً وقتئذ في أوربا، حتى أخذ سكان البلاد المسيحيون ينظرون بعين الحسرة إلى حكم المسلمين ويعدونه من العصور الذهبية التي مرَّت بالبلاد. وقد نهب الفرنجة القسطنطينية ثم استولوا عليها. بل يُقال إنهم أنهكوا قواها تماماً وهو ما سهَّل سقوطها في نهاية الأمر في يد العثمانيين. ولم تَسلَم مدن أوربا المسيحية ذاتها من هجماتهم ونهبهم وانتهاكاتهم. بل نجد أن الفرنجة أنفسهم وقعوا ضحية العنف السائد في تلك الحقبة الزمنية، ففي حملة الأطفال عام 1212 (بعد الحملة الرابعة) ، تجمَّع نحو ثلاثين ألف طفل في حملة للفرنجة، وتطوَّع تاجران من مارسيليا بنقلهم إلى الأرض المقدَّسة، ولكنهم بدلاً من ذلك باعوهم لتجار العبيد! ويجب أن نبحث عن الأثر الحقيقي لحروب الفرنجة في الجماعات اليهودية لا في المذابح التي ارتُكبت ضدهم، أياً كانت قسوتها، وإنما في بعض التطورات الأخرى ذات الطابع البنيوي التي لحقت بالمجتمع الغربي. والواقع أنها وإن لم تمس أعضاء الجماعات اليهودية مباشرة، فقد كان لها أعمق الأثر في السنوات والقرون التي أعقبت حملات الفرنجة. ومن أهم نتائج حملات الفرنجة، أنها زادت قوة السلطة الدنيوية، وخصوصاًَ قوة الملوك. فقد تم تحويل الطاقة العسكرية للبارونات والنبلاء إلى حملات الفرنجة الأمر الذي أنهك قواهم وأضعفهم داخل أوربا نفسها. كما أن السلطات الدنيوية نجحت في فرض ضرائب مباشرة على النبلاء ورجال الدين والطبقة الوسطى، واستمرت في ذلك بعد انتهاء الحملات الأمر الذي كان يُعَدُّ تعزيزاً لنفوذ الملك على حساب الكنيسة وعلى حساب النبلاء. ومن العوامل الأخرى التي زادت نفوذ السلطة الدنيوية، تزايد الحس القومي بين القطاعات البشرية المختلفة ممن يتحدثون اللغة نفسها ولهم الثقافة نفسها، وكان هذا يُعدُّ تطوراً جديداً في تاريخ مجتمعات القارة الأوربية. ومن النتائج المهمة الأخرى أن حملات الفرنجة أدَّت إلى تشجيع التجارة واتساع نطاقها، فقد أصبح لأوربا قواعد تجارية وموانئ جديدة في البحر الأبيض المتوسط تَصلُح نقطة انطلاق لتجارة دولية كبيرة. كما طورت أوربا مقدرتها على بناء سفن أكبر حجماً، فالطريق البحري هو الطريق الأساسي الذي كان يربط بين الفرنجة وأرض المعركة. ومن خلال حروب الفرنجة زاد التعامل بالأوراق والاعتمادات المالية، الأمر الذي شجع على نشوء نظام مصرفي دولي. ويمكن القول أيضاً بأن أفق الإنسان الغربي قد اتسع جغرافياً وتاريخياً نتيجة الانتقال من قارة إلى أخرى، وازدادت البورجوازيات المسيحية المحلية الوليدة جرأة، كما تزايد نشاط الجمهوريات المدن الإيطالية بشكل ملحوظ. وقد أدَّت كل هذه التطورات الاقتصادية المهمة إلى انسحاب أعضاء الجماعات اليهودية تدريجياً من التجارتين الدولية والمحلية اللتين كانتا مرتبطتين إلى حدٍّ كبير وإلى اتجاهها نحو الاشتغال بالربا، وهو الأمر الذي زاد من كراهية الطبقات الشعبية لهم وزاد من هامشيتهم داخل المجتمع الغربي الوسيط. ولكن السلطة الدنيوية كانت تزداد قوة كما بيَّنا، وأدَّى ذلك إلى تَزايُد اعتماد اليهود على النخبة الحاكمة، والملك بالذات، إذ أصبح وجودهم يستند إلى الحماية التي تدعمهم بها هذه الطبقة، فتحوَّلوا من جماعة وظيفية وسيطة تخدم معظم أعضاء المجتمع إلى جماعة وظيفية عميلة معزولة عن المجتمع تُستخدَم أداةً في يد الطبقة الحاكمة. وهذا الوضع يختلف عن وضع اليهود في الأعوام الألف الأولى بعد الميلاد، حيث كانت هناك درجة أعلى من الاختلاط بين اليهود والمسيحيين، وكان الجيتو مجرد مكان للإقامة، بل إنه كان يُعَدُّ إحدى المزايا التي كان يحصل اليهود عليها ضمن ما يحصلون عليه من حقوق ومزايا. ولكن، مع تغيُّر وضعهم، زادت العزلة بين الفريقين وأصبح الجيتو المكان الذي يُعزلون فيه. وقد كرست هذا الوضع قرارات مجمعي المجلس اللاتراني الثالث والرابع، وهي عزلة ظلت تتعمق حتى القرن الثامن عشر الميلادي ـ عصر الإعتاق. ويُقال إن صيحة «هب هب hep hep» التي كان يطلقها المعادون لليهود، في اضطرابات عام 1819 وبعدها، هي نفسها الصيحة التي كان يرددها الفرنجة وأن الكلمة اختصار للعبارة اللاتينية «يروشاليم إست برديتا Yerushal» أي: «لقد سقطت القدس» . ومن نتائج حروب الفرنجة على اليهود أيضاً، بداية الاستقرار اليهودي في شرق أوربا الذي ظل يتزايد إلى أن أصبحت الجماعة اليهودية هناك أضخم كتلة بشرية يهودية في العالم. ومن الحقائق الأخرى التي ينبغي الإشارة إليها ما نسميه تصاعُد الحمَّى المشيحانية، أي الرغبة في العودة إلى صهيون (أي فلسطين) والاستيلاء عليها وتحويلها إلى وطن قومي يهودي. إذ من المعروف أن الشريعة اليهودية تحرِّم على اليهود العودة إلى فلسطين وعلى اليهودي أن ينتظر بصبر وأناة إلى أن يشاء الإله ويرسل الماشيَّح، فيحق له حينئذ أن يعود. ويرى كثير من المؤرخين أن حمَّى العودة ورَفْض الانتظار بدأت بين اليهود بحملات الفرنجة ووصلت إلى قمتها مع الحركة الصهيونية التي حققت النجاح لأنها جندت النزعة الاستعمارية في المجتمع الغربي وتحالفت معها ووضعت نفسها تحت تصرفها. وما يهمنا هنا من الحركات المشيحانية حركة الماشيَّح الدجال (داود الرائي) المولود عام 1135 إذ يبدو أن هجمات الفرنجة على فلسطين، والفوضى التي أعقبتها، طرحت إمكانية العودة وتحرير القدس في مخيلة بعض أعضاء الجماعات اليهودية. وقد تركزت دعوة داود الرائي هذا في آمد (في جبال كردستان) على الطريق الإستراتيجي الموصل بين مملكة الخزر اليهودية التركية وممالك الفرنجة. ولعل شيئاً من ذكرى إمبراطورية الخزر وأمجادهم كان لا يزال عالقاً بذهن داود الرائي وأتباعه. وقد تصاعدت الحمَّى المشيحانية مرة أخرى في القرن السادس عشر الميلادي إذ يبدو أن البابا كليمنت السابع (1524) عاودته الأحلام الاستيطانية الاسترجاعية، وكان يتصوَّر أن بإمكانه دَعْم طريق الكنيسة مرة أخرى واستعادة شيء من نفوذها عن طريق تجريد حملة صليبية. وقد أدرك هذه الحقيقة ماشيَّح دجال آخر يُسمَّى ديفيد رءوبيني، فادَّعى أنه ابن ملك يُدعى سليمان وأخ لملك يُدعى يوسف يحكم بعض الجماعات والقبائل اليهودية في خيبر بالقرب من المدينة المنورة. وقد أخبر رءوبيني البابا أن أخاه يتبعه ثلاثمائة ألف جندي مدربين على الحرب وأنهم لسوء الحظ ينقصهم السلاح، وطلب إلى البابا تزويدهم بما ينقصهم حتى يمكنهم طَرْد المسلمين من فلسطين. وقد استقبله البابا استقبالاً حسناً في