معجم الصواب اللغوي لأحمد مختار عمر
|
الخَمْس مدنالجذر: خ م س
مثال: زرت الخمس مدنالرأي: مرفوضةالسبب: لإدخال «أل» على العدد المضاف. الصواب والرتبة: -زرت خمس المدن [فصيحة]-زرت الخمس المدن [صحيحة]-زرت الخمس مدن [مقبولة] التعليق: القياس أن يأتي المضاف نكرة والمضاف إليه معرفة في العدد وغيره من تراكيب الإضافة؛ لأن المضاف يكتسب التعريف من المضاف إليه. وأجاز الكوفيون تعريف الجزأين معًا في العدد، المضاف والمضاف إليه. وقد أجاز مجمع اللغة المصري إدخال «أل» على المضاف دون المضاف إليه اعتمادًا على ما ورد في فصيح الكلام. |
معجم الصواب اللغوي لأحمد مختار عمر
|
خمس عشر كتابًاالجذر: خ م س
مثال: اشْتَرَيت خَمْس عشر كتابًاالرأي: مرفوضة عند بعضهمالسبب: لخروجها على قاعدة التذكير والتأنيث في العدد المركب. الصواب والرتبة: -اشتريت خمسة عشر كتابًا [فصيحة] التعليق: الأعداد المركبة من (13 - 19) يخالف صدرها المعدود في التذكير والتأنيث، أما عجزها فيجب أن يطابق المعدود في التذكير والتأنيث. |
معجم الصواب اللغوي لأحمد مختار عمر
|
خَمْس مِئةالجذر: خ م س
مثال: أَخْرَجت المطابع خمس مئة نسخة من الكتابالرأي: مرفوضةالسبب: لفصل العدد عن المئة. الصواب والرتبة: -أَخْرَجت المطابع خَمْس مئة نسخة من الكتاب [صحيحة]-أَخْرَجت المطابع خَمْسمائة نسخة من الكتاب [صحيحة] التعليق: أقر مجمع اللغة المصري جواز فصل الأعداد من ثلاث إلى تسع عن «مئة». |
معجم الصواب اللغوي لأحمد مختار عمر
|
خَمْس مستشفياتالجذر: خ م س
مثال: أَمَرَت الحكومة بإنشاء خمْس مستشفياتالرأي: مرفوضة عند الأكثرينالسبب: لخروجها على قاعدة الأعداد في التذكير والتأنيث. الصواب والرتبة: -أَمَرت الحكومة بإنشاء خمسة مستشفيات [فصيحة]-أَمَرت الحكومة بإنشاء خمْس مستشفيات [صحيحة] التعليق: الفصيح في المثال تأنيث العدد «خمسة»؛ لأن المعدود «مستشفيات» وإن كان مجموعًا جمع مؤنث فإن مفرده مذكر، ويمكن تصحيح المثال المرفوض استنادًا إلى ما أجازه بعض النحاة من صحة مراعاة الجمع بغض النظر عن جنس المفرد بالنسبة للمعدود المجموع جمع مؤنث سالمًا. |
التعريفات الفقهيّة للبركتي
|
الفَوَاسق الخمس والفُوَيسقة: راجِعِ "الفسوق".
|
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة
|
أركان الخمس الإسلامية
نظمها. بالتركي. مؤمن البرزريني، المعروف: ببهاري زاده. |
مقاييس اللغة لابن فارس
|
(خَمَسَ)الْخَاءُ وَالْمِيمُ وَالسِّينُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ فِي الْعَدَدِ. فَالْخَمْسَةُ مَعْرُوفَةٌ. وَالْخَمْسُ: وَاحِدٌ مِنْ خَمْسَةٍ. يُقَالُ خَمَسْتُ الْقَوْمَ: أَخَذْتُ خُمْسَ أَمْوَالِهِمْ، أَخْمِسُهُمْ. وَخَمَسْتُهُمَ: كُنْتُ لَهُمْ خَامِسًا، أَخْمِسُهُمْ. وَالْخِمْسُ: ظِمْءٌ مِنْ أَظْمَاءِ الْإِبِلِ. قَالَ الْخَلِيلُ: هُوَ شُرْبُ الْإِبِلِ الْيَوْمَ الرَّابِعَ مِنْ يَوْمَ صَدَرَتْ;لِأَنَّهُمْ يَحْسُبُونَ يَوْمَ الصَّدَرِ. وَالْخَمِيسُ: الْيَوْمُ الْخَامِسُ مِنَ الْأُسْبُوعِ، وَجَمْعُهُ أَخْمِسَاءُ وَأَخْمِسَةٌ، كَقَوْلِكَ نَصِيبٌ وَأَنْصِبَاءُ [وَأَنْصِبَةٌ] . وَالْخُمَاسِيُّ وَالْخُمَاسِيَّةُ: الْوَصِيفُ وَالْوَصِيفَةُ طُولُهُ خَمْسَةُ أَشْبَارٍ. وَلَا يُقَالُ سُدَاسِيٌّ وَلَا سُبَاعِيٌّ إِذَا بَلَغَ سِتَّةَ أَشْبَارٍ أَوْ سَبْعَةً. وَفِي غَيْرِ ذَلِكَ الْخُمَاسِيُّ مَا بَلَغَ خَمْسَةً، وَكَذَلِكَ السُّدَاسِيُّ وَالْعُشَارِيُّ. وَالْخَمِيسُ وَالْمَخْمُوسُ مِنَ الثِّيَابِ: الَّذِي طُولُهُ خَمْسُ أَذْرُعٍ. وَقَالَ عُبَيْدٌ:
هَاتَيْكَ تَحْمِلُنِي وَأَبْيَضَ صَارِمًا...وَمُذَرَّبًا فِي مَارِنٍ مَخْمُوسِ يُرِيدُ رُمْحًا طُولُهُ خَمْسُ أَذْرُعٍ. وَقَالَ مُعَاذٌ لِأَهْلِ الْيَمَنِ: " إِيتُونِي بِخَمِيسٍ أَوْ لَبِيسٍ آخُذُهُ مِنْكُمْ فِي الصَّدَقَةِ ". وَقَدْ قِيلَ إِنَّ الثَّوْبَ الْخَمِيسَ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ أَوَّلَ مَنْ عَمِلَهُ مَلِكٌ بِالْيَمَنِ كَانَ يُقَالُ لَهُ الْخِمْسُ. قَالَ الْأَعْشَى: يَوْمًا تَرَاهَا كَمِثْلِ أَرْدِيَةِ الْ...خِمْسِ وَيَوْمًا أَدِيمَهَا نَغِلًا وَمِمَّا شَذَّ عَنِ الْبَابِ الْخَمِيسُ، وَهُوَ الْجَيْشُ الْكَثِيرُ. وَمِنْ ذَلِكَ الْحَدِيثُ: " «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، لَمَّا أَشْرَفَ عَلَى خَيْبَرَ قَالُوا: مُحَمَّدٌ وَالْخَمِيسُ» "، يُرِيدُونَ الْجَيْشَ. |
معجم مقاليد العلوم للسيوطي
|
الخمْسُ والسدْسُ: على هَذَا الْقيَاس.
|
معجم الصحابة للبغوي
معجم الصحابة للبغوي
|
أبو محمد حاطب بن أبي بلعته
سكن الكوفة قال أبو القاسم: قال محمد بن [عمر]: مات [حاطب] بن أبي بلتعة [حليف بني أسد] سنة ثلاثين وهو ابن خمس وستين سنة وصلى عليه عثمان رضي الله عنه بالمدينة. قال: فحدثني شيخ من ولده عن آبائه قالوا: كان حاطب رجلا حسن الجسم خفيف اللحية أجنأ وهو حليف لبني أسد بن عبد العزى. 564 - حدثني جدي نا معاوية بن عمرو نا زائدة عن سليمان عن أبي سفيان عن جابر عن أم مبشر قالت: جاء غلام حاطب فقال: والله لا يدخل حاطب الجنة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" كذبت قد شهد بدرا |
معجم الصحابة للبغوي
|
وعبد الله بن قيس بن خلدة
زاد ابن إسحاق: ابن الحارث بن سواد بن غنم. وعبد الله بن كعب بن عمرو بن مبذول قال ابن إسحاق: بن عمرو بن غنم بن مازن بن النجار. وفي كتاب محمد بن سعد: عبد الله بن كعب بن عاصم من بني مازن ابن النجار وكان على خمس النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر ويكنى أبا الحارث ومات بالمدينة سنة ثلاث وثلاثين وصلى عليه عثمان. قال: |
الاستيعاب في معرفة الأصحاب
|
|
الاستيعاب في معرفة الأصحاب
|
وقد اختلف فِي أم أروى بنت عبد المطلب، فقيل: أمها فاطمة بنت عمرو ابن عائذ بْن عمران بْن مخزوم، فلو صح هَذَا كانت شقيقة عَبْد اللَّهِ والزبير وأبي طالب وعبد الكعبة وأم حكيم وأميمة وعاتكة وبرة. وقيل: بل أمها صفية بنت جندب بن حجير بن رئاب بن حبيب بن سواءة بْن عامر بْن صعصعة. فلو صح هَذَا كانت شقيقة الحارث بْن عبد المطلب. وقد ذكرنا أعمام رَسُول اللَّهِ ﷺ وأمهاتهم عند ذكر حمزة بْن عبد المطلب. وأهل النسب لا يعرفون لعبد المطلب بنتًا إلا من المخزومية، إلا صفية وحدها فإنها من الزهرية. |
الموسوعة الفقهية الكويتية
|
التَّعْرِيفُ:
1 - الصَّلَوَاتُ مُفْرَدُهَا صَلاَةٌ، وَلِتَعْرِيفِهَا: يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (صَلاَةٌ) . وَالْمُرَادُ بِالْمَفْرُوضَةِ: الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ الَّتِي تُؤَدَّى كُل يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَهِيَ: الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ وَالْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ وَالْفَجْرُ ثَبَتَتْ فَرْضِيَّتُهَا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالإِْجْمَاعِ، وَهِيَ مَعْلُومَةٌ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، يَكْفُرُ جَاحِدُهَا (1) . وَالصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ: هِيَ آكَدُ الْفُرُوضِ وَأَفْضَلُهَا بَعْدَ الشَّهَادَتَيْنِ، وَهِيَ الرُّكْنُ الثَّانِي مِنْ أَرْكَانِ الإِْسْلاَمِ الْخَمْسِ. (ر: صَلاَةٌ) . وَقَدْ ثَبَتَ عَدَدُ رَكَعَاتِ كُل صَلاَةٍ مِنْ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ بِسُنَّةِ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلاً وَفِعْلاً وَبِالإِْجْمَاعِ. قَال الْكَاسَانِيُّ: عَرَفْنَا ذَلِكَ بِفِعْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَوْلُهُ: صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي (2) ، وَهَذَا لأَِنَّهُ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ __________ (1) البدائع 1 / 91، والفواكه الدواني 1 / 192، ومغني المحتاج 1 / 121،، المغني لابن قدامة 1 / 370، والعناية على الهداية 1 / 191. (2) حديث: " صلوا كما رأيتموني أصلي. . . " أخرجه البخاري (الفتح 2 / 111 - ط السلفية) من حديث مالك بن الحويرث. عَدَدُ رَكَعَاتِ الصَّلَوَاتِ فَكَانَتْ نُصُوصُ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ مُجْمَلَةً فِي الْمِقْدَارِ، ثُمَّ زَال الإِْجْمَال بِبَيَانِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلاً وَفِعْلاً (1) . وَأَدَاؤُهَا بِالْجَمَاعَةِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ خِلاَفًا لِبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ وَمَنْ مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا بِوُجُوبِهَا. (ر: صَلاَةُ الْجَمَاعَةِ) . وَفِيمَا يَلِي بَيَانُ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ حَسْب التَّرْتِيبِ الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ - خِلاَفًا لِلْحَنَفِيَّةِ، حَيْثُ بَدَءُوا بِصَلاَةِ الصُّبْحِ (2) . أَوَّلاً - صَلاَةُ الظُّهْرِ: 2 - الظُّهْرُ: سَاعَةُ الزَّوَال وَوَقْتُهُ، وَلِهَذَا يَجُوزُ فِيهِ التَّأْنِيثُ وَالتَّذْكِيرُ، فَيُقَال: حَانَ الظُّهْرُ أَيْ وَقْتُ الزَّوَال، وَحَانَتِ الظُّهْرُ أَيْ سَاعَتُهُ (3) . وَالْمُرَادُ بِالزَّوَال: مَيْل الشَّمْسِ عَنْ كَبِدِ السَّمَاءِ إِلَى الْمَغْرِبِ (4) فَصَلاَةُ الظُّهْرِ هِيَ الَّتِي تَجِبُ بِدُخُول وَقْتِ الظُّهْرِ، وَتُفْعَل فِي وَقْتِ الظَّهِيرَةِ. وَتُسَمَّى صَلاَةُ الظُّهْرِ - أَيْضًا - بِالأُْولَى؛ __________ (1) البدائع 1 / 91، والفواكه الدواني 1 / 191، والحطاب 1 / 397، وكشاف القناع 1 / 297. (2) المراجع السابقة، وكشاف القناع 1 / 249. (3) المصباح المنير في المادة. (4) المجموع للنووي 3 / 24، والمغني 1 / 372. لأَِنَّهَا أَوَّل صَلاَةٍ صَلاَّهَا جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: أَمَّنِي جِبْرِيل - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عِنْدَ الْبَيْتِ مَرَّتَيْنِ، فَصَلَّى الظُّهْرَ فِي الأُْولَى مِنْهُمَا حِينَ كَانَ الْفَيْءُ مِثْل الشِّرَاكِ، ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ حِينَ كَانَ كُل شَيْءٍ مِثْل ظِلِّهِ، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ حِينَ وَجَبَتِ الشَّمْسُ وَأَفْطَرَ الصَّائِمُ، ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، ثُمَّ صَلَّى الْفَجْرَ حِينَ بَرَقَ الْفَجْرُ وَحَرُمَ الطَّعَامُ عَلَى الصَّائِمِ، وَصَلَّى الْمَرَّةَ الثَّانِيَةَ الظُّهْرَ حِينَ كَانَ ظِل كُل شَيْءٍ مِثْلَهُ، لِوَقْتِ الْعَصْرِ بِالأَْمْسِ، ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ حِينَ كَانَ ظِل كُل شَيْءٍ مِثْلَيْهِ، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ لِوَقْتِهِ الأَْوَّل، ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ الآْخِرَةَ حِينَ ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْل، ثُمَّ صَلَّى الصُّبْحَ حِينَ أَسْفَرَتِ الأَْرْضُ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ جِبْرِيل فَقَال: يَا مُحَمَّدُ، هَذَا وَقْتُ الأَْنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِكَ، وَالْوَقْتُ فِيمَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ (1) . وَهِيَ أَوَّل صَلاَةٍ ظَهَرَتْ فِي الإِْسْلاَمِ. كَمَا تُسَمَّى بِالْهَجِيرَةِ (2) قَال أَبُو بَرْزَةَ: __________ (1) حديث: ابن عباس - رضي الله عنهما -: " أن صلاة الظهر أول صلاة صلاها جبريل بالنبي صلى الله عليه وسلم ". أخرجه الترمذي (1 / 279 - 280 - ط الحلبي) وقال: حديث حسن صحيح. (2) الحطاب 1 / 383، ومغني المحتاج 1 / 121، والمغني لابن قدامة 1 / 371. {كَانَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الْهَجِيرَةَ الَّتِي يَدْعُونَهَا الأُْولَى حِينَ تَدْحَضُ الشَّمْسُ، أَوْ تَزُول (1) . أَوَّل وَقْتِ الظُّهْرِ وَآخِرُهُ: 3 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ أَوَّل وَقْتِ صَلاَةِ الظُّهْرِ هُوَ زَوَال الشَّمْسِ، أَيْ مَيْلُهَا عَنْ وَسَطِ السَّمَاءِ، وَذَلِكَ بِحَسَبِ مَا يَظْهَرُ لَنَا؛ لأَِنَّ التَّكْلِيفَ إِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ، وَلاَ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ فِي الْوَاقِعِ كَذَلِكَ. وَأَمَّا آخِرُ وَقْتِ الظُّهْرِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهِ، فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ آخِرَهُ هُوَ بُلُوغُ الظِّل مِثْلَهُ غَيْرَ فَيْءِ (2) الزَّوَال (3) . وَالْمَشْهُورُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ آخِرَ وَقْتِ الظُّهْرِ إِذَا صَارَ ظِل كُل شَيْءٍ مِثْلَيْهِ سِوَى فَيْءِ الزَّوَال (4) . وَلِمَعْرِفَةِ الزَّوَال وَتَفْصِيل الْخِلاَفِ __________ (1) حديث أبي برزة: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الهجيرة. . . ". أخرجه البخاري (الفتح2 / 26 - ط السلفية) . (2) الفيء بوزن شيء هو الظل بعد الزوال، سمي به، لأنه فاء أي رجع من جهة المغرب إلى المشرق، أما الظل فيشمل ما قبل الزوال وما بعده. (ابن عابدين 1 / 240 ومغني المحتاج 1 / 122) . (3) ابن عابدين 1 / 240، وفتح القدير مع الهداية 1 / 192 وما بعدها، وجواهر الإكليل 1 / 32، ومواهب الجليل للحطاب 1 / 382، ومغني المحتاج 1 / 121، 122، والمغني لابن قدامة 1 / 371، 375، وكشاف القناع 1 / 250، 251. (4) فتح القدير والعناية على الهداية 1 / 193، والبدائع 1 / 123. فِي آخِرِ الظُّهْرِ، وَأَدِلَّةِ الْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (أَوْقَاتُ الصَّلاَةِ ف 8) . الإِْبْرَادُ بِصَلاَةِ الظُّهْرِ: 4 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى: أَنَّهُ إِذَا كَانَ الْحَرُّ شَدِيدًا يُسَنُّ تَأْخِيرُ صَلاَةِ الظُّهْرِ إِلَى الإِْبْرَادِ. قَال النَّوَوِيُّ: حَقِيقَةُ الإِْبْرَادِ أَنْ يُؤَخِّرَ الصَّلاَةَ مِنْ أَوَّل وَقْتِهَا بِقَدْرِ مَا يَحْصُل لِلْحِيطَانِ فَيْءٌ يَمْشِي فِيهِ طَالِبُ الْجَمَاعَةِ، وَلاَ يُؤَخَّرُ عَنْ نِصْفِ الْقَامَةِ (1) . وَقَرِيبٌ مِنْهُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ (2) . أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَيُسْتَحَبُّ عِنْدَهُمْ تَأْخِيرُ الظُّهْرِ فِي الصَّيْفِ مُطْلَقًا أَيْ بِلاَ اشْتِرَاطِ شِدَّةِ الْحَرِّ وَحَرَارَةِ الْبَلَدِ (3) . وَلِتَفْصِيل الْمَوْضُوعِ يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (أَوْقَاتُ الصَّلاَةِ ف 16) . قَصْرُ الظُّهْرِ وَجَمْعُهَا مَعَ الْعَصْرِ: 5 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ قَصْرِ صَلاَةِ الظُّهْرِ فِي السَّفَرِ (4) (ر: صَلاَةُ الْمُسَافِرِ) . __________ (1) المجموع 3 / 51، 60. (2) الدسوقي 1 / 180، 181، والمغني لابن قدامة 1 / 390. (3) ابن عابدين 1 / 245، وفتح القدير مع الهداية 1 / 199. (4) البدائع 1 / 91، والحطاب 1 / 379، والإقناع 2 / 169، وكشاف القناع 1 / 249. كَمَا اتَّفَقُوا عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْجَمْعِ بَيْنَ صَلاَتَيِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي عَرَفَةَ جَمْعَ تَقْدِيمٍ، بِأَنْ يُصَلِّيَهُمَا فِي وَقْتِ الظُّهْرِ. وَاخْتَلَفُوا فِيمَا عَدَا يَوْمَ عَرَفَةَ: فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى جَوَازِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا بِعُذْرِ السَّفَرِ جَمْعَ تَقْدِيمٍ أَوْ تَأْخِيرٍ، بِأَنْ تُصَلَّى الْعَصْرُ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ أَوْ بِالْعَكْسِ، خِلاَفًا لِلْحَنَفِيَّةِ (1) . وَتَفْصِيل الْمَوْضُوعِ فِي مُصْطَلَحِ: (جَمْعُ الصَّلَوَاتِ) . مَا يُسْتَحَبُّ قِرَاءَتُهُ فِي الظُّهْرِ: 6 - يُسْتَحَبُّ فِي الظُّهْرِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ: أَنْ يَقْرَأَ الإِْمَامُ أَوِ الْمُنْفَرِدُ إِذَا كَانَ مُقِيمًا طِوَال الْمُفَصَّل (2) كَصَلاَةِ الْفَجْرِ (3) ، وَذَهَبَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ الظُّهْرَ كَالْعَصْرِ، فَيُسَنُّ فِيهِ أَوْسَاطُ الْمُفَصَّل (4) . وَوَرَدَ فِي عِبَارَاتِ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ الظُّهْرَ كَالصُّبْحِ فِي الْقِرَاءَةِ مِنَ الطِّوَال أَوْ دُونَ ذَلِكَ قَلِيلاً (5) . __________ (1) ابن عابدين 1 / 256، والبدائع 1 / 127، وجواهر الإكليل 1 / 92، والمغني لابن قدامة 1 / 409. (2) طوال المفصل من سورة الحجرات إلى آخر البروج (ابن عابدين 1 / 362، 363) . (3) ابن عابدين 1 / 362، 363 والفواكه الدواني 1 / 227، ومغني المحتاج 1 / 163، والمغني لابن قدامة 1 / 570، 571. (4) أوساط المفصل من البروج إلى لم يكن (فتح القدير1 / 192) وانظر ابن عابدين 1 / 363 (5) الفواكه الدواني 1 / 227. وَاتَّفَقَ فُقَهَاءُ الْمَذَاهِبِ عَلَى أَنَّهُ يُسِرُّ بِالْقِرَاءَةِ فِي جَمِيعِ رَكَعَاتِ الظُّهْرِ، سَوَاءٌ أَصَلاَّهَا جَمَاعَةً أَمِ انْفِرَادًا، وَتَفْصِيل الْمَسْأَلَةِ فِي مُصْطَلَحِ: (إِسْرَار، صَلاَة، قِرَاءَة) . ثَانِيًا - صَلاَةُ الْعَصْرِ: 7 - الْعَصْرُ يُطْلَقُ عَلَى مَعَانٍ مِنْهَا: الْعَشِيُّ إِلَى احْمِرَارِ الشَّمْسِ، وَهُوَ آخِرُ سَاعَاتِ النَّهَارِ، كَمَا يُطْلَقُ عَلَى الصَّلاَةِ الَّتِي تُؤَدَّى فِي آخِرِ النَّهَارِ، قَال الْفَيُّومِيُّ: الْعَصْرُ اسْمُ الصَّلاَةِ " مُؤَنَّثَةٌ " مَعَ الصَّلاَةِ، وَبِدُونِهَا تُذَكَّرُ وَتُؤَنَّثُ (1) . وَيُقَال: أُذِّنَ لِلْعَصْرِ. أَيْ لِصَلاَةِ الْعَصْرِ (2) . وَتُسَمَّى صَلاَةُ الْعَصْرِ بِ (الْعَشِيِّ) لأَِنَّهَا تُصَلَّى عَشِيَّةً (3) . أَوَّل وَقْتِ الْعَصْرِ وَآخِرُهُ: 8 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: (الْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ، وَالصَّاحِبَانِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ) إِلَى أَنَّ أَوَّل وَقْتِ الْعَصْرِ إِذَا صَارَ ظِل كُل شَيْءٍ مِثْلَهُ غَيْرَ فَيْءِ الزَّوَال، وَهَذَا رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَيْضًا (4) . وَيَسْتَدِلُّونَ بِحَدِيثِ __________ (1) القرطبي 2 / 178، كشاف القناع 1 / 221، ومواهب الجليل 1 / 377. (2) القرطبي 20 / 178، وما بعدها، ومتن اللغة والمصباح المنير. (3) الحطاب 1 / 389. (4) جواهر الإكليل 1 / 32، والحطاب مع التاج والإكليل 1 / 382، ومغني المحتاج 1 / 121، 122، وكشاف القناع 1 / 252، المغني 1 / 375. إِمَامَةِ جِبْرِيل - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَفِيهِ: ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ حِينَ كَانَ كُل شَيْءٍ مِثْل ظِلِّهِ (1) . وَالْمَشْهُورُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ أَوَّل وَقْتِ الْعَصْرِ إِذَا صَارَ ظِل كُل شَيْءٍ مِثْلَيْهِ غَيْرَ فَيْءِ الزَّوَال (2) (ر: أَوْقَاتُ الصَّلاَةِ) . 9 - وَهَل يُوجَدُ وَقْتٌ مُهْمَلٌ بَيْنَ آخِرِ الظُّهْرِ وَأَوَّل الْعَصْرِ؟ اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَاتُ عَنِ الْفُقَهَاءِ: فَيَشْتَرِطُ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ لِدُخُول أَوَّل الْعَصْرِ أَنْ يَصِيرَ ظِل كُل شَيْءٍ مِثْلَهُ، وَزَادَ أَدْنَى زِيَادَةً. قَال الْخِرَقِيُّ: وَإِذَا زَادَ شَيْئًا وَجَبَتِ الْعَصْرُ (3) وَمِثْلُهُ مَا نَقَلَهُ الشِّرْبِينِيُّ عَنْ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ (4) وَجُمْلَتُهُ: أَنَّ وَقْتَ الْعَصْرِ مِنْ حِينِ الزِّيَادَةِ عَلَى الْمِثْل أَدْنَى زِيَادَةً مُتَّصِلٌ بِوَقْتِ الظُّهْرِ لاَ نُصَلِّي بَيْنَهُمَا. كَمَا حَرَّرَهُ ابْنُ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي (5) . وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - أَيْضًا - قَوْلُهُ: إِذَا بَلَغَ الظِّل طُولَهُ سِوَى فَيْءِ الزَّوَال خَرَجَ وَقْتُ __________ (1) حديث إمامة جبريل: تقدم تخريجه ف2. (2) فتح القدير 1 / 195. (3) المغني لابن قدامة 1 / 375. (4) مغني المحتاج 1 / 122. (5) المغني 1 / 375. الظُّهْرِ، وَلاَ يَدْخُل وَقْتُ الْعَصْرِ إِلَى الطُّولَيْنِ (1) . وَعَلَى هَذَا يَكُونُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَقْتٌ مُهْمَلٌ، كَمَا بَيْنَ الْفَجْرِ وَالظُّهْرِ، وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ حُدُوثُ زِيَادَةٍ فَاصِلَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَقْتِ الظُّهْرِ، كَمَا قَال الشِّرْبِينِيُّ (2) ، وَمِثْلُهُ مَا نَقَلَهُ ابْنُ قُدَامَةَ عَنِ الْحَنَابِلَةِ عَدَا الْخِرَقِيَّ (3) . قَال الْبُهُوتِيُّ: مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَهُمَا، وَلاَ اشْتِرَاكٍ (4) . وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: أَنَّ أَوَّل الْعَصْرِ وَآخِرَ الظُّهْرِ يَشْتَرِكَانِ بِقَدْرِ إِحْدَاهُمَا، أَيْ: بِقَدْرِ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ فِي الْحَضَرِ، وَرَكْعَتَيْنِ فِي السَّفَرِ، فَآخِرُ وَقْتِ الظُّهْرِ: أَنْ يَصِيرَ ظِل كُل شَيْءٍ مِثْلَهُ بَعْدَ طَرْحِ ظِل الزَّوَال، وَهُوَ بِعَيْنِهِ أَوَّل وَقْتِ الْعَصْرِ فَيَكُونُ وَقْتًا لَهُمَا مُمْتَزِجًا بَيْنَهُمَا (5) . وَيُؤَيِّدُهُ ظَاهِرُ حَدِيثِ إِمَامَةِ جِبْرِيل حَيْثُ جَاءَ فِيهِ: صَلَّى الْمَرَّةَ الثَّانِيَةَ الظُّهْرَ حِينَ كَانَ ظِل كُل شَيْءٍ مِثْلَهُ لِوَقْتِ الْعَصْرِ بِالأَْمْسِ. 