نتائج البحث عن (عَارِضٌ) 50 نتيجة

(الْعَارِض) مَا اعْترض فِي الْأُفق فسده من جَراد أَو نحل والسحاب المطل وَفِي التَّنْزِيل الْعَزِيز {{قَالُوا هَذَا عَارض مُمْطِرنَا}} والجبل وجانب الْوَجْه وصفحة الخد وهما عارضان يُقَال هُوَ خَفِيف العارضين شعر العارضين وصفحة الْعُنُق والآفة تعرض فِي الشَّيْء والحائل وَالْمَانِع يُقَال عرض لَهُ عَارض والثنية من الْأَسْنَان وَهِي الثنايا (ج) عوارض وَيُقَال امْرَأَة نقية الْعَوَارِض
(الْمُعَارضَة) (فِي الْقَضَاء) طَريقَة الطعْن فِي الحكم الغيابي (مج)
(عَارض) فلَان مُعَارضَة وعراضا أَخذ فِي عرُوض من الطَّرِيق نَاحيَة وَفُلَانًا جَانِبه وَعدل عَنهُ وَفُلَانًا فِي السّير سَار حياله وَالْكتاب بِالْكتاب قابله بِهِ وَفُلَانًا باراه وأتى بِمثل مَا أَتَى بِهِ يُقَال عَارضه فِي الشّعْر وعارضه فِي السّير وعارضه بِمثل صَنِيعه وَفُلَانًا ناقضه فِي كَلَامه وقاومه والجنازة أَتَاهَا مُعْتَرضًا فِي بعض الطَّرِيق وَلم يتبعهَا من منزل الْمَيِّت وَفُلَانًا بمتاع بادله و (فِي الفضاء) عَارض فِي الحكم الغيابي رَفعه إِلَى المحكمة الَّتِي أصدرته طَالبا إلغاءه أَو تعديله (مج)
(الْعَارِضَة) صفحة الخد والثنية من الْأَسْنَان والخشبة الْعليا الَّتِي يَدُور فِيهَا الْبَاب وَيُقَال هُوَ قوي الْعَارِضَة ذُو جلد وصرامة وقدرة على الْكَلَام وَذُو بديهة ورأي جيد (ج) عوارض والعوارض (فِي الميكانيكا) سطوح من مَادَّة لَا تتأثر بالحرارة تعترض دون سير غازات الاحتراق (مج)وَيُقَال إجَازَة عارضة يمنحها الموظف لعَارض طَرَأَ لَهُو (عارضة الأزياء) فتاة حسناء ترتدي نماذج الأزياء الجديدة لتعرضها على أعين المشترين فِي حفل (مج)
العارض للشيء: ما يكون محمولًا عليه خارجًا عنه، والعارض أعم من العرض؛ إذ يقال للجوهر عارض كالصورة تعرض على الهيولى، ولا يقال له: عرض.
المعارضة: لغةً: هي المقابلة على سبيل الممانعة، واصطلاحًا، هي إقامة الدليل على خلاف ما أقام الدليل عليه الخصم، ودليل المعارض، إن كان عين دليل المعلل، يسمى: قلبًا، وإلا فإن كانت صورته كصوته يسمى: معارضة بالمثل، وإلا فمعارضة بالغير، وتقديرها إذا استدل على المطلوب بدليل فالخصم إن منع مقدمة من مقدماته، أو كل واحدة منها على التعيين، فذلك يسمى: منعًا مجردًا، ومناقضة، ونقضًا تفصيليًّا، ولا يحتاج في ذلك إلى شاهد؛ فإن ذكر شيئًا يتقوى به يسمى: سندًا للمنع، وإن منع مقدمة غير معينة بأن يقول: ليس دليلك بجميع مقدماته صحيحًا، ومعناه: أن فيها خللًا، فذلك يسمى: نقضًا إجماليًا، ولا بد ههنا من شاهد على الاختلال، وإن لم يمنعشيئًا من المقدمات، لا معينة ولا غير معينة، بأن أورد دليلًا على نقض مدعاه، فذلك يسمى: معارضة.
المعارضة:[في الانكليزية] Opposition ،contradiction ،dispute [ في الفرنسية] Opposition ،contradiction ،contestation عند الأصوليين يطلق على التعارض كما عرفت وعلى نوع من الاعتراضات وهو إقامة الدليل على خلاف ما أقام الدليل عليه الخصم.والمراد بالخلاف المنافاة، فالمعترض يسلّم دليل المستدلّ، وينفي مدلوله بإقامة دليل آخر يدلّ على خلاف مدلوله، فالمعترض يقول للمستدلّ ما ذكرت من الدليل، وإن دلّ على الحكم، لكن عندي من الدليل ما يدلّ على خلافه، وليس له تعرض لدليله بالإبطال. ولهذا قيل هي ممانعة في الحكم مع بقاء دليل المستدلّ. وهي على نوعين: أحدهما المعارضة في الحكم بأن يقيم المعترض دليلا على نقيض الحكم المطلوب ويسمّى بالمعارضة في حكم الفرع أيضا، وبالمعارضة في الفرع أيضا وهي المعنيّ من لفظ المعارضة إذا أطلق كما وقع في العضدي. وثانيهما المعارضة في المقدّمة بأن يقيم دليلا على نفي شيء من مقدّمات دليله كما إذا أقام المعلّل دليلا على أنّ العلّة للحكم هي الوصف الفلاني، فالمعترض لا ينقض دليله بل يثبت بدليل آخر أنّ هذا الوصف ليس بعلّة.وحاصله أن يذكر السائل علّة أخرى في المقيس عليه تفقد هي في الفرع ويسند الحكم إليها معارضا للمجيب، وهي بالنسبة إلى تمام الدليل مناقضة وتسمّى هذه أيضا بالمعارضة في الأصل وفي علّة الأصل وبالمفارقة كما في نور الأنوار شرح المنار. وإنما سمّيت بالمفارقة لأنّ المعارض سائل بعلّة يقع بها الفرق بين الأصل والفرع. ثم المعارضة في الحكم إمّا أن يكون بدليل المعلّل ولو بزيادة شيء عليه تفيده تقريرا وتفسيرا وهو معارضة فيها معنى المناقضة. أمّا المعارضة فمن حيث إثبات نقيض الحكم. وأمّا المناقضة فمن حيث إبطال دليل المعلّل إذ الدليل الصحيح لا يقوم على النقيضين، لكن المعارضة أصل فيه والنقض ضمني لأنّ النقض القصدي لا يرد على الدليل المؤثّر، ولذلك سمّي معارضة فيها معنى المناقضة، ولم يسمّ مناقضة فيها معنى المعارضة. فإن قلت في المعارضة تسليم دليل الخصم وفي المناقضة إنكاره فكيف هذا ذاك.قلت يكفي في المعارضة التسليم بحسب الظاهر بأن لا يتعرّض للإنكار قصدا. فإن قلت ففي كلّ معارضة معنى المناقضة لأنّ نفي حكم الخصم وإبطاله يستلزم نفي دليله المستلزم له ضرورة انتفاء الملزوم بانتفاء اللازم. قلت عند تغاير دليلين لا يلزم ذلك لاحتمال أن يكون الباطل دليل المعارض بخلاف ما إذا اتحد الدليل. ثم دليل المعارض إن دلّ على نقيض الحكم بعينه فقلب كقولهم في صوم رمضان صوم فرض فلا يتأدّى إلّا بتعيين النّية كصوم القضاء فيقول الحنفي صوم فرض فيستغني عن تعيين النية بعد تعيّنه كصوم القضاء، وإنّما يحتاج إلى تعيين واحد فقط، فهذا كذلك، لكن الصوم في رمضان يتعيّن قبل الشروع بتعيين الله تعالى وفي القضاء أنّما يتعيّن بالشروع بتعيين العبد. وإن دلّ على حكم آخر يلزم ذلك النقيض فعكس كقولهم في صلاة النفل عبادة لا يمضى في فاسدها فلا تلزم بالشروع كالوضوء، فيقال لهم لمّا كان كذلك وجب أن يستوي في النفل عمل النذر والشروع كما في الوضوء، وذلك إمّا بشمول العدم أو بشمول الوجود والأول باطل لأنّها تجب بالنذر إجماعا، فتعيّن الثاني وهو الوجوب بالنذر والشروع جميعا وهو نقيض حكم المعلّل.فالمعترض أثبت بدليل المعلّل وجوب الاستواء الذي لزم منه وجوب صلاة النفل بالشروع، وهو نقيض أثبته المعلّل من عدم وجوبه بالشروع.والقلب أقوى من العكس فإنّ المعترض به جاء بحكم آخر غير نقيض حكم المعلّل وهو اشتغال بما لا يعنيه بخلاف المعترض بالقلب، فإنّه لم يجئ إلّا بنقيض حكم المعلّل. وأما أن يكون بدليل آخر وهي المعارضة الخالصة وإثباته لنقيض الحكم إمّا أن يكون بعينه أو بتغيير ما أو بنفي حكم يلزم منه ذلك النقيض. مثال الأول:المسح ركن في الوضوء فيسنّ تثليثه كالغسل فيقال المسح في الرأس مسح فلا يسنّ تثليثه كمسح الخفّ، وهذا الوجه أقوى الوجوه.ومثال الثاني قول الحنفي في اليتيمة إنّها صغيرة يولّى عليها بولاية الإنكاح كالتي لها أب، فقال الشافعي: هذه صغيرة فلا يولّى عليها بولاية الإخوة قياسا على المال إذ لا ولاية للأخ على مال الصغيرة بالاتفاق. فالمعلّل أثبت مطلق الولاية والمعارض لم ينفها بل نفى ولاية الأخ فوقع في نقيض الحكم تغيير هو التقييد بالأخ، ولزم نفي حكم المعلّل من جهة أنّ الأخ أقرب القرابات بعد الولادة، فنفي ولايته يستلزم نفي ولاية العمّ ونحوه. ومثال الثالث ما قال أبو حنيفة رحمه الله في المرأة التي أخبرت بموت زوجها فاعتدت وتزوّجت بزوج آخر فجاءت بولد ثم جاء الزوج الأول حيّا أنّ الولد للزوج الأول لأنّه صاحب فراش صحيح لقيام النكاح بينهما، فإن عارضه الخصم بأنّ الثاني صاحب فراش فاسد فيستوجب به النسب، كما لو تزوّجت امرأة بغير شهود وولدت منه يثبت النّسب منه وإن كان الفراش فاسدا، فهذه المعارضة لم تكن لنفي النسب عن الأول بل لإثبات النسب من الثاني، وهذا وإن كان حكما آخر إلّا أنّه يلزم من ثبوته نفي حكم المعلّل وهو ثبوت النسب من الأول. والمعارضة في المقدمة إن كانت بجعل علّة المستدل معلولا والمعلول علّة فمعارضة فيها معنى المناقضة، وتسمّى هذا أيضا بالقلب، وهذا إنّما يرد إذا كان العلّة حكما لا وصفا لأنّه إن كان وصفا لا يمكن جعله معلولا والحكم علّة نحو القراءة تكرّرت فرضا في الركعتين الأوليين فكانت فرضا في الأخريين كالركوع والسجود، فيقال لا نسلّم هذا بل إنّما تكرّر الركوع والسجود فرضا في الأوليين لأنّه تكرّر فرضا في الأخريين، وإن لم تكن كذلك تسمّى معارضة خالصة وهي قد تكون لنفي علّية ما أثبت المستدلّ علّيته وقد تكون لإثبات علّة أخرى إمّا قاصرة أو متعدّية إلى مجمع عليه أو مختلف فيه. هذا حاصل ما ذكره صاحب التوضيح وفيه بعض المخالفة لكلام فخر الإسلام لما فيه من الاضطراب، وذلك أنّه قال إنّ المعارضة على نوعين: لأنّ دليل المعلّل إن كان بعينه دليل المستدلّ فهو معارضة فيها معنى المناقضة وإلّا فهو معارضة خالصة. والأول هو القلب في اصطلاح أهل الأصول والمناظرة معا. والقلب نوعان أحدهما أن تجعل العلّة معلولا والمعلول علّة من قلبت الشيء جعلته منكوسا، وثانيهما أن تجعل الوصف شاهدا لك بعد ما كان شاهدا عليك من قلب الشيء ظهرا لبطن، وهذا هو الذي يسمّيه أهل المناظرة بالمعارضة بالقلب ويقابل القلب العكس وهو ليس من باب المعارضة، لكنه لمّا استعمل في مقابلة القلب ألحق بهذا الباب، وهو نوعان: أحدهما بمعنى ردّ الشيء على سنته الأولى وهو يصلح لترجيح العلل لدلالته على أنّ للحكم زيادة تعلّق بالعلّة حتى ينتفي بانتفائها، فإنّ ما يطّرد وينعكس أولى مما يطّرد ولا ينعكس، كقولنا ما يلزم بالنّذر يلزم بالشروع كالحج فإنّ عكسه ما لا يلزم بالنذر لا يلزم بالشروع كالوضوء، وثانيهما بمعنى ردّ الشيء على خلاف سنّته، كما يقال هذه عبادة لا يمضى في فاسدها فلا يلزم بالشروع كالوضوء.فيقال لمّا كان كذلك وجب أن يستوي فيه عمل النّذر والشروع كالوضوء، وهذا نوع من القلب ضعيف يسمّى قلب التسوية وقلب الاستواء.والثاني أي المعارضة الخالصة ويسمّى في علم المناظرة معارضة بالغير خمسة أنواع. اثنان في الفرع وثلاثة في الأصل، وجعل أحد الأنواع الخمسة المعارضة بزيادة هي تفسير للأول وتقرير، كما يقال المسح ركن فيسنّ تثليثه كالغسل فيقال ركن فلا يسنّ تثليثه بعد إكماله كالغسل، وهذا أحد وجهي القلب فأورده تارة في المعارضة التي فيها مناقضة نظرا إلى أنّ الزيادة تقرير فيكون من قبيل جعل دليل المستدلّ دليلا على نقيض مدّعاه، فيلزم إبطاله، وتارة في المعارضة الخالصة نظرا إلى الظاهر وهو أنّه مع تلك الزيادة ليس دليل المستدلّ بعينه وأيضا جعل أحد الأنواع الخمسة القسم الثاني من قسمي العكس هكذا في التلويح.اعلم أنّ أصحاب المناظرة قالوا المعارضة إقامة الدليل على خلاف ما أقام الدليل عليه الخصم، والمراد بالخلاف المنافاة، فإن اتحد دليلاهما صورة ومادة كما في المغالطات العامة الورود فمعارضة بالقلب. مثاله المدعى ثابت وإلّا لكان نقيضه ثابتا، وعلى تقدير ثبوت نقيضه لكان شيء من الأشياء ثابتا، فلزم من هذه المقدّمات هذه الشرطية، إن لم يكن المدعى ثابتا لكان شيء من الأشياء ثابتا وينعكس بعكس النقيض إلى هذا إن لم يكن شيء من الأشياء ثابتا لكان المدعى ثابتا، وإن اتحد صورتهما فقط كأن يكون على الضرب الأول من الشكل الأول مثلا مع اختلافهما في المادة فمعارضة بالمثل، كما إذا قال المعلّل العالم محتاج إلى المؤثّر، وكلّ محتاج إليه حادث فهو حادث.يقول المعارض العالم مستغن عن المؤثّر، وكلّ مستغن عن المؤثّر قديم فهو قديم. وإن لم يتّحدا لا صورة ولا مادة فمعارضة بالغير كما لو قال المعارض في المثال المذكور لو كان العالم حادثا لما كان مستغنيا، لكنه مستغن فليس بحادث كذا في الرشيدية.
التعارض:[في الانكليزية] Opposition ،contradiction [ في الفرنسية] Opposition ،contradiction ويسمّى أيضا بالمعارضة والتناقض عند الأصوليين هو كون الدليلين بحيث يقتضي أحدهما ثبوت أمر والآخر انتفاءه في محلّ واحد في زمان واحد بشرط تساويهما في القوة، أو زيادة أحدهما بوصف هو تابع. واحترز باتحاد المحلّ عمّا يقتضي حلّ المنكوحة وحرمة أمّها، وباتحاد الزمان عن مثل حلّ وطئ المنكوحة قبل الحيض وحرمته عند الحيض، وبالقيد الأخير عمّا إذا كان أحدهما أقوى بالذات كالنصّ والقياس إذ لا تعارض فيهما. وإن قلت إن أريد اقتضاء أحدهما عدم ما يقتضيه الآخر بعينه حتى يكون الإيجاب واردا على ما ورد عليه النفي فلا حاجة إلى اشتراط اتحاد المحلّ والزمان لتغاير حلّ المنكوحة وحلّ أمّها، وكذا الحلّ قبل الحيض وعنده. ولهذا قيل: المعارضة تقابل الحجتين المتساويتين على وجه لا يمكن الجمع بينهما وإلّا فلا بدّ من اشتراط أمور أخر مثل اتحاد المكان والشرط ونحو ذلك مما لا بدّ منه في تحقق التناقض. قلت اشتراط اتحاد المحلّ والزمان زيادة توضيح وتنصيص على ما هو ملاك الأمر في باب التناقض، فإنّه كثيرا ما يندفع باختلاف المحلّ والزمان. ثم التعارض لا يقع بين القطعيين لامتناع وقوع المتنافيين، ولا يتصوّر الترجيح لأنّه فرع التفاوت في احتمال النقيض، فلا يكون إلّا بين ظنيين. ثم الفرق بين التعارض والنقض الإجمالي أنّ النقض الإجمالي يوجب بطلان نفس الدليل بخلاف التعارض فإنّه يمنع الحكم من غير أن يتعرّض للدليل إلّا أنّ كلّ واحد منهما في النصوص مستلزم للآخر، فإنّ تخلف المدلول عن الدليل فيها لا يكون إلّا لمانع، فذلك المانع معارض للدليل فيما تخلّف عنه، وكذا إذا تعارض النّصّ يكون الحكم متخلفا عن كلّ واحد لا محالة فيتحقّق التناقض كذا في التلويح وغيره.
عَارِضٌ:
بالراء ثم الضاد المعجمة، عارض اليمامة، والعارض: اسم للجبل المعترض، ومنه سمي عارض اليمامة وهو جبلها، وقال الحفصي: العارض جبال مسيرة ثلاثة أيام، قال: وأوله خزير وهو أنف الجبل، قال أبو زياد: العارض باليمامة، أما ما يلي المغرب
منه فعقاب وثنايا غليظة، وما يلي المشرق، وظاهره فيه أودية تذهب نحو مطلع الشمس، كلها العارض هو الجبل، قال: ولا نعلم جبلا يسمى عارضا غيره، وطرف العارض في بلاد بني تميم في موضع يسمى القرنين فثمّ انقطع طرف العارض الذي من قبل مهبّ الشمال ثم يعود العارض حتى ينقطع في رمل الجزء، وبين طرفي العارض مسيرة شهر طولا ثم انقطع، واسم طرفه الذي في رمل الجزء الفرط الذي يقول فيه وعلة الجرمي في الجاهلية:
اسأل مجاور جرم هل جنيت لهم ... حربا تزيّل بين الجزء والخلط؟
وهل علوت بجرّار له لجب ... يعلو المخارم بين السهل والفرط؟
وقد تركت نساء الحيّ معولة ... في عرصة الدار يستوقدن بالغبط