بادئ الأمر، بل نجح في مقابلة ملك البرتغال وفي التأثير عليه. وفي تصوُّرنا أن هذه هي أول مرة يتحول فيها المشروع الصليبي للفرنجة إلى مشروع صهيوني وتقبل فيها المؤسسات الغربية استخدام المادة البشرية اليهودية المقاتلة بدلاً من المادة المسيحية. وقد تركت حروب الفرنجة تأثيراً عميقاً في إدراك الوجدان الغربي لفلسطين أو العرب، فأصبحت فلسطين الأرض المقدَّسة التي لابد أن تُسترجَع ليُوطَّن فيها عنصر مسيحي غربي، وأصبح العرب (أهل فلسطين) هم الغرباء الذين يجب استبعادهم. وقد أصبحت هذه الصيغة هي الصيغة التي تمت علمنتها فيما بعد لتصبح الصهيونية. التشابه بين حملات الفرنجة والمشروع الصهيوني Similarity between the Crusades and the Zionist Project رغم أن حروب الفرنجة ظاهرة مرتبطة بالتشكيل الحضاري الغربي في العصر الوسيط، فقد ساهمت هذه الحروب وبعمق في صياغة الإدراك الغربي لفلسطين والعرب. ولا يملك الدارس إلا أن يُلاحظ عمق التشابه بين المشروع الفرنجي والمشروع الصهيوني الإسرائيلي، وهذا أمر متوقع لأن كليهما جزء من المواجهة المستمرة بين التشكيلين الحضاريين السائدين في الغرب والشرق العربي، كما أن حملات الفرنجة هي نقطة انطلاق أوربا نحو التوسع والإصرار على بسط سيطرتها على الخارج. والواقع أن حملات الفرنجة احتوت بذور كل أشكال الإمبريالية الأوربية التي حكمت فيما بعد حياة جميع شعوب العالم (على حد قول أحد مؤرخي حملات الفرنجة الغربيين) . ولهذا، أصبحت حملات الفرنجة صورة مجازية أساسية في الخطاب الاستعماري الغربي، وأصبحت ديباجاتها هي نفسها ديباجة المشروع الاستعماري الغربي. وقد رأى كثير من المدافعين عن المشروع الصهيوني، من اليهود وغير اليهود، أنه استمرار وإحياء للمشروع الصليبي أي الفرنجي ومحاولة وَضْعه موضع التنفيذ من جديد في العصر الحديث. فقد ألَّف سي. آر. كوندر عام 1897، وهو صهيوني غير يهودي ومؤسس صندوق استكشاف فلسطين، كتاباً عن تاريخ المملكة اللاتينية في القدس أشار فيه إلى أن الإمبريالية الغربية قد نجحت فيما أخفقت فيه الحملات الصليبية أي حملات الفرنجة. والواقع أن تصوُّره هذا يشبه في كثير من الوجوه تصوُّر الصحافة البريطانية وكذلك تصوُّر بعض أعضاء النخبة الحاكمة في بريطانيا بأن هجوم أللنبي على القدس يساوي حملة صليبية أخرى. وقد صرح لويد جورج رئيس الوزراء البريطاني آنذاك، والذي أصدرت وزارته وعد بلفور، أن أللنبي شن وربح آخر الحملات الصليبية وأعظمها انتصاراً. ويمكننا أن نقول إن المشروع الصهيوني هو نفسه المشروع الفرنجي بعد أن تمت علمنته، وبعد أن تم إحلال المادة البشرية اليهودية التي تم تحديثها وتطبيعها وتغريبها وعلمنتها محل المادة البشرية المسيحية. وقد لاحَظ روبرت برنارد سولومون، وهو ضابط إنجليزي رأس الاتحاد الصهيوني البريطاني، أوجه التشابه بين المشروعين الفرنجي والصهيوني في دراسة له نشرها في جويش ريفيو عام 1912 تحت عنوان "مستعمرات القرن الثاني عشر في فلسطين" حيث أكد أن المشكلات التي واجهها المستوطنون الفرنجة ونجحوا في التغلب عليها تشبه من نواح كثيرة تلك المشكلات التي تواجه المستوطنين الصهاينة في فلسطين ثم أخذ في تعداد هذه النواحي. كما أشار إلى العوامل التي أدَّت إلى انهيار ممالك الفرنجة بعبارة "المؤثرات الشرقية التي أدَّت إلى الانحلال" ليحذر المستوطنين الجدد منها. وسنحاول حَصْر جوانب الشبه بين التجربتين الفرنجية والصهيونية، وتصنيفها تحت رؤوس موضوعات قد تكون متداخلة ولكنها مع هذا تيسر لنا عملية تقسيم هذه الأوجه والتعامل معها. ولعل نقطة التشابه الأساسية ذات طابع جغراسي ففلسطين هي النقطة المستهدفة في كل من المشروعين الفرنجي والصهيوني. ويبدو أن فلسطين مستهدفة دائماً من صناع الإمبراطوريات إذ أنها تُعَدُّ مفتاحاً أساسياً لآسيا وأفريقيا، وتُعدُّ معبراً على البحرين الأحمر والأبيض، وتقف على مشارف الطرق البرية التي تؤدي إلى العراق وإيران، وهي أيضاً معبر أساسي لشطري العالم الإسلامي. وفلسطين في واقع الأمر ليست سوى جزء من ساحل طويل يضم سوريا ومصر، يشكل فاصلاً بين البحر المتوسط في الغرب والمحيط الهندي في الشرق. ويُعد هذا الموقع، بالتالي، فاصلاً بين مراكز النشاط في أوربا الغربية والشرق الأقصى. كل هذا يبين تشابك المصير بين سوريا ومصر من جهة وفلسطين من جهة أخرى، وخصوصاً أن كثافة مصر السكانية جعلتها دائماً المرشحة لقيادة المنطقة بأسرها في صراعها ضد الغزوات الغربية. ويلاحظ أن كلاًّ من المشروعين الفرنجي والصهيوني اكتشف أنه لحسم الصراع لصالحه، فلابد من ضرب مصر أو على الأقل تحييدها. والواقع أن الغزاة الاستيطانيين عادةً ما يسلكون طريق البحر، ثم تستقر الجيوب الاستيطانية على الساحل أو تحتفظ بركيزتها الأساسية فيه كما حدث في جنوب أفريقيا والجزائر. وكذلك، فإن الغزوتين الفرنجية والصهيونية سلكتا الطريق البحري نفسه واحتلتا أجزاء من نفس الشريط البحري، وإن كان الشريط الذي احتله الفرنجة أكثر طولاً من الشريط الذي احتله الصهاينة. أما من الناحية التاريخية، فيمكن القول بأن ثمة تشابهاً بين وَضْع العالمين العربي والإسلامي في القرن الحادي عشر ووضعهما في أواخر القرن التاسع عشر، فقد كانا في حالة انقسام وتراجع وتجزئة. فالخلافة الفاطمية في مصر كانت في حالة مواجهة مع الخلافة العباسية في العراق، وقد اقتسمتا فيما بينهما العالم الإسلامي. وكان النظامان العباسي والفاطمي يعانيان من الصراعات الداخلية والمؤامرات. وهما، في هذا، يشبهان النظام السياسي العربي المعاصر، المتجزئ، المنقسم على نفسه، المتصارع مع ذاته. والغزوتان الفرنجية والصهيونية تهدفان إلى حل بعض مشاكل المجتمع الغربي وتخفيف حدة تناقضاته. فالمجتمع الوسيط الغربي كان يخوض عملية بَعْث اقتصادي فتحت شهيته للاستيلاء على طرق التجارة المتجهة إلى الشرق. وهذا يشبه من بعض الوجوه، وإن كان بدرجة أقل، انفتاح شهية رجل أوربا الشره في القرن التاسع عشر الميلادي الذي لم يهدأ له بال إلا بعد أن وقع العالم كله في قبضته. وقد استخدمت أوربا كلا المشروعين، الفرنجي والصهيوني، في التخلص مما أطلق عليه في القرن التاسع عشر الميلادي «الفائض البشري» ، أي العناصر التي لم تستطع أن تحقق الحراك الاجتماعي داخل مجتمعاتها ولذا كانت تهدِّد السلام الاجتماعي ولم يكن هناك مفر من تصديرها للشرق حتى يحقق الغرب سلاماً