10 - أَمَّا آخِرُ وَقْتِ الْعَصْرِ فَهُوَ مَا لَمْ تَغْرُبِ __________ (1) فتح القدير والعناية على الهداية 1 / 193. (2) مغني المحتاج 1 / 122. (3) المغني لابن قدامة 1 / 375. (4) كشاف القناع 1 / 252. (5) التاج والإكليل مع الحطاب 1 / 390، والدسوقي 1 / 177. الشَّمْسُ. أَيْ قُبَيْل غُرُوبِ الشَّمْسِ (1) . (ر: أَوْقَاتُ الصَّلاَةِ) . مَا يُسْتَحَبُّ قِرَاءَتُهُ فِي الْعَصْرِ: 11 - صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ يُسَنُّ أَنْ يَقْرَأَ فِي صَلاَةِ الْعَصْرِ بِأَوْسَاطِ الْمُفَصَّل (2) . وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَقْرَأُ فِيهَا بِالْقِصَارِ مِنَ السُّوَرِ مِثْل: {وَالضُّحَى} وَ {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ} ، وَنَحْوِهِمَا (3) . وَيُسْتَحَبُّ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنْ تَكُونَ الْقِرَاءَةُ فِي الْعَصْرِ عَلَى النِّصْفِ مِنَ الظُّهْرِ (4) . وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ الإِْسْرَارَ فِي الْقِرَاءَةِ سُنَّةٌ فِي الْعَصْرِ وَالظُّهْرِ، بَيْنَمَا يَقُول الْحَنَفِيَّةُ: بِأَنَّهُ وَاجِبٌ (5) . وَتَفْصِيل الْمَوْضُوعِ فِي مُصْطَلَحِ: (إِسْرَار، وَقِرَاءَة) . التَّنَفُّل بَعْدَ صَلاَةِ الْعَصْرِ: 12 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ فِي الْجُمْلَةِ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ التَّنَفُّل بَعْدَ صَلاَةِ الْعَصْرِ إِلَى أَنْ تَغْرُبَ __________ (1) ابن عابدين 1 / 241، والفواكه الدواني 1 / 196، والحطاب مع المواق 1 / 390، ومغني المحتاج 1 / 122، والمغني 1 / 376، 377، وكشاف القناع 1 / 252. (2) ابن عابدين 1 / 363، ومغني المحتاج 1 / 163، وأوساط المفصل هي من سورة البروج إلى آخر سورة (البينة) ابن عابدين 1 / 363. (3) الفواكه الدواني 1 / 229. (4) المغني لابن قدامة 1 / 572، 573. (5) فتح القدير 1 / 383، والفواكه الدواني 1 / 227، والمجموع 1 / 390، والمغني 1 / 569. الشَّمْسُ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لاَ صَلاَةَ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ (1) . وَتَشْمَل ذَلِكَ مَا لَوْ صُلِّيَتِ الْعَصْرُ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ جَمْعَ تَقْدِيمٍ كَذَلِكَ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ فُقَهَاءُ الْمَذَاهِبِ (2) لِلتَّفْصِيل يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (صَلاَةُ التَّطَوُّعِ) . ثَالِثًا - صَلاَةُ الْمَغْرِبِ: 13 - الْمَغْرِبُ فِي الأَْصْل: مِنْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ إِذَا غَابَتْ وَتَوَارَتْ. وَيُطْلَقُ فِي اللُّغَةِ عَلَى وَقْتِ الْغُرُوبِ وَمَكَانِهِ، وَعَلَى الصَّلاَةِ الَّتِي تُؤَدَّى فِي هَذَا الْوَقْتِ (3) . أَوَّل وَقْتِ الْمَغْرِبِ وَآخِرُهُ: 14 - أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ أَوَّل وَقْتِ صَلاَةِ الْمَغْرِبِ يَدْخُل إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ وَتَكَامَل غُرُوبُهَا. وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي الصَّحَارِي. وَيُعْرَفُ فِي الْعُمْرَانِ بِزَوَال الشُّعَاعِ مِنْ رُءُوسِ الْجِبَال، وَإِقْبَال الظَّلاَمِ مِنَ الْمَشْرِقِ (4) وَآخِرُ __________ (1) حديث: " لا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس ". أخرجه البخاري (الفتح 2 / 61 ط السلفية) ومسلم (1 / 567 ط الحلبي) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مرفوعا. (2) نفس المراجع. (3) المصباح المنير وكشاف القناع 1 / 253، وحاشية الباجوري 1 / 123. (4) البدائع 1 / 123، والحطاب 1 / 391، وجواهر الإكليل 1 / 32، 33، ومغني المحتاج 1 / 122، والمغني لابن قدامة 1 / 381. وَقْتِهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ مَا لَمْ يَغِبِ الشَّفَقُ. وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ - وَهُوَ الْجَدِيدُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ - أَنَّ لِلْمَغْرِبِ وَقْتًا وَاحِدًا وَهُوَ بِقَدْرِ مَا يَتَطَهَّرُ الْمُصَلِّي وَيَسْتُرُ عَوْرَتَهُ وَيُؤَذِّنُ وَيُقِيمُ لِلصَّلاَةِ (1) . لِلتَّفْصِيل (ر: أَوْقَاتُ الصَّلاَةِ) . تَسْمِيَةُ الْمَغْرِبِ بِالْعِشَاءِ: 15 - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى كَرَاهَةِ تَسْمِيَةِ الْمَغْرِبِ عِشَاءً لِمَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: لاَ تَغْلِبَنَّكُمُ الأَْعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلاَتِكُمُ الْمَغْرِبِ. قَال: وَتَقُول الأَْعْرَابُ هِيَ الْعِشَاءُ (2) وَلاَ يُكْرَهُ تَسْمِيَتُهَا بِالْعِشَاءِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَلَكِنْ تَسْمِيَتُهَا بِالْمَغْرِبِ أَوْلَى (3) . رَابِعًا - صَلاَةُ الْعِشَاءِ: 16 - الْعِشَاءُ بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَالْمَدِّ: اسْمٌ لأَِوَّل الظَّلاَمِ مِنَ الْمَغْرِبِ إِلَى الْعَتَمَةِ، وَسُمِّيَتِ الصَّلاَةُ بِذَلِكَ لأَِنَّهَا تُفْعَل فِي هَذَا الْوَقْتِ. __________ (1) الحطاب 1 / 393، 394، وجواهر الإكليل 1 / 32، 33، ومغني المحتاج 1 / 123، والمجموع 3 / 28. (2) حديث: " لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم المغرب ". أخرجه البخاري (الفتح 2 / 43 ط السلفية) وجامع الأصول 6 / 262، من حديث عبد الله المزني - رضي الله عنه -. (3) الحطاب 1 / 392، وما بعدها، والمجموع 3 / 28، وكشاف القناع 1 / 253، ومغني المحتاج 1 / 123. وَالْعَشَاءُ بِالْفَتْحِ وَالْمَدِّ: طَعَامُ هَذَا الْوَقْتِ (1) وَيَجُوزُ أَنْ يُقَال لَهَا: الْعِشَاءُ الآْخِرَةُ، وَالْعِشَاءُ - فَقَطْ - مِنْ غَيْرِ وَصْفٍ بِالآْخِرَةِ (2) قَال تَعَالَى: {وَمِنْ بَعْدِ صَلاَةِ الْعِشَاءِ} (3) . وَقَال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَصَابَتْ بَخُورًا فَلاَ تَشْهَدْ مَعَنَا الْعِشَاءَ الآْخِرَةَ (4) . تَسْمِيَةُ صَلاَةِ الْعِشَاءِ بِالْعَتَمَةِ: 17 - أَجَازَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ تَسْمِيَةَ صَلاَةِ الْعِشَاءِ بِالْعَتَمَةِ لِوُرُودِهَا فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَْحَادِيثِ، مِنْهَا مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: لَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لأََتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا (5) وَمِنْهَا قَوْل عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: كَانُوا يُصَلُّونَ الْعَتَمَةَ فِيمَا بَيْنَ أَنْ __________ (1) المصباح المنير مادة (عشى) والحطاب 1 / 396، وكشاف القناع 1 / 254، والمجموع 3 / 36. (2) المجموع 3 / 42، وكشاف القناع 1 / 254، والحطاب 1 / 397. (3) سورة النور / 58. (4) حديث: " أيما امرأة أصابت بخورا فلا تشهد معنا العشاء الآخرة ". أخرجه مسلم (1 / 328 ط الحلبي) وأبو داود (4 / 401 - 402 ط عزت عبيد دعاس) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - مرفوعا. (5) حديث: " لو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا ". أخرجه البخاري (فتح الباري 2 / 139 ط. السلفية) ومسلم (صحيح مسلم 1 / 325 ط. الحلبي) ومالك (الموطأ 1 / 131 ط الحلبي) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - مرفوعا. يَغِيبَ الشَّفَقُ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْل الأَْوَّل (1) وَالْعَتَمَةُ هِيَ شِدَّةُ الظُّلْمَةِ كَمَا يَقُول الْبُهُوتِيُّ (2) . 18 - وَكَرِهَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ تَسْمِيَتَهَا بِالْعَتَمَةِ لِمَا وَرَدَ مِنَ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: لاَ تَغْلِبَنَّكُمُ الأَْعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلاَتِكُمْ، أَلاَ إِنَّهَا الْعِشَاءُ وَهُمْ يُعْتِمُونَ بِالإِْبِل (3) مَعْنَاهُ: أَنَّهُمْ يُسَمُّونَهَا الْعَتَمَةَ لِكَوْنِهِمْ يُعْتِمُونَ بِحِلاَبِ الإِْبِل أَيْ يُؤَخِّرُونَهُ إِلَى شِدَّةِ الظَّلاَّمِ (4) وَصَرَّحَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ النَّهْيَ لِلتَّنْزِيهِ (5) . قَال النَّوَوِيُّ: إِنَّ هَذَا الاِسْتِعْمَال وَرَدَ فِي نَادِرِ الأَْحْوَال لِبَيَانِ الْجَوَازِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِحَرَامٍ، أَوْ أَنَّهُ خُوطِبَ بِهِ مَنْ قَدْ يَشْتَبِهُ عَلَيْهِ الْعِشَاءُ __________ (1) حديث عائشة رضي الله عنها: " كانوا يصلون العتمة فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل الأول ". أخرجه البخاري (فتح الباري 2 / 347 ط السلفية) من حديث عائشة - رضي الله عنها -. (2) مواهب الجليل للحطاب 1 / 396، ومغني المحتاج 1 / 124، 125، المجموع للنووي 3 / 36، وكشاف القناع 1 / 254. (3) حديث: " لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم ألا إنها العشاء وهم يعتمون بالإبل ". أخرجه مسلم (1 / 445 ط الحلبي) وأبو داود (سنن أبي داود 5 / 261 - 262 ط عزت عبيد دعاس) من حديث - عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما مرفوعا. (4) الحطاب 1 / 396، ومغني المحتاج 1 / 124، 125، والمجموع للنووي 3 / 36. (5) مغني المحتاج 1 / 125. بِالْمَغْرِبِ، فَلَوْ قِيل: الْعِشَاءُ لَتَوَهَّمَ إِرَادَةَ الْمَغْرِبِ؛ لأَِنَّهَا كَانَتْ مَعْرُوفَةً عِنْدَهُمْ بِالْعِشَاءِ، وَأَمَّا الْعَتَمَةُ فَصَرِيحَةٌ فِي الْعِشَاءِ الآْخِرَةِ (1) . وَلِلْمَالِكِيَّةِ فِي تَسْمِيَتِهَا قَوْلاَنِ آخَرَانِ: أَحَدُهُمَا: الْجَوَازُ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ، وَثَانِيهِمَا: الْحُرْمَةُ (2) أَوَّل وَقْتِ الْعِشَاءِ وَآخِرُهُ: 19 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ أَوَّل وَقْتِ صَلاَةِ الْعِشَاءِ يَدْخُل مِنْ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ (3) ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الشَّفَقِ. فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ: الْحُمْرَةُ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَزُفَرُ يَقُولاَنِ: هُوَ الْبَيَاضُ بَعْدَ الْحُمْرَةِ. وَآخِرُ وَقْتِ الْعِشَاءِ إِلَى الْفَجْرِ الصَّادِقِ (4) ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: آخِرُ وَقْتِ الْعِشَاءِ مَا لَمْ يَطْلُعِ الْفَجْرُ (5) . __________ (1) المجموع للنووي 3 / 41، 42. (2) الحطاب 1 / 397. (3) ابن عابدين 1 / 241، ومواهب الجليل للحطاب 1 / 397، ومغني المحتاج 1 / 123، 124، والمغني لابن قدامة 1 / 382، 383. (4) الفجر الصادق هو المنتشر ضوؤه معترضا بالأفق من قبل المشرق (مغني المحتاج 1 / 123، 124، والمغني 1 / 384) . (5) حديث: " آخر وقت العشاء ما لم يطلع الفجر ". أورده الزيلعي في نصب الراية (1 / 234) وقال: " غريب " يعني لا أصل له، ثم قال: تكلم الطحاوي في شرح الآثار ههنا كلاما حسنا ملخصه أنه قال: يظهر من مجموع الأحاديث أن وقت العشاء حين يطلع الفجر وذلك أن ابن عباس وأ هَذَا، وَقَدْ قَسَّمَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ الْوَقْتَ إِلَى اخْتِيَارِيٍّ، وَضَرُورِيٍّ، وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (أَوْقَاتُ الصَّلاَةِ) . صَلاَةُ فَاقِدِ الْعِشَاءِ: 20 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ سَبَبَ وُجُوبِ الصَّلاَةِ الْمَفْرُوضَةِ هُوَ الْوَقْتُ، وَذَكَرُوا حُكْمَ مَنْ لاَ يَأْتِيَ عَلَيْهِمُ الْعِشَاءُ فِي بَعْضِ أَيَّامِ السَّنَةِ أَوْ كُلِّهَا، هَل تَجِبُ عَلَيْهِمْ صَلاَةُ الْعِشَاءِ أَمْ لاَ؟ وَإِذَا وَجَبَتْ فَكَيْفَ يُؤَدُّونَهَا؟ فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ تَجِبُ عَلَيْهِمْ صَلاَةُ الْعِشَاءِ وَيُقَدِّرُونَ وَقْتَهَا قَدْرَ مَا يَغِيبُ الشَّفَقُ بِأَقْرَبِ الْبِلاَدِ إِلَيْهِمْ. وَفِي رَأْيٍ عِنْدَ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّ مَنْ لاَ يَأْتِي عَلَيْهِ الْعِشَاءُ لاَ يُكَلَّفُ بِصَلاَتِهَا لِعَدَمِ سَبَبِ وُجُوبِهَا (1) . وَلِلتَّفْصِيل يُنْظَرُ مُصْطَلَحَ: (أَوْقَاتُ الصَّلاَةِ) . تَأْخِيرُ صَلاَةِ الْعِشَاءِ: 21 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْحَنَفِيَّةُ، __________ (1) ابن عابدين 1 / 241، والاختيار 1 / 39، ومغني المحتاج 1 / 124، والفواكه الدواني 1 / 198، والمغني لابن قدامة 1 / 384. وَالْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ - إِلَى أَنَّ تَأْخِيرَ الْعِشَاءِ مُسْتَحَبٌّ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْل (1) ، قَال الزَّيْلَعِيُّ: قَدْ وَرَدَ فِي تَأْخِيرِ الْعِشَاءِ أَخْبَارٌ كَثِيرَةٌ صِحَاحٌ. وَهُوَ مَذْهَبُ أَكْثَرِ أَهْل الْعِلْمِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ (2) ، وَمِنَ الأَْحَادِيثِ الَّتِي يَسْتَدِلُّونَ بِهَا عَلَى اسْتِحْبَابِ تَأْخِيرِ الْعِشَاءِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأََمَرْتُهُمْ أَنْ يُؤَخِّرُوا الْعِشَاءَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْل أَوْ نِصْفِهِ (3) . وَقَيَّدَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ اسْتِحْبَابَ تَأْخِيرِ الْعِشَاءِ بِالشِّتَاءِ، أَمَّا الصَّيْفُ فَيُنْدَبُ تَعْجِيلُهَا عِنْدَهُمْ (4) . وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الأَْفْضَل لِلْفَذِّ وَالْجَمَاعَةِ الَّتِي لاَ تُنْتَظَرُ غَيْرُهَا تَقْدِيمُ الصَّلَوَاتِ، وَلَوْ عِشَاءً فِي أَوَّل وَقْتِهَا الْمُخْتَارِ __________ (1) ابن عابدين 1 / 246 والبدائع 1 / 124، ومغني المحتاج 1 / 126، والمجموع 3 / 40، والمغني لابن قدامة 1 / 393. (2) الزيلعي 1 / 84. (3) حديث: " لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل أونصفه ". أخرجه الترمذي (سنن الترمذي 1 / 310 - 312 ط دار الكتب العلمية) وابن ماجه (سنن ابن ماجه 1 / 226 ط الحلبي) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - وقال الترمذي: حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح، وأخرجه أحمد بن حنبل (2 / 250، ط الميمنية) بلفظ مقارب ورواه الحاكم في المستدرك (1 / 146 ط دار الكتاب العربي) وفيه (إلى نصف الليل) بغير شك وصححه وأقره الذهبي. (4) ابن عابدين 1 / 246. بَعْدَ تَحَقُّقِ دُخُولِهِ (1) ، وَلاَ يَنْبَغِي تَأْخِيرُ الْعِشَاءِ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْل إِلاَّ لِمَنْ يُرِيدُ تَأْخِيرَهَا لِشُغْلٍ مُهِمٍّ، كَعَمَلِهِ فِي حِرْفَتِهِ، أَوْ لأَِجْل عُذْرٍ، كَمَرَضٍ وَنَحْوِهِ. لَكِنْ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُؤَخِّرَهَا أَهْل الْمَسَاجِدِ قَلِيلاً لاِجْتِمَاعِ النَّاسِ (2) ، وَأَفْضَلِيَّةُ تَقْدِيمِ الصَّلَوَاتِ لأَِوَّل وَقْتِهَا وَلَوْ عِشَاءً هُوَ - أَيْضًا - قَوْلٌ آخَرُ لِلشَّافِعِيَّةِ. قَال النَّوَوِيُّ: وَالأَْصَحُّ مِنَ الْقَوْلَيْنِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا أَنَّ تَقْدِيمَهَا أَفْضَل، ثُمَّ قَال: وَتَفْضِيل التَّأْخِيرِ أَقْوَى دَلِيلاً (3) . كَرَاهَةُ النَّوْمِ قَبْل صَلاَةِ الْعِشَاءِ وَالْحَدِيثِ بَعْدَهَا: 22 - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ النَّوْمُ قَبْل صَلاَةِ الْعِشَاءِ وَالْحَدِيثُ بَعْدَهَا (4) لِمَا رَوَاهُ أَبُو بَرْزَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَال: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا، وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا (5) قَال __________ (1) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي 1 / 180. (2) الفواكه الدواني 1 / 197. (3) مغني المحتاج 1 / 125، 126، والمجموع للنووي 3 / 57. (4) تبيين الحقائق للزيلعي 1 / 84، والفواكه الدواني للنفراوي 1 / 197، والمجموع للنووي 3 / 42، وما بعدها. (5) حديث أبي برزة الأسلمي: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكره النوم قبلها والحديث بعدها ". أخرجه البخاري (فتح الباري 2 / 73 ط السلفية) ومسلم (1 / 447 ط. الحلبي) والترمذي (سنن الترمذي 1 / 312 - 313 ط دار الكتب العلمية) . النَّفْرَاوِيُّ: الْحَدِيثُ بَعْدَهَا أَشَدُّ كَرَاهَةً مِنَ النَّوْمِ قَبْلَهَا (1) . وَالدَّلِيل عَلَى كَرَاهَةِ النَّوْمِ قَبْلَهَا: هُوَ خَشْيَةُ فَوْتِ وَقْتِهَا، أَوْ فَوْتِ الْجَمَاعَةِ فِيهَا (2) . لَكِنِ الْحَنَفِيَّةُ قَالُوا: إِذَا وَكَّل لِنَفْسِهِ مَنْ يُوقِظُهُ فِي وَقْتِهَا فَمُبَاحٌ لَهُ النَّوْمُ، كَمَا نَقَلَهُ الزَّيْلَعِيُّ عَنِ الطَّحَاوِيِّ (3) . وَكَرِهَ الْمَالِكِيَّةُ النَّوْمَ قَبْل صَلاَةِ الْعِشَاءِ وَلَوْ وَكَّل مَنْ يُوقِظُهُ؛ لاِحْتِمَال نَوْمِ الْوَكِيل أَوْ نِسْيَانِهِ فَيَفُوتُ وَقْتُ الاِخْتِيَارِ (4) . أَمَّا كَرَاهَةُ الْحَدِيثِ بَعْدَ صَلاَةِ الْعِشَاءِ: فَلأَِنَّهُ رُبَّمَا يُؤَدِّي إِلَى سَهَرٍ يَفُوتُ بِهِ الصُّبْحُ، أَوْ لِئَلاَّ يَقَعَ فِي كَلاَمِهِ لَغْوٌ، فَلاَ يَنْبَغِي خَتْمُ الْيَقَظَةِ بِهِ، أَوْ لأَِنَّهُ يَفُوتُ بِهِ قِيَامُ اللَّيْل لِمَنْ لَهُ بِهِ عَادَةٌ؛ وَلِتَقَعَ الصَّلاَةُ الَّتِي هِيَ أَفْضَل الأَْعْمَال خَاتِمَةُ عَمَلِهِ وَالنَّوْمُ أَخُو الْمَوْتِ، وَرُبَّمَا مَاتَ فِي نَوْمِهِ (5) . وَهَذَا إِذَا كَانَ الْحَدِيثُ لِغَيْرِ حَاجَةٍ، أَمَّا إِذَا كَانَ لِحَاجَةٍ مُهِمَّةٍ فَلاَ بَأْسَ. وَكَذَا قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ، وَحَدِيثِ الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمُذَاكَرَةُ الْفِقْهِ وَحِكَايَاتِ الصَّالِحِينَ، وَالْحَدِيثُ مَعَ __________ (1) الفواكه الدواني 1 / 197. (2) الزيلعي 1 / 84، والفواكه الدواني 1 / 197. (3) تبيين الحقائق 1 / 84. (4) الفواكه الدواني للنفراوي 1 / 197. (5) الزيلعي 1 / 84، والفواكه الدواني 1 / 197، والمجموع 3 / 42، ومغني المحتاج 1 / 125. الضَّيْفِ، أَوِ الْقَادِمِ مِنَ السَّفَرِ وَنَحْوِهَا فَلاَ كَرَاهَةَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؛ لأَِنَّهُ خَيْرٌ نَاجِزٌ فَلاَ يُتْرَكُ لِمَفْسَدَةٍ مُتَوَهَّمَةٍ، كَمَا قَال النَّوَوِيُّ (1) وَعَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَال: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْمُرُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ فِي أَمْرٍ مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ وَأَنَا مَعَهُمَا (2) . خَامِسًا - صَلاَةُ الْفَجْرِ: 23 - الْفَجْرُ فِي الأَْصْل هُوَ الشَّفَقُ، وَالْمُرَادُ بِهِ ضَوْءُ الصَّبَاحِ، سُمِّيَ بِهِ لاِنْفِجَارِ الظُّلْمَةِ بِهِ بِسَبَبِ حُمْرَةِ الشَّمْسِ فِي سَوَادِ اللَّيْل. وَالْفَجْرُ فِي آخِرِ اللَّيْل كَالشَّفَقِ فِي أَوَّلِهِ (3) . وَالْفَجْرُ اثْنَانِ: 1 - الْفَجْرُ الأَْوَّل: وَهُوَ الْفَجْرُ الْكَاذِبُ، وَهُوَ الْبَيَاضُ الْمُسْتَطِيل يَبْدُو فِي نَاحِيَةٍ مِنَ السَّمَاءِ وَهُوَ الْمُسَمَّى عِنْدَ الْعَرَبِ بِذَنَبِ السِّرْحَانِ (الذِّئْبِ) ، ثُمَّ يَنْكَتِمُ. وَلِهَذَا يُسَمَّى فَجْرًا كَاذِبًا، لأَِنَّهُ يَبْدُو نُورُهُ، ثُمَّ يَعْقُبُهُ الظَّلاَمُ __________ (1) المجموع 3 / 42. (2) الزيلعي 1 / 84، وانظر المراجع السابقة وحديث عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: " كان النبي صلى الله عليه وسلم يسمر مع أبي بكر في أمر من أمور المسلمين وأنا معهما ". أخرجه الترمذي (سنن الترمذي 1 / 315. ط دار الكتب العلمية) وحسنه ورواه أحمد في المسند (1 / 25 - 26 ط الميمنية) مطولا. (3) القرطبي 2 / 28، والمصباح المنير ولسان العرب ومتن اللغة وكشاف القناع 1 / 255. 2 - الْفَجْرُ الثَّانِي أَوِ الْفَجْرُ الصَّادِقُ: وَهُوَ الْبَيَاضُ الْمُسْتَطِيرُ الْمُعْتَرِضُ فِي الأُْفُقِ، لاَ يَزَال يَزْدَادُ نُورُهُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَيُسَمَّى هَذَا فَجْرًا صَادِقًا؛ لأَِنَّهُ إِذَا بَدَا نُورُهُ يَنْتَشِرُ فِي الأُْفُقِ (1) وَفِي الْحَدِيثِ: لاَ يَمْنَعَنَّكُمْ مِنْ سَحُورِكُمْ أَذَانُ بِلاَلٍ وَلاَ الْفَجْرُ الْمُسْتَطِيل، وَلَكِنِ الْفَجْرُ الْمُسْتَطِيرُ فِي الأُْفُقِ (2) . قَال النَّوَوِيُّ: وَالأَْحْكَامُ كُلُّهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِالْفَجْرِ الثَّانِي، فَبِهِ يَدْخُل وَقْتُ صَلاَةِ الصُّبْحِ، وَيَخْرُجُ وَقْتُ الْعِشَاءِ، وَيُحَرَّمُ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ عَلَى الصَّائِمِ، وَبِهِ يَنْقَضِي اللَّيْل وَيَدْخُل النَّهَارُ (3) . وَيُطْلَقُ الْفَجْرُ عَلَى صَلاَةِ الْفَجْرِ؛ لأَِنَّهَا تُؤَدَّى فِي هَذَا الْوَقْتِ (4) ، وَقَدْ وَرَدَتْ هَذِهِ التَّسْمِيَةُ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ فِي قَوْله تَعَالَى: {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} (5) ، كَمَا وَرَدَتْ تَسْمِيَتُهَا بِالصُّبْحِ __________ (1) المصباح المنير ومتن اللغة، والهداية مع فتح القدير 1 / 192، وبدائع الصنائع في ترتيب الشرائع للكاساني 1 / 122، ومغني المحتاج 1 / 124، والفواكه الدواني 1 / 192، وكشاف القناع 1 / 255 (2) حديث: " لا يمنعنكم من سحوركم أذان بلال ولا الفجر المستطيل، ولكن الفجر المستطير في الأفق " أخرجه مسلم (2 / 769 ط الحلبي) والترمذي واللفظ له (سنن الترمذي 3 / 86 ط دار الكتب العلمية) وأبو داود (سنن أبي داود 2 / 759 ط عزت عبيد الدعاس) (3) المجموع للنووي 3 / 44 (4) الكفاية مع الهداية وفتح القدير 1 / 192 (5) سورة الإسراء الآية 78 وَالْفَجْرِ فِي الأَْحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ، كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الصُّبْحِ رَكْعَةً قَبْل أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ (1) . تَسْمِيَةُ صَلاَةِ الْفَجْرِ بِالْغَدَاةِ: 24 - جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّهُ لاَ تُكْرَهُ تَسْمِيَةُ صَلاَةِ الْفَجْرِ بِالْغَدَاةِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَمُحَقِّقُو الشَّافِعِيَّةِ (2) . وَنَقَل النَّوَوِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ قَوْلَهُ فِي الأُْمِّ: أُحِبُّ أَنْ لاَ تُسَمَّى إِلاَّ بِأَحَدِ هَذَيْنِ الاِسْمَيْنِ (أَيِ الْفَجْرِ وَالصُّبْحِ) ، وَلاَ أُحِبُّ أَنْ تُسَمَّى الْغَدَاةَ. قَال النَّوَوِيُّ: وَهَذَا لاَ يَدُل عَلَى الْكَرَاهَةِ، فَإِنَّ الْمَكْرُوهَ مَا ثَبَتَ فِيهِ نَهْيٌ غَيْرُ جَازِمٍ، وَلَمْ يَرِدْ بَل اشْتُهِرَ اسْتِعْمَال لَفْظِ الْغَدَاةِ فِيهَا فِي الْحَدِيثِ وَكَلاَمِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - لَكِنِ الأَْفْضَل الْفَجْرُ وَالصُّبْحُ (3) . وَذُكِرَ فِي بَعْضِ كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ كَالْمُهَذَّبِ وَغَيْرِهِ كَرَاهَةُ هَذِهِ التَّسْمِيَةِ (4) . __________ (1) حديث: " من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح " أخرجه البخاري (فتح الباري27 / 56. ط السلفية) واللفظ له، ومسلم (صحيح مسلم 1 / 424 ط. الحلبي) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - مرفوعا (2) الفواكه الدواني 1 / 192، ومغني المحتاج 1 / 124، والمجموع 3 / 46، وكشاف القناع 1 / 256 (3) المجموع 3 / 46 (4) المهذب للشيرازي 1 / 60 تَسْمِيَتُهَا بِالصَّلاَةِ الْوُسْطَى: 25 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالصَّلاَةِ الْوُسْطَى فِي قَوْله تَعَالَى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى} (1) صَلاَةُ الْعَصْرِ كَمَا وَرَدَتْ فِي الأَْحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ. وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ - وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيِّ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الأُْمِّ - أَنَّ الصَّلاَةَ الْوُسْطَى هِيَ الْفَجْرُ، حَتَّى إِنَّ الْمَالِكِيَّةَ يُسَمُّونَهَا الْوُسْطَى، قَال النَّفْرَاوِيُّ: لَهَا أَرْبَعَةُ أَسْمَاءٍ: الصُّبْحُ، وَالْفَجْرُ، وَالْوُسْطَى، وَالْغَدَاةُ (2) . وَلِلتَّفْصِيل يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (الصَّلاَةُ الْوُسْطَى) . أَوَّل وَقْتِ الْفَجْرِ وَآخِرُهُ: 26 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ أَوَّل وَقْتِ صَلاَةِ الْفَجْرِ هُوَ طُلُوعُ الْفَجْرِ الثَّانِي أَيِ الْفَجْرِ الصَّادِقِ، وَآخِرُ وَقْتِهَا إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ (3) ، لِقَوْلِهِ: إِنَّ لِلصَّلاَةِ أَوَّلاً وَآخِرًا، وَإِنَّ أَوَّل وَقْتِ الْفَجْرِ حِينَ يَطْلُعُ __________ (1) سورة البقرة - الآية 238 (2) ابن عابدين 1 / 241، والحطاب 1 / 398، 400، والفواكه الدواني 1 / 192، والمجمع 3 / 60، ومغني المحتاج 1 / 124، وكشاف القناع 1 / 256 (3) فتح القدير مع الهداية 1 / 192، والفواكه الدواني 1 / 194، ومغني المحتاج 1 / 124، والمغني لابن قدامة 1 / 385 الْفَجْرُ، وَإِنَّ آخِرَ وَقْتِهَا حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ (1) . وَقَدْ قَسَّمَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ وَقْتَ الْفَجْرِ إِلَى: وَقْتِ اخْتِيَارٍ، وَضَرُورَةٍ، وَغَيْرِهِمَا (2) ، يُنْظَرُ تَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (أَوْقَاتُ الصَّلاَةِ) . الْقِرَاءَةُ فِي الْفَجْرِ: 27 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُسَنُّ فِي صَلاَةِ الْفَجْرِ تَطْوِيل قِرَاءَتِهَا، بِأَنْ يَقْرَأَ فِيهَا طِوَال الْمُفَصَّل (3) قَال أَبُو بَرْزَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى الْمِائَةِ آيَةً (4) قَال الشِّرْبِينِيُّ: وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ: أَنَّ وَقْتَ الصُّبْحِ طَوِيلٌ وَالصَّلاَةُ __________ (1) حديث: " إن للصلاة أولا وآخرا وإن أول وقت الفجر حين يطلع الفجر، وإن آخر وقتها حين تطلع الشمس " أخرجه الترمذي (سنن الترمذي 1 / 283، 284، ط دار الكتب العلمية) وحسنه الأرناؤوط (جامع الأصول 5 / 214 - 215 نشر مكتبة الحلواني) (2) المراجع