العَارِضَةُ السُّفْلى

معجم البلدان لياقوت الحموي

العَارِضَةُ السُّفْلى:
من قرى اليمن من أعمال البعدانية.
  • عَارَضَ بين
عَارَضَ بينالجذر: ع ر ض

مثال: عَارَضَ بين الشيء وأصلهالرأي: مرفوضةالسبب: لاستخدام الفعل لازمًا، وهو متعدٍّ بنفسه. المعنى: قابل وقارن بينهما

الصواب والرتبة: -عَارَضَ الشيءَ بأَصْله [فصيحة]-عَارَضَ بين الشيء وأصله [صحيحة] التعليق: جاء الفعل «عَارَضَ» في المعاجم متعديًا إلى مفعوله الأول بنفسه، وإلى الثاني بحرف الجر الباء، ففي اللسان: عارض الشيءَ بالشيء: قابله، وعارضت كتابي بكتابه، أي قابلته. ويمكن تصحيح العبارة المرفوضة عن طريق تضمين الفعل «عَارَضَ» معنى الفعل «وازَنَ» أو «قارَنَ».
عَبْدُ العَارِض
من (ع ر ض) مظهر الشيء ومبرزه، والسحاب الممطر وجانب الوجه والحائل والمانع.

الْعَارِض السماوي

دستور العلماء للأحمد نكري

الْعَارِض السماوي: مَا ثَبت من قبل الشَّارِع بِدُونِ اخْتِيَار العَبْد فِيهِ وَلِهَذَا نسب إِلَى السَّمَاء فَإِن مَا لَا اخْتِيَار للْعَبد فِيهِ ينْسب إِلَى السَّمَاء على معنى أَنه خَارج عَن قدرَة العَبْد نَازل من السَّمَاء كالجنون - والصغر - والعته - وَالنِّسْيَان وَالنَّوْم وَالْإِغْمَاء - والرزق - وَالْمَرَض - وَالْحيض - وَالنّفاس - وَالْمَوْت.
الْعَارِض: للشَّيْء الْخَارِج عَنهُ الْمَحْمُول عَلَيْهِ كالضحك للْإنْسَان وَهُوَ أَعم من الْعرض إِذْ يُقَال للجوهر عَارض لَا عرض كالصورة الجسمية فَإِنَّهُ يُقَال لَهَا أَنَّهَا تعرض على الهيولى.
الْمُعَارضَة: فِي اللُّغَة الْمُزَاحمَة والمقابلة على سَبِيل الممانعة وَفِي اصْطِلَاح المناظرة إِقَامَة الدَّلِيل على خلاف مَا أَقَامَ عَلَيْهِ الْخصم فَإِن اتَّحد دليلاهما بِأَن اتحدا فِي الْمَادَّة وَالصُّورَة جَمِيعًا كَمَا فِي المغالطات الْعَامَّة الْوُرُود تسمى.

مُعَارضَة بِالْقَلْبِ

دستور العلماء للأحمد نكري

مُعَارضَة بِالْقَلْبِ: وَإِن اتَّحد صورتاهما بِأَن تَكُونَا على الضَّرْب الأول من الشكل الأول مثلا مَعَ اخْتِلَافهمَا فِي الْمَادَّة تسمى:

مُعَارضَة بِالْمثلِ

دستور العلماء للأحمد نكري

مُعَارضَة بِالْمثلِ: وَإِن لم يتحد دليلاهما لَا صُورَة وَلَا مَادَّة تسمى:
العارض: للشيء، ما يكون محمولا عليه خارجا عنه. والعارض أعم من العرض إذ يقال للجوهر عارض كالصورة تعرض للهيولى ولا يقال عرض.
المعارضة: لغة: المقابلة على سبيل الممانعة. وعبر عنه بعضهم بأنه إقامة الشيء في مقابلة ما يناقضه. واصطلاحا: إقامة الدليل على خلاف ما اقامه عليه الخصم.
الحركة العارضة:حركة التقاء الساكنين نحو قوله تعالى: {{لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ}}. وكذلك حركة الهمزة المنقولة إلى الساكن قبلها، نحو قوله تعالى: {{وَانْحَرْ (2) إِنَّ}} على رواية ورش (ت 197 هـ)، لأن أواخر هذه الكلم وأشباهها ساكنة، وإنما حركت لالتقاء الساكنين أو النقل، وكلاهما عارض في الوصل زائل في الوقف.
المد العارض:ما يجوز الزيادة في مدة بسبب وقف أو إدغام، وهو من أنواع (المد الجائز)، وقسماه هما:
أ- المد العارض للإدغام:أن يقع بعد حرف المد أو اللين ساكن سكوناً عارضاً لأجل الإدغام الكبير، وذلك نحو المد على إدغام الكبير، وذلك نحو المد على إدغام الميم في الميم في (الرحيم ملك) من سورة الفاتحة، ويجوز فيه القصر والتوسط والإشباع.
ب- المد العارض للوقف:أن يقع بعد حرف المد أو اللين ساكن سكوناً عارضاً لأجل الوقف،وذلك نحو الوقف على (الرحيم) (بيت)، ويجوز فيه القصر والتوسط والإشباع.
العارض: للشيء ما يكون محمولاً عليه خارجاً عنه، والعارضُ من الأشياء: خلافُ الأصلي، ومن الحوادث خلاف الثابت.
  • التعارض
التعارض: ويسمَّى بالمعارضة والتناقضُ وهو عند الأصوليين: كونُ الدليلين بحيث يقتضي أحدهما ثبوتَ أمر والآخرُ انتفاءه في محل واحد في زمان واحد بشرط تساويهما في القوة أو زيادة أحدهما بوصف هو تابع.
العارضُ السماويّ: يعني الأمر المعترض على الأهلية منه ما ثبت من قِبَلَ الشارع بدون اختيار العبد، كالجنون والصِّغر. والعَتهِ والنسيان والنوم والإغماء والرقِّ والمرض والحيض والنفاس والموتِ، وضدُّ العوارض السماوية سبعة: الجهلُ والسُّكر والهزل والسفه والخطأ والإكراه.
المُعَارَضة: لغةً هي المقابلةُ على سبيل الممانعة واصطلاحاً: هي إقامةُ الدليل على خلاف ما أقام الدليلَ عليه الخصم.

تدمير المعارض، في تكفير ابن الفارض

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة

تدمير المعارض، في تكفير ابن الفارض
لبرهان الدين: إبراهيم بن عمر البقاعي.
المتوفى: سنة 885، خمس وثمانين وثمانمائة.
المُعَارَضَةُ: إِقَامَة الدَّلِيل على اخْتِلَاف مَا أَقَامَ الدَّلِيل عَلَيْهِ الْخصم.

مُعَارَضَةُ المِثْلِ

معجم مقاليد العلوم للسيوطي

مُعَارَضَةُ المِثْلِ: أَن يكون صُورَة دَلِيل السَّائِل مثل صُورَة دَلِيل الْمُعَلل.

مُعَارَضَةُ القَلْبِ

معجم مقاليد العلوم للسيوطي

مُعَارَضَةُ القَلْبِ: أَن يكون دَلِيل السَّائِل عين دَلِيل الْمُعَلل، وَقيل: مُشَاركَة الْخصم الْمُسْتَدلّ فِي عِلّة الحكم.مُعَارَضَةُ الغَيْرَ: أَلا يكون دَلِيل السَّائِل عين دَلِيل الْمُعَلل، وَلَا صورته صورته.

ذكر مَا يُلفى عَلَيْهِ الْمَقْصُود والمعارَض من الْحَال

المخصص

أَبُو عبيد: أَتَيْنَا فلَانا فأبْخَلناه وأجْبَنّاه وأحمقْناه وأنْوَكْناه وأهوَجْناه - أَي وجدْناه كَذَلِك وأقهرناه - وَجَدْنَاهُ مقهوراً وَأنْشد: تمنّى حُصَيْن أَن يسود جِذاعَه فأمْسى حُصَيْنٌ قد أُذِلّ وأُقهِرا والأصمعي يرويهِ قد أذلّ وأقْهَر - أَي صَار أَصْحَابه أذلاّء مقهورين ورَهْط الزِبْرِقان يُقَال لَهُم الجذاع.
وَقَالَ: أتيناه فأحْمدناه وَقد يُقَال أذممْناه وَهِي أقلّهما.
ابْن السّكيت: أخلَيْت الْمَكَان - صادَفْته خَالِيا وَأنْشد: أتيتُ مَعَ الحُدّاث ليْلى فَلم أُبِن فأخْلَيْت فاستعجمْت عِنْد خلائيا وَقَالَ: شاعَرْته فأفْحَمْته - صادفته مُفْحَماً لَا يَقُول الشّعْر.
أَبُو عبيد: أصعَبْت الْأَمر - وافقْته صعْباً وَأنْشد: لَا يُصْعِب الأمرَ إِلَّا ريْثَ يركَبُه - أَي قدْرَ مَا يركبه.
2396- شداد بن عارض
شداد بْن عارض الجشمي.
هو القائل في مسير رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الطائف: لا تنصروا اللات إن اللَّه مهلكها وكيف ينصر من هو ليس ينتصر إن التي حرقت بالنار فاشتعلت ولم يقاتل لدى أحجارها هدر إن الرسول متى ينزل بداركم يرحل، وليس بها من أهلها بشر قاله ابن إِسْحَاق.

ز شدّاد بن عارض الجشمي

الإصابة في تمييز الصحابة

له صحبة، وكان شاعرا مشهورا.
ذكره ابن إسحاق في المغازي، ولما سار رسول اللَّه ﷺ إلى الطّائف قال شدّاد بن عارض الجشميّ في ذلك:
لا تنصروا اللّات إنّ اللَّه مهلكها ... وكيف ينصر من هو ليس ينتصر
إنّ الرّسول متى ينزل بلادكم ... يطعن وليس بها من أهلها بشر «1»
[البسيط] وقال ابن إسحاق في موضع آخر: وقال شداد بن عارض يخاطب عيينة بن حصن الفزاريّ، فذكر له شعرا، وفي كل ذلك دلالة على صحبته.
ذكر له الزّبير بن بكّار في «الموفقيات» قصة تدلّ على أنه من أهل هذا القسم، فأخرج
من طريق علقمة بن حر السّلمي، قال: جئت إلى معاوية، فوجدت عنده ابن وثيمة النضري، وابن عارض الجشمي، فذكر قصة فيها: فقال ابن عارض: كنت مع أبي قبل أن يموت، فوجدت في الطريق خشفا فصدته لابنة لأبي كان يحبّها، فخرجت محتضنة حتى وقفنا على دريد بن الصمة «1» ، وقد فند «2» عقله وهو عريان يكوّم بين رجليه البطحاء، فرفع رأسه فرأى الخشف، فقال:
كأنّها رأس حصن ... في يوم غيم ودجن
كالخشف هذا المحتضن ... أحسن من شيء حسن «3»
[الرجز] ثم قام فسقط، فقال:
لا نهض في مثل زماني الأوّل ... محدّب السّاق شديد الأسفل
يا أولي يا أولي يا أولي
[الرجز] قلت: ودريد قتل يوم حنين، وقيل: بل قتل من قبل ذلك، فمقتضاه أن يكون عارض وولده من أهل هذا القسم.
6294

ز شدّاد بن عارض الجشمي

الإصابة في تمييز الصحابة

له صحبة، وكان شاعرا مشهورا.
ذكره ابن إسحاق في المغازي، ولما سار رسول اللَّه ﷺ إلى الطّائف قال شدّاد بن عارض الجشميّ في ذلك:
لا تنصروا اللّات إنّ اللَّه مهلكها ... وكيف ينصر من هو ليس ينتصر
إنّ الرّسول متى ينزل بلادكم ... يطعن وليس بها من أهلها بشر «1»
[البسيط] وقال ابن إسحاق في موضع آخر: وقال شداد بن عارض يخاطب عيينة بن حصن الفزاريّ، فذكر له شعرا، وفي كل ذلك دلالة على صحبته.
ذكر له الزّبير بن بكّار في «الموفقيات» قصة تدلّ على أنه من أهل هذا القسم، فأخرج
من طريق علقمة بن حر السّلمي، قال: جئت إلى معاوية، فوجدت عنده ابن وثيمة النضري، وابن عارض الجشمي، فذكر قصة فيها: فقال ابن عارض: كنت مع أبي قبل أن يموت، فوجدت في الطريق خشفا فصدته لابنة لأبي كان يحبّها، فخرجت محتضنة حتى وقفنا على دريد بن الصمة «1» ، وقد فند «2» عقله وهو عريان يكوّم بين رجليه البطحاء، فرفع رأسه فرأى الخشف، فقال:
كأنّها رأس حصن ... في يوم غيم ودجن
كالخشف هذا المحتضن ... أحسن من شيء حسن «3»
[الرجز] ثم قام فسقط، فقال:
لا نهض في مثل زماني الأوّل ... محدّب السّاق شديد الأسفل
يا أولي يا أولي يا أولي
[الرجز] قلت: ودريد قتل يوم حنين، وقيل: بل قتل من قبل ذلك، فمقتضاه أن يكون عارض وولده من أهل هذا القسم.
6294

‏المد العارض للإدغام

معجم علوم القرآن - الجرمي


وهو أن يوجد بعد حرف المد أو اللين حرف ساكن لأجل الإدغام كما في رواية السوسي عن أبي عمرو البصري في نحو: الرَّحِيمِ مالِكِ [الفاتحة: 2، 3]، قالَ لَهُمُ [آل عمران: 173]، كَيْفَ فَعَلَ [الفيل:

1]
. وكما في رواية رويس عن يعقوب في نحو: الْكِتابَ بِالْحَقِّ [البقرة:

176]
، أَنْسابَ بَيْنَهُمْ [المؤمنون:

101]
. وكما في قراءة حمزة في نحو: وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (1) فَالزَّاجِراتِ زَجْراً [الصافات: 1، 2].