اجتماعياً داخلياً. فالمشروع الفرنجي كان يهدف أيضاً إلى تخليص أوربا من فائضها البشري الذي كان يهدد سلامها الاجتماعي حسب تصوُّر البعض على الأقل. ومن نقط التشابه الأخرى أن المشروعين الفرنجي والصهيوني مشروعان استعماريان من النوع الاستيطاني الإحلالي. فالمشروع الفرنجي كان يهدف إلى تكوين جيوب بشرية غربية وممالك فرنجية تدين بالولاء الكامل للعالم الغربي. ولذا، لم تأت الجيوش وحسب، وإنما أتى معها العنصر البشري الغربي المسيحي ليحل محل العنصر البشري العربي الإسلامي. وهو في هذا لا يختلف عن المشروع الصهيوني إلا في بعض التفاصيل. فغزو فلسطين تم أولاً على يد القوات البريطانية، ثم حَضَر المستوطنون الصهاينة بعد ذلك بوصفهم عنصراً يقوم بالزراعة والقتال. وقد كانت المؤسسات الاقتصادية للفرنجة، مثلها مثل قرينتها الإسرائيلية، تتسم بطابع عسكري. كما أن التنظيم الاقتصادي التعاوني لم يكن مجهولاً لدى الفرنجة. ويمكن القول بأن دويلات الفرنجة، مثلها مثل الدولة الصهيونية، كانت ترسانات عسكرية في حالة تأهب دائم للدفاع عن النفس وللتوسع كلما سنحت لها الفرصة. ويُلاحَظ أن كلاًّ من ممالك الفرنجة والدولة الصهيونية، بسبب طبيعتها الإحلالية، خلقت مشكلة لاجئين. كما يُلاحَظ أن هؤلاء اللاجئين تحوَّلوا إلى وقود جنَّد سكان المنطقة ضد الدولة القلعة. ومن المعروف أن الكيانات الاستيطانية لا تفقد صلتها قط بالوطن الأم بل تعتمد عليه اعتماداً يكاد يكون كاملاً لأنها، بسبب تناقضها الجوهري مع البيئة المحلية التي تلفظها، تستمد مقومات الحياة من دعم عسكري ومالي وهوية ثقافية ومادة بشرية من وطنها الأصلي. وهذه سمة أساسية في الكيانين الفرنجي والصهيوني، مع تنويعات فرعية تنصرف إلى التفاصيل لا الجوهر. فمثلاً اعتمدت ممالك الفرنجة على كل أوربا كمصدر للدعم، ولكن اعتمادها كان على فرنسا بالدرجة الأولى. وكذلك، فإن الدولة الصهيونية التي اعتبرت أوربا قاعدتها الإستراتيجية واعتمدت على معظم دول العالم الغربي الرأسمالي مع التركيز على بلد واحد هو إنجلترا ثم فرنسا لفترة قصيرة وأخيراً الولايات المتحدة منذ منتصف الستينيات. ومع سقوط الاشتراكية في الاتحاد السوفيتي تطرح الدولة الصهيونية نفسها باعتبارها قاعدة للحضارة الغربية كلها في مواجهة العالم الإسلامي. ويشير أحد الدارسين الإسرائيليين إلى أنه كان هناك جباية فرنجية موحدة تماماً مثل الجباية اليهودية الموحَّدة. وقد جاءت المادة البشرية لكلا المشروعين من العالم الغربي. ولكنهما، مع هذا، لم يحققا التجانس العرْقي المطلوب لتحقيق شيء من التوازن داخل التجمُّع الاستيطاني، فتولدت درجة عالية من التوتر. فممالك الفرنجة كانت تضم في بادئ الأمر عنصراً فرنسياً غالباً بالإضافة إلى عنصر إيطالي انقسم بدوره إلى جنوي وبندقي نسبة إلى جنوة والبندقية. ولكن عناصر أخرى انضمت إلى هذين العنصرين، مثل: الأرمن وبعض العناصر المسيحية المحلية والمسلمين الذين تنصروا. كما أن ممالك الفرنجة نفسها استوعبت، بمرور الزمن، العناصر الثقافية من البيئة المحلية. ولكن، ومع هذا، يمكن القول بأن ممالك الفرنجة احتفظت بقدر من التجانس أعلى كثيراً مما حققه الكيان الصهيوني. فهذه الممالك ظلت فرنجية (فرنسية) ، كما أن أعضاء النخبة الحاكمة التي كانت عناصرها الأساسية من الفرنجة ظلت متماسكة، وكذلك كانت الهوية الثقافية مستمدة من فرنسا. ويلاحظ أن أوربا في ذلك الوقت لم تكن قد انقسمت بعد إلى كيانات قومية لكل منها لغتها، وكانت اللاتينية لغة العبادة والفكر. وكان التشكيل الحضاري يتمتع بشيء من الوحدة الثقافية، على الأقل، بالقياس إلى فترة التفتت القومي التي بدأت بعصر النهضة. وقد حاول التجمع الصهيوني أن يحتفظ بهوية إشكنازية متجانسة تستند إلى تجربة شرق أوربا. ولكن أوربا، في القرن التاسع عشر الميلادي، كانت ذات تشكيل حضاري مقسم إلى كيانات قومية مختلفة تتحدث لغات مختلفة، فجاء يهود من المجر ورومانيا وألمانيا وإنجلترا وفرنسا، كلٌّ يتحدث لغته. وجاء من شرق أوربا نفسها أنواع غير متجانسة، فثمة يهود جاءوا من بولندا يتحدثون البولندية، وآخرون جاءوا من رومانيا يتحدثون الرومانية، ومن روسيا جاء من يتحدث الروسية إلى جانب الأغلبية التي تتحدث اليديشية. كما كان النسق الديني اليهودي في حالة تفتُّت وتراجُع ومن ثم نجد أن هناك يهوداً أرثوذكس ويهوداً إصلاحيين أو محافظين أو قرّاءين ... إلخ. ثم اجتاحت التجمع الصهيوني الكثافة السكانية الوافدة من العالمين العربي والإسلامي التي غيَّرت بنيته السكانية وتوجُّهه الثقافي بحيث أصبحت أغلبية العنصر اليهودي شرقية تحكمها أقلية إشكنازية. ولكن الدولة الصهيونية تحاول مع هذا أن تحتفظ بالتوجه الإشكنازي للمجتمع، إذ يتضح هذا في تشجيع الهجرة من الاتحاد السوفيتي وفي المناخ الثقافي الذي تفرضه المؤسسة الحاكمة، وهذا الوضع يُولِّد الكثير من التوتر. ويُلاحظ الصحفي الإسرائيلي يوري أفنيري أن كلاًّ من التجمعين الفرنجي والصهيوني تكوَّن من ثلاث طبقات ذات طابع عرْقي: الطبقة الحاكمة من المسيحيين الغربيين في دويلات الفرنجة يقابلها اليهود الإشكناز في الدولة الصهيونية. ثم يأتي في المرتبة الثانية مواطنو الدرجة الثانية من المسيحيين الشرقيين في دويلات الفرنجة يقابلهم اليهود الشرقيون في الدولة الصهيونية. وأخيراً يأتي مواطنو الدرجة الثالثة وهم المسلمون واليهود وبعض المسيحيين العرب في دويلات الفرنجة، والمسلمون والمسيحيون العرب في الدولة الصهيونية. والمجتمع الاستيطاني مجتمع مزروع أو مشتول في العادة، فهو يأخذ شكل الدولة الجيتو أو الدولة القلعة. ونشير له الآن بأنه الدولة الشتتل. والشتتل هي المدن الصغيرة التي أسسها النبلاء البولنديون (شلاختا) في أوكرانيا لأعضاء الجماعات اليهودية ليقوموا بدورهم الذي أوكل إليهم في جمع الضرائب والإيجارات والإشراف على إدارة ضياع هؤلاء النبلاء حيث كانت تحميهم القوة العسكرية البولندية. وهذا المجتمع منعزل عن بيئته وينصرف جزء كبير من نشاطه إلى عملية القتال ضد السكان المحليين. وهذه مسألة ليست عرضية وإنما هي مسألة جوهرية وتنبع من الوظيفة نفسها. والعالم الغربي يزود الجيوب الاستيطانية بالعون ومقومات الحياة حتى تظل ركيزة لنشاطاته الإمبريالية والتوسعية. وينطبق هذا الوضع على الجيبين الفرنجي والصهيوني، وإن كان يبدو أن الدعم الغربي للجيب