السابقة، والدسوقي 1 / 189، وحاشية الجمل 1 / 273 (3) طوال المفصل من سورة الحجرات إلى آخر البروج، والمفصل هو السبع السابع من القرآن الكريم سمي بذلك لكثرة فصله بالبسملة (ابن عابدين 1 / 362، 363) (4) حديث أبي هريرة: " كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الفجر ما بين الستين إلى المائة آية " أخرجه البخاري (فتح الباري2 / 251 ط السلفية) ومسلم (صحيح مسلم 1 / 338 - ط الحلبي) واللفظ له رَكْعَتَانِ فَحَسُنَ تَطْوِيلُهُمَا (1) . وَهَذَا فِي الْحَضَرِ. أَمَّا فِي السَّفَرِ فَيَقْرَأُ مَعَ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ أَيَّ سُورَةٍ شَاءَ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ فِي صَلاَةِ الصُّبْحِ فِي سَفَرِهِ بِالْمُعَوِّذَتَيْنِ (2) . وَتَفْصِيل الْمَوْضُوعِ فِي مُصْطَلَحِ: (قِرَاءَة) . مَنْعُ النَّافِلَةِ بَعْدَ صَلاَةِ الْفَجْرِ وَقَبْلَهَا: 28 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي عَدَمِ جَوَازِ صَلاَةِ النَّافِلَةِ بَعْدَ صَلاَةِ الْفَجْرِ إِلَى أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، كَمَا أَنَّ جُمْهُورَ الْفُقَهَاءِ لاَ يُجِيزُونَ التَّنَفُّل قَبْل صَلاَةِ الْفَجْرِ - أَيْضًا - إِلاَّ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ (3) ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ فَلاَ صَلاَةَ إِلاَّ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ (4) . __________ (1) مغني المحتاج 1 / 163، وابن عابدين 1 / 263، والفواكه الدواني 1 / 225 والمغني لابن قدامة 1 / 570 (2) حديث: " أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في صلاة الصبح في سفره بالمعوذتين " أخرجه أبو داود (1 / 152 ط عزت عبيد الدعاس) مطولا، والنسائي (2 / 158 نشر مكتبة المطبوعات الإسلامية) والحاكم في (المستدرك1 / 240 ط دار الكتاب العربي) وصححه ووافقه الذهبي (3) الزيلعي 1 / 87، والحطاب 1 / 416، والمجموع 4 / 164، والمغني 2 / 113، و114 (4) حديث: " إذا طلع الفجر فلا صلاة إلا ركعتي الفجر " أخرجه الطبراني في الأوسط قال الهيثمي: وفيه إسماعيل بن قيس وهو ضعيف (مجمع الزوائد 2 / 218 نشر مكتبة القدسي) وقال المناوي نقلا عن الميزان: له شواهد من حديث ابن عمر أخرجه الترمذي واستغربه وحسنه. فمن أطلق ضعفه كالهيثمي أراد أنه ضعيف لذاته، ومن أطلق حسنه كالمؤلف السيوطي أراد أنه حسن لغيره (فيض القدير1 / 398) وَيُنْظَرُ تَفْصِيل الْمَوْضُوعِ فِي مُصْطَلَحِ: (تَطَوُّع، وَأَوْقَاتُ الصَّلاَةِ) . التَّغْلِيسُ أَوِ الإِْسْفَارُ بِالْفَجْرِ: 29 - يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ التَّغْلِيسَ: أَيْ أَدَاءُ صَلاَةِ الْفَجْرِ بِغَلَسٍ (1) أَفْضَل مِنَ الإِْسْفَارِ بِهَا (2) ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَفْضَل الأَْعْمَال الصَّلاَةُ فِي أَوَّل وَقْتِهَا (3) . وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: نُدِبَ تَأْخِيرُ الْفَجْرِ إِلَى الإِْسْفَارِ (4) ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: أَسْفِرُوا بِالْفَجْرِ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلأَْجْرِ (5) قَال __________ (1) الغلس: هو اختلاط ضياء الصبح بظلمة الليل (الفواكه الدواني 1 / 193، 194) (2) الفواكه الدواني 1 / 193، ومغني المحتاج 1 / 125، 126، وكشاف القناع 1 / 256، والمغني لابن قدامة 1 / 394، 395 (3) حديث: " أفضل الأعمال الصلاة في وقتها " أخرجه أبو داود (سنن أبي داود 1 / 296 320 ط عزت عبيد الدعاس) والترمذي (سنن الترمذي 1 / 319 - 320 ط دار الكتب العلمية) من حديث أم فروة - رضي الله عنها - بلفظ " سئل النبي صلى الله عليه وسلم أي الأعمال أفضل؟ قال: " الصلاة لأول وقتها ". وقال الترمذي: هذا حديث غريب حسن (4) تبيين الحقائق للزيلعي 1 / 82 (5) حديث: " أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر " أخرجه أبو داود (سنن أبي داود 1 / 294، ط عزت عبيد الدعاس) والنسائي (سنن النسائي 1 / 272، نشر مكتب المطبوعات الإسلامية) والترمذي (سنن الترمذي 1 / 289 - 290 ط. دار الكتب العلمية) واللفظ له من حديث رافع بن خديج مرفوعا. قال: حديث رافع بن خديج حديث حسن صحيح الزَّيْلَعِيُّ: وَلاَ يُؤَخِّرُهَا بِحَيْثُ يَقَعُ الشَّكُّ فِي طُلُوعِ الشَّمْسِ، بَل يُسْفِرُ بِهَا بِحَيْثُ لَوْ ظَهَرَ فَسَادُ صَلاَتِهِ يُمْكِنُهُ أَنْ يُعِيدَهَا فِي الْوَقْتِ بِقِرَاءَةٍ مُسْتَحَبَّةٍ (1) . وَيُسْتَثْنَى مِنَ الإِْسْفَارِ صَلاَةُ الْفَجْرِ بِمُزْدَلِفَةَ يَوْمَ النَّحْرِ، حَيْثُ يُسْتَحَبُّ فِيهَا التَّغْلِيسُ عِنْدَ الْجَمِيعِ (2) . وَتَفْصِيل الْمَوْضُوعِ فِي مُصْطَلَحِ: (أَوْقَاتُ الصَّلاَةِ ف 15) . الْقُنُوتُ فِي صَلاَةِ الْفَجْرِ: 30 - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْقُنُوتِ فِي الصُّبْحِ. قَال الْمَالِكِيَّةُ: وَنُدِبَ قُنُوتٌ سِرًّا بِصُبْحٍ فَقَطْ دُونَ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ قَبْل الرُّكُوعِ، عَقِبَ الْقِرَاءَةِ بِلاَ تَكْبِيرٍ قَبْلَهُ (3) . وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يُسَنُّ الْقُنُوتُ فِي اعْتِدَال ثَانِيَةِ الصُّبْحِ، يَعْنِي بَعْدَ مَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، وَلَمْ يُقَيِّدُوهُ بِالنَّازِلَةِ. وَقَال الْحَنَفِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ: لاَ قُنُوتَ فِي صَلاَةِ الْفَجْرِ إِلاَّ فِي النَّوَازِل (4) وَذَلِكَ لِمَا رَوَاهُ __________ (1) تبيين الحقائق 1 / 82 (2) جواهر الإكليل 1 / 51، وحاشية الدسوقي 1 / 248 (3) مغني المحتاج 1 / 166، والقليوبي 1 / 157 (4) الهداية مع فتح القدير 1 / 378، 379، والمغني لابن قدامة 2 / 154، 155، وحاشية ابن عابدين 1 / 451 ابْنُ مَسْعُودٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَنَتَ شَهْرًا يَدْعُو عَلَى أَحْيَاءٍ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ ثُمَّ تَرَكَهُ (1) ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: - أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لاَ يَقْنُتُ فِي صَلاَةِ الصُّبْحِ إِلاَّ أَنْ يَدْعُو لِقَوْمٍ أَوْ عَلَى قَوْمٍ (2) وَمَعْنَاهُ أَنَّ مَشْرُوعِيَّةَ الْقُنُوتِ فِي الْفَجْرِ مَنْسُوخَةٌ فِي غَيْرِ النَّازِلَةِ. هَذَا وَفِي أَلْفَاظِ الْقُنُوتِ وَكَيْفِيَّتِهِ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (قُنُوت) . __________ (1) حديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت شهرا يدعو على أحياء من أحياء العرب ثم تركه " أخرجه مسلم (1 / 469، ط الحلبي) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، وابن حبان (الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان 3 / 220 ط. دار الكتب العلمية) (2) حديث أبي هريرة رضي الله عنه " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يقنت في صلاة الصبح إلا أن يدعو لقوم أو على قوم " أخرجه ابن حبان كما في نصب الراية (2 / 130 نشر المجلس العلمي) ورواه ابن خزيمة في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يقنت إلا أن يدعو لأحد أو يدعو على أحد " (صحيح ابن خزيمة 1 / 313 - 314 نشر المكتب الإسلامي) |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
* ومن السنة أن يقرأ في الصلوات الخمس ما يلي:
1 - صلاة الفجر: يقرأ فيها بعد الفاتحة في الركعة الأولى بطوال المفصل (ق) ونحوها، وأحياناً يقرأ بأوساط وقصار المفصل كـ (إذا الشمس كورت ... ) و (إذا زلزلت ... ) ونحوهما، وأحيانا يقرأ بأطول من ذلك، يطول في الركعة الأولى، ويقصر في الثانية، يصليها يوم الجمعة بـ (ألم تنزيل ... ) السجدة في الركعة الأولى، وفي الثانية بسورة (الإنسان). 2 - صلاة الظهر: يقرأ في الركعتين الأوليين بعد الفاتحة سورة في كل ركعة، يطول في الأولى ما لا يطول في الثانية، وأحياناً يطيل القراءة، وأحياناً يقرأ من قصار السور، ويقرأ في الركعتين الأخيرتين بعد الفاتحة أقصر من الأوليين، قدر خمس عشرة آية، وأحياناً يقتصر على الفاتحة في الأخيرتين، ويسمعهم الإمام الآية أحياناً. 3 - صلاة العصر: يقرأ في الركعتين الأوليين بعد الفاتحة سورة في كل ركعة، يطول في الأولى ما لا يطول في الثانية، ففي الأوليين من الظهر قدر ثلاثين آية في الركعتين، وفي الأوليين من العصر قدر خمس عشرة آية في الركعتين، ويجعل الركعتين الأخيرتين من العصر على النصف من الأوليين، ويقرأ فيهما بفاتحة الكتاب، ويسمعهم الإمام الآية أحياناً. 4 - صلاة المغرب: يقرأ فيها أحيانا بعد الفاتحة بقصار المفصل، وأحياناً بطوال المفصل وأوساطه، وأحياناً يقرأ في الركعتين بـ (الأعراف)، وتارة بـ (الأنفال) في الركعتين. 5 - صلاة العشاء: يقرأ في الركعتين الأوليين بعد الفاتحة من وسط المفصل، والمفصل من (ق إلى آخر القرآن)، وطوال المفصل من (ق إلى عم)، وأوساط المفصل من (عم إلى الضحى)، وقصار المفصل من (الضحى إلى الناس)، والمفصل أربعة أجزاء وشيء. * ثم إذا فرغ من القراءة سكت سكتة، ثم يرفع يديه حذو منكبيه، أو حذو أذنيه، ويقول: (الله أكبر) ويركع، ويضع كفيه على ركبتيه، كأنه قابض عليهما، ويفرّج بين أصابعه، ويُجافي مرفقيه عن جنبيه، ويبسط ظهره، ويجعل رأسه حيال ظهره، ويطمئن في ركوعه، ويعظم فيه ربه. |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
* أحوالهم: لهم خمس حالات:
1 - أن يُعلم المتأخر منهم بعينه فيرث من المتقدم ولا عكس. 2 - أن يُعلم موتهم جميعاً دفعة واحدة فلا توارث بينهم. 3 - أن يُجهل كيف وقع الموت، هل كان مرتباً؟ أو دفعة واحدة؟ فلا توارث بينهم. 4 - أن يُعلم أن موتهم مرتب، ولكن لا نعلم عين المتأخر منهم فلا توارث بينهم. 5 - أن يُعلم المتأخر ثم يُنسى فلا توارث بينهم. ففي هذه المسائل الأربع الأخيرة لا توارث بينهم، وعليه فيكون مال كل واحد منهم لورثته الأحياء فقط دون من مات معه. |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
* المحرم من الرضاع خمس رضعات في الحولين:
فإذا أرضعت المرأة الطفل خمس رضعات قبل استكمال الحولين صار ولدها وولد زوجها، ومحارم الزوج محارمه، ومحارم المرضعة محارم للمرتضع، وأولادهما إخوانه، أما أبوي المرتضع وأصولهما وفروعهما فلا تنتشر الحرمة عليهم، فيجوز لإخوته من الرضاع أن يتزوجوا بأخواته من النسب وبالعكس. |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
فالخمس التي فيها حكومة هي:
1 - الحارصة: وهي تحرص الجلد وتشقه ولا تظهر منه دم. 2 - البازلة: وهي التي يسيل منها الدم القليل. 3 - الباضعة: وهي التي تشق اللحم. 4 - المتلاحمة: وهي الغائصة في اللحم. 5 - السمحاق: وهي التي بينها وبين العظم قشرة رقيقة تسمى السمحاق. * هذه الشجاج الخمس المتقدمة ليس فيها دية مقدرة بل فيها حكومة. والحكومة: أن يقوّم المجني عليه كأنه عبد لا جناية به، ثم يقوّم وهي به قد برئت، فما نقص من القيمة فله مثل نسبته من الدية، ويجتهد الحاكم في تقديرها. |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
وأما الخمس التي فيها مقدر شرعي فهي:
6 - الموضحة: وهي التي وصلت إلى العظم وأوضحته، وديتها المقدرة شرعاً: خمس من الإبل. 7 - الهاشمة: وهي التي توضح العظم وتهشمه، وفيها عشر من الإبل. 8 - المُنَقِّلَة: وهي التي توضح العظم وتهشمه وتنقله، وفيها خمس عشرة من الإبل. 9 - المأمومة: وهي التي تصل إلى جلدة الدماغ، وفيها ثلث الدية. 10 - الدامغة: وهي التي تخرق جلدة الدماغ، وفيها ثلث الدية أيضاً. * إذا كان الجرح في سائر البدن، فإن بلغ الجوف ففيه ثلث الدية، وإن لم يبلغ الجوف ففيه خصومة. * الجائفة: هي الجرح الذي يصل إلى باطن الجوف، أو الظهر، أو الصدر، أو الحلق ونحوها، وفيها ثلث الدية. |
تاريخ دولة آل سلجوق
|
البلد بسياسته، وتمت الحماية بحميته. وورد في آخر شهر ربيع الأول الوزير أبو العلاء محمد بن الحسين، وعليه خلع سلطانية، وكان قد نبه السلطان إلى خدمة الخليفة لتقوية ما توهمه من الأسباب الضعيفة. وخصه بالحب والحباء، ولقبه بوزير الوزراء، وأقطعه النصف من إقطاع الوزير فخر الدولة ابن جهير.
فلما وصل تقدم الخليفة بأن لا يستقبل، ولا يحتفل به إذا أقبل ولا يقبل، فلما انتهى إلى باب النوبي، نزل وقبل الأرض وانصرف. ولم يرض للقبول وما تصرف. وأقام ببغداد أياما ثم رحل، وحل بالحلة المزيدية مستزيدا، وصرف أخوه أبو المعاني عن الحجية، فعاد بعد أن كان حاجبا قريبا محجوبا بعيدا. وفي صفر من هذه السنة توجه عميد الدولة أبو منصور ابن الوزير بخلع أمامية إلى ألب أرسلان بنيسابور، ووكل في تزويج المقتدي ببنت ألب أرسلان المنعوتة بخاتون السفرية. فسفر وجه وجاهته بهذه السفرة الصفرية. فلما وصل تلقى بالعظماء واستقبل وتقدم بإنزاله في المرتبة الكبيرة، وترتيب الأنزال الكثيرة، وعقد العقد للمقتدي على بنت السلطان في أسعد ساعة، وأحسن عادة. وكان يوما مشهودا أزهر، قد نثر فيه الملوك الجوهر. ولما عاد عميد الدولة جعل على أصفهان العبور، فلقى من ملكشاه ولد السلطان الحب والحباء والحبور. وأفاض عليه الخلع الإمامية فلبسها، وأحكم عنده قواعد الأمور في العواقب وأسسها. وكان ملكشاه قد عاد من شيراز وهو سائر إلى والده، وورد المملكة منه ظمآن إلى وارده. وعاد عميد الدولة إلى بغداد في ثامن عشر ذي الحجة، بادي الحجة، هادي المحجة. ذكر وفاة ألب أرسلان في سنة خمس وستين وأربعمائة قال: في أول هذه السنة توجه السلطان ألب أرسلان لقصد بلاد الترك، وقد كملت له أسباب الملك، في أكثر من مائتي ألف فارس، ومد على جيحون 1جسرا، كما خط الكاتب على الطرس سطرا، وكانت مدة عبور العسكر عليه شهرا. وكان قد قصده شمس الملك تكين بن طفقاج، والإقبال قد بلغ الكمال وأوضح المنهاج. وأنه في سادس شهر ربيع الأول، بكر وهو في الصدر الأرحب والباع الأطول والكمال __________ جيحون: اسم نهر. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
ابتداع المأمون التكبير عقب الصلوات الخمس (ثلاث تكبيرات).
216 رمضان - 831 م كتب المأمون إلى نائبه ببغداد إسحاق بن إبراهيم أن يأخذ الجند بالتكبير إذا صلوا الجمعة، وبعد الصلوات الخمس إذا قضوا الصلاة أن يصيحوا قياماً ويكبروا ثلاث تكبيرات، ففعل ذلك في شهر رمضان فقال الناس: هذه بدعة ثالثة. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
أسر (عبدالقادر الجزائري) بعد أن هزم الآليات الفرنسية هزائم متلاحقة، وسيق إلى قلعة (أمبوزا) بمدينة طولون الفرنسية وظل حبيسا مدة خمس سنوات.
1264 محرم - 1847 م بدأ الأمير عبدالقادر الجزائري سياسة جديدة في حركته، واستطاع أن يحقق بعض الانتصارات، ولكن فرنسا دعمت قواتها بسرعة، فلجأ مرة ثانية إلى بلاد المغرب، وعلى الرغم من انتصار الأمير عبد القادر على جيش الاستطلاع الفرنسي، إلا أن المشكلة الرئيسية أمام الأمير هي الحصول على سلاح لجيشه، ومن ثم أرسل لكل من بريطانيا وأمريكا يطلب المساندة والمدد بالسلاح في مقابل إعطائهم مساحة من سواحل الجزائر: كقواعد عسكرية أو لاستثمارها، وبمثل ذلك تقدم للعرش الإسباني ولكنه لم يتلقَّ أي إجابة، وأمام هذا الوضع اضطر في النهاية إلى التفاوض مع القائد الفرنسي الجنرال لامور يسيار على الاستسلام على أن يسمح له بالهجرة إلى الإسكندرية أو عكا ومن أراد من أتباعه، وتلقى وعدًا زائفًا بذلك فاستسلم في 23 ديسمبر 1847م = أول محرم 1264هـ، ورحل على ظهر إحدى البوارج الفرنسية، وإذ بالأمير يجد نفسه بعد ثلاثة أيام في ميناء طولون ثم إلى إحدى السجون الحربية الفرنسية، وهكذا انتهت دولة الأمير عبد القادر، وقد خاض الأمير خلال هذه الفترة من حياته حوالي 40 معركة مع الفرنسيين والقبائل المتمردة. ظل الأمير عبد القادر في سجون فرنسا يعاني من الإهانة والتضييق حتى عام 1852م ثم استدعاه نابليون الثالث بعد توليه الحكم، ثم رحل إلى الشرق براتب من الحكومة الفرنسية. توقف في إستانبول حيث السلطان عبد المجيد، والتقى فيها بسفراء الدول الأجنبية، ثم استقر به المقام في دمشق منذ عام 1856 م وفيها أخذ مكانه بين الوجهاء والعلماء، وقام بالتدريس في المسجد الأموي كما قام بالتدريس قبل ذلك في المدرسة الأشرفية، وفي المدرسة الحقيقية. وفي عام 1276هـ /1860 م تحركت شرارة الفتنة بين المسلمين والمسيحيين في منطقة الشام، وكان للأمير دور فعال في حماية أكثر من 15 ألف من المسيحيين، إذ استضافهم في منازله. ثم وافاه الأجل بدمشق في منتصف ليلة 19 رجب 1300هـ / 24 مايو 1883م عن عمر يناهز 76 عامًا، وقد دفن بجوار الشيخ ابن عربي بالصالحية بدمشق. ثم بعد استقلال الجزائر نقلت جثمانه إلى الجزائر عام 1965م. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
ليبيد وأصلان يوقعان إعلاناً، يرجئ تحديد وضع الشيشان لمدة خمس سنوات، وينهي 20 شهراً من الحرب ..
1417 ربيع الثاني - 1996 م عندما أعيت المقاومة الشيشانية القوات الروسية، لجأ الرئيس الروسي بوريس يلتسين إلى جنراله ألكسندر ليبيد من أجل التوصل لتسوية سياسية، تنهي عجلة الحرب هناك بأقل خسائر ممكنة. ففي يوم 31 أغسطس 1996م، وبعد مفاوضات مع ألكسندر ليبيد، سكرتير مجلس الأمن الروسي السابق، وقع أصلان مسخادوف ما يُعرف باتفاقيات "خسف يورت"، التي كان يُفترض أن توقف القتال ضد القوات الروسية. وتبعت ذلك اتفاقية على المبادئ المنظمة للعلاقات بين جمهورية روسيا الاتحادية وجمهورية الشيشان، وقعها مسخادوف يوم 23 نوفمبر 1996م. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سَنَة خَمْس عَشْرَة
في أولها افْتَتَحَ شُرَحْبِيل بْن حَسَنة الأردن كلها عنوة إلا طبرية؛ فإنهم صالحوه، وذلك بأمر أبي عبيدة. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سَنَة خَمسْ وَعِشرْين
فيها عزل عثمان سعدًا عَنِ الكوفة واستعمل عليها الوليد بْن عقبة بْن أبي مُعَيْط بْن أبي عَمْرو بْن أُميَّة الأُمَويّ، أخو عثمان لأُمّه، كنيته أَبُو وهْب، له صُحْبة ورواية. رَوَى عَنْهُ: أَبُو موسى الهمداني، والشعبي. قَالَ طارق بْن شِهاب: لما قدِم الوليد أميرًا أتاه سعد، فَقَالَ: أكِسْتَ بعدي أو استحمقتُ بعدَك؟ قَالَ: مَا كِسْنا ولا حَمِقْتَ، ولكنّ القومَ استأثروا عليك بسُلطانهم. وهذا ممّا نقموا على عثمان كوْنه عزل سعْدًا وولى الوليد بن عقبة، فذكر حضين بْن المُنْذِر أنّ الوليد صلّى بهم الفجر أربعًا وهو سَكْران، ثمّ التفت وَقَالَ: أزِيدُكم! ويقال: فيها سار الجيش من الكوفة عليهم سَلْمان بْن ربيعة إلى بَرْذَعَة، فقتل وسَبَى. وفيها انتقض أهل الإسكندرية، فغزاهم عَمْرو بْن العاص أمير مصر وسَبَاهم، فردّ عثمانُ السَّبْيَ إلى ذِمَّتهم، وكان ملك الروم بعث إليها منويل الخَصِيّ في مراكب فانتقض أهلُها - غير المقوقس - فغزاهم عمرو في ربيع الأول، فافتتحها عَنْوةً غير المدينة فإنّها صُلْح. وفيها عزل عثمان عَمْرًا عَنْ مصر، واستعمل عليها عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ. والصحيح أنّ ذلك في سنة سبعٍ وعشرين. واستأذن ابُن أبي سَرْح عثمان في غزْو إفريقية فأَذِنَ له. ويقال: فيها ولد يزيد بْن معاوية. وحج بالنّاس عثمان رضي الله عنه. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سَنَة خَمسْ وَثَلَاثيْن
فيها غزوة ذي خُشُب وأمير المُسْلِمين عليها معاوية. وفيها حجّ بالنّاس وأقام الموسمَ عبدُ الله بْن عباس. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة خمس وأربعين
فيها تُوُفِّيَ: زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ عَلَى الصَّحِيحِ. وَعَاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ. وَالْمُسْتَوْرِدُ بْنُ شَدَّادٍ الْفِهْرِيُّ. وَسَلَمَةُ بْنُ سَلَامَةَ بْنِ وَقْشٍ. وَحَفْصَةُ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ بِخُلْفٍ. وَأَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ. وَفِيهَا عَزَلَ مُعَاوِيَةُ: عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرٍ عَنِ الْبَصْرَةِ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا الْحَارِثَ بْنَ عَمْرٍو الْأَزْدِيَّ، ثُمَّ عزل عن قريب، وولي عليها زياد بن أبيه، فبادر زياد وَقُتِلَ سَهْمُ بْنُ غَالِبٍ الْهُجَيْمِيُّ الَّذِي كَانَ قَدْ خَرَجَ فِي أَوَّلِ إِمْرَةِ مُعَاوِيَةَ وَصَلَبَهُ. وَفِيهَا غَزَا مُعَاوِيَةُ بْنُ حُدَيْجٍ إِفْرِيقِيَّةَ. وَفِيهَا سَارَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سِوَارٍ الْعَبْدِيُّ فَافْتَتَحَ الْقَيْقَانَ وَغَنِمَ وَسَلِمَ. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سَنَة خمس وخمسين.
فِيهَا تُوُفِّيَ: زيد بن ثابت في قول المدائني. وسعد بن أَبِي وقاص، على الأصح. والأرقم بن أَبِي الأرقم، في قول. وأَبُو اليسر كعب بن عمرو السلمي. وَفِيهَا عزل عَن الْبَصْرَةِ عبد اللَّه الثقفي، ووليها عُبيد اللَّه بن زياد. وَفِيهَا غزا يزيد بن شجرة الرَهاوي، فقُتل، وقيل: لَمْ يُقْتل، إِنَّمَا قُتِلَ في سَنَة ثمان وخمسين. وأقام الحج مروان بن الحكم. وشتى بأرض الروم مالك بن عَبْد اللَّهِ. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سَنَةِ خَمْسٍ وَسِتِّينَ