ولهؤلاء القراء مذاهب في مقدار المد العارض للإدغام، هذا بيانها:

‏المد العارض للسكون

معجم علوم القرآن - الجرمي


هو المد الناشئ عن وقوع أحد حروف المد قبل ساكن عارض سكونه إما:

‏المد العارض للوقف

معجم علوم القرآن - الجرمي


هو أن يوجد بعد حرف المد أو اللين حرف سكنه القارئ لأجل الوقف، نحو الوقف على نَسْتَعِينُ [الفاتحة: 5] الْمُؤْمِنُونَ* خَوْفٌ* بَيْتٍ*.

وفي هذا المد ثلاثة أوجه القصر والتوسط والمد.

المد العارض للوقف يجمع بين المد العارض للسكون، واللين العارض للسكون، فالسكون سببه، وموجبه الوقف.

‏مد اللين العارض للسكون

معجم علوم القرآن - الجرمي


هو المد الناشئ عن وقوع أحد حروف اللين قبل ساكن عارض. وهذا الساكن إما أنه سكن:

1 - للوقف، وذلك نحو: خَوْفٌ* بَيْتٍ* شَيْءٍ* السُّوءَ*.

وللقرّاء كلهم في هذا المد وقفا ثلاثة أوجه: القصر بمقدار حركتين، والتوسط بمقدار أربع حركات، والمد المشبع بمقدار ست حركات.



أما وصلا فهم على قصر المد في الأمثلة السابقة وأمثالها، حاشا ورشا من طريق الأزرق فإن له التوسط والمد وصلا في اللين المهموز، نحو:

شَيْءٍ*، السُّوءَ*.

(راجع: اللين المهموز).

2 - للإدغام، وذلك نحو: كَيْفَ فَعَلَ* لَقَوْلُ رَسُولٍ [الحاقة: 40].

وهذا عند من روي عنه هذا الإدغام.

(راجع: الإدغام الكبير).

النّحوي، اللغوي: محمود بن عزيز العارضي، أبو القاسم، الخوارزمي، شمس المشرق.
من مشايخه: أبو نصر القشيري وغيره.
كلام العلماء فيه:
* معجم الأدباء: "كان من أفاضل النَّاس في عصره في علم اللُّغة والأدب لكنَّه تخطى إلى علم الفلسفة فصار مفتونًا يها ممقوتًا بين المسلمين، وكان سكونًا سكونًا وقورًا يطالع الفقه ويناظر في مسائل الخلاف أحيانًا".
وقال: "أملى طرفًا من الحديث وشرحه بلفظ
¬__________
(¬1) راجع روح المعاني (11/ 98) و (6/ 125) و (13/ 67) و (15/ 237) و (17/ 212)، (24/ 24).
قلت: وهذه مواضع قيمة في رد الألوسي للقبورية، وبيان التوسل الشرعي عن التوسل الشركي، وكشف الستار عن أسرار القبورية.
(¬2) روح المعاني: (1/ 17).
* بغية الوعاة (2/ 279)، معجم الأدباء (6/ 2687).

حسن ومعان لا بأس بها، وكان الزمخشري يدعوه الجاحظ الثاني لكثرة حفظه وفصاحة لفظه. أقام مدة في خدمة خوارزم شاه مكرمًا، ثم ارتحل إلى مرور فذبح بها نفسه بيده في أوائل سنة إحدى وعشرين وخمسمائة، ووجد بخطه رقعة فيها هذا ما عملته أيدينا فلا يؤاخذ به غيرنا"
أ. هـ.
وفاته: سنة (521 هـ) إحدى وعشرين وخمسمائة.

في الفرنسية/ adventices Idees
في اللاتينية/ adventitiae Cogitationes
الأفكار العارضة عند (ديكارت) هي الافكار المتولدة من الحواس، وهي مقابلة للافكار الفطرية ( innees idees) والأفكار المصطنعة fadtiees Idees).
(راجع: التأمل الأول من كتاب التأملات لديكارت).

في الفرنسية/ Antilogie
في الانكليزية/ Antilogy
المعارضة في اللغة هي المقابلة على سبيل الممانعة، وعند الشكاك اليونانيين: مقابلة كل دليل بدليل يساويه، لذلك قالوا: ان لكل دليل دليلا يقابله ويساويه في القوة. والمعارضة عند الاصوليين: إقامة الدليل على خلاف ما اقام الدليل عليه الخصم (تعريفات الجرجاني).
والمعارض للمنطق ( Antilogique) هو الخارج عن القوانين المنطقية.

التَّعْرِيفُ:
1 - التَّعَارُضُ فِي اللُّغَةِ: التَّقَابُل. أَصْلُهُ مِنَ الْعَرْضِ وَهُوَ الْمَنْعُ. يُقَال: لاَ تَعْتَرِضْ لَهُ، أَيْ: لاَ تَمْنَعْهُ بِاعْتِرَاضِكَ أَنْ يَبْلُغَ مُرَادَهُ. وَمِنْهُ: الاِعْتِرَاضَاتُ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ وَالْفُقَهَاءِ الْوَارِدَةِ عَلَى الْقِيَاسِ وَغَيْرِهِ مِنَ الأَْدِلَّةِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لأَِنَّهَا تَمْنَعُ مِنَ التَّمَسُّكِ بِالدَّلِيل وَمِنْهُ: تَعَارُضُ الْبَيِّنَاتِ، لأَِنَّ كُل وَاحِدَةٍ تَعْتَرِضُ الأُْخْرَى وَتَمْنَعُ نُفُوذَهَا. وَمِنْهُ: تَعَارُضُ الأَْدِلَّةِ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ، وَمَوْطِنُهُ فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.
وَالتَّعَارُضُ اصْطِلاَحًا: التَّمَانُعُ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ مُطْلَقًا، بِحَيْثُ يَقْتَضِي أَحَدُهُمَا غَيْرَ مَا يَقْتَضِي الآْخَرُ (1) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - التَّنَاقُضُ:
2 - التَّنَاقُضُ: هُوَ التَّدَافُعُ يُقَال: تَنَاقَضَ الْكَلاَمَانِ، أَيْ: تَدَافَعَا، كَأَنَّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا
__________
(1) المصباح المنير مادة: " عرض "، وحاشية البناني 2 / 357.

يَنْقُضُ الآْخَرَ وَيَدْفَعَهُ، وَالْمُتَنَاقَضَانِ لاَ يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا وَلاَ يَرْتَفِعَانِ (1) .
أَمَّا الْمُتَعَارِضَانِ فَقَدْ يُمْكِنُ ارْتِفَاعُهُمَا.

ب - التَّنَازُعُ:
3 - التَّنَازُعُ الاِخْتِلاَفُ. يُقَال: تَنَازَعَ الْقَوْمُ، أَيِ: اخْتَلَفُوا (2) وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: {وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} (3) .
فَالتَّنَازُعُ أَعَمُّ، لأَِنَّهُ يَشْمَل الاِخْتِلاَفَ فِي الرَّأْيِ وَغَيْرِهِ.

حُكْمُ التَّعَارُضِ:
4 - إِِذَا تَعَارَضَتِ الْبَيِّنَتَانِ، وَأَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا جُمِعَ، وَإِِذَا لَمْ يُمْكِنِ الْجَمْعُ يُصَارُ إِِلَى التَّرْجِيحِ (4) .
وَالتَّرْجِيحُ: تَقْدِيمُ دَلِيلٍ عَلَى دَلِيلٍ آخَرَ يُعَارِضُهُ، لاِقْتِرَانِ الأَْوَّل بِمَا يُقَوِّيهِ وَالتَّعَارُضُ وَالتَّرْجِيحُ يَرِدُ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ وَالْفُقَهَاءِ.
فَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِالأُْصُول فَيُنْظَرُ فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.

وَأَمَّا اسْتِعْمَالُهُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ فَمُعْظَمُهُ فِي شَأْنِ الْبَيِّنَاتِ، وَفِيمَا يَلِي تَفْصِيل ذَلِكَ:
__________
(1) التعريفات للجرجاني.
(2) المصباح المنير مادة: " نزع ".
(3) سورة الأنفال / 4.
(4) التعريفات للجرجاني.

وُجُوهُ التَّرْجِيحِ فِي تَعَارُضِ الْبَيِّنَاتِ:
5 - فِي كُل مَذْهَبٍ مِنَ الْمَذَاهِبِ الْفِقْهِيَّةِ وُجُوهٌ لِلتَّرْجِيحِ.
ذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ - فِي بَابِ دَعْوَى الرَّجُلَيْنِ - وُجُوهًا لِتَرْجِيحِ إِحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ عَلَى الأُْخْرَى إِِذَا تَعَارَضَتَا وَتَسَاوَتَا فِي الْقُوَّةِ، فَقَالُوا: إِنْ كَانَتِ الْعَيْنُ فِي يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ عَلَى بَيِّنَةِ ذِي الْيَدِ فِي دَعْوَى الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ (الَّذِي لَمْ يُذْكَرْ سَبَبُهُ) إِنْ وَقَّتَ أَحَدُهُمَا فَقَطْ (أَيْ ذَكَرَ تَارِيخًا) وَقَال أَبُو يُوسُفَ: مَنْ وَقَّتَ أَحَقُّ بِالْعَيْنِ، فَإِِنْ أَرَّخَا وَاتَّحَدَ الْمُمَلَّكُ، فَالأَْسْبَقُ تَارِيخًا أَحَقُّ بِالْعَيْنِ لِقُوَّةِ بَيِّنَتِهِ، وَلَوِ اخْتَلَفَ الْمُمَلَّكُ اسْتَوَيَا.
وَإِِنْ كَانَتِ الْعَيْنُ فِي يَدِ ثَالِثٍ، وَأَقَامَ خَارِجَانِ كُل بَيِّنَةٍ، وَتَسَاوَتَا، قُضِيَ لَهُمَا بِهَا مُنَاصَفَةً، وَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ.
وَإِِنْ كَانَ النِّزَاعُ عَلَى نِكَاحِ امْرَأَةٍ، فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ حَيَّةً أَوْ مَيِّتَةً، فَإِِنْ كَانَتْ حَيَّةً سَقَطَتِ الْبَيِّنَتَانِ لِعَدَمِ إِمْكَانِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا. وَإِِنْ كَانَتْ مَيِّتَةً وَرِثَاهَا مِيرَاثَ زَوْجٍ وَاحِدٍ، وَلَوْ وَلَدَتْ يَثْبُتُ نَسَبُ الْوَلَدِ مِنْهُمَا.
وَإِِنْ كَانَتِ الْعَيْنُ فِي أَيْدِيهِمَا مَعًا، وَاسْتَوَيَا فِي الْحُجَّةِ وَالتَّارِيخِ، فَالْعَيْنُ بَيْنَهُمَا. فَإِِنِ اخْتَلَفَا فِي التَّارِيخِ فَهِيَ لِلسَّابِقِ.
وَلاَ عِبْرَةَ عِنْدَهُمْ بِكَثْرَةِ الشُّهُودِ وَلاَ بِزِيَادَةِ

الْعَدَالَةِ (1) - وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ تَفْصِيلاَتٌ أُخْرَى تُنْظَرُ فِي كُتُبِهِمْ. وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ التَّرْجِيحُ يَحْصُل بِوُجُوهٍ:

6 - الأَْوَّل: بِزِيَادَةِ الْعَدَالَةِ فِي الْمَشْهُورِ. وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لاَ يُرَجَّحُ بِهَا، وَذَلِكَ مُوَافِقٌ لِمَا قَالَهُ الْحَنَفِيَّةُ. وَعَلَى الْقَوْل بِالتَّرْجِيحِ بِزِيَادَةِ الْعَدَالَةِ فَلاَ بُدَّ أَنْ يَحْلِفَ مَنْ زَادَتْ عَدَالَتُهُ، وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ: لاَ يَحْلِفُ، وَلاَ يُرَجَّحُ بِكَثْرَةِ الْعَدَدِ عَلَى الْمَشْهُورِ كَمَا هُوَ رَأْيُ الْحَنَفِيَّةِ. وَرُوِيَ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّهُ يُرَجَّحُ بِكَثْرَةِ الْعَدَدِ عِنْدَ تَكَافُؤِ الْبَيِّنَتَيْنِ فِي الْعَدَالَةِ، إِلاَّ أَنْ يَكْثُرُوا كَثْرَةً يُكْتَفَى بِهَا فِيمَا يُرَادُ مِنَ الاِسْتِظْهَارِ، وَالآْخَرُونَ كَثِيرُونَ جِدًّا، فَلاَ تُرَاعَى الْكَثْرَةُ حِينَئِذٍ، وَإِِنَّمَا يَقَعُ التَّرْجِيحُ بِمَزِيَّةِ الْعَدَالَةِ دُونَ مَزِيَّةِ الْعَدَدِ.
قَال ابْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ: مَنْ رَجَّحَ بِزِيَادَةِ الْعَدَدِ لَمْ يَقُل بِهِ كَيْفَمَا اتَّفَقَ، وَإِِنَّمَا اعْتَبَرَهُ مَعَ قَيْدِ الْعَدَالَةِ.

7 - الثَّانِي: يَكُونُ التَّرْجِيحُ أَيْضًا بِقُوَّةِ الْحُجَّةِ فَيُقَدَّمُ الشَّاهِدَانِ عَلَى الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ. وَعَلَى الشَّاهِدِ وَالْمَرْأَتَيْنِ، وَذَلِكَ إِِذَا اسْتَوَوْا فِي الْعَدَالَةِ، قَال ذَلِكَ أَشْهَبُ. وَقَال ابْنُ الْقَاسِمِ: لاَ يُقَدَّمَانِ ثُمَّ رَجَعَ لِقَوْل أَشْهَبَ. قَال ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَوْ كَانَ الشَّاهِدُ أَعْدَل مِنْ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُكِمَ بِهِ مَعَ الْيَمِينِ، وَقُدِّمَ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ. وَقَال
__________
(1) ابن عابدين 4 / 437، دار الطباعة العامر ببولاق.

ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَمُطَرِّفٌ: لاَ يُقَدَّمُ وَلَوْ كَانَ أَعْدَل أَهْل زَمَانِهِ، وَهُوَ أَقْيَسُ؛ لأَِنَّ بَعْضَ أَهْل الْمَذْهَبِ لاَ يَرَى الْيَمِينَ مَعَ الشَّاهِدِ.