الصهيوني يفوق الدعم الغربي للجيب الفرنجي. ولعل هذا يعود إلى أن الغرب أدرك وظيفة الجيب الصهيوني كاستثمار إستراتيجي يأتي بعائد اقتصادي غير مباشر عن طريق تهدئة المنطقة وليس كاستثمار اقتصادي يأتي بعائد اقتصادي مباشر. وربما لم تكن لدى أوربا في العصور الوسطى الرؤية الإستراتيجية الشاملة التي يمتلكها الغرب في الوقت الحاضر. ويبدو أن أزمة التجمُّع الفرنجي لا تختلف عن أزمة التجمع الصهيوني. فيُلاحَظ أن الكيان الفرنجي كان يعاني من أزمة سكانية لا تختلف كثيراً عن أزمة المستوطن الصهيوني، وذلك نظراً لانخفاض عدد سكان أوربا عام 1300 بعد انتهاء فترة تزايد السكان، الأمر الذي أدَّى إلى عدم مجيء المزيد من المادة البشرية، كما كان الكيان الفرنجي يعاني من تناقص نسبة المواليد. وكان كثير من الأراضي التي ضمها الفرنجة يزرعها سكانها الأصليون العرب. بل إن بعض الأقنان الذين جاءوا مع حملات الفرنجة اشتغلوا بأعمال أخرى غير الزراعة، نظراً لعدم درايتهم بالتربة وربما لتفتُّح فرص اقتصادية أخرى بحيث أمكنهم العمل في التجارة. ويشبه هذا زحف العرب التدريجي على الزراعة داخل المُستوطَن الصهيوني وضمن ذلك الكيبوتسات، وتحوُّل المستوطنين الصهاينة إلى مهام أخرى غير الزراعة. ولا تنحصر نقاط التشابه بين المشروعين الفرنجي والصهيوني في الظروف الاجتماعية والجغرافية المحيطة بكل منهما، ولا في بنية الكيانين فقط، وإنما تمتد نقاط التشابه هذه لتضم الديباجات والقصد. فقد قُدِّمت تبريرات للمشروعين وتم الدفاع عنهما عن طريق ديباجات دينية تستخدم الرموز الدينية وتوظفها في عملية التعبئة العسكرية. والرموز الدينية المستخدمة هي في واقع الأمر رموز عرْقية أو إثنية أو قومية رغم طلائها الديني اللامع. ويتبدَّى هذا في واقع أنه لا حملات الفرنجة ولا الحملة الصهيونية تحتكم إلى القيم الأخلاقية المسيحية أو اليهودية، ولا يوجد لدى أيٍّ منهما استعداد لأن يُقيِّم سلوك المقاتلين التابعين لها من منظور مسيحي أو يهودي. فلم يكن الصليب في الحروب التي يُقال لها «صليبية» رمزاً للنسق الديني المسيحي وإنما كان رمزاً للهوية الإثنية الغربية المغرقة في الدنيوية، كما أن نجمة داود كان يستخدمها الصهاينة الذين لا يعرفون إلا القليل عن الدين اليهودي والذين لا علاقة لهم بالنسق الديني اليهودي. فالحملات التي يُقال لها «صليبية» ، أو تلك التي يُقال لها «صهيونية» ، هي إذن تعبير عن قوى غير دينية استولت على الرموز الدينية ووظفتها مثلما استولت فيما بعد على الأراضي وقتلت أصحابها. ومن هنا كانت عنصرية الديباجات الصليبية والصهيونية. ومن هنا أيضاً كان تمييزها الحاد بين البشر وتقسيمهم إلى أدنى وأعلى، أو حاضر وغائب، أو فئة لها كل الحقوق وفئة لا حقوق لها على الإطلاق ... إلخ. وهذا مختلف تماماً عن إيمان الديانات التوحيدية الثلاث بالمساواة بين البشر والتي تصدُر عن الإيمان بأننا نولد جميعاً من آدم وآدم من تراب. ويُلاحَظ أن ديباجات الفرنجة والصهاينة ترى غزو فلسطين في إطار فكرة أن الغزاة شعب مقدَّس أو مختار. وكان يسيطر على كل من الفرنجة والصهاينة تفكير نخبوي يجعل زعماءهم ينظرون إلى أنفسهم على أنهم طلائع شعوبهم التي ستحمل السلام لتخلِّص الأرض المقدَّسة، وأن هذه الحملة العسكرية إن هي إلا خروج ثان يشبه خروج العبرانيين من مصر إلى كنعان. وقد ارتبطت الديباجات في كلا المشروعين بالأحلام الألفية في استرجاع فلسطين بعد عودة المسيح أو تمهيداً لعودته. مركزية حملات الفرنجة في الوجدان الصهيوني/الإسرائيلي Centrality of the Crusades in the Israeli Zionist Imagination نظراً للتشابه بين المشروعين الفرنجي والصهيوني، ونظراً لأن كليهما اتخذ فلسطين ساحة لتنفيذ أحلامه، نجد أن الوجدان الصهيوني منشغل إلى أقصى حد بالمشروع الفرنجي، وخصوصاً أن الفرنجة قد رحلوا ولم يتركوا شيئاً خلفهم سوى بعض القلاع التي يزورها السائحون ويدرسها علماء الآثار من الإسرائيليين والعرب. ويحاول الدارسون الصهاينة أن ينظروا إلى مشروع الفرنجة من منظور ما يسمونه «التاريخ اليهودي» وكأن حملات الفرنجة جُرِّدت بالدرجة الأولى ضد اليهود، تماماً مثلما يمنحون الجماعات اليهودية مركزية في كل الأحداث التاريخية. وتتحدث الكتابات الصهيونية الإسرائيلية عن ضحايا حملات الفرنجة وكأنهم الضحايا الوحيدون، بل تدَّعى بعضها دوراً يهودياً مستقلاًّ في صد الفرنجة، وهو الأمر الذي يتنافى تماماً مع حقائق التاريخ، ومع ما ورد في كتابات بعض الرحالة اليهود المعاصرين مثل بنيامين التويطلي، فإن مدينة صور كانت (في عام 1170) تضم خمسمائة يهودي على حين كانت كلٌّ من عكا وقيصرية تضم مائتين، وكانت عسقلان تضم مائتي يهودي حاخامي. وتشير موسوعة التاريخ اليهودي إلى أن هذه هي الجماعات اليهودية الكبيرة! ويذكر العالم اليهودي الإسباني موسى بن نحمان (نحمانيدس) أنه وجد في القدس عام 1267 يهوديين اثنين فقط. ولكن أهم جوانب الاهتمام الصهيوني الإسرائيلي بالكيان الفرنجي هو دراسته من منظور الصراع العربي الإسرائيلي، بمعنى عَقْد الدراسات المقارنة في مشاكل الاستيطان ومشاكل الموارد البشرية والعلاقات الدولية فضلاً عن محاولة فَهْم عوامل الإخفاق والفشل التي أودت بالكيان الفرنجي. وهناك من يهتم بدراسة المقومات البشرية والاقتصادية والعسكرية للكيان الفرنجي، ومن يهتم برصد العلاقة بين هذا الكيان والكيان الأوربي المساند له. وقد وجَّه فريق من الباحثين اليهود اهتمامه لدراسة مشكلات الاستيطان والهجرة. ولكن الاهتمام لا يقتصر على الدوائر الأكاديمية، فنجد أن شخصيات سياسية عامة مثل رابين وديان وأفنيري يهتمون بمشاكل الاستيطان والهجرة. ففي سبتمبر 1970، عقد إسحق رابين مقارنة بين ممالك الفرنجة والدولة الصهيونية حيث توصَّل إلى أن الخطر الأساسي الذي يهدد إسرائيل هو تجميد الهجرة، وأن هذا هو الذي سيؤدي إلى اضمحلال الدولة بسبب عدم سريان دم جديد فيها. ويعقد أفنيري في كتابه إسرائيل بدون صهيونية (1968) مقارنة مستفيضة بين ممالك الفرنجة والدولة الصهيونية لا تختلف كثيراً عن المقارنة التي عقدناها في الجزء الخاص بهذا الموضوع والذي استفدنا فيه بتحليله الذكي. ولكن أفنيري يخلص إلى أن المقارنة درس لابد أن يتعلم منه الصهاينة، فإسرائيل مثل ممالك الفرنجة مُحاصَرة عسكرياً لا لأن هذا هو المصير الموعود (الذي لا مفر منه) كما