تُوُفِّيَ فِيهَا أُسَيْدُ بْنُ ظُهَيْرٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَمَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ، وَسُلَيْمَان بْنُ صُرَدَ، وَالْمُسَيَّبُ بْنُ نَجَبَةَ، وَمَالِكُ بْنُ هُبَيْرَةَ السُّكُونِيُّ - وَلَهُ صُحْبَةٌ - وَالنُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ فِي أَوَّلِ سَنَةٍ - وَقِيلَ: فِي آخِرِ سَنَةِ أَرْبَعٍ - وَالْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْهَمْدَانِيُّ الْأَعْوَرُ. -[599]- وَلَمَّا انْقَضَتْ وَقْعَةُ مَرْجِ رَاهِطٍ فِي أَوَّلِ السَّنَةِ بَايَعَ أَكْثَرُ أَهْلِ الشَّامِ لِمَرْوَانَ، فَبَقِيَ تِسْعَةُ أَشْهُرٍ وَمَاتَ، وَعَهِدَ إِلَى ابْنِهِ عَبْدِ الْمَلِكِ. وَفِيهَا دَخَلَ الْمُهَلَّبُ بْنُ أَبِي صُفْرَةَ الْأَزْدِيُّ خُرَاسَانَ أَمِيرًا عَلَيْهَا مِنْ جِهَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَكَلَّمَهُ أَمِيرُهَا الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيُّ فِي قِتَالِ الْأَزَارِقَةِ وَالْخَوَارِجِ، وَأَشَارَ بِذَلِكَ الْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ، وَأَمَدُّوهُ بِالْجُيُوشِ، فَسَارَ وَحَارَبَ الْأَزَارِقَةَ أَصْحَابَ ابْنِ الْأَزْرَقِ، وَصَابَرَهُمْ عَلَى الْقِتَالِ حَتَّى كَسَرَهُمْ، وَقَتَلَ مِنْهُمْ أربعة آلاف وثماني مائة. وَفِيهَا سَارَ مَرْوَانُ بِجُيُوشِهِ إِلَى مِصْرَ، وَقَدْ كَانَ كَاتِبُهُ كُرَيْبُ بْنُ أَبْرَهَةَ وَعَابِسُ بْنُ سَعِيدٍ قَاضِي مِصْرَ، فَحَاصَرَ جَيْشَهُ وَالِي مِصْرَ لِابْنِ الزُّبَيْرِ، فَخَنْدَقَ عَلَى الْبَلَدِ، وَخَرَجَ أَهْلُ مِصْرَ، وَهُوَ الْيَوْمُ الَّذِي يُسَمُّونَهُ يَوْمَ التَّرَاوِيحِ، لِأَنَّ أَهْلَ مِصْرَ كَانُوا يَنْتَابُونَ الْقِتَالَ وَيَسْتَرِيحُونَ، وَاسْتَحَرَّ الْقَتْلَ فِي الْمَعَافِرِ، فَقُتِلَ مِنْهُمْ خَلْقٌ، وَقُتِلَ يَوْمَئِذٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ معدي كَرِبَ الْكَلَاعِيُّ أَحَدُ الْأَشْرَافِ، ثُمَّ صَالَحُوا مَرْوَانَ، فَكَتَبَ لَهُمْ كِتَابًا بِيَدِهِ، وَتَفَرَّقَ النَّاسُ، وَأَخَذُوا فِي دَفْنِ قَتْلَاهُمْ وَفِي الْبُكَاءِ، ثُمَّ تَجَهَّزَ والي مِصْرَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جَحْدَمٍ وَأَسْرَعَ إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَضَرَبَ مَرْوَانُ عُنُقَ ثمانين رَجُلًا تَخَلَّفُوا عَنْ مُبَايَعَتِهِ، وَضَرَبَ عُنُقَ الْأُكَيْدِرِ بْنِ حَمَامٍ اللَّخْمِيِّ سَيِّدِ لَخْمٍ وَشَيْخِهَا فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ، وَكَانَ مَنْ قَتَلَةِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَذَلِكَ فِي نِصْفِ جُمَادِي الْآخِرَةِ يَوْمَ مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَمَا قَدَرُوا يَخْرُجُونَ بِجِنَازَةِ عَبْدِ اللَّهِ، فَدَفَنُوهُ بِدَارِهِ. وَاسْتَوْلَى مَرْوَانُ عَلَى مِصْرَ، وَأَقَامَ بِهَا شَهْرَيْنِ، ثُمَّ اسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا ابْنَهُ عَبْدَ الْعَزِيزِ، وَتَرَكَ عِنْدَهُ أَخَاهُ بِشْرَ بْنَ مَرْوَانَ، وموسى بن نصير وزيرا، وأوصاه بالمبالغة فِي الْإِحْسَانِ إِلَى الْأَكَابِرِ، وَرَجَعَ إِلَى الشَّامِ. وَفِيهَا وَفَدَ الزُّهْرِيُّ عَلَى مَرْوَانَ، قَالَ عَنْبَسَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: وَفَدْتُ عَلَى مَرْوَانَ وَأَنَا مُحْتَلِمٌ. قُلْتُ: وَهَذَا بَعِيدٌ، وَإِنَّمَا الْمَعْرُوفُ وِفَادَتَهُ أَوَّلَ شَيْءٍ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ فِي أَوَاخِرِ إِمَارَتِهِ. وَفِيهَا وَجَّهَ مَرْوَانُ حُبَيْشُ بْنُ دُلْجَةَ الْقَيْنِيَّ فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ إلى المدينة، -[600]- وَقَالَ لَهُ: أَنْتَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مُسْلِمُ بْنُ عُقْبَةَ، فَسَارَ وَمَعَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَكَمِ أَخُو مَرْوَانَ، وَأَبُو الْحَجَّاجُ يُوسُفُ الثَّقَفِيُّ، وَابْنُهُ الْحَجَّاجُ وَهُوَ شَابٌّ، فَجَهَّزَ مُتَوَلِّي الْبَصْرَةِ مِنْ جِهَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ التَّيْمِيُّ جَيْشًا مِنَ الْبَصْرَةِ، فَالْتَقَوْا هُمْ وَحُبَيْشٌ بِالرَّبَذَةِ فِي أَوَّلِ رَمَضَانَ، فَقُتِلَ حُبَيْشُ بْنُ دُلْجَةَ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَكَمِ وَأَكْثَرُ ذَلِكَ الْجَيْشِ، وَهَرَبَ مَنْ بَقِيَ، فَتَخَطَّفَتْهُمُ الْأَعْرَابُ، وَهَرَبَ الْحَجَّاجُ رِدْفَ أَبِيهِ. وَفِيهَا دَعَا ابن الزيبر محمد ابن الحنفية إلى بيعته فَأَبَى عَلَيْهِ، فَحَصَرَهُ فِي شِعْبِ بَنِي هَاشِمٍ في جماعة من بنيه وَشِيعَتِهِ وَتَوَعَّدَهُمْ. وفِيهَا خَرَجَ بَنُو مَاحُوزٍ بِالْأَهْوَازِ وَفَارِسٍ، وَتَقَدَّمَ عَسْكَرُهُمْ، فَاعْتَرَضُوا أَهْلَ الْمَدَائِنِ، فَقَتَلُوهُمْ أجمع، ثُمَّ سَارُوا إِلَى أَصْبَهَانَ، وَعَلَيْهَا عَتَّابُ بْنُ وَرْقَاءَ الرِّيَاحِيُّ، فَقَتَلَ ابْنُ مَاحُوزٍ، وَانْهَزَمَ الْخَوَارِجُ الَّذِينَ مَعَهُ، ثُمَّ أَمَّرُوا عَلَيْهِمْ قَطَرِيَّ بْنَ الفُجَاءَةِ. وَأَمَّا نَجْدَةُ الْحَرُورِيُّ فَإِنَّهُ قَدِمَ فِي الْعَامِ الْمَاضِي فِي جُمُوعِهِ مِنَ الْحَرُورِيَّةِ عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ وَقَاتَلُوا مَعَهُ، فَلَمَّا ذَهَبَ أَهْلُ الشام اجتمعوا بابن الزبير وسألوه ما يقول فِي عُثْمَانَ؟ فَقَالَ: تَعَالَوُا الْعَشِيَّةَ حَتَّى أُجِيبَكُمْ، ثُمَّ هَيَّأَ أَصْحَابَهُ بِالسِّلَاحِ، فَجَاءَتِ الْخَوَارِجُ، فَقَالَ نَافِعُ بْنُ الْأَزْرَقِ لِأَصْحَابِهِ: قَدْ خَشِيَ الرَّجُلُ غَائِلَتَكُمْ، ثُمَّ دَنَا مِنْهُ فَقَالَ: يَا هَذَا، اتَّقِ اللَّهَ وَابْغَضِ الْجَائِرَ، وَعَادِ أَوَّلَ مَنْ سَنَّ الضَّلَالَةَ، وَخَالِفْ حُكْمَ الْكِتَابِ، وَإِنْ خَالَفْتَ فأنت من الذين استمتعوا بخلاقهم طَيِّبَاتِهِمْ فِي حَيَاتِهِمُ الدُّنْيَا. ثُمَّ تَكَلَّمَ خَطِيبُ الْقَوْمِ عَبِيدَةُ بْنُ هِلَالٍ، فَأَبْلَغَ. ثُمَّ تَكَلَّمَ ابْنُ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ فِي آخِرِ مَقَالَتِهِ: أَنَا وَلِيُّ عُثْمَانَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، قَالُوا: فَبَرِئَ اللَّهُ مِنْكَ يَا عَدُوَّ اللَّهِ، فَقَالَ: وَبَرِئَ اللَّهُ مِنْكُمْ يَا أَعْدَاءَ اللَّهِ، فَتَفَرَّقُوا عَلَى مِثْلِ هَذَا وَرَحَلُوا، فَأَقْبَلَ نَافِعُ بْنُ الْأَزْرَقِ الْحَنْظَلِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَفْوَانَ السَّعْدِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنِ إِبَاضٍ، وَحَنْظَلَةُ بْنُ بَيْهَسٍ، وَعَبْدُ الله وعبيد الله والزبير بنو الْمَاحُوزِ الْيَرْبُوعِيُّ، حَتَّى قَدِمُوا الْبَصْرَةَ، وَانْطَلَقَ أَبُو طَالُوتَ وَأَبُو فُدَيْكٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثَوْرٍ وعطية -[601]- الْيَشْكُرِيُّ فَوَثَبُوا بِالْيَمَامَةِ، ثُمَّ اجْتَمَعُوا بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى نَجْدَةَ بْنِ عَامِرٍ الْحَنَفِيِّ الْحَرُورِيِّ. وَلَمَّا رَجَعَ مَرْوَانُ إِلَى دِمَشْقَ إِذَا مُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ قَدْ قَدِمَ فِي عَسْكَرٍ مِنَ الْحِجَازِ يَطْلُبُ فِلَسْطِينَ، فَسَرَّحَ مَرْوَانُ لِحَرْبِهِ عَمْرَو بْنَ سعيد الأشدق فقاتلهم، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُ مُصْعَبٍ. وَوَرَدَ أَنَّ مَرْوَانَ تَزَوَّجَ بِأُمِّ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَجَعَلَهُ وَلِيَّ عَهْدِهِ مِنْ بَعْدِهِ، ثُمَّ بَعْدَهُ عَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ، ثُمَّ لَمْ يَتِمَّ ذَلِكَ. وَفِيهَا بَايَعَ جُنْدُ خُرَاسَانَ سَلْمَ بْنَ زِيَادِ بْنِ أَبِيهِ بَعْدَ مَوْتِ مُعَاوِيَةَ بْنِ يَزِيدَ، وَأَحَبُّوهُ حَتَّى يُقَالُ: سَمَّوْا بِاسْمِهِ تِلْكَ السَّنَةَ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ أَلْفَ مَوْلُودٍ، فَبَايَعُوهُ عَلَى أَنْ يَقُومَ بِأَمْرِهِمْ حَتَّى يَجْتَمِعَ النَّاسُ عَلَى خَلِيفَةٍ، ثُمَّ نَكَثُوا وَاخْتَلَفُوا، فَخَرَجَ سَلْمُ وَتَرَكَ عَلَيْهِمُ الْمُهَلَّبَ بْنَ أَبِي صُفْرَةَ، فَلَقِيَهُ بِنَيْسَابُورَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَازِمٍ السُّلَمِيُّ، فَقَالَ: مَنْ وَلَّيْتَ عَلَى خُرَاسَانَ؟ فَأَخْبَرَهُ، قَالَ: مَا وَجَدْتُ فِي مضر رَجُلًا تَسْتَعْمِلْهُ حَتَّى فَرَّقْتَ خُرَاسَانَ بَيْنَ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ وَأَزْدِ عُمَانَ؟ وَقَالَ: اكْتُبْ لِي عَهْدًا عَلَى خُرَاسَانَ، فَكَتَبَ لَهُ، وَأَعْطَاهُ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَأَقْبَلَ إِلَى مَرْوَ، فَبَلَغَ الْمُهَلَّبَ الْخَبَرُ فَتَهَيَّأَ، وَغَلَبَ ابْنَ خَازِمٍ عَلَى مَرْوَ، ثم سار إِلَى سُلَيْمَان بْنِ مَرْثَدٍ، فَاقْتَتَلُوا أَيَّامًا، فَقُتِلَ سُلَيْمَانُ، ثُمَّ سَارَ ابْنُ خَازِمٍ إِلَى عَمْرِو بْنِ مَرْثَدٍ وَهُوَ بِالطَّالَقَانِ فِي سَبْعِمِائَةٍ، فَبَلَغَ عمرا فَسَارَ إِلَيْهِ، فَالْتَقَوْا فَقُتِلَ عَمْرٌو، وَهَرَبَ أَصْحَابُهُ إِلَى هَرَاةَ وَبِهَا أَوْسُ بْنُ ثَعْلَبَةَ، فَاجْتَمَعَ لَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ وَقَالُوا: نُبَايِعُكَ عَلَى أَنْ تسير إلى ابن خازم فتخرج مُضَرَ مِنْ خُرَاسَانَ كُلِّهَا، فَقَالَ: هَذَا بَغْيٌ، وَأَهْلُ الْبَغْيِ مَخْذُولُونَ، فَلَمْ يُطِيعُوهُ، وَسَارَ إِلَيْهِمُ ابْنُ خَازِمٍ، فَخَنْدَقُوا عَلَى هَرَاةَ، فَاقْتَتَلُوا نَحْوَ سَنَةٍ، وَشَرَعَ ابْنُ خَازِمٍ يَلِينُ لَهُمْ، فَقَالُوا: لَا، إِلَّا أَنْ تُخْرِجَ مُضَرَ مِنْ خُرَاسَانَ، وَإِمَّا أَنْ يَنْزِلُوا عَنْ كُلِّ سِلَاحٍ وَمَالٍ، فَقَالَ ابْنُ خَازِمٍ: وَجَدْتُ إِخْوَانَنَا قَطْعًا لِلرَّحِمِ، قَالَ: قَدْ أَخْبَرْتُكَ أَنَّ رَبِيعَةَ لَمْ تَزَلْ غضابا على ربها مذ بَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مُضَرَ. ثُمَّ كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَوْسٍ بَعْدَ الْحِصَارِ الطَّوِيلِ وَقْعَةٌ هَائِلَةٌ، أَثْخَنَ فِيهَا أَوْسٌ بِالْجَرَّاحَاتِ، وَقُتِلَتْ رَبِيعَةُ قَتْلًا ذَرِيعًا، وَهَرَبَ أَوْسٌ إِلَى سِجِسْتَانَ فَمَاتَ بِهَا، وَقُتِلَ مِنْ جُنْدِهِ يَوْمَئِذٍ مِنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ ثَمَانِيَةُ آلَافٍ، وَاسْتَخْلَفَ ابن -[602]- خَازِمٍ وَلَدَهُ عَلَى هَرَاةَ، وَرَجَعَ إِلَى مَرْوَ. وَفِيهَا سَارَ الْمُخْتَارُ بْنُ أَبِي عُبَيْدِ الثَّقَفِيِّ فِي رَمَضَانَ مِنْ مَكَّةَ، وَمَعَهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَمِيرًا مِنْ قِبَلِ ابْنِ الزُّبَيْرِ عَلَى خَرَاجِ الْكُوفَةِ، فَقَدِمَ الْمُخَتْارُ الْكُوفَةَ وَالشِّيعَةُ قَدِ اجْتَمَعَتْ عَلَى سُلَيْمَان بْنِ صُرَدَ، فَلَيْسَ يَعْدِلُونَ بِهِ، فَجَعَلَ الْمُخْتَارُ يَدْعُوهُمْ إِلَى نَفْسِهِ وَإِلَى الطَّلَبِ بِدَمِ الْحُسَيْنِ، فَتَقُولُ الشِّيعَةُ: هَذَا سُلَيْمَانُ شَيْخُنَا، فَأَخَذَ يَقُولُ لَهْمُ: إِنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ مِنْ قِبَلِ المهدي محمد ابن الْحَنَفِيَّةِ، فَصَارَ مَعَهُ طَائِفَةٌ مِنَ الشِّيعَةِ، ثُمَّ قَدِمَ عَلَى الْكُوفَةُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْخَطْمِيُّ مِنْ قِبَلِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَنَبَّهُوهُ عَلَى أمر الشيعة، وأن نيتهم أن يتوثبوا، فَخَطَبَ النَّاسَ، وَسَبَّ قَتَلَةَ الْحُسَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: ليبشر هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ وَلْيَخْرُجُوا ظَاهِرِينَ إِلَى قَاتِلِ الْحُسَيْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ، فَقَدْ أَقْبَلَ إِلَيْهِمْ، وَأَنَا لَهُمْ عَلَى قِتَالِهِ ظَهِيرٌ، فَقِتَالُهُ أَوْلَى بِكُمْ، فَقَامَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ فَنَقَمَ عَلَيْهِ هَذِهِ الْمَقَالَةَ وَعَابَهَا، فَقَامَ إِلَيْهِ الْمُسَيَّبُ بْنُ نَجَبَةَ فَسَبَّهُ، وَشَرَعُوا يَتَجَهَّزُونَ لِلْخُرُوجِ إِلَى مُلْتَقَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ. وَقَدْ كَانَ سُلَيْمَان بْنُ صُرَدَ الْخُزَاعِيُّ، وَالْمُسَيَّبُ بْنُ نَجَبَةَ الْفَزَارِيُّ؛ وَهُمَا مِنْ شِيعَةِ عَلِيٍّ وَمِنْ كِبَارِ أَصْحَابِهِ، خَرَجَا فِي رَبِيعِ الْآخَرَ يَطْلُبُونَ بِدَمِ الْحُسَيْنِ بِظَاهِرِ الْكُوفَةِ فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ، وَنَادَوْا: يَا لِثَارَاتِ الْحُسَيْنِ، وَتَعَبَّدُوا بِذَلِكَ، وَلَكِنْ ثبط المختار جماعة وقال: إِنَّ سُلَيْمَانَ لَا يَصْنَعُ شَيْئًا، إِنَّمَا يُلْقِي بِالنَّاسِ إِلَى التَّهْلُكَةِ، وَلَا خِبْرَةَ لَهُ بِالْحَرْبِ، وَقَامَ سُلَيْمَانُ فِي أَصْحَابِهِ فَحَضَّ عَلَى الْجِهَادِ، وَقَالَ: مَنْ أَرَادَ الدُّنْيَا فَلَا يَصَحَبْنَا، وَمَنْ أَرَادَ وَجْهَ اللَّهِ وَالثَّوَابَ فِي الْآخِرَةِ فَذَلِكَ منا، وَقَامَ صَخْرُ بْنُ حُذَيْفَةَ الْمُزَنِيُّ فَقَالَ: آتَاكَ اللَّهُ الرُّشْدَ، أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا أَخْرَجَتْنَا التَّوْبَةُ من ذنبنا وَالطَّلَبُ بِدَمِ ابْنِ بِنْتِ نَبِيِّنَا، لَيْسَ مَعَنَا دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، إِنَّمَا نُقْدِمُ عَلَى حَدِّ السُّيُوفِ. وَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ نُفَيْلٍ الْأَزْدِيُّ فِي قَوْمِهِ، فَدَخَلَ عَلَى سُلَيْمَان بْنِ صُرَدَ، فَقَالَ: إِنَّمَا خَرَجْنَا نَطْلُبُ بِدَمِ الْحُسَيْنِ، وَقَتَلَتِهِ كُلِّهِمْ بِالْكُوفَةِ؛ عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ، وَأَشْرَافُ الْقَبَائِلِ، فَقَالُوا: لَقَدْ جَاءَ بِرَأْيٍ، وَمَا نَلْقَى إِنْ سِرْنَا إِلَى الشَّامِ إِلَّا عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زِيَادٍ، فَقَالَ سُلَيْمَانُ: أَنَا أَرَى أَنَّهُ هُوَ الَّذِي قَتَلَهُ، وَعَبَّأَ الْجُنُودَ وَقَالَ: لَا أَمَانَ لَهُ عِنْدِي دُونَ أَنْ يَسْتَسْلِمَ فَأَمْضِي فِيهِ حُكْمِي، فَسِيرُوا إِلَيْهِ، وَكَانَ عُمَرُ -[603]- ابن سَعْدٍ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ خَائِفًا، لَا يَبِيتَ إِلَّا فِي قَصْرِ الْإِمَارَةِ، فَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْخَطْمِيُّ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ فَأَتِيَا سُلَيْمَان بْنَ صُرَدَ، فَقَالَ: إِنَّكُمْ أَحَبُّ أَهْلِ بَلَدِنَا إِلَيْنَا، فَلَا تَفْجَعُونَا بِأَنْفُسِكُمْ، وَلَا تُنْقِصُوا عَدَدَنَا بِخُرُوجِكُمْ، أَقِيمُوا مَعَنَا حَتَّى نَتَهَيَّأَ، فَإِذَا عَلِمْنَا أَنَّ عَدُوَّنَا قَدْ شَارَفَ بِلَادَنَا خَرَجْنَا كُلُّنَا فَقَاتَلْنَاهُ، فَقَالَ سُلَيْمَانُ: قَدْ خَرَجْنَا لِأَمْرٍ، وَلَا نَرَانَا إِلَّا شَاخِصِينَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، قَالَ: فَأَقِيمُوا حَتَّى نَعُبِّئَ مَعَكُمْ جَيْشًا كَثِيفًا، فَقَالَ: سَأَنْظُرُ وَيَأْتِيكَ رَأْيِي. ثُمَّ سَارَ، وَخَرَجَ مَعَهُ كُلُّ مُسْتَمِيتٍ، وَانْقَطَعَ عَنْهُ بَشَرٌ كَثِيرٌ، فَقَالَ سُلَيْمَانُ: مَا أَحَبَّ أَنْ مَنْ تَخَلَّفَ عنكم معكم، وأتوا قبر الحسين فبكوا، وأقاموا يَوْمًا وَلَيْلَةً يُصَلُّونَ عَلَيْهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لَهُ، وَقَالَ سُلَيْمَانُ: يَا رَبِّ، إِنَّا قَدْ خَذَلْنَاهُ، فَاغْفِرْ لَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا. ثُمَّ أَتَاهُمْ كِتَابُ عَبْدِ الله بن يزيد مِنَ الْكُوفَةِ يَنْشُدُهُمُ اللَّهَ وَيَقُولُ: أَنْتُمْ عَدَدٌ يَسِيرٌ، وَإِنَّ جَيْشَ الشَّامِ خَلْقٌ، فَلَمْ يَلْوُوا عَلَيْهِ، ثُمَّ قَدِمُوا قَرْقِيسِيَاءَ، فَنَزَلُوا بِظَاهِرِهَا وَبِهَا زُفَرُ بْنُ الْحَارِثِ الْكِلَابِيُّ قَدْ حَصَّنَهَا، فَأَتَى بَابِهَا الْمُسَيَّبُ بْنُ نَجَبَةَ، فَأَخْبَرُوا بِهِ زُفَرَ فقال: هذا فارس مُضَرَ الْحَمْرَاءِ كُلِّهَا، وَهُوَ نَاسِكُ دِينٍ، فَأَذِنَ لَهُ وَلَاطَفَهُ، فَقَالَ: مِمَّنْ نَتَحَصَّنُ، إِنَّا وَاللَّهِ مَا إِيَّاكُمْ نُرِيدُ، فَأَخْرِجُوا لَنَا سُوقًا، فَأَمَرَ لَهُمْ بِسُوقٍ، وَأَمَرَ لِلْمُسَيَّبِ بِفَرَسٍ، وَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مِنْ عِنْدِهِ بِعَلَفٍ كَثِيرٍ، وَبَعَثَ إِلَى وُجُوهِ القوم بعشر جزائز عشر جَزَائِرَ وَعَلَفٍ وَطَعَامٍ، فَمَا احْتَاجُوا إِلَى شِرَاءِ شَيْءٍ مِنَ السُّوقِ، إِلَّا مِثْلَ سَوْطٍ أَوْ ثَوْبٍ، وَخَرَجَ فَشَيَّعَهُمْ وَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ بَعَثَ خَمْسَةَ أُمَرَاءَ قَدْ فَصَلُوا مِنَ الرَّقَّةِ؛ حُصَيْنَ بْنَ نُمَيْرٍ السَّكُونِيَّ، وَشُرَحْبِيلَ بْنَ ذِي الْكَلَاعِ، وَأَدْهَمَ بْنَ مُحْرِزٍ الْبَاهِلِيَّ، وَرَبِيعَةَ بْنَ الْمُخَارِقِ الغنوي، وجبلة الخثعمي، وهم عَدَدٍ كَثِيرٍ، فَقَالَ سُلَيْمَانُ: عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا، قَالَ زُفَرُ: فَتَدْخُلُونَ مَدِينَتَنَا، وَيَكُونُ أَمْرُنَا وَاحِدًا، وَنُقَاتِلُ مَعَكُمْ، فَقَالَ: قَدْ أَرَادَنَا أَهْلُ بَلَدِنَا على ذلك فلم نفعل، قال: فبادروهم إلى عَيْنِ الْوَرْدَةِ، فَاجْعَلُوا الْمَدِينَةَ فِي ظُهُورِكُمْ، وَيَكُونُ الرستاق والماء في أيديكم، ولا تقاتلوهم فِي فَضَاءٍ، فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ مِنْكُمْ فَيُحِيطُونَ بِكُمْ، وَلَا تُرَامُوهُمْ، وَلَا تَصِفُّوا لَهُمْ، فَإِنِّي لَا أرى معكم رجالا والقوم ذوو رجال وفرسان، والقوهم كراديس. -[604]- قال: فعبأ سليمان بن صرد كتائبه، وَانْتَهَى إِلَى عَيْنِ الْوَرْدَةِ، فَنَزَلَ فِي غَرَبِيَّهَا وَأَقَامَ خَمْسًا، فَاسْتَرَاحُوا وَأَرَاحُوا خُيُولَهُمْ، ثُمَّ قَالَ سُلَيْمَانُ: إِنْ قُتِلْتُ فَأَمِيرُكُمُ الْمُسَيَّبُ، فَإِنْ أُصِيبَ فَالْأَمِيرُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ نُفَيْلٍ، فَإِنْ قُتِلَ فَالْأَمِيرُ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ وَالٍ، فَإِنْ قُتِلَ فَالْأَمِيرُ رِفَاعَةُ بْنُ شَدَّادٍ، رَحِمَ اللَّهُ مَنْ صَدَقَ مَا عَاهَدَ اللَّهَ عَلَيْهِ، ثُمَّ جَهَّزَ الْمُسَيَّبُ بْنُ نَجَبَةَ فِي أَرْبِعِمِائَةٍ، فَانْقَضُّوا عَلَى مُقَدِّمَةِ الْقَوْمِ وَعَلَيْهَا شُرَحْبِيلُ بْنُ ذِي الْكَلَاعِ، وَهُمُ غَارُّونَ، فَقَاتَلُوهُمْ فَهَزَمُوهُمْ، وَأَخَذُوا مِنْ خَيْلِهِمْ وَأَمْتِعَتِهِمْ وَرَدُّوا، فَبَلَغَ الْخَبَرُ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زِيَادٍ، فَجَهَّزَ إِلَيْهِمْ الْحُصَيْنَ بْنَ نمير في اثني عشر ألفا، ثم أردفهم بِشُرَحْبِيلَ فِي ثَمَانِيَةِ آلَافٍ، ثُمَّ أَمَدَّهُمْ مِنَ الصَّبَاحِ بِأَدْهَمَ بْنِ مُحْرِزٍ فِي عَشَرَةِ آلَافٍ، ووقع القتال، ودام الحرب ثلاثة أيام واقتتلوا قِتَالًا لَمْ يُرَ مِثْلَهُ، وَقُتِلَ مِنَ الشَّامِيِّينَ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَقُتِلَ مِنَ التَّوَّابِينَ، وَكَذَا كَانُوا يُسَمَّوْنَ؛ لِأَنَّهُمْ تَابُوا إِلَى اللَّه مِنْ خِذْلَانِ الْحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَاسْتُشْهِدَ أُمَرَاؤُهُمُ الْأَرْبَعَةُ، ثم تحيز رِفَاعَةُ بِمَنْ بَقِيَ وَرُدَّ إِلَى الْكُوفَةِ، وَكَانَ المختار في الحبس، فَكَتَبَ إِلَى رِفَاعَةَ بْنِ شَدَّادٍ: مَرْحَبًا بِمَنْ عَظَّمَ اللَّهُ لَهُمُ الْأَجْرَ فَأَبْشِرُوا، إِنَّ سُلَيْمَانَ قَضَى مَا عَلَيْهِ، وَلَمْ يَكْنُ بِصَاحِبِكُمُ الَّذِي به تنصرون، إني أنا الأمير المأمور، وَقَاتِلُ الْجَبَّارِينَ، فَأَعِدُّوا وَاسْتَعِدُّوا، وَكَانَ قَدْ حَبَسَهُ الْأَمِيرَانِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْخَطْمِيُّ، فَبَقِيَ أَشْهُرًا، ثُمَّ بَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَشْفَعُ فِيهِ إلى الأميرين، فضمنوه جَمَاعَةٌ وَأَخْرَجُوهُ، وَحَلَّفُوهُ فَحَلَفَ لَهُمَا مُضْمِرًا لِلشَّرِّ، فَشَرَعَتِ الشِّيعَةُ تَخْتَلِفُ إِلَيْهِ وَأَمْرُهُ يُسْتَفْحَلُ. وَكَانَتِ الْكَعْبَةُ احْتَرَقَتْ فِي الْعَامِ الْمَاضِي مِنْ مَجْمَرٍ، عَلِقَتِ النَّارُ فِي الْأَسْتَارِ، فَأَمَر ابْنُ الزُّبَيْرِ فِي هَذَا الْعَامِ بِهَدْمِهَا إِلَى الْأَسَاسِ، وَأَنْشَأَهَا مُحْكَمَةً، وَأَدْخَلَ مِنَ الْحِجْرِ فِيهَا سِعَةَ سِتَّةِ أَذْرُعٍ، لِأَجْلِ الْحَدِيثِ الَّذِي حَدَّثَتْهُ خَالَتُهُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ، ثُمَّ إِنَّهُ لَمَّا نَقَضَهَا وَوَصَلُوا إِلَى الْأَسَاسِ، عَايَنُوهُ آخِذًا بَعْضَهُ بِبَعْضٍ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ، وَأَنَّ السِّتَّةَ الْأَذْرُعَ مِنْ جُمْلَةِ الْأَسَاسِ، فَبَنَوْا عَلَى ذَلِكَ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ، وَأَلْصَقُوا دَاخِلَهَا بِالْأَرْضِ، لَمْ يَرْفَعُوا دَاخِلَهَا، وَعَمِلُوا لَهَا بَابًا آخَرَ فِي ظَهْرِهَا، ثُمَّ سَدَّهُ الْحَجَّاجُ، فَذَلِكَ بَيِّنٌ لِلنَّاظِرِينَ، ثُمَّ قَصَّرَ تِلْكَ السِّتَّةَ الْأَذْرُعَ فَأَخْرَجَهَا مِنَ الْبَيْتِ، وَدَكَّ تِلْكَ -[605]- الْحِجَارَةَ فِي أَرْضِ الْبَيْتِ، حَتَّى عَلَا كَمَا هُوَ فِي زَمَانِنَا، زَادَهُ اللَّهُ تَعْظِيمًا. وَغَلَبَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَازِمٍ عَلَى خُرَاسَانَ، وَغَلَبَ مُعَاوِيَةُ الْكِلَابِيُّ عَلَى السِّنْدِ، إِلَى أَنْ قَدِمَ الْحَجَّاجُ الْبَحْرَيْنِ، وَغَلَبَ نَجْدَةُ الْحَرُورِيُّ عَلَى الْبَحْرَيْنِ وَعَلَى بَعْضِ الْيَمَنِ. وَأَمَّا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ فَإِنَّهُ بَعْدَ وَقْعَةِ عَيْنِ الْوَرْدَةِ مَرِضَ بِأَرْضِ الْجِزِيرَةِ، فَاحْتُبِسَ بِهَا وَبِقِتَالِ أَهْلِهَا عَنِ الْعِرَاقِ نَحْوًا مِنْ سَنَةٍ، ثُمَّ قَصَدَ الْمَوْصِلَ وَعَلَيْهَا عَامِلُ الْمُخْتَارِ كَمَا يَأْتِي. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سَنَةِ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ
فِيهَا تُوُفِّيَ الْعِرْبَاضُ بْنُ سَارِيَةَ السُّلَمِيُّ. وَأَبُو ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيُّ، وَكُرَيْبُ بْنُ أبرهة الأصبحي أمير الإسكندرية، وَبِشْرُ بْنُ مَرْوَانَ أَمِيرُ الْعِرَاقِ، وَعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ الأَوْدِيُّ فِيهَا، وَقِيلَ: فِي الَّتِي قَبْلَهَا. وَسُلَيْمُ بْنُ عِتْرٍ التُّجِيبِيُّ قَاضِي مِصْرَ وَقَاصُّهَا. وَفِيهَا وَفَدَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مَرْوَانَ عَلَى أَخِيهِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى مِصْرَ زِيَادَ بْنَ حُنَاطَةَ التُّجِيبِيَّ، فتُوُفِّيَ زِيَادُ فِي شَوَّالٍ، وَاسْتَخْلَفَ أَصْبَغُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مَرْوَانَ. وَفِيهَا حَجَّ بِالنَّاسِ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ، وَخَطَبَ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَسُيِّرَ عَلَى إِمْرَةِ الْعِرَاقِ الْحَجَّاجُ، فَسَارَ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى الْكُوفَةِ فِي اثْنَيْ عَشَرَ رَاكِبًا بَعْدَ أَنْ وَهَبَ الْبَشِيرُ ثَلاثَةَ آلافِ دِينَارٍ. قَالَ الْوَليِدُ بْنُ مُسْلِمٍ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ أَبِي مُسْلِمٍ الثَّقَفِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ الْحَجَّاجُ عَامِلا لِعَبْدِ الْمَلِكِ عَلَى مَكَّةَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ بِوِلايَتِهِ عَلَى الْعِرَاقِ، قَالَ: فَخَرَجْتُ مَعَهُ فِي نَفَرٍ ثَمَانِيَةٍ أَوْ تِسْعَةٍ عَلَى النَّجَائِبِ، فَلَمَّا كُنَّا بِمَاءٍ قَرِيبٍ مِنَ الْكُوفَةِ نَزَلَ فَاخْتَضَبَ وَتَهَيَّأَ، وَذَلِكَ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ، ثُمَّ رَاحَ مُعْتَمًّا قَدْ أَلْقَى عَذْبَةَ الْعِمَامَةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ مُتَقلَّدًا سَيْفَهُ، حَتَّى نَزَلَ عِنْدَ دَارِ الإِمَارَةِ عِنْدَ مَسْجِدِ الْكُوفَةِ، وَقَدْ أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ بِالأَذَانِ الأَوَّلِ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمُ الْحَجَّاجُ وَهُمْ لا يَعْلَمُونَ، فَجَمَعَ بِهِمْ، ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَجَلَسَ عَلَيْهِ فَسَكَتَ، وَقَدِ اشْرَأَبُّوا إِلَيْهِ وَجَثَوْا عَلَى الرُّكَبِ وَتَنَاوَلُوا الْحَصَى لِيَقْذِفُوهُ بِهَا، وَقَدْ كَانُوا حَصَبُوا عَامِلا قَبْلَهُ، فَخَرَجَ عنهم، فَسَكَتَ سَكْتَةً أَبْهَتَتْهُمْ، وَأَحَبُّوا أَنْ يَسْمَعُوا كَلامَهُ، فَكَانَ بَدْءُ كَلامِهِ أَنْ قَالَ: يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ، يَا أَهْلَ الشِّقَاقِ وَيَا أَهْلَ النِّفَاقِ، وَاللَّهِ إنْ كَانَ أَمْرُكُمْ لَيَهُمُّنِي قَبْلَ أَنْ آتِيَ إِلَيْكُمْ، وَلَقَدْ كُنْتُ أَدْعُو اللَّهَ أَنْ يبتليكم بي، فأجاب دعوتي، ألا إني أسريت الْبَارِحَةَ فَسَقَطَ مِنِّي سَوْطِي، -[765]- فَاتَّخَذْتُ هَذَا مكَانَهُ - وَأَشَارَ إِلَى سَيْفِهِ - فَوَاللَّهِ لَأَجُرَّنَّهُ فِيكُمْ جَرَّ الْمَرْأَةِ ذَيْلَهَا، وَلَأفْعَلَنَّ وَلَأَفْعَلَنَّ. قَالَ يَزِيدُ: فَرَأَيْتُ الْحَصَى مُتَسَاقِطًا مِنْ أَيْدِيهِمْ، وَقَالَ: قُومُوا إِلَى بَيْعتِكُمْ، فَقَامَتِ الْقَبَائِلُ قَبِيلَةً قَبِيلَةً تُبَايِعُ، فَيَقُولُ: مَنْ؟ فَتَقُولُ: بَنُو فُلانٍ، حَتَّى جَاءَتْهُ قَبِيلَةٌ فَقَالَ: مَنْ؟ قَالُوا: النَّخَعُ، قَالَ: مِنْكُمْ كُمَيْلُ بْنُ زِيَادٍ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَمَا فَعَلَ؟ قَالُوا: أَيُّهَا الأَمِيرُ شَيْخُ كَبِيرٌ، قَالَ: لا بَيْعَةَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرُبُونِ حَتَّى تَأْتُونِي بِهِ. قَالَ: فَأَتَوُهُ بِهِ مَنْعُوشًا فِي سَرِيرٍ حَتَّى وَضَعُوهُ إِلَى جَانِبِ الْمِنْبَرِ، فَقَالَ: أَلا لَمْ يَبْقَ مِمَّنْ دَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ الدَّارَ غَيْرَ هَذَا، فَدَعَا بِنَطْعٍ وَضُرِبَتْ عُنُقُهُ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْهُذَلِيُّ: حَدَّثَنِي مَنْ شَهِدَ الْحَجَّاجَ حِينَ قَدِمَ الْعِرَاقَ، فَبَدَأَ بِالْكُوفَةِ، فَنُودِيَ: الصَّلاةُ جَامِعَةٌ، فَأَقْبَلَ النَّاسُ إِلَى الْمَسْجِدِ، وَالْحَجَّاجُ مُتَقَلِّدٌ قَوْسًا عَرَبِيَّةً وَعَلَيْهِ عِمَامَةُ خَزٍّ حَمْرَاءُ مُتَلَثِّمًا، فَقَعَدَ وَعَرَضَ الْقَوْسَ بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ لَمْ يَتَكَلَّمْ حَتَّى امْتَلأَ الْمَسْجِدُ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَيْرٍ: فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ إِنَّمَا يَمْنَعُهُ الْعَيُّ، وَأَخَذْتُ فِي يَدِي كَفًّا مِنْ حَصًى أَرَدْتُ أَنْ أَضْرِبَ بِهِ وَجْهَهُ، فَقَامَ فَوَضَعَ نِقَابَهُ، وَتَقَلَّدَ قَوْسَهُ، وَقَالَ: أَنَا ابْنُ جَلا وَطَلاعُ الثَّنَايَا ... مَتَى أَضَعُ العمامة تعرفوني. إني لأرى رؤوسا قَدْ أينعت وحان قطافها، كأني أنظر إلى الدماء بَيْنَ الْعَمَائِمُ وَاللِّحَى. لَيْسَ بَعِشَّكِ فَادْرِجِي ... قَدْ شَمَّرَتْ عَنْ سَاقِهَا فَشَمِّرِي هَذَا أَوَانُ الْحَرْبِ فَاشْتَدِّي زِيَمْ ... قَدْ لَفَّهَا اللَّيْلُ بِسَوَّاقٍ حُطَمْ لَيْسَ بِرَاعِي إِبِلٍ وَلا غَنَمْ ... وَلا بِجَزَّارٍ عَلَى ظَهْرٍ وَضَمْ قَدْ لَفَّهَا اللَّيْلُ بِعَصْلَبي ... أروعَ خَرَّاج من الدَّوِّي مُهَاجِرٌ لَيْسَ بِأَعْرَابِيٍّ -[766]- إِنِّي وَاللَّهِ مَا أَغْمِزُ غَمْزَ التِّينِ، وَلا يُقَعْقَعُ لِي بِالشِّنَانِ، وَلَقَدْ فُرِرْتُ عَنْ ذَكَاءٍ، وفتشت عن تجربة، وجريت من الْغَايَةِ، فَإِنَّكُمْ يَا أَهْلِ الْعِرَاقِ طَالَمَا أَوْضَعْتُمْ فِي الضَّلالَةِ، وَسَلَكْتُمْ سَبِيلَ الْغُوَايَةِ، أَمَّا وَاللَّهِ لألحينكم لحي الْعُودَ، وَلأَعَصِبَنَّكُمْ عَصْبَ السَّلَمَةِ، وَلأَقْرَعَنَّكُمْ قَرْعَ الْمَرْوَةِ، وَلأَضْرِبَنَّكُمْ ضَرْبَ غَرَائِبِ الإِبِلِ، أَلا إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ نَثَلَ كِنَانَتَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَعُجِمَ عِيدَانُهَا، فَوَجَدَنِي أَمَرَّهَا عُودًا وَأَصْلَبُهَا مَكْسَرًا، فَوَجَّهَنِي إِلَيْكُمُ، فَاسْتَقِيمُوا وَلا يَمِيلَنَّ مِنْكُمْ مَائِلٌ، وَاعْلَمُوا أَنِّي إِذَا قُلْتُ قَوْلا وَفَيْتُ بِهِ، مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَنْ بَعْثَ الْمُهَلَّبَ فَلْيَلْحَقْ بِهِ، فَإِنِّي لا أجد أحدا بعد ثالثة إلا ضَرَبْتُ عُنُقَهُ وَإِيَّايَ وَهَذِهِ الزَّرَافَاتِ فَإِنِّي لا أَجِدُ أَحَدًا يَسِيرُ فِي زَرَافَةٍ إِلا سَفَكَتْ دَمَهُ، وَاسْتَحَلْلَتْ مَالَهُ. ثُمَّ نَزَلَ. رَوَاهُ المبرد بنحوه، عن التوزي، بِإِسْنَادٍ، وَزَادَ فِيهِ: قُمْ يَا غُلامُ فَاقْرَأْ عَلَيْهِمْ كِتَابَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَرَأَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى مَنْ بِالْكُوفَةِ، سَلامٌ عَلَيْكُمْ. فَسَكَتُوا، فَقَالَ: اكْفُفْ يَا غُلامُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عليهم فَقَالَ: يُسَلِّمُ عَلَيْكُمْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فَلا تَرُدُّونَ عَلَيْهِ شَيْئًا، هَذَا أَدَبُ ابْنِ نِهْيَةَ. أَمَّا وَاللَّهِ لَأُؤَدِّبَنَّكُمْ غَيْرَ هَذَا الأَدَبِ أَوْ لَتَسْتَقِيمُنَّ. اقْرَأْ يَا غُلامُ، فَقَرَأَ قَوْلَهُ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ، فَلَمْ يَبْقَ فِي الْمَسْجِدِ أَحَدٌ إلا قَالَ: وَعَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ السَّلامُ. الْعَصْلَبِيُّ: الشَّدِيدُ مِنَ الرِّجَالِ. وَالسُّوَاقُ الْحُطَمُ: الْعَنِيفِ فِي سَوْقِهِ. وَالوَضَمِ: كُلُّ شَيْءٍ وَقَيْتَ بِهِ اللَّحْمَ مِنَ الأَرْضِ من خوان وقرمية وغيره. وَعَجَمْتُ الْعُودَ: إِذَا عَضَضْتُهُ بِأَسْنَانِكَ. وَالزَّرَافَاتُ: الْجَمَاعَاتُ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: فَأَوَّلُ مَنْ خَرَجَ عَلَى الْحَجَّاجِ بِالْعِرَاقِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ -[767]- الْجَارُودِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْحَجَّاجَ نَدَبَهُمْ إِلَى اللِّحَاقِ بالمهلب، ثم خرج فنزل رستاق آباد وَمَعَهُ وُجُوهُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُهَلَّبِ يَوْمَانِ، فَقَالَ لِلنَّاسِ: إِنَّ الزِّيَادَةَ الَّتِي زَادَكُمُ ابْنُ الزُّبَيْرِ، فِي أَعْطِيَاتِكُمْ زِيَادَةُ فَاسِقٍ مُنَافِقٍ لَسْتُ أُجِيزُهَا، فَقَامَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْجَارُودِ الْعَبْدِيُّ، فَقَالَ: بَلْ هِيَ زِيَادَةُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَكَذَّبَهُ وَتَوَعَّدَهُ، فَخَرَجَ ابن الجارود على الحجاج، وتابعه خلق، فَقُتِلَ ابْنُ الْجَارُودِ فِي طَائِفَةٍ مَعَهُ. وَكَتَبَ الْحَجَّاجُ إِلَى الْمُهَلَّبِ وَإِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مِخْنَفٍ: أَنْ نَاهِضُوا الْخَوَارِجَ، قَالَ: فَنَاهِضُوهُمْ وَأَجْلَوْهُمْ عَنْ رَامَهُرْمُزَ، فَقَالَ الْمُهَلَّبُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مِخْنَفٍ: إِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُخَنْدِقَ عَلَى أَصْحَابِكَ فَافْعَلْ، وَخَنْدَقَ الْمُهَلَّبُ عَلَى نَفْسِهِ كَعَادَتِهِ، وَقَالَ أَصْحَابُ ابْنِ مِخْنَفٍ: إِنَّمَا خَنْدَقْنَا سُيُوفَنَا، فَرَجَعَ الْخَوَارِجُ لِيُبَيِّتُوا النَّاسَ، فَوَجَدُوا الْمُهَلَّبَ قَدْ أَتْقَنَ أَمْرَ أَصْحَابِهِ، فَمَالُوا نَحْوَ ابْنِ مِخْنَفٍ، فَقَاتَلُوهُ، فَانْهَزَمَ جَيْشُهُ، وَثَبَتَ هُوَ فِي طَائِفَةٍ، فَقَاتَلُوا حَتَّى قُتِلُوا، فَبَعَثَ الْحَجَّاجُ بَدَلَهُ عَتَّابَ بْنَ وَرْقَاءَ، وَتَأَسَّفُوا عَلَى ابْنِ مِخْنَفٍ، وَرَثَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ. وَقَالَ خَلِيفَةُ: ثُمَّ فِي ثَالِثِ يَوْمٍ مِنْ مَقْدَمِ الْحَجَّاجِ الْكُوفَةَ أَتَاهُ عُمَيْرُ بْنُ ضَابِئٍ الْبُرْجُمِيُّ، وَهُوَ الْقَائِلُ: هَمَمْتُ وَلَمْ أَفْعَلْ وَكِدْتُ وَلَيْتَنِي ... تَرَكْتُ عَلَى عُثْمَانَ تَبْكِي حَلائِلُهْ. فَقَالَ الْحَجَّاجُ: أَخِّرُوهُ، أَمَّا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانُ فَتَغْزُوهُ بِنَفْسِكَ، وَأمَّا الْخَوَارِجُ الأَزَارِقَةُ فَتَبْعَثْ بَدِيلا، وَكَانَ قَدْ أَتَاهُ بِابْنِهِ فَقَالَ: إِنِّي شَيْخٌ كَبِيرٌ، وَهَذَا ابْنِي مَكَانِي، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فضربت عُنُقُهُ. وَاسْتَخْلَفَ الْحَجَّاجُ لَمَّا خَرَجَ عَلَى الْكُوفَةِ عُرْوَةَ بْنَ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، وَقَدِمَ الْبَصْرَةَ يَحُثُّ عَلَى قِتَالِ الأَزَارِقَةِ. وَفِيهَا خَرَجَ دَاوُدُ بْنُ النُّعْمَانِ الْمَازِنِيِّ بِنَوَاحِي الْبَصْرَةِ، فَوَجَّهَ الحجاج -[768]- لِحَرْبِهِ الْحَكَمَ بْنَ أَيُّوبَ الثَّقَفِيَّ مُتَوَلِّي الْبَصْرَةِ، فَظَفِرَ بِهِ، فَقَتَلَهُ، فَقَالَ شَاعِرُهُمْ: أَلا فَاذْكُرْنَ دَاوُدَ إِذْ بَاعَ نَفْسَهُ ... وَجَادَ بِهَا يَبْغِي الْجِنَانَ الْعَوَالِيَا. وَفِيهَا غَزَا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ الصَّائِفَةَ عِنْدَ خُرُوجِ الرُّومِ بِنَاحِيَةِ مَرْعَشٍ. وَفِيهَا خَطَبَهُمْ عَبْدُ الْمَلِكِ بِمَكَّةَ لَمَّا حَجَّ، فَحَدَّثَ أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: خَطَبَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ بِمَكَّةَ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ كَانَ مَنْ قَبْلِي مِنَ الْخُلَفَاءِ يَأْكُلُونَ مِنْ هَذَا الْمَالِ وَيُؤْكَلُونَ، وَإِنِّي وَاللَّهِ لا أُدَاوِي أَدْوَاءَ هَذِهِ الأُمَّةِ إِلا بِالسَّيْفِ، وَلَسْتُ بِالْخَلِيفَةِ الْمُسْتَضْعَفِ - يَعْنِي عُثْمَانَ - وَلا الْخَلِيفَةِ الْمُدَاهِنِ - يَعْنِي مُعَاوِيَةَ - وَلا الْخَلِيفَةِ الْمَأْبُونِ - يَعْنِي يَزِيدَ - وَإِنَّمَا نَحْتَمِلُ لَكُمْ مَا لَمْ يَكُنْ عَقْدَ رَايَةٍ، أَوَ وثوب عَلَى مِنْبَرٍ، هَذَا عَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ حَقَّهُ حَقَّهُ وَقَرَابَتَهُ قَرَابَتَهُ، قَالَ بِرَأْسِهِ هَكَذَا، فَقُلْنَا بِسَيْفِنَا هَكَذَا، أَلا فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ. وَفِيهَا ضَرَبَ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ عَبْدُ الْمَلِكِ، فهُوَ أَوَّلُ مَنْ ضَرَبَهَا فِي الإِسْلامِ. وَحَجَّ فِيهَا عَبْدُ الْمَلِكِ وَخَطَبَ بِالْمَوْسِمِ غَيْرَ مَرَّةً، وَكَانَ مِنَ الْبُلَغَاءِ الْعُلَمَاءِ الدُّهَاةِ، قَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ سِيرَةَ السُّلْطَانِ تَدُورُ مَعَ النَّاسِ، فَإِنْ ذَهَبَ الْيَوْمَ من يسير بسيرة عمر، أغير عَلَى النَّاسِ فِي بُيُوتِهِمْ، وَقُطِعَتِ السُّبُلُ، وَتَظَالَمَ النَّاسُ، وَكَانَتِ الْفِتَنُ، فَلا بُدَّ لِلْوَالِي أَنْ يسير كل وقت بما يصلحه، نحن نعلم وَاللَّهِ أَنَّا لَسْنَا عِنْدَ اللَّهِ وَلا عِنْدَ النَّاسِ كَهَيْئَةِ عُمَرَ وَلا عُثْمَانَ، وَنَرْجُو خَيْرَ مَا نَحْنُ بِإِزَائِهِ مِنْ إِقَامَةِ الصَّلَواتِ وَالْجِهَادِ وَالْقِيَامِ لِلَّهِ بِالَّذِي يُصْلِحُ دِينَهُ، وَالشِّدَّةِ عَلَى الْمُذْنِبِ، وَحسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سَنَةَ خمسٍ وَثَمَانِينَ
فِيهَا تُوُفِّيَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، وَعَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ، وَعَمْرُو بْنُ سَلَمَةَ الْجَرْمِيُّ، وَوَاثِلَةُ بْنُ الأَسْقَعِ، توفي فيها أو في التي تليها، وفيها وَعَمْرُو بْنُ سَلَمَةَ الْهَمْدَانِيُّ، وَيَسَيْرُ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَابِرٍ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مَرْوَانَ. وَفِيهَا، على ما ورخ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ هَلاكُ ابْنِ الأَشْعَثِ، قَالَ: فَتَتَابَعَتْ كُتُبُ الْحَجَّاجِ إِلَى رُتْبِيلَ أَنِ ابْعَثْ إِلَيَّ بِابْنِ الأَشْعَثِ، وَإِلا فَوَاللَّهِ لَأُوطِئَنَّ أَرْضَكَ أَلْفَ أَلْفِ مُقَاتِلٍ، وَوَعَدَهُ بِأَنْ يُطْلَقَ لَهُ خَرَاجُ بِلادِهِ سَبْعَ سِنِينَ، فَأَسْلَمَهُ إِلَى أَصْحَابِ الْحَجَّاجِ، فَقِيلَ: إِنَّهُ رَمَى بِنَفْسِهِ مِنْ علٍ فَهَلَكَ. وَقَالَ أَبُو مِخْنَفٍ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي رَاشِدٍ، أَنَّهُ سَمِعَ مُلَيْكَةَ بِنْتَ يَزِيدَ تَقُولُ: وَاللَّهِ مَا مَاتَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ إِلا ورأسه في حجري على فخذي، تعني مِنْ جُرْحٍ بِهِ، فَلَمَّا مَاتَ حَزَّ رَأْسَهُ رُتْبِيلُ وَبَعَثَ بِهِ إِلَى الْحَجَّاجِ. قُلْتُ: هَذَا قول شاذ، وأبو مخنف كذاب. قيل: إن الحجاج قال لدهاقين العراق: كم كان عمر يجبي سواد العراق؟ قالوا: مائة ألف ألف درهم، وعشرون ألف ألف. قال: فكم جباه زياد؟ قالوا: ثمانين ألف ألف. قال: فكم نجبيه نحن اليوم؟ قال: ستين ألف ألف. وَفِيهَا غَزَا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ أَرْمِينِيَةَ، فَأَقَامَ بِهَا سَنَةً، وَوَلَّى عَلَيْهَا عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ حاتم بن النعمان الباهلي، فبنى مدينة أردبيل وَمَدِينَةَ بَرْذَعَةَ. وَفِيهَا قَالَ ابْنُ الْكَلْبِيُّ: بَعَثَ عبد الله بن عبد الملك بن مروان وَهُوَ مُقِيمٌ بِالْمِصِّيصَةَ يَزِيدَ بْنَ حُنَيْنٍ فِي جيشٍ، فلقيته الروم في جمعٍ كبير، فَأُصِيبَ النَّاسُ، وَقُتِلَ مَيْمُونٌ الْجُرْجُمَانِيُّ فِي نَحْوَ أَلْفِ نفسٍ مِنْ أَهْلِ أَنْطَاكِيَةَ، وَكَانَ مَيْمُونٌ أَمِيرُ أَنْطَاكِيَةَ مِنْ مَوَالِي بَنِي أُمَيَّةَ، مشهورٌ بِالْفُرُوسِيَّةِ، وَتَأَلَّمَ غَايَةَ الأَلَمِ لِمُصَابِهِمْ. -[916]- وَفِيهَا عُزِلَ يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ عَنْ خُرَاسَانَ، وَوُلِّيَ أَخُوهُ الْمُفَضَّلُ يَسِيرًا، ثُمَّ عُزِلَ وَوُلِّيَ قُتَيْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ. وَفِيهَا قُتِلَ مُوسَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَازِمٍ السُّلَمِيُّ، وَكَانَ بَطَلا شُجَاعًا وَسَيِّدًا مُطَاعًا، غَلَبَ عَلَى تِرْمِذَ وَمَا وَرَاءَ النَّهْرِ مُدَّةَ سِنِينَ، وَحَارَبَ الْعَرَبَ، مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ، وَالتُّرْكُ مِنْ تِيكَ الْجِهَةِ، وَجَرَتْ لَهُ وَقَعَاتٌ، وَعَظُمَ أَمْرُهُ، وَقَدْ ذَكَرْنَا وَالِدَهُ فِي سَنَةِ نَيِّفٍ وَسَبْعِينَ، وَآخِرُ أَمْرِ مُوسَى أَنَّهُ خَرَجَ لَيْلَةً فِي هَذَا الْعَامِ لِيُغِيرَ عَلَى جيشٍ فَعَثَرَ بِهِ فَرَسُهُ، فَابْتَدَرَهُ ناسٌ مِنْ ذَلِكَ الْجَيْشِ فَقَتَلُوهُ. وقد استوفى ابن جرير أخباره وحروبه، وقيل: قُتِلَ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ. وَبَعَثَ عَبْدُ الْمَلِكِ عَلَى مِصْرَ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ، وَعَقَدَ بِالْخِلافَةِ مِنْ بَعْدِهِ لابْنَيْهِ الْوَلِيدِ ثُمَّ سُلَيْمَانَ، وَفَرِحَ بِمَوْتِ أَخِيهِ، فَإِنَّهُ عَزَمَ عَلَى عَزْلِهِ مِنْ وِلَايَةِ الْعَهْدِ، فَجَاءَهُ مَوْتُهُ. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سَنَةَ خمسٍ وَتِسْعِينَ
فِيهَا تُوُفِّيَ: سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ شَهِيدًا، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَمُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَأَخُوهُ حُمَيْدٌ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ حُدَيْجٍ قَاضِي مِصْرَ. وَفِيهَا أَوْ فِي سَنَةِ سِتٍّ جَعْفَرُ بْنُ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ، وَفِيهَا الْحَجَّاجُ. وَفِيهَا قَالَ خَلِيفَةُ: افْتَتَحَ مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ الْمُولْتَانَ. وَقَفَلَ مُوسَى بْنُ نُصَيْرٍ مِنَ الْمَغْرِبِ إِلَى الْوَلِيدِ، وَحَمَلَ الأَمْوَالَ عَلَى الْعَجَلِ، وَمَعَهُ ثَلاثُونَ -[1043]- أَلْفَ رَأْسٍ. وَفِيهَا افْتَتَحَ مُسْلِمَةُ مَدِينَةَ الْبَابِ مِنْ أَرْمِينِيَةَ وَخَرَّبَهَا، ثُمَّ بَنَاهَا مُسْلِمَةُ بَعْدَ ذَلِكَ بِتِسْعِ سِنِينَ. وَحَدَّثَنِي أَبُو مَرْوَانَ الْبَاهِلِيُّ، عَنْ رجلٍ مِنْ بِاهِلَةَ حَضَرَ مُسْلِمَةَ، قَالَ: نَزَلَ مُسْلِمَةُ عَلَى مَدِينَةِ الْبَابِ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَسَأَلَهُ أَنْ يُؤَمِّنَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ، وَيَدُلُّهُ عَلَى عَوْرَةِ الْمَدِينَةِ، فَأَعْطَاهُ ذَلِكَ، فَدَخَلَ الْمُسْلِمُونَ، ونذر بِهِمُ الْعَدُوُّ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالا شَدِيدًا، فَلَمَّا كَانَ مِنَ السَّحَرِ كَبَّرَ شَيْخٌ وَقَالَ: الظَّفْرُ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، فَأَظْهَرَ اللَّهُ مُسْلِمَةَ. وَفِيهَا غَزَا قُتَيْبَةُ الشَّاشَ ثَانِيًا، فَأَتَتْهُ وَفَاةُ الْحَجَّاجِ، فَرَجَعَ إِلَى مَرْوَ. وَيُقَالُ: فِيهَا تُوُفِّيَ صِلَةُ بْنُ أُشَيْمٍ، وَأَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ، وَزُرَارَةُ بْنُ أَوْفَى، وَسَعِيدُ بن المسيب، والحسن بن محمد ابن الْحَنَفِيَّةِ، وَأَبُو تَمِيمَةَ طَرِيفُ بْنُ مُجَالِدٍ الْهُجَيْمِيُّ، وَالْفَضْلُ بْنُ زَيْدٍ الرَّقَاشِيُّ أَبُو سِنَانٍ، أَحَدُ الْعَابِدِينَ. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سَنَةَ خَمْسٍ وَمِائَةٍ
تُوُفِّيَ فِيهَا: أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فِي قَوْلٍ، رُزَيْقُ بْنُ حَيَّانَ الْفَزَارِيِّ مَوْلاهُمْ، سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، فِي قَوْلِ الْمَدَائِنِيِّ، وَالصَّحِيحُ سَنَةَ بضعٍ وَتِسْعِينَ كَمَا تَقَدَّمَ، سُلَيْمَانُ بْنُ بُرَيْدَةَ الأَسْلَمِيُّ، سِنَانُ بْنُ أَبِي سِنَانٍ الدُّؤَلِيُّ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، شُفَيُّ بْنُ ماتع، عثمان بن -[10]- حَيَّان المُرِّي، عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، عُبَيْدُ بْنُ حُنَيْنٍ الْمَدَنِيُّ، عِمَارَةُ بْنُ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيُّ، وَالْمُسَيِّبُ بْنُ رَافِعٍ الأَسَدِيُّ، يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ. وَفِيهَا زَحَفَ الْخَاقَانُ وَخَرَجَ مِنَ الْبَابِ فِي جَمْعٍ عَظِيمٍ مِنَ التُّرْكِ وَقَصَدَ أَرْمِينِيَّةَ، فَسَارَ إِلَيْهِ الْجَرَّاحُ الْحَكَمِيُّ فَاقْتَتَلُوا أَيَّامًا، ثُمَّ كَانَتِ الْهَزِيمَةُ عَلَى الْكُفَّارِ، وَذَلِكَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة خمس عشرة وَمِائَةٍ
تُوُفِّيَ الْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ عَلَى الأَشْهَرِ، وَالْجُنَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُرِّيُّ أَمِيرُ خُرَاسَانَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ بْنِ الْحَصِيبِ، وَعُمَرُ بْنُ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ، وَعُمَرُ بْنُ سَعِيدٍ النَّخَعِيُّ الْكُوفِيُّ. وَفِيهَا خَرَجَ عَنِ الطَّاعَةِ الْحَارِثُ بْنُ سُرَيْجٍ، وَتَغَلَّبَ عَلَى مَرْوَ وَالْجَوْزَجَانِ، فَحَارَبَهُ عَاصِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، ثُمَّ إِنَّ الْحَارِثَ قَطَعَ بِهِمْ نَهْرَ بَلْخٍ، فَسَارَ فِي طَلَبِهِ أَمِيرُ خُرَاسَانَ أَسَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ، فَالْتَقَوْا، فَانْهَزَمَ الْحَارِثُ وَنَجَا، وَأَسَرَ أَسَدٌ عِدَّةً مِنْ أَصْحَابِهِ وَبَدَّعَ فِيهِمْ. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سِنَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ
فِيهَا تُوُفِّيَ أَشْعَثُ بْنُ أَبِي الشَّعْثَاءِ سُلَيْمٍ، وَبُدَيْلُ بْنُ مَيْسَرَةَ الْعُقَيْلِيُّ، وَجَبَلَةُ بْنُ سُحَيْمٍ فِي قَوْلِ خَلِيفَةَ، وَأَبُو بِشْرٍ جَعْفَرُ بْنُ إِيَاسٍ، وَزِيَادُ بْنُ عِلاقَةَ الثَّعْلَبِيُّ، وَزَيْدُ بْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ الرُّهَاوِيُّ، وَسَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الزُّهْرِيُّ فِي قَوْلٍ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ حُمَيْدٍ بِمِصْرَ، وَصَالِحُ مَوْلَى التوأمة بِالْمَدِينَةِ، وَعَلِيُّ بْنُ نُفَيْلٍ الْحَرَّانِيُّ بِهَا، وَمُحَمَّدُ بن علي بن عبد الله بن عباس عَلَى الأَصَحِّ، وَمَرْثَدُ بْنُ سُمَيٍّ، وَالْوَلِيدُ بْنُ عبد الملك بْنِ أَبِي مَالِكٍ، وَهِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْخَلِيفَةُ، وَيَحْيَى بْنُ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ قُتِلَ كَأَبِيهِ. وَفِيهَا استُخْلِفَ الْوَليِدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَكَتَبَ إِلَى يُوسُفَ بْنِ مُحَمَّدٍ الثَّقَفِيِّ أَنْ يَبْعَثَ إِلَى أَمِيرِ الْعِرَاقِ يُوسُفَ بْنِ عُمَرَ الثَّقَفِيِّ بِالأَخَوَيْنِ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدٍ ابْنَيْ هِشَامِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَخْزُومِيِّ، فَلَمَّا قَدِمَا عَلَيْهِ عَذَّبَهُمَا حَتَّى هَلَكَا، وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ هَذَا قَدْ وَلِيَ الْحَرَمَيْنِ لِهِشَامٍ مُدَّةً وَأَقَامَ الْحَجَّ مُدَّةً. وَكَانَتِ الْفِتَنُ شَدِيدَةً بِالْمَغْرِبِ وَنِيرَانُ الْحَرْبِ تَسْتَعِرُ، وعليها الأمير -[357]- حَنْظَلَةُ بْنُ صَفْوَانَ، فَزَحَفَ إِلَيْهِ عُكَاشَةُ الْخَارِجِيُّ فِي جَمْعٍ فَالْتَقَوْا، فَكَانَتْ بَيْنَهُمْ وَقْعَةٌ لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهَا، وَانْهَزَمَ عُكَاشَةُ، وَقُتِلَ مِنَ الْبَرْبَرِ مَنْ لا يُحْصَى، ثُمَّ تَنَاخُوا وَسَارَ رَأْسُهُمْ عَبْدُ الْوَاحِدِ الْهَوَّارِيُّ بِنَفْسِهِ، فَجَهَّزَ حَنْظَلَةُ لِمُلْتَقَاهُ أَرْبَعِينَ أَلْفًا فَانْكَسَرُوا، وَوَلَّوِا الأَدْبَارَ وَقُتِلَ مِنْهُمْ عِشْرُونَ أَلْفًا، وَنَزَلَ عَبْدُ الْوَاحِدِ بِجُيوُشِهِ عَلَى فَرْسَخٍ مِنَ الْقَيْرَوَانِ، وَكَانَ فِيمَا قِيلَ فِي ثلاث مائة أَلْفٍ، فَبَذَلَ حَنْظَلَةُ الأَمْوَالَ، وَالسِّلاحَ وَعَبَّأَ عَشْرَةَ آلافٍ، فَخَرَجُوا وَمَعَهُمُ الْقُرَّاءُ وَالْوُعَّاظُ وَكَثُرَ الدُّعَاءُ، وَالاسْتِغَاثَةُ بِاللَّهِ وَضَجَّ النِّسَاءُ وَالأَطْفَالُ، وَكَانَتْ سَاعَةً مَشْهُودَةً، وَسَارَ حَنْظَلَةُ بَيْنَ الصُّفُوفِ يُحَرِّضُ عَلَى الْجِهَادِ، وَاسْتَسْلَمَتِ النِّسَاءُ لِلْمَوْتِ لِمَا يَعْلَمْنَ مِنْ رَأَيِ هَؤُلاءِ الصُّفْرِيَّةِ، ثُمَّ كَبَّرَ الْمُسْلِمُونَ وَصَدَقُوا الْحَمْلَةَ وَكَسَرُوا أَغْمَادَ سُيُوفِهِمْ، وَالْتَحَمَ الْحَرْبُ وَثَبَتَ الْجَمْعَانِ، ثُمَّ انْكَسَرَتْ مَيْسَرَةُ الإِسْلامِ، ثُمَّ تَرَاجَعُوا وَحَمَلُوا فَهَزَمُوا الْعَدُوَّ، وَقُتِلَ عَبْدُ الْوَاحِدِ الْهَوَّارِيُّ وَأُتِيَ بِرَأْسِهِ، وَقُتِلَ الْبَرْبَرُ مَقْتَلَةً لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهَا، وَأُسِرَ عُكَاشَةُ وَأُتِيَ بِهِ فَقَتَلَهُ حَنْظَلَةُ، وَأَمَرَ بِإِحْصَاءِ الْقَتْلَى بِالْقَصَبِ بِأَنْ طَرَحَ عَلَى كُلِّ قَتِيلٍ قَصَبَةٌ، ثُمَّ جَمَعَ الْقَصَبَ فَبَلَغَتْ مِائَةُ أَلْفٍ وَثَمَانِينَ أَلْفًا، وَهَذِهِ مَلْحَمَةٌ مَشْهُودَةٌ ما سمعنا قط بمثلها، وَهَؤُلاءِ الْكِلابُ يَسْتَبِيحُونَ سَبْيَ نِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَذُرِّيَتِهِمْ وَدِمَاءِهِمْ وَيُكَفِّرَونَ أَهْلَ الْقِبْلَةِ، وَتُعْرَفُ بِغْزَوَةِ الأَصْنَامِ بِاسْمِ قَرْيَةٍ هُنَاكَ. وَعَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: مَا غَزْوَةٌ كَانَ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَشْهَدَهَا بَعْدَ غَزْوَةِ بَدْرٍ مِنْ غَزْوَةِ الْغَرْبِ بِالأَصْنَامِ. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلاثِينَ وَمِائَةٍ
فِيهَا تُوُفِّي بُرْدُ بْنُ سِنَانٍ أَبُو الْعَلاءِ بِالْبَصْرَةِ، وَدَاوُدُ بْنُ الْحُصَيْنِ بِالْمَدِينَةِ، وَأَبُو عُقَيْلٍ زَهْرَةُ بْنُ مَعْبدٍ بِالثَّغْرِ، وَسَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلالٍ فِي قَوْلٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ، وَقِيلَ: سَنَةَ ثَلاثِينَ، وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي مُسْلِمٍ الْخُرَاسَانِيُّ، وَعُرْوَةُ بْنُ رُوَيْمٍ فِي قَوْل ابْنِ مُثَنَّى، وَيَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ الرُّهَاوِيُّ بِهَا، وَيَحْيَى بْنُ مُحَمَّدٍ أَخُو السَّفَّاحِ مَاتَ عَلَى إِمْرَةِ فَارِسٍ، ذَكَرَهُ ابْنُ عَسَاكِرَ مُخْتَصَرًا. وَفِيهَا خَلَعَ زِيَادُ بْنُ صَالِحٍ الطَّاعَةَ بِمَا وَرَاءَ النَّهْرِ فَتَهَيَّأَ لِحَرْبِهِ أَبُو مُسْلِمٍ الْخُرَاسَانِيُّ، وَبَعَثَ نَصْرُ بْنُ صَالِحٍ إِلَى تِرْمِذَ لِيُحْصِنُهَا فَقَتَلَهُ طَائِفَةٌ مِنَ الْخَوَارِجِ، وَسَارَ أَبُو مُسْلِمٍ إِلَى آمُلَ وَمَعَهُ سِبَاعُ بْنُ النُّعْمَانِ الأَزْدِيُّ الَّذِي قَدِمَ بِعَهْدِ زِيَادِ بْنِ صَالِحٍ مِنْ جِهَةِ السَّفَّاحِ، وَأَمَرَهُ السَّفَّاحُ إِنْ قَدِرَ عَلَى اغْتِيَالِ أَبِي مُسْلِمٍ فَلْيَفْعَلْ، فَفَهِمَ ذَلِكَ أَبُو مُسْلِمٍ فَقَبَضَ عَلَيْهِ وَسَجَنَهُ بِآمُلَ وَعَبَرَ إِلَى بُخَارَى، فَأَتَاهُ أَبُو شَاكِرٍ وَأَبُو سَعْدٍ وَقَدْ فَارَقَا زِيَادَ بْنَ صَالِحٍ فَسَأَلَهُمَا عَنْ شَأْنِ زِيَادٍ وَمَنْ أَفْسَدَهُ، فَقَالا: سِبَاعٌ، فَكَتَبَ إِلَى وَالِي آمُلَ فَقَتَلَ سِبَاعًا، وَلَمَّا تَفَلَّلَ عَنْ زِيَادٍ أَعْوَانُهُ وَلَحِقُوا بِأَبِي مُسْلِمٍ لَحِقَ بِدَهْقَانَ بَازِلْتُ فَضَرَبَ الدِّهْقَانُ عُنُقَهُ وَتَقَرَّبَ بِرَأْسِهِ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ. وَفِيهَا، أو في التي قبلها، أغزى السَّفَّاحُ عَمَّهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَلِيٍّ عَلَى الصَّائِفَةِ فَحَزِرَهَا النَّاسُ بِمِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ، قَالَهُ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ.