8 - الثَّالِثُ: اشْتِمَال إِحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ عَلَى زِيَادَةِ تَارِيخٍ مُتَقَدِّمٍ أَوْ سَبَبِ مِلْكٍ، وَهَذَا يَتَّفِقُ مَعَ قَوْل الْحَنَفِيَّةِ بِالأَْخْذِ بِتَارِيخِ السَّابِقِ.
وَذَكَرَ الْقَرَافِيُّ أَنَّهُ لاَ يُحْكَمُ بِأَعْدَل الْبَيِّنَتَيْنِ عِنْدَ مَنْ رَأَى ذَلِكَ إِلاَّ فِي الأَْمْوَال خَاصَّةً.
وَقَالُوا: تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْمِلْكِ عَلَى بَيِّنَةِ الْحَوْزِ، وَإِِنْ كَانَ تَارِيخُ الْحَوْزِ مُتَقَدِّمًا، لأَِنَّ الْمِلْكَ أَقْوَى مِنَ الْحَوْزِ. وَتُقَدَّمُ الْبَيِّنَةُ النَّاقِلَةُ عَلَى الْبَيِّنَةِ الْمُسْتَصْحَبَةِ. وَمِثَالُهَا: أَنْ تَشْهَدَ بَيِّنَةٌ أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ لِزَيْدٍ بَنَاهَا مُنْذُ مُدَّةٍ، وَلاَ نَعْلَمُ أَنَّهَا خَرَجَتْ مِنْ مِلْكِهِ إِِلَى الآْنَ. وَتَشْهَدُ الْبَيِّنَةُ الأُْخْرَى: أَنَّ هَذَا اشْتَرَاهَا مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَالْبَيِّنَةُ النَّاقِلَةُ عُلِمَتْ، وَالْمُسْتَصْحَبَةُ لَمْ تُعْلَمْ، فَلاَ تَعَارُضَ بَيْنَ الشَّهَادَتَيْنِ.
وَإِِذَا لَمْ يُمْكِنِ التَّرْجِيحُ بَيْنَ الْبَيِّنَتَيْنِ سَقَطَتَا، وَبَقِيَ الْمُتَنَازَعُ عَلَيْهِ بِيَدِ حَائِزِهِ مَعَ يَمِينِهِ. فَإِِنْ كَانَ بِيَدِ غَيْرِهِمَا، فَقِيل: يَبْقَى بِيَدِهِ. وَقِيل: يُقْسَمُ بَيْنَ مُقِيمِي الْبَيِّنَتَيْنِ، لاِتِّفَاقِ الْبَيِّنَتَيْنِ عَلَى سُقُوطِ مِلْكِ الْحَائِزِ. وَإِِقْرَارِ مَنْ هُوَ بِيَدِهِ لأَِحَدِهِمَا يُنَزَّل مَنْزِلَةَ الْيَدِ لِلْمُقَرِّ لَهُ (1) .
9 - وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّهُ لَوْ تَنَازَعَ اثْنَانِ عَيْنًا، وَكَانَتْ بِيَدِ أَحَدِهِمَا، وَأَقَامَ كُلٌّ بَيِّنَةً، وَتَسَاوَتَا
__________
(1) تبصرة الحكام بهامش فتح العلي المالك 1 / 309.

قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ صَاحِبِ الْيَدِ. وَلاَ تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ إِلاَّ بَعْدَ بَيِّنَةِ الْمُدَّعِي.
وَإِِنْ كَانَتِ الْعَيْنُ فِي يَدِ ثَالِثٍ، وَأَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً سَقَطَتِ الْبَيِّنَتَانِ، وَيُصَارُ إِِلَى التَّحْلِيفِ، فَيَحْلِفُ صَاحِبُ الْيَدِ لِكُلٍّ مِنْهُمَا يَمِينًا. وَقِيل: تُسْتَعْمَل الْبَيِّنَتَانِ وَتُنْزَعُ الْعَيْنُ مِمَّنْ هِيَ فِي يَدِهِ، وَتُقْسَمُ بَيْنَهُمَا مُنَاصَفَةً فِي قَوْلٍ، وَفِي قَوْلٍ آخَرَ: يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا فَيَأْخُذَهَا مَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ، وَفِي قَوْلٍ: يُوقَفُ الأَْمْرُ حَتَّى يُتَبَيَّنَ أَوْ يَصْطَلِحَا.
وَسَكَتَ فِي الرَّوْضَةِ عَنْ تَرْجِيحٍ وَاحِدٍ مِنَ الأَْقْوَال الثَّلاَثَةِ. وَقَال الْقَلْيُوبِيُّ: قَضِيَّةُ كَلاَمِ جُمْهُورِ الشَّافِعِيَّةِ تَرْجِيحُ الثَّالِثِ؛ لأَِنَّهُ أَعْدَل.
وَإِِنْ كَانَتْ فِي أَيْدِيهِمَا، وَأَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ، بَقِيَتْ فِي أَيْدِيهِمَا، كَمَا كَانَتْ عَلَى قَوْل السُّقُوطِ. وَقِيل: تُقْسَمُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَوْل الْقِسْمَةِ، وَلاَ يَجِيءُ الْوَقْفُ، وَفِي الْقُرْعَةِ قَوْلاَنِ.
وَلَوْ أُزِيلَتْ يَدُهُ بِبَيِّنَةٍ، ثُمَّ أَقَامَ بَيِّنَةً بِمِلْكِهِ مُسْتَنِدًا إِِلَى مَا قَبْل إِزَالَةِ يَدِهِ، وَاعْتَذَرَ بِغَيْبَةِ شُهُودِهِ، سُمِعَتْ وَقُدِّمَتْ؛ لأَِنَّهَا إِنَّمَا أُزِيلَتْ لِعَدَمِ الْحُجَّةِ، وَقَدْ ظَهَرَتْ، فَيُنْقَضُ الْقَضَاءُ. وَقِيل: لاَ، وَالْقَضَاءُ عَلَى حَالِهِ. وَلَوْ قَال الْخَارِجُ: هُوَ مِلْكِي اشْتَرَيْته مِنْكَ. فَقَال: بَل مِلْكِي. وَأَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ بِمَا قَالاَهُ تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ، لِزِيَادَةِ عِلْمِ بَيِّنَتِهِ بِالاِنْتِقَال.
وَالْمَذْهَبُ أَنَّ زِيَادَةَ عَدَدِ شُهُودِ أَحَدِهِمَا

لاَ تُرَجَّحُ، لِكَمَال الْحُجَّةِ فِي الطَّرَفَيْنِ، كَمَا قَال الْحَنَفِيَّةُ.
وَفِي قَوْلٍ مِنْ طَرِيقٍ تُرَجَّحُ؛ لأَِنَّ الْقَلْبَ إِِلَى الزَّائِدِ أَمْيَل. وَكَذَا لَوْ كَانَ لأَِحَدِهِمَا رَجُلاَنِ، لِلآْخَرِ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ، لاَ يُرَجَّحُ الرَّجُلاَنِ. وَفِي قَوْلٍ مِنْ طَرِيقٍ يُرَجَّحَانِ، لِزِيَادَةِ الْوُثُوقِ بِقَوْلِهِمَا.
فَإِِنْ كَانَ لِلآْخَرِ شَاهِدٌ وَيَمِينٌ يُرَجَّحُ الشَّاهِدَانِ فِي الأَْظْهَرِ، لأَِنَّهُمَا حُجَّةٌ بِالإِِْجْمَاعِ. وَفِي الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ خِلاَفٌ. وَالْقَوْل الثَّانِي: يَتَعَادَلاَنِ؛ لأَِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا حُجَّةٌ كَافِيَةٌ.
وَلَوْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ لأَِحَدِهِمَا بِمِلْكٍ مِنْ سَنَةٍ، وَبَيِّنَةٌ لِلآْخَرِ بِمِلْكٍ مِنْ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ إِِلَى الآْنَ كَسَنَتَيْنِ، وَالْعَيْنُ فِي يَدِ غَيْرِهِمَا، فَالأَْظْهَرُ تَرْجِيحُ الأَْكْثَرِ؛ لأَِنَّ الأُْخْرَى لاَ تُعَارِضُهَا فِيهِ. وَالرَّأْيُ الثَّانِي عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّهُ لاَ تَرْجِيحَ بِهِ؛ لأَِنَّ مَنَاطَ الشَّهَادَةِ الْمِلْكُ فِي الْحَال، وَقَدِ اسْتَوَيَا فِيهِ، وَلِصَاحِبِ بَيِّنَةِ الأَْكْثَرِ - عَلَى الْقَوْل بِتَرْجِيحِهَا - الأُْجْرَةُ، وَالزِّيَادَةُ الْحَادِثَةُ مِنْ يَوْمِ الْحُكْمِ. وَعَلَى الْقَوْل الثَّانِي: تُقْسَمُ بَيْنَهُمَا، أَوْ يُقْرَعُ، أَوْ يُوقَفُ حَتَّى يُبَيِّنَ أَوْ يَصْطَلِحَا حَسَبَ الأَْقْوَال الثَّلاَثَةِ.
وَلَوْ أُطْلِقَتْ بَيِّنَةٌ، وَأُرِّخَتْ بَيِّنَةٌ، فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُمَا سَوَاءٌ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُدَّعَى بِهِ بِيَدِهِمَا أَوْ بِيَدِ غَيْرِهِمَا، أَوْ لاَ بِيَدِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
وَقِيل - كَمَا فِي أَصْل الرَّوْضَةِ - تُقَدَّمُ الْبَيِّنَةُ الْمُؤَرِّخَةُ؛ لأَِنَّهَا تَقْتَضِي الْمِلْكَ قَبْل الْحَال، بِخِلاَفِ الْمُطْلَقَةِ. وَلَوْ شَهِدَتْ بَيِّنَةُ أَحَدِهِمَا

بِالْحَقِّ، وَبَيِّنَةُ الآْخَرِ بِالإِِْبْرَاءِ قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الإِِْبْرَاءِ. هَذَا وَمَحَل الاِسْتِوَاءِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ - عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْقَلْيُوبِيُّ - مَا لَمْ يُوجَدْ مُرَجِّحٌ. فَإِِنْ وُجِدَ الْمُرَجِّحُ كَكَوْنِهِ بِيَدِ أَحَدِهِمَا، أَوْ كَانَتْ بَيِّنَتُهُ غَيْرَ شَاهِدٍ وَيَمِينٍ، أَوْ أُسْنِدَتْ بَيِّنَتُهُ لِسَبَبٍ: كَأَنْ شَهِدَتْ بِأَنَّهُ نَتَجَ فِي مِلْكِهِ، أَوْ ثَمَرَ فِيهِ، أَوْ حُمِل فِيهِ، أَوْ وَرِثَهُ مِنْ أَبِيهِ فَتُقَدَّمُ بَيِّنَتُهُ (1) .
10 - وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: أَنَّ مَنِ ادَّعَى شَيْئًا بِيَدِ غَيْرِهِ فَأَنْكَرَهُ، وَلِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ، فَقَدِ اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِيمَا إِِذَا تَعَارَضَتَا: فَالْمَشْهُورُ عَنْهُ تَقْدِيمُ بَيِّنَةِ الْمُدَّعِي، وَلاَ يُلْتَفَتُ إِِلَى بَيِّنَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِحَالٍ، وَهَذَا قَوْل إِسْحَاقَ، لأَِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (2) فَأُمِرْنَا بِسَمَاعِ بَيِّنَةِ الْمُدَّعِي وَيَمِينِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَسَوَاءٌ شَهِدَتْ بَيِّنَةُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهَا لَهُ، أَوْ قَالَتْ: وُلِدَتْ فِي مِلْكِهِ عَلَيْهِ. وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ: إِنْ شَهِدَتْ بَيِّنَةُ الدَّاخِل (أَيْ صَاحِبِ الْيَدِ وَهُوَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ) بِسَبَبِ الْمِلْكِ، وَقَالَتْ مَثَلاً: إِنَّ الدَّابَّةَ الْمُتَنَازَعَ عَلَيْهَا نَتَجَتْ فِي مِلْكِهِ أَوِ اشْتَرَاهَا، أَوْ كَانَتْ بَيِّنَتُهُ أَقْدَمَ تَارِيخًا قُدِّمَتْ بَيِّنَتُهُ، وَإِِلاَّ قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الْمُدَّعِي، لأَِنَّ (بَيِّنَةَ الدَّاخِل) أَفَادَتْ بِذِكْرِ السَّبَبِ مَا لاَ تُفِيدُهُ
__________
(1) منهاج الطالبين والقليوبي وعميرة 4 / 343 - 345.
(2) حديث: " البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه " أخرجه الترمذي (3 / 617 ط مصطفى البابي) . والبيهقي (10 / 252 ط دار المعرفة) . وصحح إسناده البغوي في شرح السنة (10 / 101 ط المكتب الإسلامي) .

الْيَدُ. وَاسْتُدِل لِتَقْدِيمِ بَيِّنَةِ الدَّاخِل: بِمَا رَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اخْتَصَمَ إِلَيْهِ رَجُلاَنِ فِي دَابَّةٍ أَوْ بَعِيرٍ، فَأَقَامَ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ بِأَنَّهَا لَهُ نَتْجُهَا، فَقَضَى بِهَا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلَّذِي هِيَ فِي يَدِهِ (1) .
وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ رِوَايَةً ثَالِثَةً: أَنَّ بَيِّنَةَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ تُقَدَّمُ بِكُل حَالٍ، وَهُوَ قَوْل شُرَيْحٍ وَأَهْل الشَّامِ وَالشَّعْبِيِّ وَالْحَكَمِ وَأَبِي عُبَيْدٍ. وَقَال: هُوَ قَوْل أَهْل الْمَدِينَةِ، وَرُوِيَ عَنْ طَاوُسٍ.
وَأَنْكَرَ الْقَاضِي كَوْنَ هَذَا رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ، وَقَال: لاَ تُقْبَل بَيِّنَةُ الدَّاخِل إِِذَا لَمْ تُفِدْ إِلاَّ مَا أَفَادَتْهُ يَدُهُ، رِوَايَةً وَاحِدَةً. وَاحْتَجَّ مَنْ ذَهَبَ إِِلَى هَذَا الْقَوْل بِأَنَّ جِهَةَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَقْوَى؛ لأَِنَّ الأَْصْل مَعَهُ، وَيَمِينُهُ تُقَدَّمُ عَلَى يَمِينِ الْمُدَّعِي. فَإِِذَا تَعَارَضَتِ الْبَيِّنَتَانِ: وَجَبَ إِبْقَاءُ يَدِهِ عَلَى مَا فِيهَا، وَتَقْدِيمُهُ، كَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا. وَحَدِيثُ جَابِرٍ يَدُل عَلَى هَذَا، فَإِِنَّهُ إِنَّمَا قُدِّمَتْ بَيِّنَتُهُ لِيَدِهِ.
11 - وَاسْتَدَل لِتَقْدِيمِ بَيِّنَةِ الْمُدَّعِي بِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (2) فَجَعَل جِنْسَ الْبَيِّنَةِ فِي جِهَةِ الْمُدَّعِي، فَلاَ يَبْقَى فِي جِهَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ.
وَلأَِنَّ بَيِّنَةَ الْمُدَّعِي أَكْثَرُ فَائِدَةً فَوَجَبَ تَقْدِيمُهَا
__________
(1) حديث جابر بن عبد الله: " فقضى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم. . . " أخرجه البيهقي (10 / 256 ط دار المعارف) . وضعفه ابن التركماني في الجوهر النقي (10 / 256 ط دار المعارف) .
(2) تقدم تخريجه (ف 10) .