يتصور بعض الصهاينة، وإنما هي مُحاصَرة عسكرياً لأنها تجاهلت الوجود الفلسطيني ورفضت الاعتراف بأن أرض الميعاد يقطنها العرب منذ مئات السنين. وقد عاد أفنيري إلى الموضوع، عام 1983، بعد الغزو الصهيوني للبنان، في مقال نشر في هاعولام هزه بعنوان "ماذا ستكون النهاية" فأشار إلى أن ممالك الفرنجة احتلت رقعة من الأرض أوسع من تلك التي احتلتها الدولة الصهيونية، وأن الفرنجة كانوا قادرين على كل شيء إلا العيش في سلام، لأن الحلول الوسط والتعايش السلمي كانا غريبين على التكوين الأساسي للحركة. وحينما كان جيل جديد يطالب بالسلام كانت مجهوداتهم تضيع سدى مع قدوم تيارات جديدة من المستوطنين، الأمر الذي يعني أن ممالك الفرنجة لم تفقد قط طابعها الاستيطاني. كما أن المؤسسة العسكرية الاقتصادية للفرنجة قامت بدور فعال في القضاء على محاولات السلام، فاستمر التوسع الفرنجي على مدى جيل أو جيلين. ثم بدأ الإرهاق يحل بهم، وزاد التوتر بين المسيحيين الفرنجة من جهة وأبناء الطوائف الشرقية من جهة أخرى، الأمر الذي أضعف مجتمع الفرنجة الاستيطاني، كما ضعف الدعم المالي والسكاني من الغرب. وفي الوقت نفسه، بدأ بعث إسلامي جديد، وبدأت الحركة للإجهاز على ممالك الفرنجة، فأوجد المسلمون طرقاً تجارية بديلة عن تلك التي استولى عليها الفرنجة. وبعد موت الأجيال الأولى من أعضاء النخبة في الممالك، حل محلهم ورثة ضعفاء في وقت ظهرت فيه سلسلة من القادة المسلمين العظماء ابتداءً من صلاح الدين ذي الشخصية الأسطورية حتى الظاهر بيبرس. وظل ميزان القوى يميل لغير صالح الفرنجة، كما لم يكن هناك ما يوقف هزيمتهم النهائية. وقد ترك هذا الحدث التاريخي بصماته وآثاره في وعي شعوب المنطقة حتى اليوم. والواقع أن اهتمام المستوطنين الصهاينة بممالك الفرنجة تعبير عن إدراك أوَّلي لطبيعة دورهم في المنطقة كدولة وظيفية تكون مجرد أداة في يد قوى عظمى خارجية، وهو إحساس يشوبه قسط كبير من القدرية والعدمية الناجمة عن إحساس الأداة بأنها لا تمتلك ناصية أمورها ولا تسيطر على مصيرها أو قدرها. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
جزائر البليار فتحها عبدالله بن موسى ثم استردها الفرنجة ثم فتحها المسلمون ثانية.
89 - 707 م وصل موسى إلى إفريقية وبها صالح الذي استخلفه حسان على إفريقية، وكان البربر قد طمعوا في البلاد بعد مسير حسان، فلما وصل موسى عزل صالحاً وبلغه أن بأطراف البلاد قوماً خارجين عن الطاعة، فوجه إليه ابنه عبد الله فقاتلهم فظفر بهم، وسبى منهم ألف رأس وسيره في البحر إلى جزيرة ميورقة، فنهبها وغنم منها ما لا يحصى وعاد سالماً، فوجه ابنه هارون إلى طائفة أخرى فظفر بهم وسبى منهم نحو ذلك وتوجه هو بنفسه إلى طائفة أخرى فغنم نحو ذلك، فبلغ الخمس ستين ألف رأس من السبي، ولم يذكر أحد أنه سمع بسبي أعظم من هذا. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
استيلاء الفرنجة على تطيلة في الأندلس واسترجاع المسلمين لها.
187 - 802 م استولى الفرنج على مدينة تطيلة بالأندلس؛ وسبب ذلك أن الحكم صاحب الأندلس استعمل على ثغور الأندلس قائداً كبيراً من أجناده، اسمه عمروس بن يوسف، فاستعمل ابنه يوسف على تطيلة، وكان قد انهزم من الحكم بيت من بيوت الأندلس أولو قوة وبأس، لأنهم خرجوا عن طاعته، فالتحقوا بالمشركين، فقوي أمرهم، واشتدت شوكتهم، وتقدموا إلى مدينة تطيلة فحصروها وملكوها من المسلمين، فأسروا أميرها يوسف بن عمروس، وسجنوه بصخرة قيس. واستقر عمروس بن يوسف بمدينة سرقسطة ليحفظها من الكفار، وجمع العساكر، وسيرها مع ابن عم له، فلقي المشركين، وقاتلهم، ففض جمعهم، وهزمهم، وقتل أكثرهم، ونجا الباقون منكوبين، وسار الجيش إلى صخرة قيس، فحصروها وافتتحوها ولم يقدر المشركون على منعها منهم، لما نالهم من الوهن بالهزيمة؛ ولما فتحها المسلمون خلصوا يوسف بن عمروس أمير الثغر، وسيروه إلى أبيه؛ وعظم أمر عمروس عند المشركين، وبعد صوته فيهم، وأقام في الثغر أميراً عليه. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
غزو الفرنجة في الأندلس.
191 - 806 م تجهز لذريق ملك الفرنج بالأندلس، وجمع جموعه ليسير إلى مدينة طرطوشة ليحصرها فبلغ ذلك الحكم، فجمع العساكر وسيرها مع ولده عبد الرحمن فاجتمعوا في جيش عظيم، وتبعهم كثير من المتطوعة، فساروا فلقوا الفرنج في أطراف بلادهم قبل أن ينالوا من بلاد المسلمين شيئا فاقتتلوا وبذل كل من الطائفتين جهده، واستنفد وسعه، فأنزل الله تعالى نصره على المسلمين، فانهزم الكفار، وكثر القتل فيهم، والأسر، ونهبت أموالهم وأثقالهم، وعاد المسلمون ظافرين غانمين. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
بداية الصراع بين المسلمين والفرنجة في الأندلس.
305 - 917 م حشد أرذون بن إذفنش، وشائجه بن غرسية صاحب النصرانية، بجليقية وبنبلونة، وخرجها في جموعهم واحتفال من كفرتهم إلى مدينة ناجرة بالثغر الأقصى؛ فنزلا عليها في عقب ذي الحجة، وأقاما عليها ثلاثة أيام. وعانت النصرانية في ذلك الثغر. وأفسدت الزروع؛ ثم تنقلت إلى تطيلة. وبلغ العدو إلى نهر مالس، وجزائر مسقبرة، ووادي طرسونة. وخلف شانجة نهر إبرة، وقاتل حصن بلتبرة، وقهره على أهل الربض، وأحرق المسجد الجامع؛ فكان ذلك مما أحفظ الناصر وحركة لمجاهدتهم والأنصار منهم |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
ملوك الفرنجة يجمعون جنودهم للقاء ابن تاشفين زعيم المرابطين.
478 - 1085 م بعد أن قام ألفونسو بالرد على رسالة يوسف بن تاشفين واختار الحرب بدأ بالتجهيز فحاصر مدينة سرقسطة بعدما استولى على طليطلة، كما قام سانشو راميرو بمحاصرة مدينة طرطوشة ثم لم يلبث أن فكا الحصار وتداعى ملوك الفرنج وجمعوا جنودهم وفيهم المرتزقة للقاء يوسف بن تاشفين. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
خروج جماعة من الفقهاء لقتال الفرنجة في الشام وعدولهم عن ذلك لكثرة الفرنجة.
504 - 1110 م في أوائل هذه السنة، تجهز جماعة من البغاددة من الفقهاء وغيرهم، ومنهم ابن الزاغوني، للخروج إلى الشام لأجل الجهاد، وقتال الفرنج، وذلك حين بلغهم أنهم فتحوا مدائن عديدة، من ذلك مدينة صيدا في ربيع الأول وكذا غيرها من المدائن، ثم رجع كثير منهم حين بلغهم كثرة الفرنج. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
محاصرة الفرنجة مدينة صور ورحيلهم عنها.