تُوُفِّيَ فِيهَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ، وَأَخُوهُ إِبْرَاهِيمُ قَتْلا، وَالأَجْلَحُ الْكِنْدِيُّ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ، وَأُنَيْسُ بْنُ أَبِي يَحْيَى الأَسْلَمِيُّ، وَحَبِيبُ بْنُ الشَّهِيدِ، وَحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَأَةَ، وَالْحَسَنُ بْنُ ثَوْبَانَ، وَالْحَسَنُ بْنُ الْحَسَنِ بْنُ الْحَسَنِ فِي سِجْنِ الْمَنْصُورِ، وَرُؤْبَةُ بْنُ -[782]- الْعَجَّاجِ التَّمِيمِيُّ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَرْمَلَةَ الأَسْلَمِيُّ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ الْكُوفِيُّ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى عَفْرَةَ، وَعَمْرُو بْنُ ميمون بن مهران الجزري، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الدِّيبَاجُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ، وَهِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ فِي قَوْلٍ، وَيَحْيَى بْنُ الْحَارِثِ الذِّمَارِيُّ، وَنَصْرُ بْنُ حَاجِبٍ الْخُرَاسَانِيُّ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ أَبُو حَيَّانَ التَّيْمِيُّ. وَفِيهَا بَالَغَ رِيَاحٌ وَالِي الْمَدِينَةِ فِي طلب محمد بن عبد الله حتى أحرجه. فَعَزَمَ عَلَى الظُّهُورِ، فَدَخَلَ مَرَّةً الْمَدِينَةَ خُفْيَةً. فَعَنِ الْفَضْلِ بْنِ دُكَيْنٍ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، وَابْنَ أَبِي ذِئْبٍ، وَعَبْدَ الْحَمِيدِ بْنَ جَعْفَرٍ قَدْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا: مَا تَنْتَظِرُ بِالْخُرُوجِ، وَاللَّهِ مَا نَجِدُ فِي هَذِهِ الْبَلْدَةَ أَشْأَمَ عَلَيْهَا مِنْكَ، مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَخْرُجَ، أخْرُجْ وَحْدَكَ، فَكَانَ مِنْ قِصَّتِهِ أَنَّ رِيَاحًا طَلَبَ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ وَبَنِي عَمِّهِ وَجَمَاعَةً مِنْ وُجُوهِ قُرَيْشٍ لَيْلَةً، قال راوي القصة: إنا لعنده، إذ سمعنا التَّكْبِيرَ فَقَامَ رِيَاحٌ فَاخْتَفَى وَخَرَجْنَا نَحْنُ فَكَانَ ظُهُورُ مُحَمَّدٍ بِالْمَدِينَةِ فِي مِائَتَيْ رَجُلٍ وَخَمْسِينَ رَجُلا، فَمَرَّ بِالسُّوقِ، ثُمَّ مَرَّ بِالسِّجْنِ، فَأَخْرَجَ مَنْ فِيهِ، وَدَخَلَ دَارَهُ وَأَتَى عَلَى حِمَارِهِ وذلك في أول رجب، ثم أمر بِرِيَاحٍ، وَابْنَيْ مُسْلِمٍ فَحُبِسُوا بَعْدَ أَنْ مَانَعَ أَصْحَابُ رِيَاحٍ بَعْضَ الشَّيْءِ. وَلَمَّا خَطَبَ مُحَمَّدٌ حَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ كَانَ مَنْ أَمْرِ هَذَا الطَّاغِيَةِ عَدُوِّ اللَّهِ أَبِي جَعْفَرٍ مَا لَمْ يَخْفَ عَلَيْكُمْ مِنْ بِنَائِهِ الْقُبَّةَ الْخَضْرَاءَ الَّتِي بَنَاهَا مُعَانَدَةً لِلَّهِ فِي مُلْكِهِ وَتَصْغِيرًا لِكَعْبَةِ اللَّهِ، وَإِنَّمَا أَخَذَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ حِينَ قَالَ: {{أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى}} إِنَّ أَحَقَّ النَّاسِ بِالْقِيَامِ فِي هَذَا الدِّينِ أَبْنَاءُ الْمُهَاجِرِينَ، وَالأَنْصَارِ، اللَّهُمَّ إِنَّهُمْ قَدْ فَعَلُوا وَفَعَلُوا فَاحْصِهِمْ عَدَدًا وَاقْتُلْهُمْ بَدَدًا وَلا تُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا. قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ: كَانَ الْمَنْصُورُ يَكْتُبُ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عن أَلْسُنِ قُوَّادُهُ يَدْعُونَهُ إِلَى الظُّهُورِ وَيُخْبِرُونَهُ أَنَّهُمْ مَعَهُ فَكَانَ مُحَمَّدٌ يَقُولُ: لَوِ الْتَقَيْنَا لَمَالَ إِلَيَّ الْقُوَّادُ كُلُّهُمْ، وَقَدْ خَرَجَ مَعَهُ مثل ابن عَجْلانَ، وَعَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: خَرَجَ ابْنُ عَجْلانَ مَعَهُ فَلَمَّا قُتِلَ، وَوَلِيَ الْمَدِينَةَ -[783]- جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ أَتَوْهُ بِابْنِ عَجْلانَ فَكَلَّمَهُ جَعْفَرٌ كَلامًا شَدِيدًا وَقَالَ: خَرَجْتُ مَعَ الْكَذَّابِ وَأَمَرَ بِقَطْعِ يَدِهِ. فَلَمْ يَنْطِقْ إِلا أَنَّهُ حَرَّكَ شَفَتَيْهِ، فَقَامَ مَنْ حَضَرَ مِنَ الْعُلَمَاءِ فَقَالُوا: أَصْلَحَ اللَّهُ الأَمِيرَ، إِنَّ ابْنَ عَجْلانَ فَقِيهُ الْمَدِينَةِ وَعَابِدُهَا، وَإِنَّمَا شُبِّهَ عَلَيْهِ وَظَنَّ أَنَّهُ الْمَهْدِيُّ الَّذِي جَاءَتْ فِيهِ الرِّوَايَةُ، وَلَمْ يَزَالُوا يَرْغَبُونَ إِلَيْهِ حَتَّى تَرَكَهُ. وَلَزِمَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ضَيْعَةً لَهُ وَاعْتَزَلَ فِيهَا، وَخَرَجَ أَخَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَأَبُو بَكْرٍ مَعَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَلَمْ يُقْتَلا، عَفَا عَنْهُمَا الْمَنْصُورُ. وَاخْتَفَى جَعْفَرٌ الصَّادِقُ وَذَهَبَ إِلَى مَالٍ لَهُ بِالْفَرْعِ مُعْتَزِلا لِلْفِتْنَةِ رَحِمَهُ اللَّهُ، ثُمَّ إِنَّ مُحَمَّدًا اسْتَعْمَلَ عُمَّالَهُ عَلَى الْمَدِينَةِ وَلَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْهُ مِنَ الْوُجُوهِ إِلا نَفَرٌ، مِنْهُمُ الضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ منذر الحزاميان، وَخُبَيْبُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ. قَالَ سَعْدُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ: أَخْبَرَنِي غَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّ مَالِكًا اسْتُفْتِيَ فِي الْخُرُوجِ مَعَ مُحَمَّدٍ وَقِيلَ لَهُ: إِنَّ فِي أَعْنَاقِنَا بَيْعَةٌ لِلْمَنْصُورِ، فَقَالَ: إِنَّمَا بَايَعْتُمْ مُكْرَهِينَ وَلَيْسَ عَلَى مُكْرَهٍ يَمِينٌ، فَأَسْرَعَ النَّاسُ إِلَى مُحَمَّدٍ وَلَزِمَ مَالِكٌ بَيْتَهُ. قَالَ أَبُو داود السجستاني: كان سفيان الثوري يَتَكَلَّمُ فِي عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ لِخُرُوجِهِ مَعَ مُحَمَّدٍ وَيَقُولُ: إِنْ مَرَّ بِكَ الْمَهْدِيُّ وَأَنْتَ فِي الْبَيْتِ فَلا تَخْرُجْ إِلَيْهِ حَتَّى يَجْتَمِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ. وَذَكَرَ سُفْيَانُ صِفِّينَ فَقَالَ: مَا أَدْرِي أَخْطُأوا أَمْ أَصَابُوا. وَقِيلَ: أَرْسَلَ مُحَمَّدٌ إِلَى إِسْمَاعِيلَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَقَدْ شَاخَ لِيُبَايِعَهُ فقال: يا ابن أَخِي، أَنْتَ وَاللَّهِ مَقْتُولٌ، كَيْفَ أُبَايِعُكَ؟ فَارْتَدَعَ النَّاسُ عَنْهُ قَلِيلا، فَأَتَتْهُ حَمَّادَةُ بِنْتُ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَتْ: يَا عَمِّ، إِنَّ إِخْوَتِي قَدْ أَسْرَعُوا إِلَى ابْنِ خَالِهِمْ فَلا تثبط عنه الناس فتقتل ابْنُ خَالِي وَإِخْوَتِي، فَأَبَى إِلا أَنْ يَنْهَى عَنْهُ، فَيُقَالُ: إِنَّهَا قَتَلَتْهُ، فَأَرَادَ مُحَمَّدٌ الصَّلاةَ عليه، فقال ابنه عبد الله: تقتل أَبِي وَتُصَلِّي عَلَيْهِ؟ فَنَحَّاهُ الْحَرَسُ وَصَلَّى مُحَمَّدٌ. ثُمَّ إِنَّهُ اسْتَعْمَلَ عَلَى مَكَّةَ الْحَسَنَ بْنَ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ، وَعَلَى الْيَمَنِ الْقَاسِمَ بْنَ إِسْحَاقَ، فَقُتِلَ الْقَاسِمُ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهَا، وَاسْتَعْمَلَ -[784]- عَلَى الشَّامِ مُوسَى بْنَ عَبْدَةَ لِيَذْهَبَ إِلَيْهَا وَيَدْعُو إِلَى مُحَمَّدٍ فَقُتِلَ مُحَمَّدٌ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ مُوسَى. وَكَانَ مُحَمَّدٌ شَدِيدَ الأَدَمَةِ جَسِيمًا فِيهِ تَمْتَمَةٌ. وَرَوَى عَبَّاسُ بْنُ سُفْيَانَ عَنْ أَشْيَاخٍ لَهُ قَالُوا: لَمَّا ظَهَرَ مُحَمَّدٌ قَالَ الْمَنْصُورُ لِإِخْوَتِهِ: إِنَّ هَذَا الأَحْمَقُ يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَلِيٍّ، وَكَانَ فِي سِجْنِهِ لا يَزَالُ يَطْلُعُ لَهُ الرَّأْيُ الْجَيِّدُ فِي الْحَرْبِ فَادْخُلُوا عَلَيْهِ فَشَاوِرُوهُ وَلا تُعْلِمُوهُ أَنِّي أَمَرْتُكُمْ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ جَمِيعًا، فَلَمَّا رَآهُمْ قَالَ: لِأَمْرٍ مَا جِئْتُمْ وَمَا جَاءَ بِكُمْ جَمِيعًا وَقَدْ هَجَرْتُمُونِي مِنْ دَهْرٍ؟ قَالُوا: اسْتَأْذَنَّا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَأَذِنَ لَنَا. قَالَ: لَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ فَمَا الْخَبَرُ؟ قَالُوا: خرج مُحَمَّد. قال: فما ترون ابن سلامة صانعا، يعني المنصور، قَالُوا: لا نَدْرِي. قَالَ: إِنَّ الْبُخْلَ قَدْ قَتَلَهُ فَمُرُوهُ أَنْ يُخْرِجَ الأموال ويعط الأَجْنَادَ فَإِنْ غَلَبَ فَمَا أَوْشَكَ أَنْ يَعُودَ إِلَيْهِ مَالُهُ. قَالَ: وَجَهَّزَ الْمَنْصُورُ عِيسَى بْنَ مُوسَى لِحَرْبِ مُحَمَّدٍ وَكَتَبَ إِلَيْهِ: {{إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا}} إِلَى قوله: {{إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ}} الآيَةَ. وَلَكَ عَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقُهُ وَذِمَّتُهُ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ إِنْ تُبْتَ وَرَجَعْتَ أُؤَمِّنُكَ وَجَمِيعَ أَهْلِ بَيْتِكَ وَأَفْعَلُ لَكَ وَأُعْطِيكَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ وَمَا سَأَلْتَ مِنَ الْحَوَائِجِ، فَكَتَبَ جَوَابَهُ إِلَى الْمَنْصُورِ: مِنَ الْمَهْدِيِّ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أبي عَبْدِ اللَّهِ: {{طسم تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ نتلو عَلَيْكَ}} إِلَى قَوْلِهِ {{مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ}} وَأَنَا أَعْرِضُ عَلَيْكَ مِنَ الأَمَانِ مِثْلَ مَا عَرَضْتَ عَلَيَّ، فَإِنَّ الْحَقَّ حَقُّنَا، وَإِنَّمَا ادَّعَيْتُمْ هَذَا الأَمْرَ بِنَا، ثُمَّ ذَكَرَ شَرَفَهُ، وَأُبُوَّتَهُ حَتَّى إِنَّهُ قَالَ: فَأَنَا ابْنُ أَرْفَعِ النَّاسِ دَرَجَةً فِي الْجَنَّةِ، وَابْنُ أَهْوَنِهِمْ عَذَابًا فِي النَّارِ، وَأَنَا ابْنُ خَيْرِ الأَخْيَارِ، وَابْنُ خَيْرِ الأَشْرَارِ، وَابْنُ خَيْرِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَابْنُ خَيْرِ أَهْلِ النَّارِ، وَأَنَا أَوْفَى بِالْعَهْدِ مِنْكَ لِأَنَّكَ أَعْطَيْتَنِي مِنَ الْعَهْدِ وَالأَمَانِ مَا أَعْطَيْتَهُ رِجَالا قَبْلِي، فَأَيَّ الأَمَانَاتِ تُعْطِينِي! أَمَانُ ابْنِ هُبَيْرَةَ، أَمْ أَمَانُ عَمِّكَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ، أَمْ أَمَانُ أَبِي مُسْلِمٍ. -[785]- فَأَجَابَهُ الْمَنْصُورُ: جَلَّ فَخَرَكَ بِقَرَابَةِ النِّسَاءِ، لِتَضِلَّ بِهِ الْغَوْغَاءُ، لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ النِّسَاءَ كَالْعُمُومَةِ، بَلْ جَعَلَ الْعَمَّ أَبًا، وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ كَذَا، فَأَمْرُهُ كَذَا، وَلَقَدْ بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَهُ أَعْمَامٌ أَرْبَعَةٌ، فَأَجَابَ اثْنَانِ، أَحَدُهُمَا أَبِي، وَأَبَى اثْنَانِ، أَحَدُهُمَا أَبُوكَ، فَقَطَعَ اللَّهُ وِلايَتَهُمَا مِنْهُ، وَلا ينبغي لك ولا لمؤمن أن يفخر بالنار. وَفَخْرُكَ بِأَنَّكَ لَمْ تَلِدْكَ أَمَةٌ فَتَعَدَّيْتَ طَوْرَكَ وفخرت على من هو خير منك، إبراهيم ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَمَا خِيَارُ بَنِي أَبِيكَ إِلا بَنُو إِمَاءٍ، مَا وُلِدَ فِيكُمْ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَفْضَلُ مِنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَهُوَ لأُمِّ وَلَدٍ، وَهُوَ خَيْرٌ مِنْ جَدِّكَ، وَمَا كَانَ فِيكُمْ بَعْدَهُ مِثْلُ ابْنِهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، وَجَدَّتُهُ أَمُّ وَلَدٍ، وَهُوَ خَيْرٌ مِنْ أَبِيكَ، وَلا مِثْلُ ابْنِهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَهُوَ خَيْرٌ مِنْكَ، وَأَمَّا قَوْلُكَ إِنَّكُمْ بَنُو رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ فِي كِتَابِهِ {{مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ}}، وَلَكِنَّكُمْ بَنُو ابْنَتِهِ، وَأَمَّا مَا فَخَرْتَ بِهِ مِنْ عَلِيٍّ، وَسَابِقَتِهِ، فَقَدْ حَضَرَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - الْوَفَاةُ فَأَمَّرَ غَيْرَهُ بِالصَّلاةِ، ثُمَّ أَخَذَ النَّاسُ رَجُلا بَعْدَ رَجُلٍ فَلَمْ يَأْخُذُوهُ، وَكَانَ فِي سِتَّةِ أَهْلِ الشُّورَى فَتَرَكُوهُ، ثُمَّ قُتِلَ عُثْمَانُ، وَهُوَ بِهِ مُتَّهمٌ، وَقَاتَلَهُ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ، وَأَبَى سَعْدٌ بَيْعَتَهُ وَأَغْلَقَ دُونَهُ بَابَهُ، ثُمَّ طَلَبَهَا بِكُلِّ وَجْهٍ، وَقَاتَلَ عَلَيْهَا، وَتَفَرَّقَ عَنْهُ عَسْكَرُهُ، وَشَكَّ فِيهِ شِيعَتُهُ قَبْلَ الْحُكُومَةِ، ثُمَّ حَكَّمَ حَكَمَيْنِ رَضِيَ بِهِمَا وَأَعْطَاهُمَا عَهْدَهُ وَمِيثَاقَهُ، فَاجْتَمَعَا عَلَى خَلْعِهِ، ثُمَّ قَامَ بَعْدَهُ حَسَنٌ فَبَاعَهَا مِنْ مُعَاوِيَةَ بِدَرَاهِمَ وَثِيَابٍ وَلَحِقَ بِالْحِجَازِ، وَأَسْلَمَ شِيعَتَهُ بِيَدِ مُعَاوِيَةَ وَدَفَعَ الأَمْرَ إِلَى غَيْرِ أهله، وأخذ مالاً من غير ولاته، فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فِيهَا شَيْءٌ فَقَدْ بِعْتُمُوهُ. ثم خرج الحسين بن عَلِيٍّ عَلَى ابْنِ مَرْجَانَةَ فَكَانَ النَّاسُ مَعَهُ عَلَيْهِ حَتَّى قَتَلُوهُ، ثُمَّ خَرَجْتُمْ عَلَى بَنِي أُمَيَّةَ فَقَتَلُوكُمْ وَصَلَّبُوكُمْ حَتَّى قُتِلَ يَحْيَى بْنُ زيد بْنِ عَلِيٍّ بِخُرَاسَانَ، وَقَتَلُوا رِجَالَكُمْ وَأَسَرُوا الصِّبْيَةَ وَالنِّسَاءَ، وَحَمَلُوكُمْ بِلا وِطَاءٍ فِي الْمَحَامِلِ إِلَى الشَّامِ حَتَّى خَرَجْنَا عَلَى بَنِي أُمَيَّةَ فَطَلَبْنَا بثأركم وأدركنا بدمائكم وفضلنا سلفكم فاتخذت ذَلِكَ عَلَيْنَا حُجَّةً، وَظَنَنْتُ إِنَّمَا ذَكَرْنَا أَبَاكَ وَفَضَّلْنَاهُ لِلتَّقْدِمَةِ مِنَّا لَهُ عَلَى حَمْزَةَ وَالْعَبَّاسِ، وجعفر، وليس -[786]- كَمَا ظَنَنْتُ، وَلَقَدْ خَرَجَ هَؤُلاءِ مِنَ الدُّنْيَا سَالِمِينَ، مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِمْ بِالْفَضْلِ، وَابْتُلِيَ أَبُوكُمْ بِالْقِتَالِ وَالْحَرْبِ، فَكَانَتْ بَنُو أُمَيَّةَ تَلْعَنُهُ كَمَا تَلْعَنُ الْكَفَرَةَ فِي الصَّلاةِ الْمَكْتُوبَةِ، فَاحْتَجَجْنَا لَهُ وَذَكَرْنَا فَضْلَهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وَكَانَ مُحَمَّدٌ قَدْ أَخْرَجَ مِنَ السِّجْنِ بِالْمَدِينَةِ مُحَمَّدَ بْنَ خَالِدٍ الْقَسْرِيَّ، فَرَأَى الْقَسْرِيُّ أَنَّ الأَمْرَ ضَعِيفٌ، فَكَتَبَ إِلَى الْمَنْصُورِ فِي أَمْرِهِ فَبَلَغَ مُحَمَّدًا فَحَبَسَهُ. قال ابن عساكر: ذبح ابن خضير أَحَدُ أَعْوَانِ مُحَمَّدٍ رِيَاحَ بْنَ عُثْمَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وَأَمَّا ابْنُ مُعَاوِيَةَ فَلَمَّا مَضَى إِلَى مَكَّةَ كَانَ فِي سَبْعِينَ رَاكِبًا وَسَبْعَةِ أَفْرَاسٍ فَقَاتَلَ السَّرِيَّ أَمِيرَ مَكَّةَ فَقُتِلَ سَبْعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ السَّرِيِّ، فَانْهَزَمَ السَّرِيُّ وَدَخَلَ ابْنُ مُعَاوِيَةَ مَكَّةَ فَخَطَبَ وَنَعَى إِلَيْهِمُ الْمَنْصُورَ، وَدَعَا لمحمد، ثم بعد أيام أتاه كتاب محمد يأمره باللحاق به، فجمع جموعاً تقدم بها على محمد، فَلَمَّا كَانَ بقَدِيدَ بَلَغَهُ مَصْرَعُ مُحَمَّدٍ فَانْهَزَمَ إلى البصرة فلحق بإبراهيم بن عَبْدِ اللَّهِ حَتَّى قَتَلَ إِبْرَاهِيمَ. وَنَدَبَ الْمَنْصُورُ لقتال محمد ابن عَمِّهِ عِيسَى بْنِ مُوسَى وَقَالَ فِي نَفْسِهِ: لا أُبَالِي أَيُّهُمَا قَتَلَ صَاحِبَهُ، فَجَهَّزَ مَعَ عيسى أربعة آلاف فارس، وفيهم محمد ابن السَّفَّاحِ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى فَنْدَ كَتَبَ إِلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي خِرَقِ الْحَرِيرِ يَتَأَلَّفُهُمْ، فَتَفَرَّقَ عَنْ مُحَمَّدٍ خَلْقٌ، وَسَارَ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِتَلَقِّي عيسى والتحيز إليه، فاستشار محمد عَبْدَ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ فَقَالَ: أَنْتَ أَعْلَمُ بِضَعْفِ جَمْعِكَ وَقِلَّتِهِمْ، وَبِقُوَّةِ خَصْمِكَ وَكَثْرَةِ جُنْدِهِ، وَالرَّأْيُ أَنْ تَلْحَقَ بِمِصْرَ، فَوَاللَّهِ لا يَرُدُّكَ عَنْهَا رَادٌّ فَيُقَاتِلُ الرَّجُلُ بِمِثْلِ رِجَالِهِ وَسِلاحِهِ، فَصَاحَ جُبَيْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تَخْرُجَ مِنَ الْمَدِينَةِ وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " رَأَيْتُنِي فِي دِرْعٍ حَصِينَةٍ فَأَوَّلْتُهَا الْمَدِينَةَ ". ثُمَّ إِنَّ مُحَمَّدًا اسْتَشَارَ: هَلْ يُخَنْدِقُ عَلَى نَفْسِهِ، فَاخْتَلَفَ عَلَيْهِ رَأْيُ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا تيَقَّنْ قُرْبَ عِيسَى بْنِ مُوسَى مِنْهُ، حَفَرَ خَنْدَقَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَحَفَرَ فِيهِ بِيَدِهِ تَأَسِّيًا بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم -. -[787]- وَعَنْ عُثْمَانَ الزُّبَيْرِيِّ قَالَ: اجْتَمَعَ مَعَ مُحَمَّدٍ جَمْعٌ لَمْ أَرَ أَكْثَرَ مِنْهُ، إِنِّي لأَحْسَبُنَا قد كنا مائة ألف، فلما دنا منا عِيسَى خَطَبَنَا مُحَمَّدٌ فَقَالَ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلُ قَدْ قَرُبَ مِنْكُمْ فِي عَدَدٍ وَعُدَدٍ، وَقَدْ حَلَلْتُكُمْ مِنْ بَيْعَتِي، فَمَنْ أَحَبَّ فَلْيَنْصَرِفْ، قَالَ: فَتَسَلَّلُوا حَتَّى بَقِيَ فِي شِرْذِمَةٍ. وَخَرَجَ النَّاسُ من المدينة بأولادهم إلى الأَعْوَصِ وَالْجِبَالِ، فَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُمْ عِيسَى، بَلْ جهز خمس مائة إِلَى ذِي الْحَلِيفَةِ يُمْسِكُونَ طَرِيقَ مَكَّةَ عَلَى مُحَمَّدٍ، ثُمَّ رَاسَلَهُ يَدْعُوهُ إِلَى الطَّاعَةِ وَأَنَّ الْمَنْصُورَ قَدْ أَمَّنَهُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ: إِيَّاكَ أَنْ يَقْتُلَكَ مَنْ يَدْعُوكَ إِلَى اللَّهِ فَتَكُونَ شَرَّ قَتِيلٍ، أَوْ تَقْتُلُهُ فَيَكُونَ أَعْظَمَ لِوِزْرِكَ. فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عِيسَى: لَيْسَ بَيْنَنَا إِلا الْقِتَالُ، فَإِنْ أَبَيْتَ إِلا الْقِتَالَ نُقَاتِلُكَ عَلَى مَا قَاتَلَ عليه خير آبائك، علي طلحة وَالزُّبَيْرُ عَلَى نَكْثِ بَيْعَتِهِمْ لَهُ. وَعَنْ مَاهَانَ مَوْلَى قَحْطَبَةَ قَالَ: لَمَّا صِرْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ أَتَانَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُصْعَبٍ طَلِيعَةً فَطَافَ بِعَسْكَرِنَا حَتَّى حَزَّرَهُ، ثُمَّ ذَهَبَ عَنَّا فَرُعْبِنَا مِنْهُ، حَتَّى جَعَلَ عِيسَى، وَحُمَيْدُ بْنُ قَحْطَبَةَ يَقُولانِ: فَارِسٌ وَاحِدٌ يَكُونُ طَلِيعَةً لِأَصْحَابِهِ! فَلَمَّا كَانَ عَنَّا مَدَّ الْبَصَرَ نَظَرْنَا إِلَيْهِ مُقِيمًا لا يَزُولُ، فَقَالَ حُمَيْدٌ: وَيْحَكُمُ انْظُرُوا، فوجه إليه فارسين، فوجدا دابته قد عَثُرَتْ بِهِ فَتَقَوَّسَ الْجَوْشَنُ فِي عُنُقِهِ فَقَتَلَهُ، فَأَخَذَا سَلْبَهُ وَرَجَعَا بِتَنُّورٍ مُذَهَّبٍ لَمْ يُرَ مِثْلُهُ. قِيلَ: كَانَ لِمُصْعَبٍ جَدَّهُ أَمِيرُ الْعِرَاقِ. ثُمَّ إِنَّ عِيسَى أَحَاطَ بِالْمَدِينَةِ فِي أَثْنَاءِ شهر رمضان، ثم دعا محمدا إِلَى الطَّاعَةِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ سَاقَ بِنَفْسِهِ فِي خَمْسِمِائَةٍ فَوَقَفَ بِقُرْبِ السُّورِ فَنَادَى: يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ دِمَاءَ بَعْضِنَا عَلَى بَعْضٍ، فَهَلُمُّوا إِلَى الأَمَانِ، فَمَنْ جَاءَ إِلَيْنَا فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ دَارَهُ أَوِ الْمَسْجِدَ أَوْ أَلْقَى سِلاحَهُ فَهُوَ آمِنٌ، خَلُّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ صَاحِبِنَا فَإِمَّا لَنَا وَإِمَّا لَهُ، قَالَ: فَشَتَمُوهُ، فَانْصَرَفَ يَوْمَئِذٍ فَفَعَلَ مِنَ الْغَدِ كَذَلِكَ، ثُمَّ عَبَّأَ جَيْشَهُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ، وَزَحَفَ فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ ظَهَرَ عَلَى الْمَدِينَةِ، وَلَمَّا الْتَحَمَ الْحَرْبُ نَادَى: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَمَرَنِي أَنْ لا أُقَاتِلَ حَتَّى أَعْرِضَ عَلَيْكَ الأَمَانَ، فَلَكَ الأَمَانُ عَلَى نَفْسِكَ وَمَنِ اتَّبَعَكَ، وَتُعْطَى مِنَ الْمَالِ كَذَا وَكَذَا، فَصَاحَ: أَلْهُ عَنْ هَذَا، فَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ لا يُثْنِينِي عَنْكُمْ فَزَعٌ، وَلا يُقَرِّبُنِي مِنْكُمْ طَمَعٌ، ثُمَّ تَرَجَّلَ. قَالَ عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ: فَإِنِّي لأَحْسَبُهُ قَتَلَ يَوْمَئِذٍ بِيَدِهِ سَبْعِينَ رَجُلا. -[788]- وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ قَالَ: دَعَا عِيسَى عَشَرَةً مِنْ آلِ أَبِي طَالِبٍ مِنْهُمُ الْقَاسِمِ بْنُ حَسَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ حَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، قَالَ: فَجِئْنَا سُوقَ الْحَطَّابِينَ، فَدَعَوْنَاهُمْ فَسَبُونَا وَرَشَقُونَا بِالنَّبْلِ، وَقَالُوا: هَذَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَنَا وَنَحْنُ مَعَهُ، فَقَالَ لَهُمُ الْقَاسِمُ: وَأَنَا ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ، وَأَكْثَرُ مَنْ ترَوْنَ مَعِي بَنُو رَسُولِ اللَّهِ، وَنَحْنُ نَدْعُوكُمْ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَحَقْنِ دِمَائِكُمْ، وَرَجَعْنَا، فَأَرْسَلَ عِيسَى حُمَيْدَ بْنَ قَحْطَبَةَ فِي مائة. وجعل محمد ستور المسجد دراريع لِأَصْحَابِهِ، وَكَانَ مَعَ الأَفْطَسِ عَلَمٌ أَصْفَرُ فِيهِ صُورَةٌ حَيَّةٌ. وَقَالَ عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ: كُنَّا يَوْمَئِذٍ مَعَ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عِدَّةَ أَصْحَابِ بَدْرٍ، ثُمَّ لَقِينَا عِيسَى فَتَبَارَزَ جَمَاعَةٌ. وَعَنْ مَسْعُودٍ الرَّحَّالِ قَالَ: شَهِدْتُ مَقْتَلَ مُحَمَّدٍ بِالْمَدِينَةِ، فَإِنِّي لأَنْظُرُ إِلَيْهِمْ عِنْدَ أَحْجَارِ الزَّيْتِ، وَأَنَا مُشْرِفٌ مِنْ سَلْعٍ، إِذْ نَظَرْتُ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ عِيسَى قَدْ أَقْبَلَ عَلَى فَرَسٍ فَدَعَا إِلَى الْبِرَازِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ رَاجِلٌ عَلَيْهِ قَبَاءُ أَبْيَضُ، فَنَزَلَ إِلَيْهِ الْفَارِسُ، فَقَتَلَهُ الرَّاجِلُ وَرَجَعَ، ثُمَّ بَرَزَ آخَرُ مِنْ أَصْحَابِ عِيسَى، فَبَرَزَ لَهُ ذَلِكَ الرَّجُلُ، فَقَتَلَهُ، ثُمَّ بَرَزَ ثَالِثٌ فَقَتَلَهُ، فَاعْتَوَرَهُ أَصْحَابُ عِيسَى يَرْمُونَهُ، فَأَثْبَتُوهُ، فَأَسْرَعَ فَمَا وَصَلَ إِلَى أَصْحَابِهِ حَتَّى خَرَّ صَرِيعًا، وَدَامَ الْقِتَالُ مِنْ بَكْرَةٍ إِلَى العصر، وطم أصحاب عيسى الخندق، وجازت الْخَيْلُ، وَذَهَبَ مُحَمَّدٌ يَوْمَئِذٍ قَبْلَ الظُّهْرِ، فَاغْتَسَلَ وَتَحَنَّطَ، ثُمَّ جَاءَ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جعفر، فقلت له: بأبي أنت وأمي، ما لك بِمَا تَرَى طَاقَةٌ، فَاخْرُجْ تَلْحَقْ بِالْحَسَنِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بِمَكَّةَ، فَإِنَّ مَعَهُ جُلَّ أَصْحَابِكَ، فَقَالَ: لَوْ رُحْتُ لَقُتِلَ هَؤُلاءِ، فَوَاللَّهِ لا أَرْجِعُ حَتَّى أَقْتُلُ أَوْ أُقْتَلُ، وَأَنْتُ مِنِّي فِي سَعَةٍ فَاذْهَبْ حَيْثُ شِئْتَ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ: رَأَيْتُ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ جُبَّةٌ مُمَشَّقَةٌ، وَهُوَ عَلَى بِرْذَوْنٍ، وَابْنُ خُضَيْرٍ يُنَاشِدُهُ اللَّهَ إِلا مَضَى إِلَى الْبَصْرَةِ، وَمُحَمَّدٌ يَقُولُ: وَاللَّهِ لا تُبْلَوُنَّ بِي مَرَّتَيْنِ، وَلَكِنِ اذْهَبْ فَأَنْتَ فِي حِلٍّ. فَقَالَ: وَأَيْنَ الْمَذْهَبُ عَنْكَ؟ ثُمَّ مَضَى فَأَحْرَقَ الدِّيوَانَ وَقَتَلَ رِيَاحًا فِي الْحَبْسِ، ثُمَّ لَحِقَ مُحَمَّدًا بِالثَّنِيَّةِ، فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ. -[789]- وَقِيلَ: قَتَلَ مَعَ رِيَاحٍ أَخَاهُ عَبَّاسَ بْنَ عُثْمَانَ، وَكَانَ مُسْتَقِيمَ الطَّرِيقَةِ، فَعَابَ النَّاسُ ذَلِكَ عَلَيْهِ، ثُمَّ إِنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى الْعَصْرَ وَعَرْقَبَ فَرَسَهُ، وَعَرْقَبَ بَنُو شُجَاعٍ دَوَابَّهُمْ، وَكَسَرُوا أَجْفَانَ سيوفهم، فقال لهم: قد بايعتموني ولست ببائع حَتَّى أُقتَلَ، ثُمَّ أَنَّهُ حَمَلَ وَهَزَمَ أَصْحَابَ عِيسَى مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ جَاءَ أَصْحَابُ عِيسَى مِنْ ناحية بني غفار، وجاؤوا مِنْ خَلْفِ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ، فَنَادَى مُحَمَّدٌ حُمَيْدَ بْنَ قَحْطَبَةَ: إِنْ كُنْتَ فَارِسًا فَابْرُزْ، فَلَمْ يبرزَ لَهُ، وَجَعَلَ حُمَيْدٌ يَدْعُو ابْنَ خُضَيْرٍ إِلَى الأَمَانِ، وَيَشُحُّ بِهِ عَنِ الْمَوْتِ، وَهُوَ يَشُدُّ عَلَى النَّاسِ بِسَيْفِهِ مُتَرَجِّلا، وَخَالَطَ النَّاسَ، فَجَاءَتْهُ ضَرْبَةٌ عَلَى أَلْيَتِهِ، وَأُخْرَى عَلَى عَيْنِهِ فَخَرَّ، وَقَاتَلَ مُحَمَّدٌ عَلَى جُثَّتِهِ حَتَّى قُتِلَ، وَعَهِدَ الَّذِينَ دَخَلُوا الْمَدِينَةَ مِنْ نَاحِيَةِ بَنِي غِفَارٍ فَنَصَبُوا عَلَمًا أَسْوَدَ عَلَى الْمَنَارَةِ، وَدَخَلَ حُمَيْدُ بْنُ قَحْطَبَةَ فِي زُقَاقٍ أَشْجَعَ، فَهَجَمَ عَلَى مُحَمَّدٍ فَقَتَلَهُ وَهُوَ غَافِلٌ، وَأَخَذَ رَأْسَهُ، وَقَتَلَ مَعَهُ جَمَاعَةً. وَقِيلَ: جَاءَتْ مُحَمَّدًا ضَرْبَةٌ عَلَى أُذُنِهِ، فَبَرَكَ وَجَعَلَ يَذُبُّ عَنْ نَفْسِهِ بسيفه ويقول: ويحكم ابن نَبِيَّكُمْ مَظْلُومٌ، فَنَزَلَ حُمَيْدٌ فَحَزَّ رَأْسَهُ. وَقِيلَ: كَانَ مَعَ مُحَمَّدٍ سَيْفُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذُو الْفَقَارِ، فَقَدَّ النَّاسُ بِهِ، وَجَعَلَ لا يُقَارِبُهُ أَحَدٌ إِلا قَتَلَهُ، فَجَاءَهُ سَهْمٌ فَوَجَدَ الْمَوْتَ، فَكُسِرَ السَّيْفُ. وَرَوَى عَمْرٌو مَوْلَى الْمُتَوَكِّلِ، وَكَانَتْ أُمُّهُ تَخْدِمُ فَاطِمَةَ بِنْتَ الْحُسَيْنِ، قَالَ: كَانَ مَعَ مُحَمَّدٍ يَوْمَئِذٍ ذُو الْفَقَارِ، فَلَمَّا أَحَسَّ الْمَوْتَ أَعْطَى السَّيْفَ رجلاً كان له عليه أربع مائة دِينَارٍ، وَقَالَ: خُذْ هَذَا السَّيْفَ فَإِنَّكَ لا تَلْقَى أَحَدًا مِنْ آلِ أَبِي طَالِبٍ إِلا أَخَذَهُ مِنْكَ وَأَعْطَاكَ حَقَّكَ، فَبَقِيَ السَّيْفُ عِنْدَهُ حَتَّى وَلِيَ جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمَدِينَةَ فَأُخْبِرَ عنه، فدعاه وأعطاه أربع مائة دِينَارٍ وَأَخَذَ السَّيْفَ، ثُمَّ صَارَ إِلَى مُوسَى فجرب به عَلَى كَلْبٍ، فَانْقَطَعَ السَّيْفُ. وَقَالَ الأَصْمَعِيُّ: رَأَيْتُ الرَّشِيدَ بِطُوسَ مُتَّقلِدًا سَيْفًا فَقَالَ: أَلا أُرِيكَ -[790]- ذَا الْفَقَارِ؟ قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: أَسْلُلُ سَيْفِي هَذَا قَالَ: فَرَأَيْتُ فِيهِ ثَمَانِيَ عَشْرَة فَقَارَةَ. وَكَانَ مَصْرَعُ مُحَمَّدٍ عِنْدَ أَحْجَارِ الزَّيْتِ بَعْدَ الْعَصْرِ يَوْمَ الإِثْنَيْنِ فِي رَابِعَ عَشَرَ رَمَضَانَ سَنَةَ خَمْسٍ هَذِهِ. وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: عَاشَ ثَلاثًا وَخَمْسِينَ سَنَةً. وَقِيلَ: أَذِنَ عِيسَى فِي دَفْنِهِ، وَأَمَرَ بِأَصْحَابِهِ فَصُلِبُوا مَا بَيْنَ ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ إِلَى دَارِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ. وَقِيلَ: لَمَّا خَرَجَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ مَعَ مُحَمَّدٍ، كَانَ جَعْفَرٌ الصَّادِقُ يَنْهَاهُ، وَكَانَ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ مَعَ مُحَمَّدٍ، وَكَانَ جَعْفَرٌ يَقُولُ لَهُ: هُوَ وَاللَّهِ مَقْتُولٌ. وَبَعَثَ عِيسَى بْنُ مُوسَى بِالرَّأْسِ إِلَى الْعِرَاقِ، ثُمَّ طِيفَ بِهِ فِي الْبُلْدَانِ، وَقَبَضَ عِيسَى عَلَى أَمْوَالِ بَنِي الْحَسَنِ. وَحَدَّثَ أَيُّوبُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: لَقِيَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَبَا جَعْفَرٍ الْمَنْصُورَ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ رُدَّ عَلَيَّ قَطِيعَتِي عَيْنِ أَبِي زِيَادٍ آكُلُ مِنْهَا، قَالَ: إِيَّايَ تُكَلِّمُ هَذَا الْكَلامَ! وَاللَّهِ لَأُزْهِقَنَّ نَفْسَكَ. قَالَ: فَلا تَعْجَلْ عَلَيَّ، فَقَدْ بَلَغْتُ ثَلاثًا وَسِتيِّنَ سَنَةً، وَفِيهَا مَاتَ أَبِي وَجِدِّي، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فِرْقَ لَهُ، فَلَمَّا مَاتَ الْمَنْصُورُ رَدَّ الْمَهْدِيُّ عَلَى أَوْلادِ أَبِي جَعْفَرٍ عَيْنِ أَبِي زِيَادٍ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ الزُّبَيْرِيُّ: لَمَّا قُتِلَ مُحَمَّدٌ، مَضَى أَخُوهُ مُوسَى، وَأَبِي وَأَنَا وَرَجُلٌ مِنْ مُزَيْنَةَ، فَأَتَيْنَا مَكَّةَ، ثُمَّ سِرْنَا إِلَى الْبَصْرَةِ، فَدَخَلْنَاهَا لَيْلا، فَمُسِكْنَا وَأُرْسِلْنَا إِلَى الْمَنْصُورِ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى أَبِي قَالَ: هِيهِ أَخَرَجْتَ مَعَ مُحَمَّدٍ؟ قَالَ: قَدْ كَانَ ذَلِكَ، فَأَمَرَ بِهِ، فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ، وَهُوَ عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدِ بْنِ الزُّبَيْرِ، ثُمَّ أَمَرَ بِمُوسَى فَضُرِبَ بِالسِّيَاطِ، ثُمَّ أَمَرَ بِضَرْبِ عُنُقِي، فَكَلَّمَهُ فِيَّ عَمُّهُ عِيسَى بْنُ عَلِيٍّ وَقَالَ: مَا أَحْسَبُهُ بَلَغَ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، كُنْتُ غُلامًا تَبَعًا لِأَبِي، فَضُرِبْتُ خَمْسِينَ سَوْطًا، ثُمَّ حُبِسْتُ حَتَّى أَخْرَجَنِي المهدي. -[791]- وَقِيلَ: بَلْ قَتَلَ عُثْمَانُ لِأَنَّهُ سَأَلَهُ أَيْنَ الْمَالُ؟ قَالَ: دَفَعْتُهُ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ، فَسَبَّهُ، فَجَاوَبَهُ عُثْمَانُ، فَضَرَبَ عُنُقَهُ. وَقِيلَ: قَالَ لَهُ: أَنْتَ الْخَارِجُ عَلَيَّ؟ قَالَ: بَايَعْتُ أَنَا وَأَنْتَ رَجُلا بِمَكَّةَ، فَوَفَّيْتُ أَنَا، وَغَدَرْتَ أَنْتَ. وَاسْتَعْمَلَ الْمَنْصُورُ عَلَى الْمَدِينَةِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الرَّبِيعِ الْحَارِثِيَّ، فَثَارَتْ عَلَيْهِ السُّودَانُ بِالْمَدِينَةِ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ بَعْضَ جُنْدِهِ انْتَهَبَ شَيْئًا مِنَ السُّوقِ، فَاجْتَمَعَ الرُّؤَسَاءُ إِلَى ابْنِ الربيع وكلموه، فَلَمْ يُنكِرْ وَلا غَيَّرَ، ثُمَّ اشْتَرَى جُنْدِيٌّ مِنْ لَحَّامٍ وَأَبَى أَنْ يُوَفِّيهِ الثَّمَنَ، وَشَهَرَ سَيْفَهُ عَلَى اللَّحَّامِ، فَطَعَنَهُ اللَّحَّامُ بِشَفْرَتِهِ فِي خَاصِرَتِهِ فَسَقَطَ، فَتَنَادَى الْجَزَّارُونَ وَالسُّودَانُ عَلَى الْجُنْدِ وَهُمْ يَذْهَبُونَ إِلَى الْجُمْعَةِ، فَقَتَلُوهُمْ بِالْعُمُدِ، فَهَرَبَ ابْنُ الرَّبِيعِ بِاللَّيْلِ، وَهَذَا تَمَّ فِي آخِرِ العام. وكان رؤوس السودان ثلاثة: وثيق، ومعقل، وربيعة، فَخَرَجَ ابْنُ أَبِي سَبْرَةَ مِنَ السِّجْنِ، فَخَطَبَ وَدَعَا النَّاسَ إِلَى الطَّاعَةِ، فَسَكَنَ النَّاسُ، وَرَجَعَ ابْنُ الرَّبِيعِ وَقَطَعَ يَدَ وَثِيقٍ وَأَيْدِي ثَلاثَةٍ مَعَهُ. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ
فِيهَا تُوُفِّيَ: زَبَّانِ بن فائد المصري، وصفوان بْنِ عَمْرٍو الْحِمْصِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُعَاوِيَةَ التُّجِيبِيُّ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاتِكَةِ الدِّمَشْقِيُّ، وَعُثْمَانُ بْنُ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيُّ بِالشَّامِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ ظَنًّا، وَمِسْعَرُ بْنُ كِدَامٍ عَلَى الصَّحِيحِ، وَالْمُفَضَّلُ بن لاحق، وأبو فروة يَزِيدَ بْنِ سِنَانٍ الرُّهَاوِيُّ، وَيَعْقُوبُ بْنُ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ فِي قَوْلٍ. وَفِيهَا اسْتَنْقَذَ يَزِيدُ بْنُ حَاتِمٍ الْمَغْرِبَ مِنَ الْخَوَارِجِ بَعْدَ حُرُوبٍ عَظِيمَةٍ، وَقَتَلَ أَبَا عَادٍ وَأَبَا حَاتِمٍ مَلِكَيِ الْخَوَارِجِ، وَمَهَّدَ الإِقْلِيمَ وَبَقِيَ عَلَى إِمْرَتِهِ خَمْسَةَ عَشَرَ عَامًا. وَفِيهَا سَارَ الْمَهْدِيُّ إِلَى الرَّافِقَةِ، فَنَزَلَ هُنَاكَ، وَأَنْشَأَ الْمَدِينَةَ. وَفِيهَا أَمَرَ الْخَلِيفَةُ بِعَمَلِ سُورٍ عَلَى الْبَصْرَةِ، وَسُورٍ عَلَى الْكُوفَةِ، فعُمِلا مِنْ أَمْوَالِ أَهْلِ الْبَلَدَيْنِ، وَوَلِيَ البصرة الْهَيْثَمُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْعَتَكِيُّ. -[11]- وَفِيهَا عَزَلَ الْمَنْصُورُ أَخَاهُ الْعَبَّاسَ بْنَ مُحَمَّدٍ عن الجزيرة، وحسبه مُدَّةً وَأَغْرَمَهُ أَمْوَالا، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا مُوسَى بْنَ كَعْبٍ. وَفِيهَا عَزَلَ عَنِ الْمَدِينَةِ الْحُسَيْنَ بْنَ زَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ الْعَلَوِيَّ بِعَبْدِ الصَّمَدِ عَمِّ الْمَنْصُورِ، وَجَعَلَ مَعَهُ فُلَيْحَ بْنَ سُلَيْمَانَ مُعِينًا له. وفيها كانت غزوة ذاذقشة بِنَاحِيَةِ بَحْرِ الْخَزَرِ، وَمُقَدَّمُ الإِسْلامِ مُتَوَلِّي أَرْمِينِيَّةَ يَزِيدُ بْنُ أُسَيْدٍ السُّلَمِيُّ، وَكَانَ أَحَدَ الأَبْطَالِ الْمَوْصُوفِينَ فَجُرِحَ، وَقَدْ كَانَ مِنْ بَقَايَا أُمَرَاءِ بَنِي أُمَيَّةَ عَلَى أَرْمِينِيَّةِ، وَلَهُ مَوْعِظَةٌ بَلِيغَةٌ يَوْمَ الْمَصَافِّ، رَوَاهَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، وَلِرَبِيعَةَ الشَّاعِرِ فِيهِ، وَفِي يَزِيدَ بْنِ حَاتِمِ بْنِ قَبِيصَةَ الْمُهَلَّبِيِّ مُتَوَلِّي إِفْرِيقِيَّةَ: لَشَتَّانَ مَا بَيْنَ الْيَزِيدَيْنِ فِي النَّدَى ... يَزِيدَ سليم والأغر ابن حَاتِمِ فَهَمُّ الْفَتَى الأَزْدِيِّ إِتْلافُ مَالِهِ ... وَهَمُّ الْفَتَى الْقَيْسِيِّ جَمْعُ الدَّرَاهِمِ وَلا يَحْسَبُ التَّمْتَامُ أَنِّي هَجَوْتُهُ ... وَلَكِنَّنِي فَضَّلْتُ أَهْلَ الْمَكَارِمِ |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سَنَةَ خَمْسٍ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ
فِيهَا مَاتَ: إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَبِيبَةَ، وَخَالِدُ بْنُ بَرْمَكٍ وَالِدُ الْبَرَامِكَةِ، وَخَارِجَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بن سليمان بن زيد بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ الْمَدَنِيُّ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ الْبَصْرِيُّ، وَدَاوُدُ الطَّائِيُّ الزَّاهِدُ بِخُلْفٍ، وَعَبْدُ الله بن العلاء بن زيد، بخلف، وعبد الرحمن بن ثابت بْنُ ثَوْبَانَ، وَمَعْرُوفُ بْنُ مُشْكَانَ قَارِئُ مَكَّةَ، وَوُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ بِالْبَصْرَةِ، وَأَبُو الأَشْهَبِ الْعُطَارِدِيُّ بِخُلْفٍ. وَفِيهَا غَزَا هَارُونُ ابْنُ الْخَلِيفَةِ الصَّائِفَةَ، فَوَغَلَ فِي بِلادِ الرُّومِ، فَافْتَتَحَ مَاجِدَةَ، فَالْتَقَتْهُ الرُّومُ، عليهم يقطنا، فانهزموا فقتل يقطنا، وسار إلى الدمستق بتقفورية، ثُمَّ سَارَ بِالْجُيُوشِ حَتَّى بَلَغَ خَلِيجَ قُسْطَنْطِينِيَّةَ، ثُمَّ صَالَحَ مَلِكَ الرُّومِ فِي الْعَامِ عَلَى سَبْعِينَ أَلْفَ دِينَارٍ مُدَّةَ ثَلاثِ سِنِينَ بَعْدَ أَنْ غَنِمَ وَسَبَا وَاسْتَنْقَذَ خَلْقًا مِنَ الأَسْرِ، وَغَنِمَ مَا لا يُوصَفُ مِنَ الْمَوَاشِي، حَتَّى أبيع الْبِرْذَوْنُ بِدِرْهَمٍ، والزَّرَدِيَّةُ بِدِرْهَمٍ، وَعِشْرُونَ سَيْفًا بِدِرْهَمٍ، وَقُتِلَ مِنَ الْعَدُوِّ نَحْوُ خَمْسِينَ أَلْفًا، فَلِلَّهِ الْحَمْدُ والمنة. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-وَدَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ
فمات فيها: حزم بن أبي حزم الْقُطَعِيُّ، وَالْحَكَمُ بْنُ فُضَيْلٍ الْوَاسِطِيُّ، وَالْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، فِيمَا قِيلَ وَقَدْ مَرَّ، وَخَشَّافٌ الْكُوفِيُّ صاحب اللغة، وَالْقَاسِمُ بْنُ مَعْنٍ الْمَسْعُودِيُّ الْكُوفِيُّ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ فَقِيهُ مِصْرَ، وَالْهِقْلُ بْنُ زِيَادٍ فِي قَوْلٍ. وَفِيهَا كَانَ عَقْدُ الْبَيْعَةِ بِوِلايَةِ الْعَهْدِ لابْنِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الرَّشِيدِ مُحَمَّدٍ، وَلُقِّبَ بِالأَمِينِ، وَلَهُ يَوْمَئِذٍ خَمْسُ سِنِينَ، فَكَانَ هَذَا أَوَّلُ وَهْنٍ جَرَى فِي دَوْلَةِ الإِسْلامِ مِنْ حَيْثُ الإِمَامَةِ، حرصت أمه زبيدة بنت جعفر ابن المنصور حتى تم ذلك، وأرضوا العساكر بِأَمْوَالٍ عَظِيمَةٍ، فَسَكَتُوا. -[571]- وَفِيهَا صَارَ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ الْعَلَوِيُّ إِلَى بِلادِ الدَّيْلَمِ، ثُمَّ تَحَرَّكَ هُنَاكَ، وَقَوِيَتْ شَوْكَتُهُ، وَطَلَبَ الْخِلافَةَ، وَأَسْرَعَ إِلَيْهِ الشِّيعَةُ مِنَ الأَمْصَارِ، فَاغْتَمَّ لِذَلِكَ الرَّشِيدُ وَأُبْلِسَ، وَاشْتُغِلَ عَنِ الشُّرْبِ وَاللَّهْوِ، وَنَدَبَ لِحَرْبِهِ الْفَضْلُ بْنُ يَحْيَى الْبَرْمَكِيُّ فِي خَمْسِينَ أَلْفًا مِنَ الخراسانية وغيرهم، وفرق فيهم الذَّهَبَ الْعَظِيمَ، فَانْحَلَّتْ عَزَائِمُ يَحْيَى الْمَذْكُورِ، وَطَلَبَ الصُّلْحَ وَالأَمَانَ، فَسُرَّ بذَلِكَ الرَّشِيدُ، وَكَتَبَ لَهُ أَمَانًا، وَأَشْهَدَ عَلَيْهِ الْكِبَارَ، وَنَفَّذَهُ مَعَ تُحَفٍ وَهَدَايَا وَمَالٍ جَلِيلٍ، فَفَرِحَ يَحْيَى وَاطْمَأَنَّ، وَوَفَدَ عَلَى الرَّشِيدِ، فَبَالَغَ فِي إِكْرَامِهِ وَعَطَايَاهُ، ثُمَّ إِنَّهُ بَعْدُ سَجَنَهُ، فَاعْتَلَّ، فَقِيلَ: سُقِيَ السُّمَّ، وَلَمْ يَصِحُّ، وَيُقَالُ: حَبَسَهُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، وَيُطْلِقُهُ، وَقِيلَ: إِنَّ الَّذِي وَصَلَ إِلَى يَحْيَى بن عبد الله من الرشيد أربع مائة أَلْفِ دِينَارٍ. وَقَدْ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُصْعَبٍ الزُّبَيْرِيُّ افْتَرَى عَلَيْهِ لِبُغْضِهِ لِلطَّالِبِيَّةِ، وَزَعَمَ أنَّهُ طَلَبَ إِلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ مَعَهُ، فَبَاهَلَهُ يَحْيَى بِحَضْرَةِ الرَّشِيدِ وَقَامَ، فَمَاتَ الزُّبَيْرِيُّ لِيَوْمِهِ، وَكَانَ يَحْيَى طَلَبَ مُبَاهَلَتَهُ، وَشَبَّكَ يَدَهُ فِي يَدِهِ، وَقَالَ: قُلِ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ يَحْيَى بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ لَمْ يَدْعُنِي إِلَى الْخِلافِ وَالْخُرُوجِ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ هَذَا، فَكِلْنِي إِلَى حَوْلِي وَقُوَّتِي وَاسْخَتْنِي بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِكَ، آمِينَ رَبَّ الْعَالَمِينَ، قَالَ: فَتَلَجْلَجَ الزُّبَيْرِيُّ وَقَالَهَا، وَلَمَّا قَالَ يَحْيَى مِثْلَهُ مَا تَلَجْلَجَ. وَفِيهَا هَاجَتِ الْعَصَبِيَّةُ بِالشَّامِ بَيْنَ الْقَيْسِيَّةِ وَالْيَمَانِيَّةِ، وَكَانَ كَبِيرُ النَّزَارِيَّةِ يَوْمَئِذٍ الأَمِيرُ أَبُو الْهَيْذَامِ الْمُرِّيُّ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ عَدَدٌ كَثِيرٌ، وَكَانَ عَلَى إِمْرَةِ الشَّامِ مُوسَى ابْنُ وَلِيِّ الْعَهْدِ عِيسَى بْنِ مُوسَى، فَاسْتَعْمَلَ الرَّشِيدُ عَلَى الشَّامِ مُوسَى بْنَ يَحْيَى الْبَرْمَكِيَّ، فَقَدِمَ وَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ. وَفِيهَا عَزَلَ الرَّشِيدُ عَنْ خُرَاسَانَ الْعَبَّاسُ بْنُ جَعْفَرٍ، وَأَمَّرَ عَلَيْهَا خَالَهُ الْغِطْرِيفَ بْنَ عَطَاءٍ، وَأَمَّرَ عَلَى دِيَارِ مِصْرَ جَعْفَرَ بْنَ يَحْيَى الْبَرْمَكِيَّ. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
107 - م ت ن: سُعَيْرُ بْنُ الْخِمْسِ التَّمِيمِيُّ الْكُوفِيُّ [الوفاة: 171 - 180 ه]
عَنْ: مُغِيرَةَ بْنِ مِقْسَمٍ، وَأَبِي إِسْحَاقَ، وَحَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، وَزَعَمَ الْحَاكِمُ أَنَّهُ رَأَى عبد الله بن أبي أَوْفَى، وَعَنْهُ: عَاصِمُ بْنُ يُوسُفَ الْيَرْبُوعِيُّ، وَحُسَيْنٌ الْجُعْفِيُّ، وَيَحْيَى الْحِمَّانِيُّ، وَجُبَارَةُ بْنُ الْمُغَلِّسِ، وَيَحْيَى بْنُ يَحْيَى. وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ. وَاتَّفَقَ لَهُ حِكَايَةٌ عَجِيبَةٌ، وَذَلِكَ أَنَّهُ عِنْدَمَا قُدِّمَ إِلَى قَبْرِهِ لِيَدْفِنُوهُ تَحَرَّكَ فَرُدَّ إِلَى مَنْزِلِهِ فَقَامَ وَوُلِدَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَدُهُ مَالِكُ بْنُ سُعَيْرٍ، رَوَاهَا عُبَيْدُ اللَّهِ الْقَوَارِيرِيُّ، عَنِ الْخُرَيْبِيُّ، أَنَّهُ شَاهَدَ ذَلِكَ. -[627]- وَهُوَ مُقِلٌّ، لَهُ نَحْوَ عَشَرَةِ أَحَادِيثَ، وَهُوَ ثِقَةٌ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: لا يُحْتَجُّ بِهِ. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سَنَةَ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ
فِيهَا مَاتَ: أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ فِي قَوْلِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَخَالِدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ أَبِي مَالِكٍ الدِّمَشْقِيُّ، وَزِيَادُ بْنُ الرَّبِيعِ الْبَصْرِيُّ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ عُتْبَةَ الدِّمَشْقِيُّ، وَصَالِحُ بْنُ عُمَرَ الْوَاسِطِيُّ، وَضِمَامُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمِصْرِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحِ بْنِ عَلِيٍّ بِسَلَمِيَةَ، وَعَبْدُ الصَّمَدِ عَمُّ الْمَنْصُورِ، وَعَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ مُسْلِمٍ الْعَابِدُ، وَعُمَرُ بْنُ عُبَيْدٍ الطَّنَافِسِيُّ، ومحمد ابن الإمام إبراهيم بن محمد ابن عَمِّ الْمَنْصُورِ، وَقَاضِي مِصْرَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْرُوقٍ الْكِنْدِيُّ، وَالْمُسَيَّبُ بْنُ شَرِيكٍ، وَالْمُطَّلِبُ بْنُ زِيَادٍ، وَالْمُعَافَى بْنُ عِمْرَانَ فِي قَوْلٍ قَوِيٍّ، وَيَزِيدُ بْنُ مَزْيَدٍ الشَّيْبَانِيُّ، وَيُوسُفُ بْنُ الْمَاجِشُونَ فِي الأَصَحِّ، وَيَقْطِينُ بْنُ مُوسَى الأَمِيرُ. وَفِيهَا وَثَبَ أَهْلُ طَبَرِسْتَانَ عَلَى مُتَوَلِّيهِمْ مَهْرُوَيْهِ، فقتلوه، فَوَلَّى الرَّشِيدُ بَدَلَهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعِيدٍ الحرشي. وفيها عاث حمزة الشاري بباذغيس فانتدب لحربه عِيسَى بْنُ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى، وَأَبَادَ عَشَرَةَ آلافٍ مِنْ جموع حمزة. -[783]- وَفِيهَا خَرَجَ أَبُو الْخَصِيبِ ثَانِيَةً، وَغَدَرَ، وَغَلَبَ عَلَى نَيْسَابُورَ، وَطُوسٍ، وَأَبِيوَرْدَ، وَزَحَفَ بِجَيْشِهِ إِلَى مَرْوٍ فَالْتَقُوهُ، فَانْكَسَرَ، وَتَأَخَّرَ إِلَى سَرْخَسَ، وَاسْتَفْحَلَ أمره. قال القطبي: وَفِيهَا ظَهَرَ بِعَبَّادَانَ أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى بْنِ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ الْحُسَيْنِيُّ، وَبِنَاحِيَةِ الْبَصْرَةِ، وَبُويِعَ سِرًّا، ثُمَّ عَجَزَ وَهَرَبَ، فَلَمْ يَزَلْ مُسْتَخْفِيًا إِلَى أَنْ مَاتَ بَعْدَ دَهْرٍ طَوِيلٍ سَنَةَ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ بِالْبَصْرَةِ، وَلا أَعْلَمُ أَحَدًا فِي دَوْلَةِ الإِسْلامِ اسْتَمَرَّ فِي طُولِ هَذِهِ الْمُدَّةِ أَبَدًا غيره. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة خمس وتسعين