كَتَقْدِيمِ بَيِّنَةِ الْجُرْحِ عَلَى بَيِّنَةِ التَّعْدِيل.
وَدَلِيل كَثْرَةِ فَائِدَتِهَا: أَنَّهَا تُثْبِتُ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ. وَبَيِّنَةُ الْمُنْكِرِ إِنَّمَا تُثْبِتُ ظَاهِرًا تَدُل الْيَدُ عَلَيْهِ، فَلَمْ تَكُنْ مُفِيدَةً؛ وَلأَِنَّ الشَّهَادَةَ بِالْمِلْكِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَنِدُهَا رُؤْيَةَ الْيَدِ وَالتَّصَرُّفَ، فَإِِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ أَهْل الْعِلْمِ، فَصَارَتِ الْبَيِّنَةُ بِمَنْزِل الْيَدِ الْمُجَرَّدَةِ، فَتُقَدَّمُ عَلَيْهَا بَيِّنَةُ الْمُدَّعِي، كَمَا تٌقَدَّمُ عَلَى الْيَدِ، كَمَا أَنَّ شَاهِدَيِ الْفَرْعِ لَمَّا كَانَا مَبْنِيَّيْنِ عَلَى شَاهِدَيِ الأَْصْل، لَمْ تَكُنْ لَهُمَا مَزِيَّةٌ عَلَيْهِمَا.
وَإِِذَا كَانَ فِي يَدِ رَجُلٍ شَاةٌ، فَادَّعَى رَجُلٌ أَنَّهَا لَهُ مُنْذُ سَنَةٍ، وَأَقَامَ بِذَلِكَ بَيِّنَةً. وَادَّعَى الَّذِي هِيَ فِي يَدِهِ أَنَّهَا فِي يَدِهِ مُنْذُ سِنِينَ، وَأَقَامَ لِذَلِكَ بَيِّنَةً، فَهِيَ لِلْمُدَّعِي بِغَيْرِ خِلاَفٍ، لأَِنَّ بَيِّنَتَهُ تَشْهَدُ لَهُ بِالْمِلْكِ، وَبَيِّنَةُ الدَّاخِل تَشْهَدُ لَهُ بِالْيَدِ خَاصَّةً، فَلاَ تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا، لإِِِمْكَانِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا بِأَنْ تَكُونَ الْيَدُ عَلَى غَيْرِ مِلْكٍ، فَكَانَتْ بَيِّنَةُ الْمِلْكِ أَوْلَى. فَإِِنْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ بِأَنَّهَا مِلْكُهُ مُنْذُ سَنَتَيْنِ، فَقَدْ تَعَارَضَ تَرْجِيحَانِ: فَقُدِّمَ التَّارِيخُ مِنْ جِهَةِ بَيِّنَةِ الدَّاخِل، وَكَوْنُ الأُْخْرَى بَيِّنَةَ الْخَارِجِ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ، وَهُوَ قَوْل صَاحِبَيْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي ثَوْرٍ. وَالثَّانِيَةُ: تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الدَّاخِل، وَهُوَ قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ؛ لأَِنَّهَا تَضَمَّنَتْ زِيَادَةً (1) .
__________
(1) المغني 9 / 275 - 281.

تَعَارُضُ الأَْدِلَّةِ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى:
12 - الْمُقَرَّرُ شَرْعًا: أَنَّ الْحُدُودَ الَّتِي هِيَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى تَسْقُطُ بِالشُّبُهَاتِ، فَإِِذَا أُقِيمَتْ بَيِّنَةٌ تَامَّةٌ عَلَى فِعْلٍ كَالزِّنَى مَثَلاً، وَعَارَضَتْهَا بَيِّنَةٌ وَلَوْ أَقَل مِنْهَا بِعَدَمِ الْفِعْل قُدِّمَتْ، وَذَلِكَ اسْتِنَادًا إِِلَى قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ مَا اسْتَطَعْتُمْ (1) بَل قَال الْحَنَفِيَّةُ: لَوْ أُقِيمَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ بِمَا يُوجِبُ الْحَدَّ، وَادَّعَى شُبْهَةً مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ، سَقَطَ الْحَدُّ (2) .
وَلِلْمَالِكِيَّةِ تَفْصِيلٌ، قَالُوا: إِِذَا شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ بِأَنَّهُ زَنَى عَاقِلاً، وَشَهِدَتِ الأُْخْرَى بِأَنَّهُ كَانَ مَجْنُونًا: إِنْ كَانَ الْقِيَامُ عَلَيْهِ (أَيِ الاِدِّعَاءِ) وَهُوَ عَاقِلٌ، قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الْعَقْل. وَإِِنْ كَانَ الْقِيَامُ عَلَيْهِ وَهُوَ مَجْنُونٌ، قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الْجُنُونِ، فَاعْتَبَرُوا شَهَادَةَ الْحَال فِي التَّرْجِيحِ.
وَقَال ابْنُ اللَّبَّادِ: يُعْتَبَرُ وَقْتُ الرُّؤْيَةِ لاَ وَقْتُ الْقِيَامِ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ ظَاهِرُ الْحَال. وَنُقِل عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ: إِثْبَاتُ الزِّيَادَةِ، فَإِِذَا شَهِدَتْ
إِحْدَاهُمَا: بِالْقَتْل أَوِ السَّرِقَةِ أَوِ الزِّنَى، وَشَهِدَتِ الأُْخْرَى: أَنَّهُ كَانَ فِي مَكَان بَعِيدٍ أَنَّهُ تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ
__________
(1) حديث: " ادرءوا الحدود بالشبهات ما استطعتم " أخرجه أبو حنيفة في مسنده (149 ط الأصيل) . قال السخاوي - وعزاه إلى مسند أبي حنيفة وابن عدي - وقال: قال شيخنا: وفي سنده من لا يعرف. (المقاصد الحسنة رقم 46 ط دار الكتب العلمية) .
(2) ابن عابدين 5 / 150، وحاشية الشبراملسي على المنهاج 7 / 431، والمغني 8 / 807.

الْقَتْل وَنَحْوِهِ؛ لأَِنَّهَا مُثْبِتَةٌ زِيَادَةً، وَلاَ يُدْرَأُ عَنْهُ الْحَدُّ. قَال سَحْنُونٌ: إِلاَّ أَنْ يَشْهَدَ الْجَمْعُ الْعَظِيمُ - كَالْحَجِيجِ وَنَحْوِهِمْ - أَنَّهُ كَانَ مَعَهُمْ فِي الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، أَوْ صَلَّى بِهِمُ الْعِيدَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ؛ لأَِنَّ هَؤُلاَءِ لاَ يُشْتَبَهُ عَلَيْهِمْ أَمْرُهُ، بِخِلاَفِ الشَّاهِدَيْنِ (1) .

تَعَارُضُ تَعْدِيل الشُّهُودِ وَتَجْرِيحِهِمُ:
13 - اعْتِبَارُ الْعَدَالَةِ فِي الشَّاهِدِ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى، وَلِهَذَا لَوْ رَضِيَ الْخَصْمُ بِأَنْ يُحْكَمَ عَلَيْهِ بِقَوْل فَاسِقٍ لَمْ يَجُزِ الْحُكْمُ بِهِ. وَالْعَدَالَةُ أَوِ التَّجْرِيحُ لاَ يَثْبُتُ كُلٌّ مِنْهُمَا إِلاَّ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ، خِلاَفًا لأَِبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي يُوسُفَ، فَيَثْبُتُ كُلٌّ مِنَ التَّعْدِيل وَالتَّجْرِيحِ عِنْدَهُمَا بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ. وَسَبَبُ الْخِلاَفِ هَل هُمَا شَهَادَةٌ أَوْ إِخْبَارٌ؟ فَعِنْدَ الْجُمْهُورِ: شَهَادَةٌ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ: إِخْبَارٌ، فَيَكْفِي الْوَاحِدُ فِي تَزْكِيَةِ السِّرِّ، وَنِصَابُ الشَّهَادَةِ فِي تَزْكِيَةِ الْعَلاَنِيَةِ.
فَلَوْ عَدَّل الشَّاهِدَ اثْنَانِ، وَجَرَّحَهُ اثْنَانِ، فَالْجَرْحُ أَوْلَى عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَاسْتَدَلُّوا: بِأَنَّ الْجَارِحَ مَعَهُ زِيَادَةُ عِلْمٍ خَفِيَتْ عَلَى الْمُعَدِّل، فَوَجَبَ تَقْدِيمُهُ؛ لأَِنَّ التَّعْدِيل يَتَضَمَّنُ تَرْكَ الرِّيَبِ وَالْمَحَارِمِ، وَالْجَارِحُ مُثْبِتٌ لِوُجُودِ ذَلِكَ، وَالإِِْثْبَاتُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّفْيِ؛ وَلأَِنَّ الْجَارِحَ
__________
(1) القرافي 4 / 62.

يَقُول: رَأَيْتُهُ يَفْعَل كَذَا، وَالْمُعَدِّل مُسْتَنَدُهُ أَنَّهُ لَمْ يَرَهُ يَفْعَل، وَيُمْكِنُ صِدْقُهُمَا، وَالْجَمْعُ بَيْنَ قَوْلَيْهِمَا: بِأَنْ يَرَاهُ الْجَارِحُ يَفْعَل الْمَعْصِيَةَ، وَلاَ يَرَاهُ الْمُعَدِّل، فَيَكُونُ مَجْرُوحًا. وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: أَنَّهُ لاَ بُدَّ فِي الْجَرْحِ مِنْ ذِكْرِ السَّبَبِ، وَلَمْ يَشْتَرِطُوا ذَلِكَ فِي التَّعْدِيل. وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّ الْمُزَكِّيَ يَقُول فِي الشَّاهِدِ الْمَجْرُوحِ " وَاللَّهُ أَعْلَمُ " وَلاَ يَزِيدُ عَلَى هَذَا؛ لأَِنَّ فِي ذِكْرِ فِسْقِهِ هَتْكَ عِرْضِهِ، وَقَدْ أُمِرْنَا بِالسَّتْرِ عَلَى الْمُسْلِمِ. وَهَذَا كُلُّهُ إِِذَا لَمْ يَعْلَمِ الْقَاضِي حَال الشُّهُودِ، إِذْ إِنَّهُ إِِذَا كَانَ يَعْلَمُ حَكَمَ بِمُقْتَضَى عِلْمِهِ (1) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لَوْ عَدَّلَهُ شَاهِدَانِ رَجُلاَنِ وَجَرَّحَهُ آخَرَانِ، فَفِي ذَلِكَ قَوْلاَنِ، قِيل: يُقْضَى بِأَعْدَلِهِمَا، لاِسْتِحَالَةِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا، وَقِيل: يُقْضَى بِشَهَادَةِ الْجَرْحِ، لأَِنَّ شُهُودَ الْجَرْحِ زَادُوا عَلَى شُهُودِ التَّعْدِيل، إِذِ الْجَرْحُ يَبْطُنُ، فَلاَ يَطَّلِعُ عَلَيْهِ كُل النَّاسِ، بِخِلاَفِ الْعَدَالَةِ.
وَلِلَّخْمِيِّ تَفْصِيلٌ، قَال: إِنْ كَانَ اخْتِلاَفُ الْبَيِّنَتَيْنِ فِي فِعْل شَيْءٍ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، كَدَعْوَى إِحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ: أَنَّهُ فَعَل كَذَا، فِي وَقْتِ كَذَا، وَقَالَتِ الْبَيِّنَةُ الأُْخْرَى: لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ، فَإِِنَّهُ يُقْضَى بِأَعْدَلِهِمَا. وَإِِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي مَجْلِسَيْنِ مُتَقَارِبَيْنِ قُضِيَ بِشَهَادَةِ الْجَرْحِ؛ لأَِنَّهَا زَادَتْ عِلْمًا فِي الْبَاطِنِ.
__________
(1) معين الحكام 105، وقليوبي وعميرة 4 / 307، والمغني 9 / 67.

وَإِِنْ تَبَاعَدَ مَا بَيْنَ الْمَجْلِسَيْنِ قُضِيَ بِآخِرِهِمَا تَارِيخًا، وَيُحْمَل عَلَى أَنَّهُ كَانَ عَدْلاً فَفَسَقَ، أَوْ فَاسِقًا فَتَزَكَّى، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ فِي وَقْتِ تَقْيِيدِ الْجَرْحِ ظَاهِرُ الْعَدَالَةِ، فَبَيِّنَةُ الْجَرْحِ مُقَدَّمَةٌ؛ لأَِنَّهَا زَادَتْ (1) .

تَعَارُضُ احْتِمَال بَقَاءِ الإِِْسْلاَمِ وَحُدُوثِ الرِّدَّةِ:
14 - فُقَهَاءُ الْمَذَاهِبِ لَمْ يُجْمِعُوا عَلَى حُكْمٍ وَاحِدٍ فِي هَذَا الْمَوْضُوعِ. وَأَكْثَرُ الْمَذَاهِبِ تَوَسُّعًا فِيهِ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ: إِذْ قَالُوا: لاَ يُخْرِجُ الرَّجُل مِنَ الإِِْيمَانِ إِلاَّ جُحُودُ مَا أَدْخَلَهُ فِيهِ، ثُمَّ مَا تَيَقَّنَ أَنَّهُ رِدَّةٌ يُحْكَمُ بِهَا، وَمَا يُشَكُّ أَنَّهُ رِدَّةٌ لاَ يُحْكَمُ بِهَا، إِذِ الإِِْسْلاَمُ الثَّابِتُ لاَ يَزُول بِالشَّكِّ، وَالإِِْسْلاَمُ يَعْلُو. وَيَنْبَغِي لِلْعَالِمِ إِِذَا رُفِعَ إِلَيْهِ هَذَا أَلاَّ يُبَادِرَ بِتَكْفِيرِ أَهْل الإِِْسْلاَمِ، مَعَ أَنَّهُ يَتَسَاهَل فِي إِثْبَاتِ الإِِْسْلاَمِ، فَيُقْضَى بِصِحَّةِ إِسْلاَمِ الْمُكْرَهِ. وَنَقَل ابْنُ عَابِدِينَ عَنْ صَاحِبِ الْفَتَاوَى الصُّغْرَى قَوْلَهُ: الْكُفْرُ شَيْءٌ عَظِيمٌ، فَلاَ أَجْعَل الْمُؤْمِنَ كَافِرًا مَتَى وُجِدَتْ رِوَايَةٌ أَنَّهُ لاَ يَكْفُرُ. وَفِي كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ: إِِذَا كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ وُجُوهٌ تُوجِبُ التَّكْفِيرَ، وَوَجْهٌ وَاحِدٌ يَمْنَعُهُ، فَعَلَى الْمُفْتِي أَنْ يَمِيل إِِلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَمْنَعُ التَّكْفِيرَ، تَحْسِينًا لِلظَّنِّ بِالْمُسْلِمِ، إِلاَّ إِِذَا صَرَّحَ بِإِِرَادَةِ مُوجِبِ الْكُفْرِ، فَلاَ يَنْفَعُهُ التَّأْوِيل. وَلاَ يَكْفُرُ بِالْمُحْتَمَل؛ لأَِنَّ عُقُوبَةَ الْكُفْرِ نِهَايَةٌ فِي الْعُقُوبَةِ، تَسْتَدْعِي
__________
(1) تبصرة الحكام 1 / 233.

نِهَايَةً فِي الْجِنَايَةِ، وَمَعَ الاِحْتِمَال لاَ نِهَايَةَ فِي الْجِنَايَةِ، وَالَّذِي تَقَرَّرَ: أَنَّهُ لاَ يُفْتَى بِكُفْرِ مُسْلِمٍ أَمْكَنَ حَمْل كَلاَمِهِ عَلَى مَحْمَلٍ حَسَنٍ، أَوْ كَانَ فِي كُفْرِهِ اخْتِلاَفٌ، وَلَوْ رِوَايَةً ضَعِيفَةً (1) .
15 - وَفُقَهَاءُ الْمَذَاهِبِ الأُْخْرَى يَقُولُونَ أَيْضًا: إِِذَا قَامَ دَلِيلٌ أَوْ قَرِينَةٌ تَقْتَضِي عَدَمَ الْقَتْل قُدِّمَتْ. قَالُوا: وَلَوْ أَسْلَمَ ثُمَّ ارْتَدَّ عَنْ قُرْبٍ، وَقَال: أَسْلَمْتُ عَنْ ضِيقٍ أَوْ خَوْفٍ أَوْ غُرْمٍ، وَظَهَرَ عُذْرُهُ، فَفِي قَبُول عُذْرِهِ قَوْلاَنِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ.