505 جمادى الأولى - 1111 م اجتمعت الفرنج على قصد مدينة صور وحصرها، فساروا إليها مع الملك بغدوين، صاحب القدس، وحشدوا، وجمعوا، ونازلوها وحصروها في الخامس والعشرين من جمادى الأولى، وعملوا عليها ثلاثة أبراج خشب، علو البرج سبعون ذراعاً، وفي كل برج ألف رجل، ونصبوا عليها المجانيق، وألصقوا أحدها إلى سور البلد، وأخلوه من الرجال وكانت صور للآمر بأحكام الله الفاطمي ونائبه بها عز الملك الأعز، فأحضر أهل البلد، واستشارهم في حيلة يدفعون بها شر الأبراج عنهم، فقام شيخ من أهل طرابلس وضمن على نفسه إحراقها، وأخذ معه ألف رجل بالسلاح التام، ومع كل رجل منهم حزمة حطب، فقاتلوا الفرنج إلى أن وصلوا إلى البرج الملتصق بالمدينة، فألقى الحطب من جهاته، وألقى فيه النار، ثم خاف أن يشتغل الفرنج الذين في البرج بإطفاء النار، ويتخلصوا، فرماهم بجرب كان قد أعدها، مملوءة من العذرة، فلما سقطت عليهم اشتغلوا بها وبما نالهم من سوء الرائحة والتلويث، فتمكنت النار منه، فهلك كل من به، إلا القليل، وأخذ منه المسلمون ما قدروا عليه بالكلاليب، ثم أخذ سلال العنب الكبار، وترك فيها الحطب الذي قد سقاه بالنفط، والزفت، والكتان، والكبريت، ورماهم بسبعين سلة، وأحرق البرجين الآخرين، ثم إن أهل صور حفروا سراديب تحت الأرض ليسقط فيها الفرنج إذا زحفوا إليهم، ولينخسف برج إن عملوه وسيروه إليهم، فاستأمن نفر من المسلمين إلى الفرنج، وأعلموهم بما عملوه، فحذروا منها، وأرسل أهل البلد إلى أتابك طغتكين، صاحب دمشق، يستنجدونه، ويطلبونه ليسلموا البلد إليه، فسار في عساكره إلى نواحي بانياس، وسير إليهم نجدة مائتي فارس، فدخلوا البلد، فامتنع من فيه بهم، واشتد قتال الفرنج خوفاً من اتصال النجدات، ففني نشاب الأتراك، فقاتلوا بالخشب، وفني النفط، فظفروا بسرب تحت الأرض فيه نفط لا يعلم من خزنه، ثم إن عز الملك، صاحب صور، أرسل الأموال إلى طغتكين ليكثر من الرجال، ويقصدهم ليملك البلد، فأرسل طغتكين طائراً فيه رقعة ليعلمه وصول المال، ويأمره أن يقيم مركباً بمكان ذكره لتجيء الرجال إليه، فسقط الطائر على مركب الفرنج، فأخذه رجلان: مسلم وفرنجي، فقال الفرنجي: نطلقه لعل فيه فرجاً لهم، فلم يمكنه المسلم، وحمله إلى الملك بغدوين، فلما وقف عليه سير مركباً إلى المكان الذي ذكره طغتكين، وفيه جماعة من المسلمين الذين استأمنوا إليه من صور، فوصل إليهم العسكر، فكلموهم بالعربية، فلم ينكروهم، وركبوا معهم، فأخذوهم أسرى، وحملوهم إلى الفرنج، فقتلوهم وطمعوا في أهل صور، فكان طغتكين يغير على أعمال الفرنج من جميع جهاتها، وقصد حصن الحبيس في السواد، من أعمال دمشق، وهو للفرنج، فحصره، وملكه بالسيف، وقتل كل من فيه، وعاد إلى الفرنج الذين على صور، وكان يقطع الميرة عنهم في البر، فأحضروها في البحر، وخندقوا عليهم، ولم يخرجوا إليه، فسار إلى صيدا، وأغار على ظاهرها، فقتل جماعة من البحرية، وأحرق نحو عشرين مركباً على الساحل، وهو مع ذلك يواصل أهل صور بالكتب يأمرهم بالصبر والفرنج يلازمون قتالهم، وقاتل أهل صور قتال من أيس من الحياة، فدام القتال إلى أوان إدراك الغلات، فخاف الفرنج أن طغتكين يستولي على غلات بلادهم، فساروا عن البلد، عاشر شوال، إلى عكة، وعاد عسكر طغتكين إليه، وأعطاهم أهل صور الأموال وغيرها، ثم أصلحوا ما تشعث من سورها وخندقها، وكان الفرنج قد طموه. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
وقعة عظيمة بين المسلمين والفرنجة في أرض طبرية انتصر فيها المسلمون.
507 - 1113 م في المحرم، اجتمع المسلمون، وفيهم الأمير مودود بن التونتكين، صاحب الموصل، وتميرك، صاحب سنجار، والأمير إياز بن إيلغازي، وطغتكين، صاحب دمشق، وكان سبب اجتماع المسلمين أن ملك الفرنج بغدوين تابع الغارات على بلد دمشق، ونهبه، وخربه، أواخر سنة ست وخمسمائة، وانقطعت المواد عن دمشق، فغلت الأسعار فيها، وقلت الأقوات، واتفق رأيهم على قصد بغدوين، ملك القدس، فساروا إلى الأردن، فنزل المسلمون عند الأقحوانة، ونزل الفرنج مع ملكهم بغدوين وجوسلين، صاحب جيشهم، وغيرهما من المقدمين، والفرسان المشهورين، ودخلوا بلاد الفرنج مع مودود، وجمع الفرنج، فالتقوا عند طبرية ثالث عشر المحرم، واشتد القتال، وصبر الفريقان، ثم إن الفرنج انهزموا، وكثر القتل فيهم والأسر، وممن أسر ملكهم بغدوين، فلم يعرف، فأخذ سلاحه وأطلق فنجا، وغرق منهم في بحيرة طبرية ونهر الأردن كثير، وغنم المسلمون أموالهم وسلاحهم، ووصل الفرنج إلى مضيق دون طبرية، فلقيهم عسكر طرابلس وأنطاكية، فقويت نفوسهم بهم، وعاودوا الحرب، فأحاط بهم المسلمون من كل ناحية، وصعد الفرنج إلى جبل غرب طبرية، فأقاموا به ستة وعشرين يوماً، والمسلمون بإزائهم يرمونهم بالنشاب فيصيبون من يقرب منهم، ومنعوا الميرة عنهم لعلهم يخرجون إلى قتالهم، فلم يخرج منهم أحد، فسار المسلمون إلى بيسان، ونهبوا بلاد الفرنج بين عكا إلى القدس، وخربوها، وقتلوا من ظفروا به من النصارى، وانقطعت المادة عنهم لبعدهم عن بلادهم، فعادوا ونزلوا بمرج الصفر ولما قتل تسلم تميرك، صاحب سنجار، ما معه من الخزائن والسلاح وحملها إلى السلطان. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
محاصرة الفرنجة دمشق وانتصار أهلها عليهم.