تُوُفِّيَ فِيهَا: إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ الأَزْرَقُ وَاسِطِيٌّ، بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ الْوَاعِظُ بِمَكَّةَ، عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُحَارِبِيُّ الْكُوفِيُّ، عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ المهدي فيها في قول، عثام بْنُ عَلِيٍّ الْكُوفِيُّ وَقِيلَ سَنَةَ أَرْبَعٍ، مُؤَرِّجُ بْنُ عَمْرٍو السَّدُوسِيُّ -[1034]- النَّحْوِيُّ، مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ الضَّبِّيُّ الْكُوفِيُّ، الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ فِي أَوَّلِهَا بِذِي الْمَرْوَةِ، يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ الطَّائِفِيُّ بِمَكَّةَ، أَبُو مُعَاوِيَةَ الضَّرِيرُ مُحَمَّدُ بْنُ خَازِمٍ. وَفِيهَا قَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ فِيمَا جَرَى مِنْ وِلايَةِ الْعَهْدِ لِمُوسَى وَهُوَ طِفْلٌ وَذَلِكَ بِرَأْيِ الفضل وبكر بْنِ الْمُعْتَمِرِ. أَضَاعَ الْخِلافَةَ غِشُّ الْوَزِيرِ ... وَفِسْقُ الأَمِيرِ وَجَهْلُ الْمُشِيرْ فَفَضْلٌ وَزِيرٌ وَبَكْرٌ مُشِيرٌ ... يُرِيدَانِ مَا فِيهِ حَتْفُ الأَمِيرْ لِوَاطُ الْخَلِيفَةِ أُعْجُوبَةٌ ... وَأَعْجَبُ مِنْهُ خِلاقُ الْوَزِيرْ فَهَذَا يَدُوسُ وهذا يداس ... كذاك لعمري خلاف الأمور فلو يستعفان هَذَا بِذَاكَ لَكَانَا بِعُرْضَةِ آمْرٍ سَتِيرْ ... وَأَعْجَبُ مِنْ ذَا وَذَا أَنَّنَا نُبَايِعُ لِلطِّفْلِ فِينَا الصَّغِيرْ ... وَمَنْ لَمْ يُحْسِنْ غَسْلَ أَسْتِهِ وَمَنْ لَمْ يَخْلُ مِنْ بَوْلِهِ حِجْرُ ظِيرْ في أبيات. وَلَمَّا تَيَقَّنَ الْمَأْمُونُ خَلْعَهُ تَسَمَّى بِإِمَامِ الْمُؤْمِنِينَ، وَكُوتِبَ بِذَلِكَ. وَفِي رَبِيعٍ الآخَرِ عَقَدَ الأَمِينُ لِعَلِيِّ بْنِ عِيسَى بْنِ مَاهَانَ عَلَى بلد الجبال: همذان، ونهاوند، وقم، وأصبهان، وأمر له - فِيمَا قِيلَ - بِمِائَتَيْ أَلْفِ دِينَارٍ، وَأَعْطَى لِجُنْدِهِ مَالا عَظِيمًا. وَلَمَّا جَمَعَ الأَمِينُ الْمَلأَ لِقِرَاءَةِ العهد لابنه، قال: يا معشر أهل خُرَاسَانَ - يَعْنِي الَّذِينَ بِبَغْدَادَ - إِنَّ الأَمِيرَ مُوسَى قَدْ أَمَرَ لَكُمْ مِنْ صُلْبِ مَالِهِ بِثَلاثَةِ آلافِ أَلْفِ دِرْهَمٍ. وَشَخَصَ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى فِي نِصْفِ جُمَادَى الآخِرَةِ مِنْ بَغْدَادَ، وَأَخَذَ مَعَهُ قَيْدَ فِضَّةٍ لِيُقَيِّدَ بِهِ الْمَأْمُونَ بِزَعْمِهِ، وَسَارَ مَعَهُ الأَمِينُ إِلَى النَّهْرَوَانِ، فَعَرَضَ بِهَا الْجُنْدَ الَّذِينَ جَهَّزَهُمْ مع علي، فسار حتى نزل همذان، فَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حُمَيْدِ بْنِ قحطبة، ثُمَّ شَخَصَ عَلِيٌّ مِنْهَا حَتَّى بَلَغَ الرَّيَّ، وَهُوَ عَلَى أُهْبَةِ الْحَرْبِ، فَلَقِيَهُ طَاهِرُ بْنُ الْحُسَيْنِ، وَهُوَ فِي أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ آلافٍ، كان قَدْ جَهَّزَهُ الْمَأْمُونُ فَأَشْرَفَ عَلَى جَيْشِ عَلِيٍّ وَهُمْ يَلْبَسُونَ السِّلاحَ، وامتلأت بهم الصحراء -[1035]- بياضا وصفرة من السلاح المذهب، فَقَالَ طَاهِرُ بْنُ الْحُسَيْنِ: هَذَا مَا لا قِبَلَ لَنَا بِهِ، وَلَكِنْ نَجْعَلُهَا خَارِجِيَّةً، نَقْصِدُ الْقَلْبَ، فَهَيَّأَ سَبْعَمِائَةٍ مِنَ الْخَوَارِزْمِيَّةِ، قَالَ أَحْمَدُ بْنُ هِشَامٍ الأَمِيرُ: فَقُلْنَا لِطَاهِرٍ: تذكر عَلِيَّ بْنَ عِيسَى الْبَيْعَةَ الَّتِي كَانَتْ، وَالْبَيْعَةَ الَّتِي أَخَذَهَا هُوَ لِلْمَأْمُونِ عَلَيْنَا مَعْشَرَ أَهْلِ خُرَاسَانَ. قَالَ: نَعَمْ، فَعَلَّقْنَاهُمَا عَلَى رُمْحَيْنِ، وَقُمْتُ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ، فَقُلْتُ: الأَمَانَ، ثُمَّ قُلْتُ: يَا عَلِيُّ بْنَ عِيسَى أَلا تَتَّقِي اللَّهَ؟ أَلَيْسَ هَذِهِ نُسْخَةَ الْبَيْعَةِ الَّتِي أَخَذْتَهَا أَنْتَ خَاصَّةً؟ اتَّقِ اللَّهَ، فَقَدْ بَلَغْتَ بَابَ قَبْرِكَ، قَالَ: من أنت؟ قلت: أحمد بن هشام - وقد كان عَلِيٌّ ضَرَبَهُ أَرْبَعَمِائَةِ سَوْطٍ - فَصَاحَ عَلِيٌّ: يَا أَهْلَ خُرَاسَانَ، مَنْ جَاءَ بِهِ فَلَهُ أَلْفُ درهم، وكان معنا قوم بخارية، فرموه وزنوه، وَقَالُوا: نَقْتُلُكَ وَنَأْخُذُ مَالَكَ. وَخَرَجَ مِنْ عَسْكَرِ عَلِيٍّ الْعَبَّاسُ بْنُ اللَّيْثِ وَرَجُلٌ آخَرُ، فَشَدَّ عليه طاهر فضربه قتله، وَشَدَّ دَاوُدُ سِيَاهٌ عَلَى عَلِيِّ بْنِ عِيسَى فَصَرَعَهُ وَهُوَ لا يَعْرِفُهُ، فَقَالَ طَاهِرُ بْنُ الناجي: أَعَلِيُّ بْنُ عِيسَى أَنْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ! وَظَنَّ أَنَّهُ يُهَابُ فَلا يَقْدِمُ عَلَيْهِ أَحَدٌ، فشَدَّ عليه فذبحه بِالسَّيْفِ، ثُمَّ انْهَزَمَ جَيْشُهُ. قَالَ أَحْمَدُ: فَتَبِعْنَاهُمْ فرسخين، وواقفونا اثْنَتَيْ عَشْرَةَ مَرَّةً؛ كُلُّ ذَلِكَ نَهْزِمُهُمْ، فَلَحِقَنِي طاهر بن الناجي وَمَعَهُ رَأْسُ عَلِيٍّ، فَصَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنِ شُكْرًا، وَوَجَدْنَا فِي عَسْكَرِهِ سَبْعَمِائَةِ كِيسٍ، فِي كُلِّ كِيسٍ ألف درهم، ووجدنا عدة بغال عليها له خَمْرٌ سَوَادِيٌّ، فَظَنَّتِ الْبُخَارِيَّةُ أَنَّهُ مَالٌ، فَكَسَرُوا تِلْكَ الصَّنَادِيقَ فَرَأَوْهُ خَمْرًا، فَضَحِكُوا وَقَالُوا: عَمِلْنَا الْعَمَلَ حَتَّى نَشْرَبَ. وَأَعْتَقَ طَاهِرٌ مَنْ كَانَ بِحَضْرَتِهِ مِنْ غِلْمَانِهِ شُكْرًا. فَلَمَّا وَصَلَ الْبَرِيدُ إِلَى الْمَأْمُونِ سَلَّمُوا عَلَيْهِ بِالْخِلافَةِ، وَطِيفَ بِالرَّأْسِ فِي خُرَاسَانَ. وَجَاءَ الْخَبَرُ بِقَتْلِهِ إِلَى الأَمِينِ وَهُوَ يَتَصَيَّدُ السَّمَكَ، فَقَالَ لِلَّذِي أَخْبَرَهُ: وَيْلَكَ دَعْنِي، فَإِنَّ كَوْثَرًا قَدْ صَادَ سَمَكَتَيْنِ وَأَنَا مَا صِدْتُ شَيْئًا بَعْدُ. وَقَالَ شاعر من أصحاب علي: لَقِينَا اللَّيْثَ مُفْتَرِشًا يَدَيْهِ ... وَكُنَّا مَا يُنَهْنِهُنَا اللِّقَاءُ نَخُوضُ الْمَوْتَ وَالْغَمَرَاتِ قِدْمًا ... إِذَا مَا كَرَّ لَيْسَ بِهِ خَفَاءُ -[1036]- فَضَعْضَعَ رُكْنَنَا لَمَّا الْتَقَيْنَا وَرَاحَ الْمَوْتُ وَانْكَشَفَ الْغِطَاءُ ... وَأَوْدَى كَبْشَنَا وَالرَّأْسَ مِنَّا كَأَنَّ بِكَفِّهِ كَانَ الْقَضَاءُ ثُمَّ وَجَّهَ الأَمِينُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ جَبَلَةَ الأبناوي أمير الدينور بالعدة والقوة، فسار حتى نزل همذان. وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَازِمٍ أَنَّهُ قَالَ: يُرِيدُ مُحَمَّدُ إِزَالَةَ الْجِبَالِ، وَفَلَّ الْعَسَاكِرِ بِالْفَضْلِ وَتَدْبِيرِهِ، وَهَيْهَاتَ، وَهُوَ - وَاللَّهِ - كَمَا قِيلَ: قَدْ ضَيَّعَ اللَّهُ ذَوْدًا أَنْتَ رَاعِيهَا. وَقِيلَ: إِنَّ الجيش الذين كَانُوا مَعَ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى أَرْبَعُونَ أَلْفًا في هيئة لَمْ يُرَ مِثْلُهَا. وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُجَالِدٍ أَنَّ الْوَقْعَةَ اشْتَدَّ فِيهَا الْقِتَالُ، وَأَنَّ عَلِيَّ بْنَ عِيسَى قُتِلَ بِسَهْمٍ جَاءَهُ، وَأَنَّ طَاهِرًا بَعَثَ بِالأَسْرَى والرؤوس إِلَى الْمَأْمُونِ. وَذَكَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ الْجَرْمِيُّ أَنَّ عَلِيًّا لَمَّا قُتِلَ أَرْجَفَ النَّاسُ بِبَغْدَادَ إِرْجَافًا شَدِيدًا، وَنَدِمَ مُحَمَّدٌ عَلَى خَلْعِهِ أَخَاهُ، وَطَمِعَ الأُمَرَاءُ فِيهِ، وَشَغَّبُوا جُنْدَهُمْ بِطَلَبِ الأَرْزَاقِ مِنَ الأمين، وازدحموا بالجسر يَطْلُبُونَ الأَرْزَاقَ وَالْجَوَائِزَ؛ فَرَكِبَ إِلَيْهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَازِمٍ فِي طَائِفَةٍ مِنْ قُوَّادِ الأَعْرَابِ فتراموا بالنشاب واقتتلوا، فسمع الأمين الضجة فأرسل يأمر ابن خازم بالانصراف، وأمر لهم بِأَرْزَاقِ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَزَادَ فِي عَطَائِهِمْ، وَأَمَر لِلْقُوَّادِ بِالْجَوَائِزِ، وَجَهَّزَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الأَبْنَاوِيُّ فِي عِشْرِينَ أَلْفًا، فسار إلى همذان وَضَبَطَ طُرُقَهَا، وَحَصَّنَ سُورَهَا، وَجَمَعَ فِيهَا الأَقْوَاتَ، وَاسْتَعَدَّ لِمُحَارَبَةِ طَاهِرٍ. وَقَدْ كَانَ يَحْيَى بْنُ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى لَمَّا قُتِلَ أَبُوهُ أَقَامَ بين الري وهمذان، فَكَانَ لا يَمُرُّ بِهِ أَحَدٌ مِنَ الْمُنْكَسِرِينَ إِلا حَبَسَهُ عِنْدَهُ بِنَاءً مِنْهُ أَنَّ الأَمِينَ يُوَلِّيهِ مَكَانَ أَبِيهِ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ الأَمِينُ يَأْمُرُهُ بِالْمُقَامِ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَبْنَاوِيِّ، فَلَمَّا سَارَ يحيى إلى قرب همذان تَفَرَّقَ أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ. وَأَمَّا طَاهِرٌ فَقَصَدَ مَدِينَةَ همذان، فأشرف عَلَيْهِا، فَالْتَقَى الْجَيْشَانِ وَصَبرَ الْفَرِيقَانِ وَكَثُرَتِ الْقَتْلَى، ثُمَّ إِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ الأَبْنَاوِيَّ تَقَهْقَرَ وَدَخَلَ مدينة همذان فأقام بها يلم شعث أصحابه، ثُمَّ زَحَفَ إِلَى طَاهِرٍ، وَقَدْ خَنْدَقَ طَاهِرٌ على عسكره، فَاقْتَتَلُوا قِتَالا شَدِيدًا، وَجَعَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يُحَرِّضُ أَصْحَابَهُ وَيُقَاتِلُ بِيَدِهِ، وَحَمَلَ حَمَلاتٍ مُنْكَرَةً مَا مِنْهَا حَمْلَةٌ إِلا وَهُوَ يُكْثِرُ الْقَتْلَ فِي -[1037]- أَصْحَابِ طَاهِرٍ، فَشَدَّ رَجُلٌ عَلَى صَاحِبِ عَلَمٍ عَبْدَ الرَّحْمَنِ فَقَتَلَهُ، وَحَمَلَ أَصْحَابُ طَاهِرٍ حَمْلَةً صادقة حتى ألجأوهم إلى مدينة همذان، ونزل طاهر محاصرا لها، وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَخْرُجُ كُلَّ يَوْمٍ فَيُقَاتِلُ عَلَى بَابِ الْمَدِينَةِ، وَتَضَرَّرَ بِهِمْ أَهْلُ الْبَلَدِ وَجُهِدُوا، فَطَلَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ مِنْ طَاهِرٍ الأَمَانَ، فَأَمَّنَهُ وَوَفَى لَهُ. وَفِيهَا ظَهَرَ بِدِمَشْقَ السُّفْيَانِيُّ أَبُو الْعُمَيْطِرِ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ فَدَعَا إِلَى نَفْسِهِ، وَطَرَدَ عَنْهَا سُلَيْمَانَ بْنَ أَبِي جَعْفَرٍ بَعْدَ حَصْرِهِ إِيَّاهُ بِالْبَلَدِ، وَكَانَ عَامِلَ الأَمِينِ، فَلَمْ يُفْلِتْ مِنْهُ إِلا بَعْدَ الْيَأْسِ، فَوَجَّهَ الأَمِينُ لِحَرْبِهِ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى بْنِ مَاهَانَ فَلَمْ يَنْفُذْ إِلَيْهِ، وَلَكِنَّهُ وَصَلَ إِلَى الرَّقَّةِ فَأَقَامَ بِهَا. وَعَنْ صَالِحِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحِ بْنِ بَيْهَسٍ، قَالَ: ضَبَطَ أَبُو الْعُمَيْطِرِ دِمَشْقَ وَانْضَمَّتْ إِلَيْهِ الْيَمَانِيَّةُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ، وَبَايَعَهُ أَهْلُ الْغُوطَةِ وَالسَّاحِلِ وَحِمْصَ وَقِنَّسْرِينَ، وَاسْتَقَامَ لَهُ الأَمْرُ، إِلا أَنَّ قَيْسًا لَمْ تُبَايِعْهُ وَهَرَبُوا مِنْ دِمَشْقَ. وَجَاءَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ أَنَّهُ لَمَّا قَدِمَ دِمَشْقَ قَالَ لِمُحَمَّدِ بْنِ حَنْظَلَةَ: عِنْدَكَ مِنْ عِظَامِ أَبِي الْعُمَيْطِرِ شَيْءٌ؟ قَالَ: هُوَ أَقَلُّ عِنْدَنَا مِنْ هَذَا، وَلَكِنْ هَرَبَ إِلَيْنَا، وَخَلَعَ نَفْسَهُ فَسَتَرْنَاهُ. وَغَلَبَ طَاهِرُ بْنُ الْحُسَيْنِ عَلَى قَزْوِينَ وَطَرَدَ عَنْهَا عَامِلَ الأَمِينِ، وَغَلَبَ عَلَى سَائِرِ كُوَرِ الْجِبَالِ. وَذَكَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ أَنَّ الأَمِينَ لَمَّا وَجَّهَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ الأبناوي إلى همذان أتبعه بعبد الله وأحمد ابني الخرسي فِي جَيْشٍ مَدَدًا لَهُ، فَلَمَّا خَرَجَ بِالأَمَانِ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، أَقَامَ يُرِي طَاهِرًا وَجُنْدَهُ أَنَّهُ لَهُمْ مُسَالِمٌ رَاضٍ بِعُهُودِهِمْ، ثُمَّ اغْتَرَّهُمْ وَهُمْ آمنون فركب في أصحابه، فلم يَشْعُرْ طَاهِرٌ وَأَصْحَابُهُ بِهِمْ إِلا وَقَدْ هَجَمُوا عليهم فوضعوا فيهم السيف، فقاتلوهم وردت عنهم بالأترسة رجالتهم حتى أخذت الفرسان عددها وَصَدَقُوهُمُ الْقِتَالَ حَتَّى تَقَطَّعَتِ السُّيُوفُ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ. ثُمَّ هَرَبَ أَصْحَابُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَتَرَجَّلَ هُوَ وَجَمَاعَةٌ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ. وَوَصَلَ الْمُنْهَزِمَةُ إِلَى عسكر ابني الخرسي، فَدَاخَلَهُمُ الرُّعْبُ فَوَلَّوْا مُنْهَزِمِينَ مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ حَتَّى أَتَوْا بَغْدَادَ. -[1038]- وَسَارَ طَاهِرُ بْنُ الْحُسَيْنِ، وَقَدْ خَلَتْ لَهُ الْبِلادُ حَتَّى قَارَبَ حُلْوَانَ فَعَسْكَرَ بِهَا، وَخَنْدَقَ على جنده. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
256 - خ ت ن ق: مالكُ بنُ سُعَيْر بْن الخِمْس التَّميميُّ الكوفيُّ [الوفاة: 191 - 200 ه]
عَنْ: هشام بْن عُرْوة، وابن أَبِي ليلى، والأعمش، وَعَنْهُ: زياد بن يحيى الحساني، وعلي بن حرب، ومؤمل بن إهاب، وأحمد بْن الأزهر، وعبد الرحمن بْن بِشْر العبْديّ، وآخرون. قَالَ أبو زُرْعة: صدوق. قلت: خرّج لَهُ الْبُخَارِيّ متابعةً. وضعّفه أبو داود. مات سنة ثمانٍ وتسعين ومائة. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-ومن سنة خمسٍ ومائتين
فيها توفي روح بن عبادة، وأبو عامر العقدي، ومحمد بن عبيد، ويعقوب الحضرمي. فيها استعمل المأمون عَلَى جُمَيْع خُراسان والمشرق طاهر بْن الحُسين. فسار إلى عمله في ذي القعدة، وأعطاه عشرة آلاف ألف درهم، وكان ولده عَبْد اللَّه بْن طاهر قد قدم على المأمون بعد أبيه من الرقة، فولاه الجزيرة. وولّى عَلَى آذَرْبَيْجان وأرمينية عيسى بْن محمد بن أبي خالد، وأمره بقتال بابك. واستعمل عَلَى السند بِشْر بْن دَاوُد عَلَى أن يحمل إِلَيْهِ في كل سنة ألف ألف درهم. واستعمل عَلَى محاربة الزُّطّ عيسى بْن يزيد الجلودي. وحجّ بالنّاس عُبَيْد اللَّه بْن الْحَسَن العلويّ أمير الحرمين. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة خمس عشرة ومائتين
فيها تُوُفّي أبو زيد الأنصاريّ صاحب العربية بالبصرة، واسمه سعيد بن أوس، والعلاء بن هلال الباهليّ بالرَّقَّة، ومحمد بن عبد الله الأنصاريّ القاضي بالبصرة، ومكيّ بن إبراهيم الحنظليّ ببلْخ، وعليّ بن الحسن بن شقيق بمرْو، ومحمد بن المبارك الصوري بدمشق، وإسحاق بن عيسى ابن الطّبّاع ببغداد، وقُبيصة بن عُقبة السُّوائيّ بالكوفة. وفيها سار المأمون لغزو الروم في أول العام، واستخلف على بغداد الأمير إسحاق بن إبراهيم بن مُصْعَب، وقدِم عليه محمد بن عليّ بن موسى الرّضا، فأكرمه وأجازه بمالٍ عظيم، وأمره بالدخول بأهله، وهي أمّ الفضل ابنة المأمون، فدخل بها ببغداد، ثم سار المأمون إلى دابق وأنطاكية، ثم دخل المِصِّيصة، وخرج منها إلى طَرَسُوس، ثم دخل الروم في نصف جُمادَى الأولى، فنازل حصن قُرَّةَ حتّى فتحه عَنْوةً وهدمه، وافتتح حصن ماجدة، وتسلم حصنين بالأمان. وأما أخوه أبو إسحاق فإنه هذب قواعد الديار -[246]- المصريّة، ورجع فقدِم واجتمع بأخيه المأمون بنواحي الموصل، وقدِم المأمون دمشقَ بعد غزوته المذكورة. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-ومن سنة خمسٍ وعشرين ومائتين
فيها تُوُفّي أصبغ بن الفَرَج الفقيه، وأبو عمر الحَوْضيّ، وسَعْدَوَيْه الواسطيّ، وشاذ بن فَيّاض، وأبو عمر الْجَرْميّ، وعمر بن سعيد الدِّمشقيُّ الأعور، وفَرْوَةُ بن أبي المَغْراء، وأبو دُلَف الأمير، ومحمد بن سلّام البِيكَنْديّ، ويحيى بن هاشم السمسار. وفيها استوزر المعتصم محمدَ بنَ عبد الملك الزيات. وفيها قبض المعتصم على الأفشين لعداوته لعبد الله بن طاهر، ولأحمد بن أبي دُؤَاد، فعملا عليه، وما زالا حَتّى القيا في قلب المعتصم أنّ الأفشين يريد قتله. ونَقَلَ إليه ابن أبي دُؤَاد أنّه يكاتب المازيار. فطلب المعتصم كاتبه وتهدّده بالقتل، فاعترف وقال: كتبتُ إليه بأمره يقول: لم يبق غيري وغيرك وغير بابَك. وقد مضى بابَك، وجيوش الخليفة عند ابن طاهر، ولم يبق عند الخليفة سواي، فإنْ هزمت ابنَ طاهر كفيتُك أنا المعتصم، ويخلص لنا الدّين الأبيض، يعني المَجُوسية. وكان يُتَّهَم بها، فَوَهب المعتصم للكاتب مالًا وأحسن إليه، وقال: إن أخبرتَ أحدًا قتلتُك. فَرُوِيَ عن أحمد بن أبي دُؤَاد قال: دخلت على المعتصم وهو يبكي ويُقلق، فقلت: لا أبكى الله عينك، ما بك؟ قال: يا أبا عبد الله، رجلٌ أنفقتُ عليه ألف ألف دينار، ووهبتُ له مثلها يريد قتلي. قد تصدّقتُ لله بعشرة آلاف ألف درهم، فخُذْها ففرّقْها. وكان الكَرْخُ قد احترق، فقلت: نفرّق نصف المال في بناء الكَرْخ، والباقي في أهل الحَرَمَيْن، قال: افعل. وكان الأفشين قد سيّر أموالًا عظيمة إلى مدينة أشروسنة، فهم بالهرب إليها، وأحسّ بالأمر. ثمّ هيّا دعوةً ليسم المعتصم وقواده، فإن لم يجبه دعا لها الأتراك مثل إيتاخ، وأشناس فيسمهم ويذهب إلى أرمينية، ويدور إلى أشْرُوسَنَة. فطال به الأمر، ولم يتهيّأ له ذلك، فأخبر بعضُ خَوَاصّه المعتصمَ بعزمه، فقبض حينئذ المعتصم عليه وحبسه، وكتب إلى ابن طاهر بأن يقبض على ولده الحسن بن الأفشين. -[499]- وفيها أُسٍر المازيار، وقُدِم به إلى بين يدي المعتصم. وعن هارون بن عيسى بن المنصور قال: شهدت دار المعتصم وقد أتي بالأفشين، وبالمازيار، وبموبذ موبذان أحد ملوك السغد، وبالمزربان، وأحضروا رجلين فعُرِّيا، فإذا أجنابهما عارية عن اللّحْم، فقال الوزير ابن الزّيّات: يا حيدر، تعرف هذين؟ قال: نعم. هذا مؤّذنٌ، وهذا إمامٌ بَنَيا مسجدًا بأشروسنة، فضربتُ كلّ واحدٍ منهما ألفَ سوط. قال: ولم؟ قال: بيني وبين ملوك السغد عهد، أنْ أترك كلّ قومٍ على دينهم، فوثب هذان على بيتٍ فيه أصنامُ أهلِ أشْرُوسَنَة، فأخرجا الأصنام واتّخذاه مسجِدًا، فضربتهما على تَعَدِّيهما. فقال ابن الزّيّات: فما كتابٌ عندك قد زينته بالذهب والجواهر، وجعلته في الديباج، فيه الكفر بالله؟ فقال: كتابٌ ورِثْتُه عن أبي، فيه آدابٌ وحِكَم من آداب الأكاسرة، فآخُذُ منه الأدب، وأدفع ما سواه، مثل كتاب " كليلة ودِمْنة "، وما ظننتُ أنّ هذا يُخْرجني عن الإسلام. فقال ابن الزّيّات للموْبِذ: ما تقول؟ فقال: إنْ كان هذا يأكل المخنوقة، ويحملني على أكْلها، ويزعم أن لحمها أرطب لحما من المذبوحة. وقال لي: إنّي قد دخلت لهؤلاء القوم في كل ما أكره، حَتّى أكلت الزيت، وركبت الجمل، ولبست النعل، غير أنّي إلى هذا العام لم يسقط عني شعر، يعني عانته، ولم يختتن، وكان المُوبِذ مجوسيًّا، ثمّ بعد هذا أسلم على يد المتوكّل، فقال الأفشين: خبّروني عن هذا المتكلّم، أَثِقَةً هو في دينه؟ قالوا: لا، قال: فما معنى قُبُولكم شهادته؟ فتقدّم المرزبان فقال: يا أفشين، كيف يكتب إليك أهل مملكتك؟ قال: كما كانوا يكتبون إلى أبي وجَدّي. قال ابن الزّيّات: فكيف كانوا يكتبون؟ قال: كانوا يكتبون إليه بالفارسيّة ما تفسيره بالعربيّة: إلى الإله من عبده، قال: كذا هو. قال: نعم، قال: فما أبقيت لِفرْعَوْن؟ قال: خفت أن يفسدوا عليّ بتغيير ما يعهدونه، فقال له إسحاق بن إبراهيم الأمير: كيف تحلف لنا بالله فنصدّقك، وأنت تدّعي ما ادّعى فِرْعَون، فقال: يا إسحاق، هذه سورة قرأها عُجَيْف على عليّ بن هشام، وأنت تقرؤها عليّ، فانظر غدًا من يقرؤها عليك. ثمّ تقدّم مازيار، فقالوا له: تعرف هذا؟ قال: نعم، قالوا: هل كاتبتَه؟ قال: لا؟ فقالوا للمازيار: هل كتب إليك؟ قال: كتب إليّ أخوه على لسانه أنّه لم يكن يَنْصر هذا الدّين الأبيض غيري وغيرك وغير بابَك. فأمّا بابَك فإنّه بحُمقه قتل نفسه، فانْ خالفتَ لم يكن -[500]- للخليفة من يؤم بقتالك غيري، ومعي الفُرسان وأهل النجدة والبأس. فإن وُجّهت إليك لم يبق أحد يحاربنا إلّا ثلاثة: العرب، والمغاربة، والأتراك فأمّا العربيّ فبمنزلة الكلب، أطرح له كِسْرة، ثمّ اضرب رأسه بالدّبُّوس. وهؤلاء الذّئاب، يعني المغاربة، فإنّهم أَكَلَة رأس، وأمّا التُّرْك فإنّما هي ساعةٌ حتى تنفذ سهامُهُم، ثمّ تَجُول عليهم الخيلُ جَولَةً، فتأتي على أخرهم، ويعود الدّين إلى ما لم يزل عليه أيّام العجم، فقال الأفشين: هذا يدعي على أخي، ولو كنت كتبت بهذا إليه لأستميله كان غير مستنكَر، لأنّي إذا نصرت أمير المؤمنين بيدي، كنتُ أن أنصره بالحيلة أحرى لآخذ برقبة ذا. فزجره أحمد بن أبي دُؤَاد، وقال: أمطهرٌ أنت؟ قال: لا، قال: ما منعك من ذلك؟ قال: خفت التَّلَف، قال: أنت تلقى الحروب وتخاف من قطع قَلْفَة. قال: تلك ضرورة أصبر عليها، وأمّا القلْفَة فلا، ولا أخرُج بها من الإسلام. فقال أحمد: قد بان لكم أمره. قال: فرد إلى الحبس. وفيها زلزلت الأهواز، وسقط أكثر البلد والجامع، وهرب النّاس إلى ظاهر البلد، ودامت الزَّلْزَلة أياما، وتصدعت الجبال منها. وفيها ولي إمرة دمشق دينار بن عبد الله، وعُزِل بعد أيام بمحمد بن الْجَهْم السّاميّ، وكِلاهما لم يترجمه ابن عساكر، ولم يذكر من أخبارهما شيئًا. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة خمسٍ وثلاثين ومائتين
فيها تُوُفِيّ أحمد بْن عمر الوَكِيعيّ، وإبراهيم بْن العلاء زِبْريق الحمصيّ، وإسحاق الْمَوْصِليّ النّديم، وسُرَيْج بْن يونس العابد، وإسحاق بْن إبراهيم بْن مُصْعَب أمير بغداد، وشُجاع بْن مَخْلَد، وشَيْبَان بْن فَرُّوخ، وأبو بكر بْن أبي شَيْبَة، وعُبَيْد اللَّه بْن عمر القواريريّ، ومحمد بْن عبّاد المكيّ، ومحمد بْن حاتِم السّمين، وَمُعَلَّى بْن مهديّ الْمَوْصِليّ، ومنصور بْن أبي مزاحم، وأبو الهُذَيْل العلّاف شيخ المعتزلة، وهُرَيْم بْن عبد الأعلى الْبَصْرِيُّ، وعمرو بن عباس. وفيها ألزم المتوكّل النصارى بلبس العَسَليّ |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة خمسٍ وأربعين
فيها توفي أحمد بن عبدة الضبي، وأبو الحسن أحمد بن محمد النبال القواس مقرئ مكة، وأحمد بن نصر النَّيْسَابوريُّ، وإِسْحَاق بْن أَبِي إسرائيل، وإسماعيل بْن موسى السُّدّيّ، وذو النُّون المِصْريُّ، وسَوّار بن عبد الله العنْبريّ، وعبد الله بن عِمران العابديّ، ودُحَيْم، وأبو تُراب النَّخْشَبيّ، ومحمد بن رافع، وهشام بن عمّار. ويقال: فيها عمّت الزلازل الدُّنيا، فأخربت القلاع والمدن والقناطر، وهلك خلق بالعراق والمغرب. وسقطت من أنطاكية نيِّفٌ وتسعون برجًا، -[988]- وتقطّع جبلها الأقرع وسقط في البحر. وسُمِع من السّماء أصوات هائلة، وهلك أكثر أهل اللاذقّية تحتّ الردْم. وذهبت جَبَلةُ بأهلها، وهُدِمت بالِس وغيرها. وامتدّت إلى خُراسان، ومات خلائق منها. وأمر المتوكل بثلاثة آلاف ألف درهم للذين أصيبوا بمنازلهم، وزلزلت مصر، وسمعَ أهل بُلْبِيس من ناحية مصر ضجّة هائلة، فمات خلق من أهل بُلْبِيس، وغارت عيون مكة. وفيها أمر المتوكّل ببناء الماحوزة، وسماها الجعفريّ. وأقطع الأمراء بُنَاها، وأنفق بعد ذلك عليها أكثر من ألفَيْ ألف دينار، وبنى قصرًا سمّاه اللؤلؤة، لم يُرَ مثله في عُلُوِّه وارتفاعه، وحفر للماحوزة نهرًا كان يعمل فيه اثنا عشر ألف رجل، فقُتِل المتوكّل وهم يعملون فيه، فبطُل عمله، وخربت الماحوزة، ونُقِض القصر. وفيها أغارت الروم على سُمَيْساط فقتلوا نحو خمسمائة وسَبَوْا، فغزا عليّ بن يحيى، فلم يظفر بهم. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة خمسٍ وخمسين ومائتين
فيها تُوُفّي: عَبْد اللَّه بْن أبي زياد القطواني، وعبد الله الدارمي الحافظ، بخُلْف، وعبد اللَّه بْن هاشم الطوسي، وعبد الغنيّ بْن رفاعة المِصْريُّ، وعِتيق بْن محمد النَّيسابوري، والجاحظ، وأبو حاتم بخُلْفٍ فيهما، وقد مرا سنة خمسين، والمعتز بالله محمد ابن المتوكل، قتلوه، ومحمد بن حرب النشائي، ومحمد بْن عَبْد الرحيم أَبُو يحيى صاعقة، ومحمد بْن كرام الصُّوفيّ شيخ الكرامية، وموسى بن عامر المري. وفيها فتنه الزَّنْج، وخروج قائد الزَّنْج العَلَويّ بالبصرة، خرج وعسْكر، وانتسب إلى زيد بْن عَلِيّ، وزعم أنّه عَلَى بْن محمد بْن أَحْمَد بْن عَلِيّ بْن عيسى بْن زيد بْن عَلِيّ، وهذا نَسَب لم يصحّ، وكان مبدأ ظهوره في هذه السنة، والتفت عَلَيْهِ عبيد أهل البصرة مِنَ الزنج، وغيرهم، وعظُم أمره وفعل بالمسلمين الأفاعيل، وهزم الجيوش، وامتدّت أيّامه، وتمادى فِي غيّه إلى أن قتل في سنة -[10]- سبعين، على يد أبي أحمد الموفق. وفيها دخل مفلح طبرستان، فهزم الْحَسَن بْن زيد العلويّ، فلحق بالديلم، ودخل مفلح آمُل، فهدم دُورَ الْحَسَن بْن زيد، وساق في طلبه. وفيها كَانَ بين يعقوب بْن الليث وطوق بْن المغلَّس وقْعهٌ كبيرة بظاهر كِرْمان، فانتصر يعقوب وأسر طوق، وكان يعقوب قد خرج عَنِ الطّاعة وجبى الخراج لنفسه. وفيها خرج عَنِ الطّاعة علي بْن الْحَسين بْن قُرَيش، وكتب إلى المعتزّ بالله يسأله أنْ يولّيه خُراسان، ويقول: إنّ آل طاهر قد ضعُفُوا عَنْ مقاومه يعقوب بْن الليث، فكتب المعتز إليه بعهده إلى خراسان وأمره عليها، وكتب بمثل ذلك إلى يعقوب بْن الليث، وأراد أنْ يغري بينهما ليشغل كلا منهما بصاحبه، وتسقط عنه مؤونة الهالك منهما، فسار يعقوب يريد كِرْمان، وبعث ابن قُرَيش المذكور طوق بن المغلس، فسبق يعقوب إلى كرمان فدخلها، ونزل يعقوب على مرحلة منها، فأقام نحْوًا من شهرين، فلّما طال عليه أظهر الرحيل إلى سجستان، وسار مرحلةً، فوضع طَوْقٌ عَنْهُ السّلَاح، وأحضر الملَاهي والشّراب، وجاءت الأخبار إلى يعقوب، فأسرع الرجعة وأحاط بطَوْق، فأسره واستولى عَلَى كرمان وعلي سجِستْان، ثمّ سار إلى فارس فتملك شيراز، وحارب ابن قُرَيش وظفر بِهِ وأسرهُ، وبعث إلى المعتزّ بالله بتقادُمَ وتحفٍ سَنِيّة، واستفحل أمره. وفيها أخذ صالح بْن وصيف أَحْمَد بْن إسرائيل، والحسن بْن مَخْلَد، وأبا نوح عيسى بْن إبْرَاهِيم، فقيدّهم، وهم خاصّة المعتز وكُتّابه. وقد كَانَ ابن وصيف قَالَ: يا أمير المؤمنين لَيْسَ للجُنْد عطاء، وليس فِي بيت المال مال، وقد استولى هؤلَاء عَلَى أموال الدُّنيا، فقال لَهُ أَحْمَد بْن إسرائيل: يا عاصي يا ابن العاصي، وتراجعَا الكلَام والخصام، حتى احتدّ ابن وصيف، وغشي عَلَيْهِ وأصحابه بالباب، فبلغهم فصاحوا وسلّوا سيوفهم وهجموا، فقام المعتزّ ودخل إلى عند نسائه فأخذ ابن وصيف أَحْمَد والجماعة، قَالَ: فقال لَهُ المعتزّ: هب لي أحمد، فإنه ربّاني، فلم يفعل، وضربهم بداره حتى تكسّرت أسنان أَحْمَد، وأخذ خُطوطهم بمالٍ جليلٍ وقيدهم. وفيها ظهر عيسى بْن جعْفَر، وعلي بْن زيد العلويان الحَسَنيّان، فقتلَا عَبْد اللَّه بْن محمد بن داود الهاشمي الأمير. -[11]- وفي رجبُ خلِع المعتزّ بالله مِنَ الخلَافة، ثمّ قُتِل، فاختفت أمّه قبيحة، ثمّ ظهرت فِي رمضان، وأعطت صالح بْن وصيف مالَا عظيمًا، ثمّ نفاها بعدما استصفاها إلى مَكّة، فحبست بها، وظهر لها مِنَ الذَّهب ألف ألف وثلَاث مائة ألف دينار، وسفط فِيهِ مكوك زُمُرُّد، وسفط فِيهِ مكُّوك لؤلؤ، فِيهِ حَبُّ كِبار عديمُ المثل، وكيلجة ياقوت أحمر، وغيره، فقومت الأسفاط بألفي ألف دينار، وحمل الجميع إلى ابن وصيف، فلمّا رآه قَالَ: قبحها اللَّه، عرضت ابنها للقتْل لأجل خمسين ألف دينار وعندها هذا، فأخذ الكل ونفاها. وفي رمضان قَتَل ابنُ وصيف أَبَا نوح، وأحمد بن إسرائيل، وبويع المهتديّ بالله محمد بالأمر. |