هَذَا، وَقَدْ أَوْرَدَ الْفُقَهَاءُ قَوَاعِدَ عَامَّةً فِي التَّعَارُضِ، وَهِيَ إِنْ كَانَتْ أَقْرَب إِِلَى الأُْصُول مِنْهَا إِِلَى الْفِقْهِ، إِلاَّ أَنَّهُ رُتِّبَتْ عَلَيْهَا مَسَائِل فِقْهِيَّةٌ يَسُوغُ ذِكْرُهَا هُنَا (2) .

تَعَارُضُ الأَْحْكَامِ التَّكْلِيفِيَّةِ فِي الْفِعْل الْوَاحِدِ:
16 - مِنَ الْقَوَاعِدِ الَّتِي أَوْرَدَهَا الزَّرْكَشِيُّ: أَنَّهُ لَوْ تَعَارَضَ الْحَظْرُ وَالإِِْبَاحَةُ فِي فِعْلٍ وَاحِدٍ يُقَدَّمُ الْحَظْرُ.
وَمِنْ ثَمَّ لَوْ تَوَلَّدَ الْحَيَوَانُ مِنْ مَأْكُولٍ وَغَيْرِهِ، حَرُمَ أَكْلُهُ، وَإِِذَا ذَبَحَهُ الْمُحْرِمُ وَجَبَ الْجَزَاءُ تَغْلِيبًا لِلتَّحْرِيمِ.
وَمِنْهَا: لَوْ تَعَارَضَ الْوَاجِبُ وَالْمَحْظُورُ، يُقَدَّمُ الْوَاجِبُ، كَمَا إِِذَا اخْتَلَطَ مَوْتَى الْمُسْلِمِينَ بِمَوْتَى
__________
(1) ابن عابدين 3 / 285.
(2) تبصرة الحكام 2 / 250، وقليوبي وعميرة 4 / 176، وشرح منتهى الإرادات 3 / 392.

الْكُفَّارِ، وَجَبَ غَسْل الْجَمِيعِ، وَالصَّلاَةُ عَلَيْهِمْ. وَكَذَلِكَ اخْتِلاَطُ الشُّهَدَاءِ بِغَيْرِهِمْ. وَإِِنْ كَانَ الشَّهِيدُ لاَ يُغَسَّل، وَلاَ يُصَلَّى عَلَيْهِ، إِلاَّ أَنَّهُ يُنْوَى الصَّلاَةُ عَلَيْهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ شَهِيدًا. وَلَوْ أَسْلَمَتِ الْمَرْأَةُ وَجَبَ عَلَيْهَا الْهِجْرَةُ إِِلَى دَارِ الإِِْسْلاَمِ، وَلَوْ سَافَرَتْ وَحْدَهَا، وَإِِنْ كَانَ سَفَرُهَا وَحْدَهَا فِي الأَْصْل حَرَامًا. وَيُعْذَرُ الْمُصَلِّي فِي التَّنَحْنُحِ إِِذَا تَعَذَّرَتْ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ الْوَاجِبَةُ.
17 - وَمِنَ الْقَوَاعِدِ: مَا لَوْ تَعَارَضَ وَاجِبَانِ، قُدِّمَ آكَدُهُمَا، فَيُقَدَّمُ فَرْضُ الْعَيْنِ عَلَى فَرْضِ الْكِفَايَةِ. فَالطَّائِفُ حَوْل الْكَعْبَةِ لاَ يَقْطَعُ الطَّوَافَ لِصَلاَةِ الْجِنَازَةِ. وَلَوِ اجْتَمَعَتْ جِنَازَةٌ وَجُمُعَةٌ وَضَاقَ الْوَقْتُ، قُدِّمَتِ الْجُمُعَةُ. وَمِنْ هَذَا لَيْسَ لِلْوَالِدَيْنِ مَنْعُ الْوَلَدِ مِنْ حَجَّةِ الإِِْسْلاَمِ عَلَى الصَّحِيحِ، بِخِلاَفِ الْجِهَادِ، فَإِِنَّهُ لاَ يَجُوزُ إِلاَّ بِرِضَاهُمَا، لأَِنَّ بِرَّهُمَا فَرْضُ عَيْنٍ، وَالْجِهَادُ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَفَرْضُ الْعَيْنِ مُقَدَّمٌ.
18 - وَلَوْ تَعَارَضَتْ فَضِيلَتَانِ، يُقَدَّمُ أَفْضَلُهُمَا، فَلَوْ تَعَارَضَ الْبُكُورُ إِِلَى الْجُمُعَةِ بِلاَ غُسْلٍ وَتَأْخِيرُهُ مَعَ الْغُسْل، فَالظَّاهِرُ: أَنَّ تَحْصِيل الْغُسْل أَوْلَى لِلْخِلاَفِ فِي وُجُوبِهِ. وَهَذَا كُلُّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ (1) .
19 - وَمِنْ فُرُوعِ قَاعِدَةِ تَعَارُضِ الْحَظْرِ وَالإِِْبَاحَةِ: مَا إِِذَا تَعَارَضَ دَلِيلاَنِ أَحَدُهُمَا يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ،
__________
(1) المنثور في القواعد للزركشي 1 / 337 - 345، وانظر تفسير القرطبي 6 / 320.

وَالآْخَرُ الإِِْبَاحَةَ، قُدِّمَ التَّحْرِيمُ. وَعَلَّلَهُ الأُْصُولِيُّونَ بِتَقْدِيمِ النَّسْخِ؛ لأَِنَّهُ لَوْ قُدِّمَ الْمُبِيحُ لَلَزِمَ تَكْرَارُ النَّسْخِ، لأَِنَّ الأَْصْل فِي الأَْشْيَاءِ الإِِْبَاحَةُ، فَلَوْ جُعِل الْمُبِيحُ مُتَأَخِّرًا كَانَ الْمُحَرَّمُ نَاسِخًا لِلإِِْبَاحَةِ الأَْصْلِيَّةِ، ثُمَّ يَصِيرُ مَنْسُوخًا بِالْمُبِيحِ، وَلَوْ جُعِل الْمُحَرَّمُ مُتَأَخِّرًا كَانَ نَاسِخًا لِلْمُبِيحِ، وَهُوَ لَمْ يَنْسَخْ شَيْئًا لِكَوْنِهِ عَلَى وَفْقِ الأَْصْل، وَلِذَلِكَ قَال عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمَّا سُئِل عَنِ الْجَمْعِ بَيْنَ الأُْخْتَيْنِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ - أَحَلَّتْهُمَا آيَةٌ وَحَرَّمَتْهُمَا آيَةٌ، وَالتَّحْرِيمُ أَحَبُّ إِلَيْنَا. قَالُوا: وَإِِنَّمَا كَانَ التَّحْرِيمُ أَحَبَّ لأَِنَّ فِيهِ تَرْكَ مُبَاحٍ، لاَ اجْتِنَابَ مُحَرَّمٍ، وَذَلِكَ أَوْلَى مِنْ عَكْسِهِ (1) .
20 - وَمِنْ أَقْسَامِ التَّعَارُضِ: أَنْ يَتَعَارَضَ أَصْلاَنِ، فَإِِذَا وَقَعَ ذَلِكَ يُعْمَل بِالأَْرْجَحِ مِنْهُمَا، لاِعْتِضَادِهِ بِمَا يُرَجِّحُهُ.
وَمِنْ صُوَرِهِ: مَا إِِذَا جَاءَ بَعْضُ الْعَسْكَرِ بِمُشْرِكٍ، فَادَّعَى الْمُشْرِكُ: أَنَّ الْمُسْلِمَ أَمَّنَهُ، وَأَنْكَرَ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: الْقَوْل قَوْل الْمُسْلِمِ فِي إِنْكَارِ الأَْمَانِ، لأَِنَّ الأَْصْل عَدَمُ الأَْمَانِ.
وَالثَّانِيَةُ: الْقَوْل قَوْل الْمُشْرِكِ، لأَِنَّ الأَْصْل فِي الدِّمَاءِ الْحَظْرُ إِلاَّ بِيَقِينِ الإِِْبَاحَةِ، وَقَدْ وَقَعَ الشَّكُّ هُنَا فِيهَا. وَفِيهِ رِوَايَةٌ
ثَالِثَةٌ: أَنَّ الْقَوْل قَوْل مَنْ يَدُل الْحَال عَلَى صِدْقِهِ مِنْهُمَا، تَرْجِيحًا
__________
(1) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص 110.

لأَِحَدِ الأَْصْلَيْنِ بِالظَّاهِرِ الْمُوَافِقِ لَهُ (1) . وَلَوْ تَعَارَضَ الْحِنْثُ وَالْبِرُّ فِي يَمِينٍ، قُدِّمَ الْحِنْثُ عَلَى الْبِرِّ، فَمَنْ حَلَفَ عَلَى الإِِْقْدَامِ عَلَى فِعْل شَيْءٍ أَوْ وُجُودِهِ فَهُوَ عَلَى حِنْثٍ، حَتَّى يَقَعَ الْفِعْل فَيَبَرُّ. وَالْحِنْثُ يَدْخُل عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ بِأَقَل الْوُجُوهِ، وَالْبِرُّ لاَ يَكُونُ إِلاَّ بِأَكْمَل الْوُجُوهِ، فَمَنْ حَلَفَ أَنْ يَأْكُل رَغِيفًا لَمْ يَبَرَّ إِلاَّ بِأَكْل الرَّغِيفِ كُلِّهِ، وَإِِنْ حَلَفَ أَلاَّ يَأْكُلَهُ حَنِثَ بِأَكْل بَعْضِهِ (2) .
قَال الْغَزَالِيُّ فِي الْمُسْتَصْفَى: وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ: إِِلَى أَنَّ الْخَاصَّ وَالْعَامَّ يَتَعَارَضَانِ وَيَتَدَافَعَانِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْخَاصُّ سَابِقًا، وَقَدْ وَرَدَ الْعَامُّ بَعْدَهُ لإِِِرَادَةِ الْعُمُومِ، فَنُسِخَ الْخَاصُّ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعَامُّ سَابِقًا وَقَدْ أُرِيدَ بِهِ الْعُمُومُ، ثُمَّ نُسِخَ بِاللَّفْظِ الْخَاصِّ بَعْدَهُ. فَعُمُومُ الرَّقَبَةِ مَثَلاً يَقْتَضِي إِجْزَاءَ الْكَافِرَةِ مَهْمَا أُرِيدَ بِهِ الْعُمُومُ، وَالتَّقْيِيدُ بِالْمُؤْمِنَةِ يَقْتَضِي مَنْعَ إِجْزَاءِ الْكَافِرَةِ، فَهُمَا مُتَعَارِضَانِ. وَإِِذَا أَمْكَنَ النَّسْخُ وَالْبَيَانُ جَمِيعًا فَلَمْ يَتَحَكَّمْ بِحَمْلِهِ عَلَى الْبَيَانِ دُونَ النَّسْخِ؟ وَلَمْ يُقْطَعْ بِالْحُكْمِ عَلَى الْعَامِّ بِالْخَاصِّ؟ وَلَعَل الْعَامَّ هُوَ الْمُتَأَخِّرُ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الْعُمُومُ، وَيُنْسَخُ بِهِ الْخَاصُّ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَالأَْصَحُّ عِنْدَنَا: تَقْدِيمُ الْخَاصِّ وَإِِنْ كَانَ مَا ذَكَرَهُ
__________
(1) القواعد لابن رجب 335 - 338.
(2) القوانين الفقهية ص 159 نشر دار الكتاب العربي - بيروت.

الْقَاضِي مُمْكِنًا، وَلَكِنَّ تَقْدِيرَ النَّسْخِ مُحْتَاجٌ إِِلَى الْحُكْمِ بِدُخُول الْكَافِرَةِ تَحْتَ اللَّفْظِ، ثُمَّ خُرُوجُهُ عَنْهُ، فَهُوَ إِثْبَاتُ وَضْعٍ، وَرَفْعٌ بِالتَّوَهُّمِ، وَإِِرَادَةُ الْخَاصِّ بِاللَّفْظِ الْعَامِّ غَالِبٌ مُعْتَادٌ، بَل هُوَ الأَْكْثَرُ، وَالنَّسْخُ كَالنَّادِرِ، فَلاَ سَبِيل إِِلَى تَقْدِيرِهِ بِالتَّوَهُّمِ، وَيَكَادُ يَشْهَدُ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ سِيَرِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ كَثِيرٌ، فَإِِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ إِِلَى الْحُكْمِ بِالْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ، وَمَا اشْتَغَلُوا بِطَلَبِ التَّارِيخِ وَالتَّقَدُّمِ وَالتَّأَخُّرِ (1) .
وَقِيل عَلَى الشُّذُوذِ: إِنَّهُ يُخَصَّصُ مِنْ طَرِيقِ الْمَفْهُومِ، فَإِِنَّ الرِّجَال يَقْتَضِي مَفْهُومُهُ قَتْل غَيْرِهِمْ، فَإِِذَا لَمْ يَتَنَافَيَا، وَكَانَ لأَِحَدِهِمَا مُنَاسَبَةٌ تَخُصُّهُ فِي مُتَعَلَّقَهِ - كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} (2) وقَوْله تَعَالَى: {لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} (3) - فَيُضْطَرُّ الْمُحْرِمُ إِِلَى أَكْل الْمَيْتَةِ أَوِ الصَّيْدِ، فَعِنْدَ مَالِكٍ: يَأْكُل الْمَيْتَةَ وَيَتْرُكُ الصَّيْدَ؛ لأَِنَّ كِلَيْهِمَا - وَإِِنْ كَانَ مُحَرَّمًا - إِلاَّ أَنَّ تَحْرِيمَ الصَّيْدِ لَهُ مُنَاسَبَةٌ بِالإِِْحْرَامِ، وَمَفْسَدَتُهُ الَّتِي اعْتَمَدَهَا النَّهْيُ إِنَّمَا هِيَ فِي الإِِْحْرَامِ، وَأَمَّا مَفْسَدَةُ أَكْل الْمَيْتَةِ فَذَلِكَ أَمْرٌ عَامٌّ، لاَ تَعَلُّقَ لَهُ بِخُصُوصِ الإِِْحْرَامِ، وَالْمُنَاسِبُ إِِذَا كَانَ لأَِمْرٍ عَامٍّ - وَهُوَ كَوْنُهَا مَيْتَةً - لاَ يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خُصُوصِ الإِِْحْرَامِ
__________
(1) المستصفى 2 / 103 - 105 ط دار صادر بيروت.
(2) سورة المائدة / 3.
(3) سورة المائدة / 95.

مُنَافَاةٌ وَلاَ تَعَلُّقٌ، وَالْمُنَافِي الأَْخَصُّ أَوْلَى بِالاِجْتِنَابِ.
وَمِنْ هَذَا الْقَبِيل: إِِذَا لَمْ يَجِدِ الْمُصَلِّي ثَوْبًا يَسْتُرُهُ إِلاَّ حَرِيرًا أَوْ نَجِسًا فَإِِنَّهُ يُصَلِّي فِي الْحَرِيرِ وَيَتْرُكَ النَّجِسَ؛ لأَِنَّ مَفْسَدَةَ النَّجَاسَةِ خَاصَّةٌ بِالصَّلاَةِ، بِخِلاَفِ مَفْسَدَةِ الْحَرِيرِ لاَ تَعَلُّقَ لَهَا بِخُصُوصِ الصَّلاَةِ، وَلاَ مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا.
وَهُنَاكَ فُرُوعٌ كَثِيرَةٌ أُخْرَى تَتَرَتَّبُ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ، يُرْجَعُ إِلَيْهَا فِي الأُْصُول وَأَبْوَابِ الْفِقْهِ.