523 ذو الحجة - 1129 م لما بلغ الفرنج قتل أبي علي طاهر بن سعيد المزدقاني وزير دمشق الذي كان قد راسلهم على تسليمها لهم والإسماعيلية بدمشق عظم عليهم ذلك، وتأسفوا على دمشق حيث لم يتم لهم ملكها، وعمتهم المصيبة، فاجتمعوا كلهم: صاحب القدس، وصاحب أنطاكية، وصاحب طرابلس، وغيرهم من الفرنج وقمامصتهم، ومن وصل إليهم في البحر للتجارة والزيارة، فاجتمعوا في خلق عظيم نحو ألفي فارس، وأما الراجل فلا يحصى، وساروا إلى دمشق ليحصروها، ولما سمع تاج الملوك بذلك جمع العرب والتركمان، فاجتمع معهم ثمانية آلاف فارس، ووصل الفرنج في ذي الحجة، فنزلوا البلد، وأرسلوا إلى أعمال دمشق لجمع الميرة والإغارة على البلاد، فلما سمع تاج الملوك أن جمعاً كثيراً قد ساروا إلى حوران لنهبه، وإحضاره الميرة، سير أميراً من أمرائه، يعرف بشمس الخواص، في جمع من المسلمين إليهم، وكان خروجهم في ليلة شاتية، كثيرة المطر، ولقوا الفرنج من الغد، فواقعوهم، واقتتلوا، وصبر بعضهم لبعض، فظفر بهم المسلمون وقتلوهم، فلم يفلت منهم غير مقدمهم ومعه أربعون رجلاً، وأخذوا ما معهم، وهي عشرة آلاف دابة موقَرة، وثلاثمائة أسير، وعادوا إلى دمشق لم يمسسهم قرح. فلما علم من عليها من الفرنج ذلك ألقى الله في قلوبهم الرعب، فرحلوا عنها شبه المنهزمين، وأحرقوا ما تعذر عليهم حمله من سلاح وميرة وغير ذلك، وتبعهم المسلمون، والمطر شديد، والبرد عظيم، يقتلون كل من تخلف منهم، فكثر القتلى منهم، وكان نزولهم ورحيلهم في ذي الحجة. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
محاصرة الفرنجة لدمياط ورجوعهم عنها.
565 صفر - 1169 م تحرك الفرنج لغزو ديار مصر خوفاً من صلاح الدين ونور الدين عندما بلغهم تمكنه من ديار مصر وقطع آثار جند المصريين. فكاتبوا فرنج صقلية وغيرهم واستنجدوا بهم، فأمدوهم بالمال والسلاح والرجال، وساروا بالدبابات والمنجنيقات إلى دمياط، فنزلوا عليها في مستهل صفر بألف ومائة مركب، ما بين شين ومسطح وشلندي وطريدة، وأحاطوا بها براً وبحراً، فأسرع صلاح الدين إلى دمياط وتحصن فيها، كما قام نور الدين زنكي بالإسراع بغزو البلدان التي يسيطرون عليها فحاصر الكرك، وأرسل كذلك نجدة إلى صلاح الدين وكانت القوة تتحرك إثر القوة، وكان على رأس أحدها والد صلاح الدين، واستمر حصار الصليبيين لمدينة دمياط خمسين يوما اضطروا بعدها لرفع الحصار عنها نتيجة الإمدادات التي كانت تصل إلى دمياط من نور الدين محمود وشدة مقاومة صلاح الدين بالإضافة إلى دعم الخليفة الفاطمي العاضد واستيلاء نور الدين على أجزاء من مملكة الصليبيين في بيت المقدس، ولفناء وقع فيهم؛ وغرق من مراكبهم نحو الثلثمائة مركب. فأحرقوا ما ثقل عليهم حمله من المنجنيقات وغيرها، فغادر الصليبيون دمياط وتفرغ صلاح الدين لتوطيد أقدامه بمصر. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
وقعة مرج عيون بين الفرنجة والسلطان صلاح الدين الناصر.
575 ربيع الأول - 1179 م سار السّلطان صلاح الدّين من عكا إلى دمشق فدخلها في صفر، توجَّه إلى شَقِيف أرنُون فأقام بمرج برغوث أياماً، ثم أتى مرج عيون، فنزل أرناط صاحب الشقيف وحيداً إلى خدمة السّلطان فخلع عليه واحترمه، وكان من أكبر الفرنج وكان يعرف العربية، وله معرفة بالتواريخ، فسلم الحصن من غير تعب وقال: لا أقدر أُساكن الفرنج، والتمس المُقام بدمشق، ثم بدا منه غدر فقبض عليه وحبسه بدمشق، ووكل بالحصن من يحاصره. ثم بلغ إلى السّلطان أن الفرنج قد جمعوا وحشدوا وجيشوا من مدينة صور، وساروا لحصار صيدا وعكا ليستردوها، فسار إليهم فالتقاهم، فظهر الفرنج وقُتل في سبيل الله طائفة. ثم كرّ المسلمون عليهم فردوهم حتى ازدحموا على جسرٍ هناك، فغرق مائتا نفس. ثم سار السّلطان إلى تبنين فرتب أمورها، وسار إلى عكا فأشرف عليها، وقرر بها أميرين: سيف الدّين عليّ المشطوب الكردي، وبهاء الدّين قراقوش الخادم الأبيض، وعاد فلم يلبث أن نازلت الفرنج عكا، وجاءت من البرّ والبحر، فسار السّلطان حتى نزل قبالتهم وحاربهم مراتٍ عديدة، وطال القتال عليهم، واشتد البلاء، وقتل خلقٌ من الفرنج والمسلمين إلى أن دخلت السنة الآتية والأمر كذلك. وقيل: سار إلى دمشق فأقام بها ثم خرج إلى شقيف - وهي في موضع حصين - فخيم في مرج عيون بالقرب منه، وأقام أياماً يباشر قتاله - والعساكر تتواصل إليه - فلما تحقق صاحب شقيف أنه لا طاقة له به نزل إليه بنفسه، فلم يشعر به إلا وهو قائم على باب خيمته، فأذن له في دخوله إليه، وأكرمه واحترمه، وكان من أكابر الفرنج وعقلائهم، وكان يعرف بالعربية وعنده الاطلاع على شيء من التواريخ والأحاديث، وكان حسن التأني لما حضر بين يدي السلطان، وأكل معه الطعام وخلا به، ذكر أنه مملوكه وتحت طاعته، وأنه يسلم إليه المكان من غير تعب، واشترط أن يعطى موضعاً يسكنه بدمشق، وإقطاعاً فيها يقوم به وبأهله، وشروط غير ذلك، فأجابه إلى مرامه. ووصله الخبر بتسليم الشوبك، وكان قد أقام عليه جمعاً يحاصرونه مدة سنة كاملة إلى أن نفد زاد من كان فيه، وسلموه بالأمان. ثم ظهر للسلطان بعد ذلك أن جميع ما قاله صاحب شقيف كان خديعة، فراسلهم عليه ثم بلغه أن الفرنج قصدوا عكا ونزلوا عليها، فسير صاحب شقيف إلى دمشق بعد الإهانة الشديدة، وأتى عكا ودخلها بغتة لتقوي قلوب من بها، ثم استدعى العسكر من كل ناحية، ثم تكاثر الفرنج، واستفحل أمرهم وأحاطوا بعكا، ومنعوا من يدخل إليها ويخرج، فضاق صدر السلطان لذلك، ثم اجتهدوا في فتح طريق إليها لتستمر المسايلة بالمسيرة والنجدة، وسار الأمراء فاتفقوا على مضايقة العدو لينفتح الطريق، ففعلوا ذلك وانفتح الطريق، وسلكه المسلمون ودخل السلطان عكا، فأشرف على أمورها، ثم جرى بين الفريقين مناوشات في عدة أيام، ثم جرت وقعات، وقيل للسلطان: إن الوخم قد عظم بمرج عكا، فإن الموت قد نشأ بين الطائفتين فرجعوا. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
انتصار المسلمين على الفرنجة نواحي طبرية وبيسان.
578 صفر - 1182 م فتح المسلمون بالشام شقيفاً من الفرنج، يعرف بحبس جلدك، وهو من أعمال طبرية، مطل على السواد، وسبب فتحه أن الفرنج لما سمعوا بمسير صلاح الدين من مصر إلى الشام جمعوا له، وحشدوا الفارس والراجل، واجتمعوا بالكرك بالقرب من الطريق، لعلهم ينتهزون فرصة، أو يظفرون بنصرة، وربما عاقوا المسلمين عن المسير بأن يقفوا على بعض المضايق، فلما فعلوا ذلك خلت بلادهم من ناحية الشام، فسمع فرخشاه الخبر، فجمع من عنده من عساكر الشام، ثم قصد بلاد الفرنج وأغار عليها، ونهب دبورية وما يجاورها من القرى، وأسر الرجال وقتل فيهم وأكثر وسبى النساء، وغنم الأموال وفتح منهم الشقيف، وكان على المسلمين منه أذى شديد، ففرح المسلمون بفتحه فرحاً عظيماً، وأرسل إلى صلاح الدين بالبشارة، فلقيه في الطريق، ففت ذلك في عضد الفرنج، وانكسرت شوكتهم لما وصل صلاح الدين إلى دمشق، وأقام أياماً يريح ويستريح هو وجنده، ثم سار إلى بلاد الفرنج في ربيع الأول، فقصد طبرية، فنزل بالقرب منها، وخيم في الأقحوانة من الأردن، وجاءت الفرنج بجموعها فنزلت في طبرية، فسير صلاح الدين ابن أخيه فرخشاه إلى بيسان، فدخلها قهراً، وغنم ما فيها، وقتل وسبى، وجحف الغور غارة شعواء، فعم أهله قتلاً وأسراً، وجاءت العرب فأغارت على جنين واللجون وتلك الولاية، حتى قاربوا مرج عكا، وسار الفرنج من طبرية، فنزلوا تحت جبل كوكب، فتقدم صلاح الدين إليهم، وأرسل العساكر عليهم يرمونهم بالنشاب، فلم يبرحوا، ولم يتحركوا للقتال، فأمر ابني أخيه تقي الدين عمر وعز الدين فرخشاه، فحملا على الفرنج فيمن معهما، فقاتلوا قتالاً شديداً، ثم إن الفرنج انحازوا على حاميتهم، فنزلوا غفربلا، فلما رأى صلاح الدين ما قد أثخن فيهم وفي بلادهم عاد عنهم إلى دمشق. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
توجه الفرنجة لبيت المقدس لاحتلالها.
587 - 1191 م سار صلاح الدين إلى البيت المقدس فيمن بقي معه من العساكر، فنزلوا جميعاً داخل البلد، فاستراحوا مما كانوا فيه، ونزل هو بدار الأقسا مجاور بيعة قمامة، وقدم إليه عسكر من مصر مقدمهم الأمير أبو الهيجاء السمين، فقويت نفوس المسلمين بالقدس، وسار الفرنج من الرملة إلى النطرون ثالث ذي الحجة، على عزم قصد القدس، فكانت بينهم وبين يزك المسلمين وقعات، أسر المسلمون في وقعة منها نيفاً وخمسين فارساً من مشهوري الفرنج وشجعانهم، وكان صلاح الدين لما دخل القدس أمر بعمارة سوره، وتجديد ما رث منه، فأحكم الموضع الذي ملك البلد منه، وأتقنه، وأمر بحفر خندق خارج الفصيل، وسلم كل برج إلى أمير يتولى عمله. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
تحول الملك من الروم إلى الفرنجة بالقسطنطينية.
600 شعبان - 1204 م ملك الفرنج مدينة القسطنطينية من الروم، وأزالوا ملك الروم عنها، وكان سبب ذلك أن ملك الروم حينها ثار عليه ابن أخيه وقيل ابنه ففشل في ذلك فالتجأ على الفرنج ووعدهم إن ساعدوه أن يعينهم على إخضاع الكنيسة للبابوية ويعينهم على حملتهم الصليبية، فاتفق ذلك وقد اجتمع كثير من الفرنج ليخرجوا إلى بلاد الشام لاستنقاذ البيت المقدس من المسلمين، فأخذوا ولد الملك معهم، وجعلوا طريقهم على القسطنطينية قصداً لإصلاح الحال بينه وبين عمه، ولم يكن له طمع في سوى ذلك، فلما وصلوا خرج عمه في عساكر الروم محارباً لهم، فوقع القتال بينهم في رجب سنة تسع وتسعين وخمسمائة، فانهزمت الروم، ودخلوا البلد، فدخله الفرنج معهم، فهرب ملك الروم إلى أطراف البلاد، وقيل إن ملك الروم لم يقاتل الفرنج بظاهر البلد، وإنما حصروه فيها، وكان بالقسطنطينية من الروم من يريد الصبي، فألقوا النار في البلد، فاشتغل الناس بذلك، ففتحوا باباً من أبواب المدينة، فدخلها الفرنج، وخرج ملكها هارباً، وجعل الفرنج الملك في ذلك الصبي، وليس له من الحكم شيء، إنما الفرنج هم الحكام في البلد، فنهبوا وقتلوا وأساؤوا، فعمد الروم إلى ذلك الصبي الملك فقتلوه، وأخرجوا الفرنج من البلد، وأغلقوا الأبواب، وكان ذلك في جمادى الأولى سنة ستمائة، فأقام الفرنج بظاهره محاصرين للروم، وقاتلوهم، ولازموا قتالهم ليلاً ونهاراً، وكان الروم قد ضعفوا ضعفاً كثيراً، فأرسلوا إلى السلطان ركن الدين سليمان بن قلج أرسلان، صاحب قونية وغيرها من البلاد، يستنجدونه، فلم يجد إلى ذلك سبيلاً، وكان بالمدينة كثير من الفرنج، مقيمين، يقاربون ثلاثين ألفاً، ولعظم البلد لا يظهر أمرهم، فتواضعوا هم والفرنج الذين بظاهر البلد، ووثبوا فيه، وألقوا النار مرة ثانية، فاحترق نحو ربع البلد، وفتحوا الأبواب فدخلوها ووضعوا السيف ثلاثة أيام، وفتكوا بالروم قتلاً ونهباً، فأصبح الروم كلهم ما بين قتيل أو فقير لا يملك شيئاً، ودخل جماعة من أعيان الروم الكنيسة العظيمة التي تدعى أياصوفيا، فجاء الفرنج إليها، فخرج إليهم جماعة من القسيسين والأساقفة والرهبان، بأيديهم الإنجيل والصليب يتوسلون بهما إلى الفرنج ليبقوا عليهم، فلم يلتفتوا إليهم، وقتلوهم أجمعين ونهبوا الكنيسة، فلما استولوا على القسطنطينية اقترعوا على الملك، فخرجت القرعة على كند أفلند. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
سقوط أشبيلية في يد الفرنجة ومملكة غرناطة وحدها في يد المسلمين.
646 - 1248 م حاصر الأسبان إشبيلية مدة ثمانية عشر شهرا حتى سقطت في أيديهم فقاموا بتحويل جامعها إلى كنيسة وأزالوا كل معالم الإسلام فيها، ويذكر أن بعض المسلمين قد شاركوا في هذا الحصار بناء على اتفاقهم مع النصارى مثل محمد بن يوسف بن نصر أمير غرناطة من بني الأحمر وقد ذكرنا هذا الاتفاق في سنة 642 هـ، كما قام رامون ملك أراغون بإعلان حرب صليبية على المسلمين بمباركة البابا واستولى بحملته تلك على لاردة وطرطوشة. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
تحصين الإسكندرية وعمل الجسور خوفاً من مداهمة الفرنجة.
668 - 1269 م اهتم السلطان الظاهر لأمر الإسكندرية وأولاها اهتمامه البالغ كل ذلك لأنها محط نظر الفرنج ومنها يدخلون مصر فأمر بتحصينها للغاية فعملت الجسور عليها التي تمنع دخول السفن وحصنت بالأسوار، وقتلت الكلاب التي فيها. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
وقعة عظيمة ببلاد المغرب بين المسلمين والفرنجة وانتصار المسلمين.
720 - 1320 م كانت وقعة عظيمة ببلاد المغرب بين المسلمين والفرنج فنصر الله المسلمين على أعدائهم فقتلوا منهم خمسين ألفا وأسروا خمسة آلاف، وكان في جملة القتلى خمسة وعشرين ملكا من ملوك الافرنج، وغنموا شيئا كثيرا من الأموال، يقال كان من جملة ما غنموا سبعون قنطارا من الذهب والفضة، وإنما كان جيش الإسلام يومئذ ألفين وخمسمائة فارس غير الرماة، ولم يقتل منهم سوى أحد عشر قتيلا، وهذا من غريب ما وقع وعجيب ما سمع. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
مهاجمة الفرنجة للمهدية.
792 شوال - 1390 م قدم البريد بنزول عدة مراكب للإفرنج على طرابلس، فعندما أشرفوا على الميناء بعث الله عليهم ريحاً أغرقت مركباً، وفرقت البقية، وكانت نحو السبعين، فردوا خائبين، قدم الخبر من الإسكندرية بأن الفرنج الذين مزقت الريح مراكبهم على طرابلس، ساروا إلى إفريقية وحاصروا المهدية، وبها ولد أبي العباس صاحب تونس، فكانت حروباً شديدة، انتصر فيها المسلمون على الفرنج، وقتلوا كثيراً منهم. |
معجم المصطلحات الاسلامية
|
Franks الفرنجة
|