تَعَارُضُ الأَْصْل وَالظَّاهِرِ:
21 - الْمُرَادُ بِالأَْصْل: بَقَاءُ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ، وَالظَّاهِرُ: مَا يَتَرَجَّحُ وُقُوعُهُ.
فَالأَْصْل بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ، وَلِذَا لَمْ يُقْبَل فِي شَغْلِهَا شَاهِدٌ وَاحِدٌ، وَلِذَا كَانَ الْقَوْل قَوْل الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِمُوَافَقَتِهِ الأَْصْل، وَالْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، لِدَعْوَاهُ مَا خَالَفَ الأَْصْل، فَإِِذَا اخْتَلَفَا فِي قِيمَةِ الْمُتْلَفِ وَالْمَغْصُوبِ - فَالْقَوْل قَوْل الْغَارِمِ، لأَِنَّ الأَْصْل الْبَرَاءَةُ عَمَّا زَادَ عَنْ قَوْلِهِ، وَلَوْ أَقَرَّ بِشَيْءٍ أَوْ حَقٍّ قَبْل تَفْسِيرِهِ بِمَا لَهُ قِيمَةٌ، فَالْقَوْل لِلْمُقِرِّ مَعَ يَمِينِهِ. وَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ. وَالْحُكْمُ كَذَلِكَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ (1) . وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: الْحُكْمُ عِنْدَهُمْ كَذَلِكَ فِي تَقْدِيمِ الظَّاهِرِ الثَّابِتِ بِالْبَيِّنَةِ.
__________
(1) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص 23، والقوانين الفقهية لابن جزي ص 198، والأشباه والنظائر للسيوطي 64، والقواعد 339.

وَلِلشَّافِعِيَّةِ تَفْصِيلٌ فِي غَيْرِ الثَّابِتِ بِالْبَيِّنَةِ، إِذْ قَالُوا: إِنَّ الأَْصْل يُرَجَّحُ جَزْمًا. وَضَابِطُهُ: أَنْ يُعَارِضَهُ احْتِمَالٌ مُجَرَّدٌ. وَمَا يُرَجَّحُ فِيهِ الظَّاهِرُ جَزْمًا، وَضَابِطُهُ: أَنْ يَسْتَنِدَ إِِلَى سَبَبٍ مَنْصُوبٍ شَرْعًا، كَالشَّهَادَةِ تُعَارِضُ الأَْصْل، وَالرِّوَايَةَ، وَالْيَدَ فِي الدَّعْوَى. وَإِِخْبَارُ الثِّقَةِ بِدُخُول الْوَقْتِ. وَمَا يُرَجَّحُ فِيهِ الأَْصْل عَلَى الظَّاهِرِ فِي الأَْصَحِّ، وَضَابِطُهُ: أَنْ يَسْتَنِدَ الاِحْتِمَال إِِلَى سَبَبٍ ضَعِيفٍ، وَمِثْلُهُ الشَّيْءُ الَّذِي لاَ يُتَيَقَّنُ بِنَجَاسَتِهِ، وَلَكِنَّ الْغَالِبَ فِيهِ النَّجَاسَةُ كَثِيَابِ مُدْمِنِ الْخَمْرِ، وَالْقَصَّابِينَ، وَالْكُفَّارِ، وَأَوَانِيهِمْ. وَمَا يُتَرَجَّحُ فِيهِ الظَّاهِرُ عَلَى الأَْصْل، بِأَنْ كَانَ سَبَبًا قَوِيًّا مُنْضَبِطًا، كَمَنْ شَكَّ بَعْدَ الصَّلاَةِ أَوْ غَيْرِهَا مِنَ الْعِبَادَاتِ فِي تَرْكِ رُكْنٍ غَيْرِ النِّيَّةِ فَالْمَشْهُورُ لاَ يُؤَثِّرُ.
وَالْحَنَابِلَةُ يُقَدِّمُونَ كَغَيْرِهِمُ الظَّاهِرَ، الَّذِي هُوَ حُجَّةٌ يَجِبُ قَبُولُهَا شَرْعًا، كَالشَّهَادَةِ عَلَى الأَْصْل، وَإِِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، بِأَنْ كَانَ مُسْتَنِدًا إِِلَى الْعُرْفِ أَوِ الْعَادَةِ الْغَالِبَةِ أَوِ الْقَرَائِنِ أَوْ غَلَبَةِ الظَّنِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَتَارَةً يُعْمَل بِالأَْصْل وَلاَ يُلْتَفَتُ إِِلَى الظَّاهِرِ، وَتَارَةً يُعْمَل بِالظَّاهِرِ وَلاَ يُلْتَفَتُ إِِلَى الأَْصْل، وَتَارَةً يَخْرُجُ فِي الْمَسْأَلَةِ خِلاَفٌ، فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ:
(1) مَا تُرِكَ فِيهِ الْعَمَل بِالأَْصْل لِلْحُجَّةِ الشَّرْعِيَّةِ، وَهِيَ قَوْل مَنْ يَجِبُ الْعَمَل بِقَوْلِهِ، كَشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ بِشَغْل ذِمَّةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَهَذِهِ

مَحَل إِجْمَاعٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ كَمَا تَقَدَّمَ.
(2) مَا عُمِل فِيهِ بِالأَْصْل، وَلَمْ يُلْتَفَتْ إِِلَى الْقَرَائِنِ الظَّاهِرَةِ وَنَحْوِهَا. وَذَلِكَ كَمَا إِِذَا ادَّعَتْ زَوْجَةٌ بَعْدَ طُول مُقَامِهَا مَعَ الزَّوْجِ: أَنَّهَا لَمْ تَصِلْهَا مِنْهُ النَّفَقَةُ الْوَاجِبَةُ، فَإِِنَّ الْقَوْل قَوْلُهَا مَعَ يَمِينِهَا عِنْدَ الأَْصْحَابِ، لأَِنَّ الأَْصْل مَعَهَا، مَعَ أَنَّ الْعَادَةَ تُبْعِدُ ذَلِكَ جِدًّا، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ الرُّجُوعَ إِِلَى الْعَادَةِ، وَخَرَّجَهُ وَجْهًا مِنَ الْمَسَائِل الْمُخْتَلَفِ فِيهَا.
(3) مَا عُمِل فِيهِ بِالظَّاهِرِ وَلَمْ يُلْتَفَتْ إِِلَى الأَْصْل، كَمَا إِِذَا شَكَّ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الصَّلاَةِ أَوْ غَيْرِهَا مِنَ الْعِبَادَاتِ فِي تَرْكِ رُكْنٍ مِنْهَا، فَإِِنَّهُ لاَ يُلْتَفَتُ إِِلَى الشَّكِّ، وَإِِنْ كَانَ الأَْصْل عَدَمَ الإِِْتْيَانِ بِهِ وَعَدَمَ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ، لَكِنَّ الظَّاهِرَ مِنْ فِعْل الْمُكَلَّفِينَ لِلْعِبَادَاتِ: أَنْ تَقَعَ عَلَى وَجْهِ الْكَمَال، فَيُرَجَّحُ هَذَا الظَّاهِرُ عَلَى الأَْصْل، وَلاَ فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْوُضُوءِ وَغَيْرِهِ فِي الْمَنْصُوصِ عَنِ الإِِْمَامِ أَحْمَدَ.
(4) مَا خَرَجَ فِيهِ خِلاَفٌ فِي تَرْجِيحِ الظَّاهِرِ عَلَى الأَْصْل وَبِالْعَكْسِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ غَالِبًا عِنْدَ تَقَادُمِ الظَّاهِرِ وَالأَْصْل وَتَسَاوِيهِمَا، وَمِنْ صُوَرِهِ: طَهَارَةُ طِينِ الشَّوَارِعِ، نَصَّ عَلَيْهِ الإِِْمَامُ أَحْمَدُ فِي مَوَاضِعَ، تَرْجِيحًا لِلأَْصْل، وَهُوَ الطَّهَارَةُ فِي الأَْعْيَانِ كُلِّهَا. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ ثَانِيَةٍ: أَنَّهُ نَجِسٌ

تَرْجِيحًا لِلظَّاهِرِ، وَجَعَلَهُ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ الْمَذْهَبَ (1) .

تَعَارُضُ الْعِبَارَةِ (اللَّفْظِ) وَالإِِْشَارَةِ الْحِسِّيَّةِ:
22 - قَال الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِنَّ الْعِبَارَةَ تُقَدَّمُ عَلَى الإِِْشَارَةِ، وَاسْتَدَلُّوا بِمَا أَوْرَدَهُ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ: عَلَى الْجَبْهَةِ وَأَشَارَ بِيَدِهِ عَلَى أَنْفِهِ. . . إِلَخْ (2) . وَأَحَال شَرْحَ الْحَدِيثِ عَلَى مَا قَالَهُ فِي الرِّوَايَةِ الأُْخْرَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى جَبْهَتِهِ وَأَمَرَّهَا عَلَى أَنْفِهِ، وَقَال: هَذَا وَاحِدٌ فَهَذِهِ رِوَايَةٌ مُفَسِّرَةٌ. قَال الْقُرْطُبِيُّ: هَذَا يَدُل عَلَى أَنَّ الْجَبْهَةَ الأَْصْل، وَالسُّجُودَ عَلَى الأَْنْفِ تَبَعٌ.
وَقَال ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: قِيل: مَعْنَاهُ أَنَّهُمَا جُعِلاَ كَعُضْوٍ وَاحِدٍ، وَإِِلاَّ لَكَانَتِ الأَْعْضَاءُ ثَمَانِيَةً. قَال: وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يُكْتَفَى بِالسُّجُودِ عَلَى الأَْنْفِ. قَال: وَالْحَقُّ أَنَّ مِثْل هَذَا لاَ يُعَارِضُ التَّصْرِيحَ بِذِكْرِ الْجَبْهَةِ، وَإِِنْ أَمْكَنَ أَنْ يُعْتَقَدَ أَنَّهُمَا كَعُضْوٍ وَاحِدٍ فَذَاكَ فِي التَّسْمِيَةِ وَالْعِبَارَةِ، لاَ فِي الْحُكْمِ الَّذِي عَلَيْهِ الأَْمْرُ بِالسُّجُودِ.
__________
(1) الأشباه للسيوطي ص 64، والقواعد الفقهية لابن رجب القاعدة (159) ص 339 - 343.
(2) حديث: " أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة، وأشار بيده على أنفه. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري 2 / 297 ط السلفية) .

وَأَيْضًا فَإِِنَّ الإِِْشَارَةَ قَدْ لاَ تُعَيِّنُ الْمُشَارَ إِلَيْهِ، فَإِِنَّهَا إِنَّمَا تَتَعَلَّقُ بِالْجَبْهَةِ لأَِجْل الْعِبَارَةِ، فَإِِذَا تَقَارَبَ مَا فِي الْجَبْهَةِ أَمْكَنَ أَنْ لاَ يُعَيَّنَ الْمُشَارُ إِلَيْهِ تَعْيِينًا. وَأَمَّا الْعِبَارَةُ: فَإِِنَّهَا مُعَيَّنَةٌ لِمَا وُصِفَتْ لَهُ، فَتَقْدِيمُهُ أَوْلَى. وَمَا ذَكَرَهُ مِنَ الاِقْتِصَارِ عَلَى بَعْضِ الْجَبْهَةِ قَال بِهِ كَثِيرٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، ثُمَّ قَال: وَنَقَل ابْنُ الْمُنْذِرِ إِجْمَاعَ الصَّحَابَةِ: عَلَى أَنَّهُ لاَ يُجْزِئُ السُّجُودُ عَلَى الأَْنْفِ وَحْدَهُ. وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِِلَى أَنَّهُ يُجْزِئُ عَلَى الْجَبْهَةِ وَحْدَهَا.
وَعَنِ الأَْوْزَاعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِِسْحَاقَ وَابْنِ حَبِيبٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ: يَجِبُ أَنْ يَجْمَعَهُمَا، وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيِّ أَيْضًا.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِِذَا اجْتَمَعَتِ الإِِْشَارَةُ إِِلَى شَيْءٍ، وَالْعِبَارَةُ عَنْهُ فِي الْمَهْرِ - فَالأَْصْل أَنَّ الْمُسَمَّى إِِذَا كَانَ مِنْ جِنْسِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ يَتَعَلَّقُ الْعَقْدُ بِالْمُشَارِ إِلَيْهِ؛ لأَِنَّ الْمُسَمَّى مَوْجُودٌ فِي الْمُشَارِ إِلَيْهِ ذَاتًا، وَالْوَصْفُ يَتْبَعُهُ، وَإِِنْ كَانَ مِنْ خِلاَفِ جِنْسِهِ يَتَعَلَّقُ الْعَقْدُ بِالْمُسَمَّى؛ لأَِنَّ الْمُسَمَّى مِثْل الْمُشَارِ إِلَيْهِ، وَلَيْسَ بِتَابِعٍ لَهُ. وَالتَّسْمِيَةُ أَبْلَغُ فِي التَّعْرِيفِ، مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا تُعَرِّفُ الْمَاهِيَّةَ، وَالإِِْشَارَةُ تُعَرِّفُ الذَّاتَ. فَمَنِ اشْتَرَى فَصًّا عَلَى أَنَّهُ يَاقُوتٌ، فَإِِذَا هُوَ زُجَاجٌ لاَ يَنْعَقِدُ الْعَقْدُ، لاِخْتِلاَفِ الْجِنْسِ. وَلَوِ اشْتَرَى عَلَى أَنَّهُ يَاقُوتٌ أَحْمَرُ فَإِِذَا هُوَ أَخْضَرُ، انْعَقَدَ الْعَقْدُ لاِتِّحَادِ الْجِنْسِ.

وَقَال الشَّارِحُونَ: إِنَّ هَذَا الأَْصْل مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي النِّكَاحِ، وَالْبَيْعِ، وَالإِِْجَارَةِ، وَسَائِرِ الْعُقُودِ، وَلَكِنَّ الإِِْمَامَ أَبَا حَنِيفَةَ جَعَل الْخَل وَالْخَمْرَ جِنْسًا، فَتَعَلَّقَ بِالْمُشَارِ إِلَيْهِ، فَوَجَبَ مَهْرُ الْمِثْل، فِيمَا لَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى هَذَا الدَّنِّ مِنَ الْخَل، وَأَشَارَ إِِلَى خَمْرٍ. وَلَوْ سَمَّى حَرَامًا، وَأَشَارَ إِِلَى حَلاَلٍ فَلَهَا الْحَلاَل فِي الأَْصَحِّ.
وَأَمَّا فِي النِّكَاحِ فَقَال فِي الْخَانِيَّةِ: رَجُلٌ لَهُ بِنْتٌ وَاحِدَةٌ اسْمُهَا عَائِشَةُ: فَقَال الأَْبُ وَقْتَ الْعَقْدِ: زَوَّجْتُ مِنْكَ بِنْتِي فَاطِمَةَ، لاَ يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ. وَلَوْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ حَاضِرَةً فَقَال الأَْبُ: زَوَّجْتُكَ بِنْتِي فَاطِمَةَ هَذِهِ، وَأَشَارَ إِِلَى عَائِشَةَ وَغَلِطَ فِي اسْمِهَا، فَقَال الزَّوْجُ: قَبِلْتُ، جَازَ (1) .
23 - وَمِمَّا سَبَقَ تَبَيَّنَ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ وَحْدَهُمْ هُمُ الَّذِينَ قَالُوا بِإِِجْزَاءِ السُّجُودِ عَلَى الأَْنْفِ وَحْدَهُ، تَقْدِيمًا لِلإِِْشَارَةِ عَلَى الْعِبَارَةِ، وَأَنَّ الْجُمْهُورَ يُجْزِئُ عِنْدَهُمُ السُّجُودُ عَلَى الْجَبْهَةِ دُونَ الأَْنْفِ، وَأَنَّ الْعِبَارَةَ عِنْدَهُمْ تُقَدَّمُ عَلَى الإِِْشَارَةِ لأَِنَّهَا تُعَيِّنُ الْمُرَادَ، وَالإِِْشَارَةُ قَدْ لاَ تُعَيِّنُهُ (2) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِِذَا اجْتَمَعَتِ الإِِْشَارَةُ وَالْعِبَارَةُ، وَاخْتَلَفَ مُوجِبُهُمَا، غُلِّبَتِ الإِِْشَارَةُ. فَلَوْ قَال: أُصَلِّي خَلْفَ زَيْدٍ هَذَا، أَوْ قَال: أُصَلِّي عَلَى زَيْدٍ هَذَا، فَبَانَ عَمْرًا فَالأَْصَحُّ الصِّحَّةُ. وَلَوْ قَال: زَوَّجْتُكَ فُلاَنَةَ هَذِهِ، وَسَمَّاهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا
__________
(1) الأشباه والنظائر لابن نجيم 138.
(2) فتح الباري 2 / 296 ط السلفية.

صَحَّ قَطْعًا، وَحُكِيَ فِيهِ وَجْهٌ. وَلَوْ قَال: زَوَّجْتُكِ هَذَا الْغُلاَمَ، وَأَشَارَ إِِلَى بِنْتِهِ، نَقَل الرُّويَانِيُّ عَنِ الأَْصْحَابِ صِحَّةَ النِّكَاحِ. تَعْوِيلاً عَلَى الإِِْشَارَةِ. وَهَذَا يَتَّفِقُ وَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ.
وَلَوْ قَال: زَوَّجْتُكَ هَذِهِ الْعَرَبِيَّةَ، فَكَانَتْ أَعْجَمِيَّةً. أَوْ: هَذِهِ الْعَجُوزَ، فَكَانَتْ شَابَّةً. أَوْ: هَذِهِ الْبَيْضَاءَ، فَكَانَتْ سَوْدَاءَ أَوْ عَكْسُهُ - وَكَذَا الْمُخَالَفَةُ فِي جَمِيعِ وُجُوهِ النَّسَبِ وَالصِّفَاتِ وَالْعُلُوِّ وَالنُّزُول - فَفِي صِحَّةِ النِّكَاحِ قَوْلاَنِ، وَالأَْصَحُّ: الصِّحَّةُ.
وَلَوْ قَال: بِعْتُكَ دَارِي هَذِهِ وَحَدَّدَهَا وَغَلِطَ فِي حُدُودِهَا، صَحَّ الْبَيْعُ. بِخِلاَفِ مَا لَوْ قَال: بِعْتُك الدَّارَ الَّتِي فِي الْمَحَلَّةِ الْفُلاَنِيَّةِ وَحَدَّدَهَا وَغَلِطَ؛ لأَِنَّ التَّعْوِيل هُنَاكَ عَلَى الإِِْشَارَةِ.
وَلَوْ قَال: بِعْتُكَ هَذَا الْفَرَسَ فَكَانَ بَغْلاً أَوْ عَكْسُهُ، فَوَجْهَانِ، وَالأَْصَحُّ هُنَا الْبُطْلاَنُ. وَإِِنَّمَا صُحِّحَ الْبُطْلاَنُ هُنَا تَغْلِيبًا لاِخْتِلاَفِ غَرَضِ الْمَالِيَّةِ. وَصَحَّحَ الصِّحَّةَ فِي الْبَاقِي تَغْلِيبًا لِلإِِْشَارَةِ. وَحِينَئِذٍ يُسْتَثْنَى هَذِهِ الصُّورَةُ مِنَ الْقَاعِدَةِ.
وَيُضَمُّ إِِلَى هَذِهِ الصُّورَةِ صُوَرٌ، مِنْهَا: مَا لَوْ حَلَفَ لاَ يُكَلِّمُ هَذَا الصَّبِيَّ فَكَلَّمَهُ شَيْخًا، أَوْ لاَ يَأْكُل هَذَا الرُّطَبَ فَأَكَلَهُ تَمْرًا، أَوْ لاَ يَدْخُل هَذِهِ الدَّارَ فَدَخَلَهَا عَرْصَةً، فَالأَْصَحُّ: أَنَّهُ لاَ يَحْنَثُ. وَلَوْ خَالَعَهَا عَلَى هَذَا الثَّوْبِ الْكَتَّانِ فَبَانَ قُطْنًا،

أَوْ عَكْسُهُ، فَالأَْصَحُّ فَسَادُ الْخُلْعِ، وَيُرْجَعُ بِمَهْرِ الْمِثْل.
وَهُنَاكَ صُوَرٌ كَثِيرَةٌ تَتَرَتَّبُ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ (1) .
هَذِهِ جُمْلَةُ قَوَاعِدَ أُصُولِيَّةٍ فِي التَّعَارُضِ، ذُكِرَتْ مَعَ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِنْ أَحْكَامٍ.
وَأَمَّا التَّعَارُضُ بَيْنَ الأَْدِلَّةِ فَيُنْظَرُ فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.
__________
(1) الأشباه والنظائر للسيوطي 314، 315.

التَّعْرِيفُ:
1 - الْمُعَارَضَةُ فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ عَارَضَ، يُقَال: عَارَضَ فُلاَنًا: نَاقَضَهُ فِي كَلاَمِهِ وَقَاوَمَهُ، وَيُقَال: عَارَضْتُ الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ قَابَلْتَهُ بِهِ.
وَلِلْمُعَارَضَةِ فِي اللُّغَةِ مَعَانٍ أُخْرَى (1) .
وَالْمُعَارَضَةُ اصْطِلاَحًا: إِِقَامَةُ الدَّلِيل عَلَى خِلاَفِ مَا أَقَامَ الدَّلِيل عَلَيْهِ الْخَصْمُ (2) .
وَفِي هَذَا التَّعْرِيفِ وَغَيْرِهِ مِنَ التَّعْرِيفَاتِ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْمُنَاظَرَةُ
2 - الْمُنَاظَرَةُ فِي اللُّغَةِ مِنَ النَّظِيرِ، أَوْ مِنَ النَّظَرِ بِالْبَصِيرَةِ.
وَاصْطِلاَحًا هِيَ: النَّظَرُ بِالْبَصِيرَةِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ فِي النِّسْبَةِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ إِِظْهَارًا لِلصَّوَابِ (3) .
وَالْمُنَاظَرَةُ أَعَمُّ مِنَ الْمُعَارَضَةِ.
ب - الْمُنَاقَضَةُ:
3 - الْمُنَاقَضَةُ لُغَةً: إِِبْطَال أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ بِالآْخَرِ.
وَاصْطِلاَحًا هِيَ: مَنْعُ مُقَدِّمَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنْ مُقَدِّمَاتِ الدَّلِيل، إِِمَّا قَبْل تَمَامِهِ وَإِِِمَّا بَعْدَهُ (4) .
وَالْعَلاَقَةُ بَيْنَ الْمُعَارَضَةِ وَالْمُنَاقَضَةِ: الْعُمُومُ وَالْخُصُوصُ الْمُطْلَقُ فَكُل مُنَاقَضٍ مُعَارَضٌ وَلاَ عَكْسَ (5) .
الْحُكْمُ الإِِِْجْمَالِيُّ:
4 - الْمُعَارَضَةُ مِنَ الاِعْتِرَاضَاتِ الَّتِي تُورَدُ عَلَى الْقِيَاسِ وَهُوَ أَقْوَاهَا وَأَهَمُّهَا (6) .
وَهِيَ إِِمَّا أَنْ تَكُونَ فِي الأَْصْل، أَوْ فِي الْفَرْعِ، أَوْ فِي الْوَصْفِ.
3 - وَصُورَةُ وُرُودِهَا فِي الأَْصْل: أَنْ يَذْكُرَ الْمُسْتَدِل عِلَّةً لِلْحُكْمِ فِي الأَْصْل. كَأَنْ يَقُول: إِِنَّ عِلَّةَ الرِّبَا فِيمَا يُقْتَاتُ: الْكَيْل فَلاَ رِبَا فِيمَا لاَ يُكَال: كَالْبِطِّيخِ فَيَقُول الْمُعْتَرِضُ: الدَّلِيل وَإِِِنْ دَل عَلَى مَا قُلْتَ فَعِنْدِي مَا يَنْفِيهِ، وَهُوَ أَنَّ فِي الأَْصْل وَصْفًا آخَرَ صَالِحًا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ عِلَّةً لِلْحُكْمِ وَهُوَ: الطُّعْمُ وَهُوَ وَصْفٌ مُنَاسِبٌ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْجَدَلِيُّونَ فِي قَبُول مِثْل هَذِهِ
الْمُعَارَضَةِ: فَقِيل: لاَ يُقْبَل بِنَاءً عَلَى مَنْعِ التَّعْلِيل بِعِلَّتَيْنِ، قَال ابْنُ عَقِيلٍ: وَلأَِنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ لَيْسَتْ سُؤَالاً وَلاَ جَوَابًا، لأَِنَّ لِلْمُسْتَدِل: أَنْ يَقُول: لاَ تَنَافِي بَيْنَ الْعِلَّتَيْنِ بَل أَقُول بِهِمَا جَمِيعًا، وَقِيل: يُقْبَل، وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ الْقَطَّانِ وَغَيْرُهُ بِنَاءً عَلَى جَوَازِ التَّعْلِيل بِعِلَّتَيْنِ.
أَوْ أَنْ يَذْكُرَ الْمُسْتَدِل عِلَّةً لِلْحُكْمِ فِي الأَْصْل، وَيَذْكُرَ الْمُعْتَرِضُ عِلَّةً أُخْرَى فِيهِ غَيْرَ مَوْجُودَةٍ فِي الْفَرْعِ. كَأَنْ يَقُول الْمُسْتَدِل: يَصِحُّ صَوْمُ الْفَرْضِ بِنِيَّةٍ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِ قَبْل الزَّوَال لأَِنَّهُ صَوْمُ عَيْنٍ فَتَأَدَّى بِنِيَّةٍ قَبْل الزَّوَال كَصَوْمِ النَّفْل، فَيَذْكُرُ الْمُعْتَرِضُ عِلَّةً أُخْرَى غَيْرَ الْعِلَّةِ الَّتِي عَلَّلَهَا الْمُسْتَدِل فِي حُكْمِ الأَْصْل، وَهِيَ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ فِي الْفَرْعِ كَأَنْ يَقُول: إِِنَّ عِلَّةَ حُكْمِ الأَْصْل - وَهِيَ صِحَّةُ صَوْمِ النَّفْل بِنِيَّةِ قَبْل الزَّوَال - لَيْسَتْ بِمَا ذَكَرْتَ مِنْ أَنَّهُ صَوْمُ عَيْنٍ، بَل الْمَعْنَى فِيهِ: أَنَّ النَّفْل مِنْ عَمَل السُّهُولَةِ وَالْخَفَّةِ، فَجَازَ أَدَاؤُهُ بِنِيَّةٍ مُتَأَخِّرَةٍ عَنِ الشُّرُوعِ فِيهِ، بِخِلاَفِ الْفَرْضِ (7) .
6 - أَمَّا كَوْنُ الْمُعَارَضَةِ فِي الْفَرْعِ: فَهِيَ أَنْ يُعَارِضَ الْمُعْتَرِضُ حُكْمَ الْفَرْعِ بِمَا يَقْتَضِي نَقِيضَهُ، أَوْ ضِدَّهُ بِنَصٍّ أَوْ إِِجْمَاعٍ، أَوْ بِوُجُودِ
مَانِعٍ، أَوْ بِفَوَاتِ شَرْطٍ وَيَقُول فِي اعْتِرَاضِهِ: إِِنَّ مَا ذَكَرْتَ فِي الْوَصْفِ وَإِِِنِ اقْتَضَى ثُبُوتَ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ فَعِنْدِي وَصْفٌ آخَرُ يَقْتَضِي نَقِيضَهُ فَتُوقِفُ دَلِيلَكَ.
وَمِثَال النَّقِيضِ أَنْ يَقُول الْمُسْتَدِل: إِِذَا بَاعَ جَارِيَةً إِِلاَّ حَمْلَهَا صَحَّ فِي وَجْهٍ، كَمَا لَوْ بَاعَ هَذِهِ الصِّيعَانَ إِِلاَّ صَاعًا، فَيَقُول الْمُعْتَرِضُ لاَ يَصِحُّ، كَمَا لَوْ بَاعَ الْجَارِيَةَ إِِلاَّ يَدَهَا.
وَمِثَال الضِّدِّ أَنْ يَقُول الْمُسْتَدِل: الْوِتْرُ وَاجِبٌ قِيَاسًا عَلَى التَّشَهُّدِ فِي الصَّلاَةِ، بِجَامِعِ مُوَاظَبَةِ النَّبِيِّ ﷺ فَيَقُول الْمُعْتَرِضُ: فَيُسْتَحَبُّ قِيَاسًا عَلَى الْفَجْرِ، بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُفْعَل فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ لِفَرْضٍ مُعَيَّنٍ مِنْ فُرُوضِ الصَّلاَةِ.
فَإِِِنَّ الْوِتْرَ فِي وَقْتِ الْعِشَاءِ، وَالْفَجْرَ فِي وَقْتِ الصُّبْحِ، وَلَمْ يُعْهَدْ مِنَ الشَّرْعِ وَضْعُ صَلاَتَيْ فَرْضٍ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ.
وَقَال ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: أَمَّا الْمُعَارَضَةُ فِي حُكْمِ الْفَرْعِ فَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ إِِذَا ذَكَرَ الْمُعَلِّل عِلَّةً فِي إِِثْبَاتِ حُكْمِ الْفَرْعِ وَنَفْيِ حُكْمِهِ فَيُعَارِضُهُ خَصْمُهُ بِعِلَّةٍ أُخْرَى تُوجِبُ مَا تُوجِبُهُ عِلَّةُ الْمُعَلِّل، فَتَتَعَارَضُ الْعِلَّتَانِ فَتَمْتَنِعَانِ مِنَ الْعَمَل إِِلاَّ بِتَرْجِيحِ إِِحْدَاهُمَا عَلَى الأُْخْرَى (8) .
7 - أَمَّا صُورَةُ وُرُودِ الْمُعَارَضَةِ عَلَى الْوَصْفِ فَهِيَ: أَنْ يَمْنَعَ الْمُعْتَرِضُ كَوْنَ الْوَصْفِ الْمُدَّعَى عِلِّيَّتُهُ عِلَّةً، كَأَنْ يَقُول الْمُسْتَدِل فِي الْكَلْبِ: الْكَلْبُ حَيَوَانٌ يُغْسَل مِنْ وُلُوغِهِ سَبْعًا فَلاَ يَقْبَل جِلْدُهُ الدَّبْغَ، مُعَلِّلاً بِكَوْنِهِ يُغْسَل سَبْعًا مِنْ وُلُوغِهِ، فَيَمْنَعُ الْمُعْتَرِضُ كَوْنَ الْغَسْل سَبْعًا عِلَّةً لِعَدَمِ طَهَارَتِهِ بِالدَّبْغِ، فَيَكُونُ جَوَابُهُ بِإِِِثْبَاتِ الْعِلِّيَّةِ بِمَسْلَكٍ مِنْ مَسَالِكِهَا (9) .
وَالتَّفْصِيل فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.
__________
(1) المعجم الوسيط، والمصباح المنير.
(2) التعريفات للجرجاني، وقواعد الفقه للبركتي.
(3) التعريفات للجرجاني، وقواعد الفقه. والكليات 4 / 263.
(4) التعريفات للجرجاني، والكليات 4 / 264.
(5) البحر المحيط 5 / 333.
(6) البحر المحيط 5 / 333، إرشاد الفحول 232.
(7) البحر المحيط 5 / 334.
(8) البحر المحيط 5 / 339.
(9) إرشاد الفحول ص 231.
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت