دستور العلماء للأحمد نكري
|
العادلة والعائلة والعازلة: اعْلَم أَن مسَائِل الْفَرَائِض على ثَلَاثَة أَقسَام مَذْكُورَة لِأَن الْفُرُوض والسهام إِذا كَانَت سَوَاء تسمى الْمَسْأَلَة عادلة كَزَوج وَأم وأختين لأم. وَإِذا كَانَت الْفُرُوض زَائِدَة على السِّهَام يُسمى عائلة كَزَوج وَأم وَأُخْت لأَب وَأم، وَإِذا كَانَت السِّهَام زَائِدَة على الْفُرُوض تسمى عازلة كَأُمّ وَأُخْت لأَب وَأم.
|
سير أعلام النبلاء
|
الطفال، العادل:
4088- الطفال 1: الشيخ الإمام الثقة المقرىء مُسنِدُ مِصْرَ أَبُو الحَسَنِ؛ مُحَمَّدُ بنُ الحُسَيْنِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ الحُسَيْنِ بنِ أَحْمَدَ بنِ السَّرِيِّ النَّيْسَابُوْرِيُّ ثُمَّ المِصْرِيُّ البَزَّازُ التَّاجِرُ المَعْرُوف بِابْنِ الطَّفَّالِ. وُلِدَ سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِيْنَ وَثَلاَثِ مائَةٍ. حَدَّثَ عَنْ: القَاضِي أَبِي الطَّاهِرِ الذُّهْلِيِّ وأبي الحسن بن حيويه النَّيْسَابُوْرِيِّ وَالحَسَنِ بنِ رَشِيْقٍ وَأَحْمَدَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ سَلَمَةَ الخَيَّاشِ وَعَبْدِ الوَاحِدِ بنِ أَحْمَدَ بنِ أَبِي مُحَمَّدٍ بنِ قُتَيْبَةَ وَأَحْمَدَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ هَارُوْنَ الأُسْوَانِيِّ وَأَبِي الطَّيِّبِ العَبَّاسِ بنِ أَحْمَدَ الهَاشِمِيِّ وَجَمَاعَةٍ. حَدَّثَ عَنْهُ: سَهْلُ بنُ بِشْرٍ الإِسْفَرَايِيْنِيُّ وَأَبُو صَادِقٍ مُرْشِدُ بنُ يَحْيَى المَدِيْنِيُّ وَأَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ الرَّازِيُّ وَالخفرَةُ بِنْتُ مُبَشِّرِ بنِ فَاتِكٍ وَآخَرُوْنَ. قَالَ السِّلَفِيُّ: كَانَ بِمِصْرَ مِنْ مَشَاهيرِ الرُّوَاةِ وَمِنَ الثِّقَاتِ الأَثبَاتِ. مَاتَ فِي صَفَرٍ سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِيْنَ وَأَرْبَعِ مائَةٍ. وَمَاتَتِ الخفرَةُ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَعِشْرِيْنَ وَخَمْسِ مائَةٍ. سَمِعَ: الرازي منه جملةً وافرة. 4089- العادل: الوَزِيْرُ الكَبِيْرُ المُلَقَّبُ بِالعَادِلِ أَبُو عَبْدِ اللهِ؛ عَبْدُ الرَّحِيْمِ بنُ حُسَيْنٍ. وَزَرَ لِلمَلِكِ الرَّحِيْمِ أَبِي نَصْرٍ بنِ أَبِي كَالَيْجَارَ وَكَانَ سَمْحاً جَوَاداً مَهِيْباً عَسُوْفاً سَفَّاكاً لِلدِّمَاءِ. تَنَمَّرَ لَهُ أَبُو نَصْرٍ فَأَهلَكَه؛ طَلَبه إِلَى دَارِه وَقَدْ حَفَرَ لَهُ جُبّاً وَبَسطَ عَلَيْهِ حَصِيرَةً فَتَردَّى فِيْهِ وَطُمَّ عَلَيْهِ وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ سبع وأربعين وأربع مائة. __________ 1 ترجمته في الأنساب للسمعاني "8/ 243"، واللباب لابن الأثير "2/ 282"، والعبر "3/ 217"، وشذرات الذهب لابن العماد الحنبلي "3/ 278". |
سير أعلام النبلاء
|
لؤلؤ العادلي، حماد بن هبة الله:
5369- لُؤْلُؤٌ العَادِلِيُّ 1: الحَاجِبُ مِنْ أَبْطَالِ الإِسْلاَمِ، وَهُوَ كَانَ المَنْدُوْبُ لِحَرْبِ فِرنج الكَرَك الَّذِيْنَ سَارُوا لأَخْذِ طيبَة، أَوْ فِرنج سِوَاهُم سَارُوا فِي البحر المالح، فلم يسر لُؤْلُؤ إلَّا وَمَعَهُ قُيُود بَعْددهُم، فَأَدْرَكهُم عِنْد الْفَحْلَتَيْنِ، فَأَحَاط بِهِم، فَسلّمُوا نُفُوْسهُم، فَقيّدهُم، وَكَانُوا أَكْثَر مِنْ ثَلاَث مائَة مقَاتل، وَأَقْبَلَ بِهِم إِلَى القَاهِرَة، فَكَانَ يَوْماً مَشْهُوْداً. وَكَانَ شَيْخاً أَرمنِيّاً مِنْ غلمَان العَاضد، فَخدم مَعَ صَلاَح الدِّيْنِ، وَعُرف بِالشَّجَاعَة وَالإِقدَام، وَفِي آخِرِ أَيَّامه أَقْبَل عَلَى الخَيْر وَالإِنفَاق فِي زَمَنِ قَحط مِصْر، وَكَانَ يَتَصَدَّق فِي كُلِّ يَوْم بِاثْنَيْ عشرَ أَلف رَغِيْف مَعَ عِدَّة قُدُور مِنَ الطَّعَام. وَقِيْلَ: إِنَّ الملاعِين التجؤُوا مِنْهُ إِلَى جبل، فَترَجَّل، وَصعد إِلَيْهِم فِي تِسْعَة أَجنَاد، فَأَلقَى فِي قُلُوْبهم الرّعب، وَطَلَبُوا مِنْهُ الأَمَان، وَقُتلُوا بِمِصْرَ، تَولَّى قتلهُم العُلَمَاء وَالصَّالِحُوْنَ. تُوُفِّيَ لُؤْلُؤ -رَحِمَهُ الله- بِمِصْرَ فِي صَفَرٍ سَنَة ثَمَانٍ وَتِسْعِيْنَ وَخَمْسِ مائَةٍ. 5370- حَمَّادُ بنُ هِبَةِ الله 2: ابن حماد بن الفضل، الإمام المحدث، الصادق، أبو الثناء الحَرَّانِيُّ التَّاجِرُ السَّفَّارُ. رَحل إِلَى مِصْرَ وَالعِرَاق وَخُرَاسَانَ، وَكَتَبَ، وَخَرَّجَ وَأَفَاد. وَلَهُ نَظْمٌ، وَأَدب، وسيرة حميدة. روى عن: إسماعيل بن السمرقندي، -وهو أكبر شيوخه- وأبي بكر بن الزاغوني، __________ 1 ترجمته في شذرات الذهب لابن العماد "4/ 336-337". 2 ترجمته في النجوم الزاهرة لابن تغري بردي "6/ 181"، وشذرات الذهب لابن العماد "4/ 335". |
سير أعلام النبلاء
|
5525- العادل وبنوه 1:
السُّلْطَانُ الكَبِيْرُ المَلِكُ العَادِل سَيْفُ الدِّيْنِ أَبُو الملوك وأخو الملوك أبو بَكْرٍ مُحَمَّد ابْنُ الأَمِيْرِ نَجْمِ الدِّيْنِ أَيُّوْبَ بنُ شَاذِي بنِ مَرْوَانَ بنِ يَعْقُوْبَ الدُّوِيْنِيُّ الأَصْل، التَّكرِيتِيُّ، ثُمَّ البَعْلَبَكِّيّ المَوْلِد. وُلِدَ بِهَا إِذْ وَالِده يَنوب بِهَا لِلأَتَابَك زَنْكِي بن آقْسُنْقُر فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَثَلاَثِيْنَ وَخَمْسِ مائَةٍ. كَانَ أَصْغَر مِنْ أَخِيْهِ صَلاَح الدِّيْنِ بعَامَيْنِ، -وَقِيْلَ: بَلْ مَوْلِدُهُ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَثَلاَثِيْنَ- فَاللهُ أَعْلَم. نشَأَ فِي خدمَة المَلِك نُوْر الدِّيْنِ، ثُمَّ شَهِدَ المَغَازِي مَعَ أَخِيْهِ. وَكَانَ ذَا عقل وَدَهَاء وَشجَاعَة وَتؤدة وَخبرَة بِالأُمُوْر، وَكَانَ أَخُوْهُ يَعتمدُ عَلَيْهِ وَيَحترمه، اسْتنَابه بِمِصْرَ مُدَّة ثُمَّ ملّكه حَلَب، ثُمَّ عوّضه عَنْهَا بِالكَرَك وَحرَّان، وَأَعْطَى حَلَب لوَلَده الظَّاهِر. قِيْلَ: إِنَّ العَادل لَمَّا سَارَ مَعَ أَخِيْهِ، قَالَ: أَخذت مِنْ أَبِي حُرْمدَان، فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ، إِذَا أَخذتم مِصْر امْلَأْهُ لِي ذهباً. فلما جاء إلى مصر، قال: وأبن الحرمدَان? فَملأته درَاهِم، وَجَعَلت أَعلاَهُ دَنَانِيْر، فَلَمَّا قَلَّبَهُ، قَالَ: فَعَلت زَغَل المِصْرِيّين. وَلَمَّا نَاب بِمِصْرَ اسْتحبّه صَلاَح الدِّيْنِ فِي الحَمْل، حَتَّى قَالَ: يُسَيِّر الحَمْل مِنْ مَالنَا أَوْ مِنْ مَاله، فَشقّ عَلَيْهِ، وَحكَاهَا لِلْقَاضِي الفَاضِل، فَكَتَبَ جَوَابه: وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ السُّلْطَان، فَتلك لفظَة ما المقصود بها من الممالك النجعة بل قصد به الكَاتِب السَّجعَة، وَكم مِنْ كلمَةٍ فَظَّة وَلفظَة __________ 1 ترجمته في وفيات الأعيان لابن خلكان "5/ ترجمة 693". |
الموسوعة الموجزة في التاريخ الإسلامي
|
*العادل سيف الدين هو العادل سيف الدين بن نجم الدين أيوب، أخو صلاح الدين الأيوبى.
يعد أعظم سلاطين الأيوبيين بعد «صلاح الدين»، فقد اكتسب خبرة واسعة من اشتراكه مع أخيه «صلاح الدين» فى غزواته ومفاوضاته وإدارة الأقاليم، إذ وكل إليه «صلاح الدين» معاونة «العزيز» فى حكم «مصر»، كما عهد إليه بحكم «حلب»، ثم «العراق»، وذاع صيت «العادل» بين ملوك «أوربا»، واشتهر بالكفاءة والدهاء والدراية بشئون الحكم، ولم يتأخر فى حمل المسئولية حين رأى تدهور الأوضاع بمصر وحاجتها إليه، فكان الرجل المناسب لتلك المرحلة. تأثر «العادل» تأثرًا بالغًا بشخصية أخيه «صلاح الدين»، فسار على نهجه فى إدارة البلاد، رغم الصعوبات التى واجهته، فقد ثارت ضده طائفة الشيعة الإسماعيلية مثلما ثارت من قبل فى وجه أخيه «صلاح الدين»، وحاولت هذه الطائفة زعزعة ملك «العادل» وتفريق البلاد وتشتيت الصفوف، فعمل «العادل» على الحيلولة دون حدوث ذلك، وتمكن من القبض على عناصرها وسجنهم سنة (605هـ)، فخرجت جماعة أخرى تنادى بتولية أحد أبناء «صلاح الدين» أمور الدولة، وكان هذا الابن لايزال طفلا صغيرًا، فاستطاع «العادل» التغلب عليهم وإعادة الاستقرار إلى بلاده، إلا أن انخفاض مياه النيل كان إحدى العقبات الطبيعية التى واجهته، فقد حدثت بسببه مجاعة وقحط شديدان؛ نتيجة قلة الزراعة، كما أن الحملات الصليبية لم تهدأ فى عهده؛ إذ لم ترضَ «أوربا» عن استقرار أحوال البلاد الإسلامية، فعملت على زعزعتها، وأرسلت حملة صليبية هاجمت «مصر» ووصلت إلى «دمياط» وحاصرت حصونها، ثم تمكنت منها، واستولت على برجها الحصين «برج السلسلة»، يضاف إلى ذلك كله العقبات الداخلية التى واجهت «العادل» أثناء حكمه لمصر. وعلى الرغم مما واجهه «العادل» من صعاب داخلية وخارجية فى الحكم، فقد اتسع ملكه إلى حد كبير، وقلَّده الخليفة العباسى بمرسوم رسمى حكم «مصر» |
الموسوعة الموجزة في التاريخ الإسلامي
|
*الكامل بن العادل هو الكامل ناصر الدين بن العادل أحد سلاطين الدولة الأيوبية فى مصر، حكم «الكامل» «مصر» نيابة عن أبيه «العادل» فى حياته، فلما مات سنة 615هـ=1218م استقل الكامل بحكم «مصر» فى ظروف حرجة، إذ كان الصليبيون منتصرين فى «دمياط»، وكان عليه دحر هذا الانتصار الذى أدى إلى موت أبيه كمدًا، وخرج عليه عدد من الأمراء لعزله فى الوقت الذى يتصدى فيه للصليبيين بدمياط، فتمكن من التغلب عليهم، ولكن الصليبيين استغلوا حالة التمرد والتفكك الداخلى واستولوا على «دمياط»، إلا أن «الكامل» استطاع توحيد بلاد المسلمين، وتمكن من دخول «نابلس»، وتحرير «بيت المقدس»، واتسع ملكه لدرجة جعلت أئمة المساجد يدعون له من فوق المنابر بقولهم: «سلطان مكة وعبيرها، واليمن وزبيرها، ومصر وصعيدها، والشام وصناديدها، والجزيرة ووليدها، سلطان القبلتين، ورب العلامتين، وخادم الحرمين الشريفين».
ورث عن أبيه صفاته الطيبة، فكان قائدًا قديرًا، وسياسيا بارعًا، وإداريا نشيطًا، حازمًا يدير أمور دولته بنفسه، لدرجة أنه لم يعين وزيرًا بعد وفاة وزير أبيه، وقام بالأمر بمفرده، وكان محبا للحديث، مشجعًا للعلماء والأدباء، فقد كان عالمًا، ينظم الشعر ويجيده. ظل فى حكم البلاد التى تحت يديه حتى وفاته سنة (635هـ=1237م)، فأخذت الدولة فى الضعف والانحلال من بعده. |
الموسوعة الموجزة في التاريخ الإسلامي
|
* العادل الثانى بن الكامل أحد سلاطين الدولة الأيوبية فى مصر، وأطلَق اسم «العادل الصغير» أو «العادل الثانى» عليه، تمييزًا له عن الملك «العادل» أخى «صلاح الدين»، وقد كان «العادل الثانى» نائبًا عن أبيه «الكامل» فى حكم «مصر»، فلما مات أبوه أصبح سلطانًا على «مصر» سنة635هـ=1237م، ولكن اضطراب الأوضاع، وضعف الدولة جعلاه لا يستمر طويلا فى حكم البلاد، فتولى أخوه «الصالح نجم الدين أيوب» الحكم من بعده سنة 637هـ=1240م.
|
|
في الفرنسية/ Juste
في الانكليزية/ Right, Just في اللاتينية/ Justus عدل في امره عدلا: استقام، وعدل في حكمه: حكم بالعدل وعدل الشيء: قومه، وعدل فلانا بفلان: سوى بينهما، فالعادل اذن هو المستقيم الذي يسوي بين الناس، ويحترم حقوقهم، ولا يخضع لميل أو هوى، ولا يجور في حكمه على أحد (مجمع). فاذا كان العادل نعتا للشيء دل على المثل والنظير والمساوي، أو على المطابق للحق الوضعي، أو الحق الطبيعي، كالجزاء فان وصفه بالعدل يدل على مطابقته للحق، تقول: جزاء عادل، وثمن عادل، وميزان عادل. وإذا كان العادل نعتا للعاقل دل على اتصافه بالانصاف، أي على حكمه بالعدل لاعطاء كل امرئ ما له واخذ ما عليه، تقول: حاكم عادل أي منصف. فالعادل بالجملة هو الذي من شأنه ان يساوي بين الأشياء غير المتساوية (مسكويه، تهذيب الاخلاق، 115) ويحكم على نفسه بما يحكم به على غيره، ويجعل حكمه مجردا من العواطف، خاليا من الغرض والعبث والانانية، فكل من كان صادق الحكم، مريدا للخير، منزها عن فعل القبيح، وعن الاخلال بالواجب، كان عادلا. وكذلك كل من كان متمسكا بالشريعة، معترفا بحقوق الناس وحرياتهم، فالعادل اذن هو المنصف الذي يعامل غيره بما يعامل به نفسه، ويجعل ارادته مطابقة للقانون الأخلاقي. والعادل عند علماء اللاهوت صفة للانسان الخاضع لأوامر اللّه ونواهيه، وهو ضد الظالم والفاسق والجائر. او هو صفة للّه تعالى لامتناع الجور عنه، ولأنه سبحانه لا يأمر عباده الا تخييرا، ولا يكلفهم الّا يسيرا. |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
* فضيلة الإمام العادل وعقوبة الجائر:
1 - قال الله تعالى: (وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الحجرات/9). 2 - عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((سبعة يظلهم الله تعالى في ظله يوم لا ظل إلا ظله إمام عدل، وشاب نشأ في عبادة الله .. )). متفق عليه (¬1). 3 - عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن عز وجل، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما وَلُوا)). أخرجه مسلم (¬2). 4 - عن معقل بن يسار رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((ما من عبد يسترعيه الله رعية، يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة)). متفق عليه (¬3). ¬_________ (¬1) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (1423)، واللفظ له، ومسلم برقم (1031). (¬2) أخرجه مسلم برقم (1827). (¬3) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (7150)، ومسلم برقم (142)، واللفظ له. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
غزو الكرك وملك العادل حلب.
579 رجب - 1183 م لما عاد صلاح الدين والمسلمون من غزوة بيسان تجهزوا لغزو الكرك، فسار إليه في العساكر، وكتب إلى أخيه العادل أبي بكر بن أيوب، وهو نائبه بمصر، يأمره بالخروج بجميع العساكر إلى الكرك. وكان العادل قد أرسل إلى صلاح الدين يطلب منه مدينة حلب وقلعتها، فأجابه إلى ذلك، وأمره أن يخرج معه بأهله وماله، فوصل صلاح الدين إلى الكرك، ووافاه أخوه العادل في العسكر المصري، وكثر جمعه، وتمكن من حصره، وصعد المسلمون إلى ربضه وملكه، وحصر الحصن من الربض، وتحكم عليه في القتال؛ ونصب عليه سبعة مجانيق لا تزال ترمي بالحجارة ليلاً ونهاراً، وكان صلاح الدين يظن أن الفرنج لا يمكنونه من حصر الكرك، وأنهم يبذلون جهدهم في رده عنهم، فلم يستصحب معه من آلاف الحصار ما يكفي لمثل ذلك الحصن العظيم والمعقل المنيع، فرحل عنه منتصف شعبان، وسير تقي الدين ابن أخيه إلى مصر نائباً عنه ليتولى ما كان أخوه العادل يتولاه، واستصحب أخاه العادل معه إلى دمشق، وأعطاه مدينة حلب وقلعتها وأعمالها، ومدينة منبج وما يتعلق بها، وسيره إليها في شهر رمضان، وأحضر ولده الظاهر منها إلى دمشق. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
ملك العادل مدينة دمشق من الأفضل.
592 رجب - 1196 م في السابع والعشرين من رجب، ملك الملك العادل أبو بكر ابن أيوب مدينة دمشق من ابن أخيه الأفضل علي بن صلاح الدين، وكان أبلغ الأسباب في ذلك وثوق الأفضل بالعادل، فلما أقام العادل عند العزيز بمصر استماله، وقرر معه أنه يخرج معه إلى دمشق ويأخذها من أخيه ويسلمها إليه، فسار معه من مصر إلى دمشق، وحصروها، واستمالوا أميراً من أمراء الأفضل يقال له العزيز بن أبي غالب الحمصي، فسلم إليه باباً من أبواب دمشق يعرف بالباب الشرقي ليحفظه، فمال إلى العزيز والعادل، ووعدهما أنه يفتح لهما الباب، ويدخل العسكر منه إلى البلد غيلة، ففتحه اليوم السابع والعشرين من رجب، وقت العصر، وأدخل الملك العادل منه ومعه جماعة من أصحابه، فلم يشعر الأفضل إلا وعمه معه في دمشق، وركب الملك العزيز، ووقف بالميدان الأخضر غربي دمشق، ثم أرسلا إلى الأفضل وأمراه بمفارقة القلعة وتسليم البلد على قاعدة أن تعطى قلعة صرخد له، ويسلم جميع أعمال دمشق، فخرج الأفضل، ونزل في جوسق بظاهر البلد، غربي دمشق، وتسلم العزيز القلعة، ودخلها، وأقام بها أياماً، ثم لم يزل به عمه العادل حتى سلم البلد إليه، وخرج منه، وعاد إلى مصر، وسار الأفضل إلى صرخد، وكان العادل يذكر أن الأفضل سعى في قتله، فلهذا أخذ البلد منه، وكان الأفضل ينكر ذلك ويتبرأ منه، وقيل بل كان سبب ذلك سوء تدبير وزير الأفضل ضياء الدين ابن الأثير الجزري الذي هرب بعد إخراج الأفضل من دمشق، وقيل إن العزيز استناب عمه العادل على دمشق وبقيت الخطبة له والسكة باسمه. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
أخبار العادل مع الفرنج.
594 صفر - 1198 م في منتصف المحرم، أتى العادل أن الفرنج قد نازلوا حصن تبنين، فسير العادل إليه عسكراً يحمونه ويمنعون عنه، ورحل الفرنج من صور، ونازلوا تبنين أول صفر وقاتلوا من به، وجدوا في القتال، ونقبوه من جهاتهم، فلما علم العادل بذلك أرسل إلى العزيز بمصر يطلب منه أن يحضر هو بنفسه، فسار العزيز مجداً فيمن بقي معه من العساكر، وأما من بحصن تبنين فإنهم لما رأوا النقوب قد خربت تل القلعة، ولم يبق إلا أن يملكوها بالسيف، نزل بعض من فيها إلى الفرنج يطلب الأمان على أنفسهم وأموالهم ليسلموا القلعة، وكان المرجع إلى القسيس الخنصلير من أصحاب ملك الألمان، فقال لهؤلاء المسلمين بعض الفرنج الذين من ساحل الشام إن سلمتم الحصن استأسركم هذا وقتلكم؛ فاحفظوا نفوسكم؛ فعادوا كأنهم يراجعون من في القلعة ليسلموا، فلما صعد إليها أصروا على الامتناع، وقاتلوا قتال من يحمي نفسه، فحموها إلى أن وصل الملك العزيز إلى عسقلان في ربيع الأول، فلما سمع الفرنج بوصوله واجتماع المسلمين، وأن الفرنج ليس لهم ملك يجمعهم، وأن أمرهم إلى امرأة، وهي الملكة، اتفقوا وأرسلوا إلى ملك قبرس واسمه هيمري، فأحضروه، فزوجوه بالملكة زوجة الكند هري، فلما ملكهم لم يعد إلى الزحف على الحصن، ولا قاتله، واتفق وصول العزيز أول شهر ربيع الآخر، ورحل هو والعساكر إلى جبل الخليل الذي يعرف بجبل عاملة، فأقاموا أياماً، والأمطار متداركة، فبقي إلى ثالث عشر الشهر، ثم سار وقارب الفرنج، وأرسل رماة النشاب، فرموهم ساعة وعادوا، ورتب العساكر ليزحف إلى الفرنج ويجد في قتالهم، فرحلوا إلى صور خامس عشر الشهر المذكور ليلاً، ثم رحلوا إلى عكا، فسار المسلمون فنزلوا اللجون، وتراسلوا في الصلح، وتطاول الأمر، فعاد العزيز إلى مصر قبل انفصال الحال، وبقي العادل، وترددت الرسل بينه وبين الفرنج في الصلح، فاصطلحوا على أن تبقى بيروت بيد الفرنج، وكان الصلح في شعبان، فلما انتظم الصلح عاد العادل إلى دمشق، وسار منها إلى ماردين، من أرض الجزيرة. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
حصار الملك العادل قلعة ماردين.
594 رمضان - 1198 م حاصر الملك العادل أبو بكر بن أيوب قلعة ماردين في شهر رمضان، وقاتل من بها، وكان صاحبها حسام الدين يولق أرسلان, وكان صبياً والحاكم في بلده ودولته مملوك أبيه النظام يرنقش، وليس لصاحبه معه حكم البتة في شيء من الأمور، ولما حصر العادل ماردين ودام عليها سلم إليه بعض أهلها الربض بمخامرة بينهم، فنهب العسكر أهله نهباً قبيحاً، وفعلوا بهم أفعالاً عظيمة لم يسمع بمثلها، فلما تسلم الربض تمكن من حصر القلعة وقطع الميرة عنها، وبقي عليها إلى أن رحل عنها خمسة وتسعين. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
ملك العادل الديار المصرية.
596 ربيع الثاني - 1200 م ذكرنا سنة خمس وتسعين حصر الأفضل والظاهر ولدي صلاح الدين دمشق، ورحيلها إلى رأس الماء، على عزم المقام بحوران إلى أن يخرج الشتاء، فلما أقاموا برأس الماء وجد العسكر برداً شديداً، لأن البرد في ذلك المكان في الصيف موجود، فكيف في الشتاء، فتغير العزم عن المقام، واتفقوا على أن يعود كل إنسان منهم إلى بلده، ويعودوا إلى الاجتماع، فتفرقوا تاسع ربيع الأول، فعاد الظاهر وصاحب حمص إلى بلادهما، وسار الأفضل إلى مصر، فوصل بلبيس، فأقام بها، ووصلته الأخبار بأن عمه الملك العادل قد سار من دمشق قاصداً مصر ومعه المماليك الناصرية، وكان عسكره بمصر قد تفرق عن الأفضل من الخشبي، فسار كل منهم إلى إقطاعه ليربعوا دوابهم، فرام الأفضل جمعهم من أطراف البلاد، فأعجله الأمر عن ذلك، ولم يجتمع منهم إلا طائفة يسيرة ممن قرب إقطاعه، ووصل العادل، فسار عن بلبيس، ونزل موضعاً يقال له السائح إلى طرف البلاد، ولقاء العادل قبل دخول البلاد سابع ربيع الآخر، فانهزم الأفضل، ودخل القاهرة ليلاً، وسار العادل فنزل على القاهرة وحصرها، فجمع الأفضل من عنده من الأمراء واستشارهم، فرأى منهم تخاذلاً، فأرسل رسولاً إلى عمه في الصلح وتسليم البلاد إليه، وأخذ العوض عنها، وطلب دمشق، فلم يجبه العادل، فنزل عنها إلى حران والرها فلم يجبه، فنزل إلى ميافارقين وحاني وجبل جور، فأجابه إلى ذلك، وتحالفوا عليه، وخرج الأفضل من مصر ليلة السبت ثامن عشر ربيع الآخر، واجتمع بالعادل، وسار إلى صرخد، ودخل العادل إلى القاهرة يوم السبت ثامن عشر ربيع الآخر، ولما وصل الأفضل إلى صرخد أرسل من تسلم ميافارقين وحاني وجبل جور، فامتنع نجم الدين أيوب ابن الملك العادل من تسليم ميافارقين، وسلم ما عداها، فترددت الرسل بين الأفضل والعادل في ذلك، والعادل يزعم أن ابنه عصاه، فأمسك عن المراسلة في ذلك لعلمه أن هذا فعل بأمر العادل، ولما ثبتت قدم العادل بمصر قطع خطبة الملك المنصور ابن الملك العزيز في شوال وخطب لنفسه، وحاقق الجند في إقطاعاتهم، واعتراضهم في أصحابهم ومن عليهم من العسكر المقرر، فتغيرت لذلك نياتهم. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
حصار دمشق ومحاولة أخذها من العادل.
597 - 1200 م بعد ملك العادل ديار مصر، وقطعه خطبة الملك المنصور ولد الملك العزيز عثمان بن صلاح الدين يوسف بن أيوب، وأنه لما فعل ذلك لم يرضه الأمراء المصريون، وخبثت نياتهم في طاعته، فراسلوا أخويه الظاهر بحلب، والأفضل بصرخد، يدعونهم إلى قصد دمشق وحصرها ليخرج الملك العادل إليهم، فإذا خرج إليهم من مصر أسلموه، وصاروا معهما، فيملكان البلاد، وكثر ذلك، حتى فشا الخبر واتصل بالملك العادل، فأرسل العادل إلى ولده الذي بدمشق يأمره بحصر الأفضل بصرخد، وكتب إلى إياس جركس وميمون القصري، صاحب بلبيس، وغيرهما من الناصرية، يأمرهم الاجتماع مع ولده على حصر الأفضل، وسمع الأفضل الخبر، فسار إلى أخيه الظاهر بحلب مستهل جمادى الأولى، ووصل إلى حلب عاشر الشهر، وكان الظاهر قد جمع عسكره وقصد منبج فملكها للسادس والعشرين من رجب، وسار إلى قلعة نجم وحصرها، فتسلمها سلخ رجب، أما ابن العادل المقيم بدمشق فإنه سار إلى بصرى، وأرسل إلى جركس ومن معه، وهم على بانياس يحصرونها، يدعوهم إليه، فلم يجيبوه إلى ذلك بل غالطوه، فلما طال مقامه على بصرى عاد إلى دمشق، واجتمع عند الملك الظافر خضر بن صلاح الدين، وأنزلوه من صرخد، وأرسلوا إلى الملك الظاهر والأفضل يحثونهما على الوصول إليهم، وساروا منها إلى حمص، ثم سارا منها إلى دمشق على طريق بعلبك، فنزلوا عليها عند مسجد القدم، فلما نزلوا على دمشق أتاهم المماليك الناصرية مع الملك الظافر خضر بن صلاح الدين، وكانت القاعدة استقرت بين الظاهر وأخيه الأفضل أنهم إذا ملكوا دمشق تكون بيد الأفضل، ويسيرون إلى مصر، فإذا ملكوها تسلم الظاهر دمشق، فيبقى الشام جميعه له، وتبقى مصر للأفضل، وكان الملك العادل قد سار من مصر إلى الشام، فنزل على مدينة نابلس وسير جمعاً من العسكر إلى دمشق ليحفظها، فوصلوا قبل وصول الظاهر والأفضل، وحضر فخر الدين جركس وغيره من الناصرية عند الظاهر، وزحفوا إلى دمشق وقاتلوها رابع عشر ذي القعدة، واشتد القتال عليها، فعادوا وقد قوي الطمع في أخذها، ثم زحفوا إليها مرة ثانية وثالثة، فلم يبق إلا ملكها، فحسد الظاهر أخاه الأفضل، فأرسل إليه يقول له تكون دمشق له وبيده ويسير العساكر معه إلى مصر، فقال له الأفضل، قد علمت أن والدتي وأهلي، وهم أهلك أيضاً، على الأرض، ليس لهم موضع يأوون إليه، فأحسب أن هذا البلد لك تعيرناه ليسكنه أهلي هذه المدة إلى أن يملك مصر، فلم يجبه الظاهر إلى ذلك، ولج، فلما رأى الأفضل ذلك الحال قال للناصرية وكل من جاء إليهم من الجند: إن كنتم جئتم إلي فقد أذنت لكم في العود إلى العادل، وإن كنتم جئتم إلى أخي الظاهر فأنتم وهو أخبر، وكان الناس كلهم يريدون الأفضل، فقالوا: ما نريد سواك، والعادل أحب إلينا من أخيك؛ فأذن لهم في العود، فهرب فخر الدين جركس وزين الدين قراجة الذي أعطاه الأفضل صرخد، فمنهم من دخل دمشق، ومنهم من عاد إلى إقطاعه، فلما انفسخ الأمر عليهم عادوا إلى تجديد الصلح مع العادل، فترددت الرسل بينهم واستقر الصلح على أن يكون للظاهر منبج، وأفامية وكفر طاب، وقرى معينة من المعرة، ويكون للأفضل سميساط، وسروج، ورأس عين، وحملين، ورحلوا عن دمشق أول المحرم سنة ثمان وتسعين. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
حصر عسكر العادل ماردين وصلحه مع صاحبها.
599 محرم - 1202 م سير الملك العادل أبو بكر بن أيوب، صاحب دمشق ومصر، عسكراً مع ولده الملك الأشرف موسى إلى ماردين، فحصروها، وشحنوا على أعمالها، وانضاف إليه عسكر الموصل وسنجار وغيرهما، ونزلوا بخرزم تحت ماردين، ونزل عسكر من قلعة البارعية، وهي لصاحب ماردين، يقطعون الميرة عن العسكر العادلي، فسار إليهم طائفة من العسكر العادلي، فاقتتلوا، فانهزم عسكر البارعية، وثار التركمان وقطعوا الطريق في تلك الناحية، وأكثروا الفساد، فتعذر سلوك الطريق إلى الجماعة من أرباب السلاح، فسار طائفة من العسكر العادلي إلى رأس عين لإصلاح الطرق، وكف عادية الفساد، وأقام ولد العادل، ولم يحصل له غرض، فدخل الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين يوسف، صاحب حلب، في الصلح بينهم، وأرسل إلى عمه العادل في ذلك، فأجاب إليه على قاعدة أن يحمل أهل صاحب ماردين مائة وخمسين ألف دينار، فجاء صرف الدينار أحد عشر قيراطاً من أميري، ويخطب له ببلاده، ويضرب اسمه على السكة، ويكون عسكره في خدمته أي وقت طلبه، وأخذ الظاهر عشرين ألف دينار من النقد المذكور، وقرية القرادي من أعمال شيختان، فرحل ولد العادل عن ماردين. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
ملك نجم الدين ابن الملك العادل خلاط.
604 - 1207 م ملك الملك الأوحد نجم الدين أيوب ابن مالك العادل أبي بكر ابن أيوب مدينة خلاط، وسبب ذلك أنه كان بمدينة ميافارقين من أبيه، فلما كان من ملك بلبان خلاط قصد هو مدينة موش، وحصرها، وأخذها، وأخذ معها ما يجاورها، وطمع في خلاط، فسار إليها، فهزمه بلبان، فعاد إلى بلده، وجمع وحشد، وسير إليه أبوه جيشاً، فقصد خلاط، فسار إليه بلبان، فتصافا واقتتلا، فانهزم بلبان، وتمكن نجم الدين من البلاد، وازداد منها، ودخل بلبان خلاط واعتصم بها، وأرسل رسولاً إلى مغيث الدين طغرل شاه بن قلج أرسلان، وهو صاحب أرزن الروم، يستنجده على نجم الدين، فحضر بنفسه ومعه عسكره، فاجتمعا، وهزما نجم الدين، وحصرا موش، فأشرف الحصن على أن يملك، فغدر ابن قلج أرسلان بصاحب خلاط وقتله طمعاً في البلاد، فلما قتله سار إلى خلاط، فمنعه أهلها عنها، فسار إلى ملازكرد، فرده أهلها أيضاً، وامتنعوا عليه، فلما لم يجد في شيء من البلاد مطمعاً عاد إلى بلده، فأرسل أهل خلاط إلى نجم الدين يستدعونه إليهم ليملكوه، فحضر عندهم، وملك خلاط وأعمالها سوى اليسير منها، وكره الملوك المجاورون له ملكه لها خوفاً من أبيه، وكذلك أيضاً خافه الكرج وكرهوه، فتابعوا الغارات على أعمال خلاط وبلادها، ونجم الدين مقيم بخلاط لا يقدر على مفارقتها. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
ملك العادل الخابور ونصيبين وعوده عن سنجار.
606 - 1209 م ملك العادل أبو بكر بن أيوب بلد الخابور ونصيبين، وحصر مدينة سنجار، والجميع من أعمال الجزيرة، وهو بيد قطب الدين محمد بن زنكي بن مودود، وسبب ذلك أن قطب الدين المذكور كان بينه وبين ابن عمه نور الدين أرسلان شاه بن مسعود بن مودود، صاحب الموصل، عداوة مستحكمة، وكان لنور الدين وزراء يحبون أن يشتغل عنهم، فحسنوا له مراسلة العادل والاتفاق معه على أن يقتسما بالبلاد التي لقطب الدين، وبالولاية التي لولد سنجر شاه بن غازي بن مودود، وهي جزيرة ابن عمر وأعمالها، فيكون ملك قطب الدين للعادل، وتكون الجزيرة لنور الدين، فوافق هذا القول هوى نور الدين، فأرسل إلى العادل في المعنى، فأجابه إلى ذلك مستبشراً، فبادر العادل إلى المسير من دمشق إلى الفرات في عساكره، وقصد الخابور فأخذه، فلما سمع نور الدين بوصوله كأنه خاف واستشعر، هذا والعادل قد ملك الخابور ونصيبين، وسار إلى سنجار فحصرها، فبينما الأمر على ذلك إذ جاءهم أمر لم يكن لهم في حساب، وهو أن مظفر الدين كوكبري، صاحب إربل، أرسل وزيره إلى نور الدين يبذل من نفسه المساعدة على منع العادل عن سنجار، وأن الاتفاق معه على ما يريده، فوصل الرسول ليلاً فوقف مقابل دار نور الدين وصاح، فعبر إليه سفينة عبر فيها، واجتمع بنور الدين ليلاً وأبلغه الرسالة، فأجاب نور الدين إلى ما طلب من الموافقة، وحلف له على ذلك، وعاد الوزير من ليلته، فسار مظفر الدين، واجتمع هو ونور الدين، ونزلا بعساكرهما بظاهر الموصل، ولما وصل إلى الموصل، واجتمع بنور الدين، أرسلا إلى الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين، وهو صاحب حلب، وإلى كيخسرو بن قلج أرسلان، صاحب بلاد الروم، بالاتفاق معهما، فكلاهما أجاب إلى ذلك، فتواعدوا على الحركة وقصد بلاد العادل إن امتنع من الصلح والإبقاء على صاحب سنجار، وأرسلا أيضاً إلى الخليفة الناصر لدين الله ليرسل رسولاً إلى العادل في الصلح أيضاً؛ فقويت حينئذ نفس صاحب سنجار على الامتناع، ووصلت رسل الخليفة، إلى العادل وهو يحاصر سنجار، فأجاب أولاً إلى الرحيل، ثم امتنع عن ذلك، وغالط، وأطال الأمر لعله يبلغ منها غرضاً، فلم ينل منها ما أمله، وأجاب إلى الصلح على أن يكون له ما أخذ وتبقى سنجار لصاحبها، واستقرت القاعدة على ذلك، وتحالفوا على هذا كلهم، وعلى أن يكونوا يداً واحدة على الناكث منهم؛ ورحل العادل عن سنجار إلى حران، وعاد مظفر الدين إلى إربل، وبقي كل واحد من الملوك في بلده. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
وفاة الملك العادل الأيوبي.
615 جمادى الآخرة - 1218 م توفي الملك العادل سيف الدين أبو بكر محمد بن أبي الشكر أيوب بن شاذي بن مروان، أخو صلاح الدين، وأحد ملوك الدولة الأيوبية. ولد بدمشق سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة (538هـ). ولما ملك صلاح الدين الديار المصرية كان ينوب عنه في حال غيبته في الشام، ويستدعي منه الأموال للإنفاق على الجند وغيرهم. ولما ملك السلطان مدينة حلب سنة (579هـ) أعطاها لولده الملك الظاهر غازي، ثم أخذها منه، وأعطاها للملك العادل، ثم نزل عنها للملك الظاهر غازي لمصلحة وقع الاتفاق عليها بينه وبين أخيه صلاح الدين. وآخر الأمر أنه استقل بمصر سنة (596هـ) واستقرت له القواعد، ثم خطب له بحلب سنة (598هـ). وملك معها البلاد الشامية والشرقية، ثم ملك اليمن سنة (612هـ)، وسير إليها ابنه الملك المسعود صلاح الدين. ولما تمهدت له البلاد قسمها بين أولاده، فأعطى الملك الكامل الديار المصرية، والملك المعظم البلاد الشامية، والملك الأشرف البلاد الشرقية، والملك الأوحد نجم الدين أيوب ميا فارقين وتلك النواحي، وكان يتردد بينهم وينتقل إليهم من مملكة إلى أخرى. وكان ملكاً عظيماً ذا رأي ومعرفة تامة قد حنكته التجارب. حسن السيرة، جميل الطوية، وافر العقل، حازمًا في الأمور صالحًا محافظًا على الصلوات في أوقاتها، مائلاً إلى العلماء. وعند وصول الإفرنج إلى ساحل الشام، توجه أمامهم إلى جهة دمشق ليتجهز ويتأهب للقائهم، فلما وصل إلى عالقين -وهى قرية بظاهر دمشق - توفي بها. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
وفاة الملك العادل الأيوبي صاحب مصر.
615 جمادى الآخرة - 1218 م توفي الملك العادل أبو بكر بن أيوب سابع جمادى الآخرة، وكان لما توفي أخوه صلاح الدين قد ملك دمشق وديار مصر، وبقي مالكاً للبلاد إلى الآن، فلما ظهر الفرنج، سنة أربع عشرة وستمائة، قصد هو مرج الصفر، فلما سار الفرنج إلى ديار مصر انتقل هو إلى عالقين، فأقام به، ومرض، وتوفي، وحمل إلى دمشق، فدفن بالتربة التي له بها، وكانت مدة ملكه عشرين سنة إلا ثلاثة أشهر، وكان العادل قد قسم البلاد في حياته بين أولاده، فلما توفي ثبت كل منهم في المملكة التي أعطاه أبوه، واتفقوا اتفاقاً حسناً لم يجر بينهم من الاختلاف شيء، ثم إن ابنه الكامل محمد تملك مصر بعده وقد كان أبوه أعطاه إياها وأكمل بعده قتال الفرنج. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
دخول عساكر الملك الأشرف بن العادل إلى أذربيجان وتملكهم مدناً كثيرة فيها.
624 شعبان - 1227 م سار الحاجب علي حسام الدين، وهو النائب عن الملك الأشرف بخلاط، والمقدم على عساكرها، إلى بلاد أذربيجان فيمن عنده من العساكر، وسبب ذلك أن سيرة جلال الدين كانت جائرة، وعساكره طامعة في الرعايا، وكانت زوجته ابنة السلطان طغرل السلجوقي، وهي التي كانت زوجة أوزبك بن البهلوان، صاحب أذربيجان، فتزوجها جلال الدين، وكانت مع أوزبك تحكم في البلاد جميعها، ليس له ولا لغيره معها حكم، فلما تزوجها جلال الدين أهملها ولم يلتفت إليها، فخافته مع ما حرمته من الحكم والأمر والنهي، فأرسلت هي وأهل خوي إلى حسام الدين الحاجب يستدعونه ليسلموا البلاد، فسار ودخل البلاد، بلاد أذربيجان، فملك مدينة خوي وما يجاورها من الحصون التي بيد امرأة جلال الدين، وملك مرند، وكاتبه أهل مدينة نقجوان، فمضى إليهم، فسلموها إليه، وقويت شوكتهم بتلك البلاد. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
وفاة العادل الموحدي وانقسام دولة الموحدين.
624 شوال - 1227 م توفي العادل الموحدي عبدالله بن يعقوب المنصور بن يوسف بن عبدالمؤمن بن علي وقد كان أميرا على شرقي الأندلس وجاءته بيعة أهل مراكش بعد خلع عمه عبدالواحد ففوض الأمر إلى أخيه أبي العلاء وقصد مراكش ثم اضطربت عليه الأمور وقامت فتن فدعا أخوه أبو العلاء لنفسه في إشبيلية وأخذ البيعة وتلقب بالمأمون وأرسل إلى مراكش يدعوهم إلى بيعته وأعلمهم أن أهل الأندلس معه، فخلع أهل مراكش العادل بعد أن طلبوا منه أن يخلع نفسه فلم يفعل فقتلوه وبايعوا يحيى المعتصم بالله بن محمد الناصر بن أبي يوسف يعقوب المنصور، فأصبح لدولة الموحدين دولتان وملكان. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
ملك السلطان الملك العادل الثاني مصر بعد وفاة أبيه الملك الكامل.
635 رجب - 1238 م هو السلطان الملك العادل الثاني سيف الدين أبو بكر بن الملك الكامل محمد بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب، استقر الأمر له بسلطنة مصر ودمشق في يوم الخميس ثاني عشرين رجب، وخطب له بالقاهرة ومصر في رابع شعبان، وهو السلطان السابع من بني أبوب بديار مصر، فقدمت عليه القصاد من دمشق بوفاة أبيه واستقراره من بعده، فشرع الأمير سيف الدين قلج في تحليف الأمراء للملك العادل في داره، وحط الملك العادل المكوس، ووسع في العطاء وفي الأرزاق على كل أحد، وفي رابع شعبان: خطب له بمصر، وأعلن بموت الملك الكامل، وفي رابع عشر شعبان: ضربت السكة باسمه، وفي ثامن عشر رمضان: نقش الدينار والدرهم باسمه، وفي عشريه: قرئ توقيعه على المنبر، بإبطال جميع المكوس، وفي سابع عشرين شوال: وصل محيي الدين أبو محمد يوسف بن الجوزي، رسولاً من بغداد، بتعزية الملك العادل، وهنأه بالملك من قبل الخليفة، وكان العادل قد بعث إلى دمشق بالخلع والسنجق، فركب الجواد بالخلع في تاسع عشر رمضان وأنفق الملك العادل على العساكر. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
خلع الملك العادل صاحب مصر.
637 رمضان - 1240 م بعد استيلاء الصالح إسماعيل وأسد الدين على دمشق ولما وصل الخبر إلى الصالح نجم الدين وهو مقيم في نابلس يتجهز للمسير إلى مصر، افترق عنه عسكره وبقي وحيدا فاستغل الفرصة الملك الناصر داود صاحب الكرك والأردن فأرسل إليه من أخذه من نابلس مهانا على بغلة بلا مهماز ولا مقدمة، فاعتقله عنده سبعة أشهر، فأرسل العادل من مصر إلى الناصر يطلب منه أخاه الصالح أيوب ويعطيه مائة ألف دينار، فما أجابه إلى ذلك، بل عكس ما طلب منه بإخراج الصالح من سجنه والإفراج عنه وإطلاقه من الحبس فعند ذلك حاربت الملوك من دمشق ومصر وغيرهما الناصر داود، وبرز العادل من الديار المصرية إلى بلبيس قاصدا قتال الناصر داود، فاضطرب الجيش عليه واختلفت الأمراء، وقيدوا العادل واعتقلوه في خركاه وخلع العادل في يوم الجمعة تاسع شوال، فكانت مدة ملكه سنتين وشهرين وثمانية عشر يوماً، وأرسلوا إلى الصالح أيوب يستدعونه إليهم، فامتنع الناصر داود من إرساله حتى اشترط عليه أن يأخذ له دمشق وحمص وحلب بلاد الجزيرة وبلاد ديار بكر ونصف مملكة مصر، ونصف ما في الخزائن من الحواصل والأموال والجواهر، فأجاب الصالح أيوب إلى ذلك مكرها، وهو خائف أن تكون هذه الكائنة من المصريين مكيدة، فلما وصل الصالح إلى المصريين ملكوه عليهم ودخل الديار المصرية سالما مؤيدا منصورا مظفرا محبورا مسرورا، فأرسل إلى الناصر داود عشرين ألف دينار فردها عليه ولم يقبلها منه، واستقر ملكه بمصر. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
خلع الملك السعيد وتولية أخيه الملك العادل سلامش.
678 ربيع الثاني - 1279 م كان قد حدث من الملك السعيد أشياء أوغرت صدور الأمراء عليه، وأصبح خاصية الملك يحظون بما يريدون ويبعدون من أرادوا حتى كان في السنة الماضية أن أرسل بعض الأمراء إلى سيس للقتال فخرجوا وهم مكرهين، فأما الأمراء فإنهم غزوا سيس وقتلوا وسبوا، وسار الأمير بيسري إلى قلعة الروم، وعاد هو والأمراء إلى دمشق ونزلوا بالمرج، فخرج الأمير كوندك إلى لقائهم على العادة، وأخبرهم مما وقع من الخاصكية في حقهم وحقه من تخويف الملك منهم، فحرك قوله ما عندهم من كوامن الغضب، وتحالفوا على الاتفاق والتعاون، وبعثوا من المرج إلى السلطان يعلمونه إنهم مقيمون بالمرج، وأن الأمير كوندك شكى إليهم من لاجين الزيني وهو من أقرب مقربي الملك السعيد شكاوى كثيرة، ولا بد لنا من الكشف عنها، وسألوا السلطان أن يحضر إليهم حتى يسمعوا كلامه وكلام كوندك، فلما بلغ بذلك السلطان ذلك لم يعبأ بقولهم، وكتب إلى من معهم من الأمراء الظاهرية يأمرهم، بمفارقة الصالحية ودخول دمشق، فرحلوا من فورهم ونزلوا على الجورة من جهة داريا، وأظهروا الخلاف، ورموا الملك السعيد بأنه قد أسرف وأفرط في سوء الرأي وأفسد التدبير، فخاف السلطان عند ذلك سوء العاقبة، وبعث إليهم الأمير سنقر الأشقر، والأمير سنقر التكريتي الأستادار، ليلطفا بهم ويعملا الحيلة في إحضارهم، فلم يوافقوا على ذلك، وعادا إلى السلطان فزاد قلقه، وترددت الرسل بينه وبين الأمراء، فاقترحوا عليه إبعاد الخاصكية، فلم يوافق، فرحل الأمراء بمن معهم من العساكر إلى مصر وتبعهم الملك السعيد ليلحقهم ويتلافى أمرهم فلم يدركهم فقاد إلى دمشق وبات بها، ثم سار من دمشق بالعساكر يريد مصر فنزل بلبيس في نصف ربيع الأول وكان قد سبقه الأمير قلاوون بمن معه إلى القاهرة ونزلوا تحت الجبل الأحمر، فبلغ ذلك الأمراء الذين بقلعة الجبل وهم الأمير عز الدين أيبك أمير جانذار والأمير أفطوان الساقي والأمير بلبان الزربقي فامتنعوا بها وحصنوها وتقدموا إلى متولي القاهرة فسد أبوابها فراسلهم قلاوون والأمراء في فتح أبواب القاهرة ليدخل العسكر إلى بيوتهم ويبصروا أولادهم فإن عهدهم بعد بهم ونزل الأمير لاجين البركخاي وأيبك الأفرم وأقطون إلى الأمراء لمعرفة الخبر فقبضوا عليهم وبعثوا إلى القاهرة ففتحت أبوابها ودخل كل أحد إلى داره وسجن الثلاثة الأمراء في دار الأمير قلاوون بالقاهرة وزحفوا إلى القلعة وحاصروها وأما السلطان فإنه لما نزل بلبيس وبلغه خبر الأمراء خامر عليه من كان معه من عسكر الشام وتركوه في بلبيس وعادوا إلى دمشق وبها الأمير عز الدين أيدمر نائب الشام فصاروا إليه ولم يبق مع السلطان إلا مماليكه ولم يبق معه من الأمراء الكبار إلا الأمير سنقر الأشقر فقط فسار السلطان من بلبيس ففارقه الأشقر من المطرية وأقام بموضعه، وبلغ الأمراء أن السلطان جاء من خلف الجبل الأحمر فركبوا ليحولوا بينه وبين القلعة وكان الضباب كثيرا فنجا منهم واستتر عن رؤيتهم وطلع إلى المقدمة فلما انكشف الضباب بلغ الأمراء أن السلطان بالقلعة فعادوا إلى حصارها وصار السلطان يشرف من برج الرفرف المطل على الإسطبل ويصيح بهم: يا أمراء أرجع إلى رأيكم ولا أعمل إلا ما تقولونه فلم يجبه أحد منهم وأظهروا كتبا عنه يطلب فيها جماعة من الفداوية لقتلهم وأحاطوا بالقلعة وحصروه، وكان الأمير سنجر الحلبي معتقلا بالقلعة، فأخرجه السلطان وصار معه، فاستمر الحصار مدة أسبوع، وكان الذي قام في خلع السلطان جماعة كثيرة من الأمراء وأعيان المفاردة والبحرية ولما طال الحصار بعث السلطان الخليفة الحاكم بأمر الله أحمد، يقول: يا أمراء إيش غرضكم؟ فقالوا: يخلع الملك السعيد نفسه من الملك ونعطيه الكرك، فأذعن السعيد لذلك، وحلف له الأمراء، وحضر الخليفة والقضاة، الأعيان، وأنزل بالملك السعيد، وأشهد عليه أنه لا يصلح للملك، وخلع السعيد نفسه، وحلف أنه لا يتطرق إلى غير الكرك، ولا يكاتب أحدا من النواب، ولا يستميل أحد من الجند، وسفر من وقته إلى الكرك مع الأمير بيدغان الركني، وذلك في سابع شهر ربيع الآخر، فكانت مدة ملكه من حين وفاة أبيه إلى يوم خلعه سنتين وشهرين وثمانية أيام، فوصل إلى الكرك وتسلمها في خامس عشري جمادى الآخرة، واحتوى على ما فيها من الأموال وكانت شيئا كثيرا، ولما تم خلع الملك السعيد وسافر إلى الكرك، عرض الأمراء السلطنة على الأمير سيف الدين قلاوون الألفي فامتنع وقال: أنا ما خلعت الملك السعيد طمعا في السلطنة، والأولى ألا يخرج الأمر عن ذرية الملك الظاهر، فاستحسن ذلك منه، لأن الفتنة سكنت فإن الظاهريه كانوا معظم العسكر، وكانت القلاع بيد نواب الملك السعيد، وقصد قلاوون بهذا القول أن يتحكم حتى يغير النواب ويتمكن مما يريد، فمال الجميع إلى قوله وصوبوا رأيه، واستدعوا سلامش، واتفقوا أن يكون الأمير قلاوون أتابكه، وأن يكون إليه أمر العساكر وتدبير الممالك، فحضر سلامش وله من العمر سبع سنين وأشهر، وحلف العسكر جميعه على إقامته سلطانا، وإقامة الأمير قلاوون أتابك العساكر، ولقبوه الملك العادل بدر الدين، فاستقر الأمر على ذلك، وأقيم الأمير عز الدين أيبك الأفرم في نيابة السلطنة. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
عزل العادل سلامش وتنصيب السلطان قلاوون.
678 رجب - 1279 م بعد أن تم تنصيب العادل سلامش في الملك لم يكن له من الأمر شيء بل كل شيء من حل وعقد بيد قلاوون فشرع الأمير قلاوون في القبض على الأمراء الظاهرية، فقبض على أعيانهم وبلغهم إلى الثغور فسجنوا بها، وأمسك أيضاً كثيرا من الظاهرية وملأ الحبوس بهم، وأعطي قلاوون ومنع وقطع، ووصل واستخدم وعزل، فكان صورته أتابك وتصرفه تصرف الملوك، واشتغل الأمير بيسري باللهو والشرب، فانفرد الأتابك قلاوون بالمملكة وأجد في تدبر أحواله وفرق قلاوون على المماليك واستمالهم، وقرب الصالحية وأعطاهم الإقطاعات، وسير عدة منهم إلى البلاد الشامية واستنابهم في القلاع، وتتبع ذراريهم وأخذ كثيرا منهم كانوا قد تصنفوا بالصنائع والحرف، فرتب طائفة منهم في البحرية، وقرر لجماعة منهم جامكية، وقوي بهم جانبه وتمكنت أسبابه، ثم جمع قلاوون الأمراء في العشرين من رجب وتحدث معهم في صغر سن الملك العادل، وقال لهم: قد علمتم أن المملكة لا تقوم إلا برجل كامل، إلى أن اتفقوا على خلع سلامش فخلعوه، وبعثوا به إلى الكرك وكانت مدة ملكه مائة يوم، ولم يكن حظه من الملك سوي الاسم فقط، وجميع الأمور إلى الأتابك قلاوون، وقع الاتفاق على خلع العادل وإقامة قلاوون، فأجلس قلاوون على تخت الملك في يوم الأحد العشرين من رجب، وحلف له الأمراء وأرباب الدولة، وتلقب بالملك المنصور، وأمر أن يكتب في صدر المناشير والتواقيع والمكاتبات لفظ الصالحي، فكتب بذلك في كل ما يكتب عن السلطان، وجعل عن يمين البسملة تحتها بشيء لطيف جداً، وخرج البريد بالبشائر إلى الأعمال، وجهزت نسخة اليمين إلى دمشق وغيرها، وزينت القاهرة ومصر وظواهرهما وقلعة الجبل، وأقيمت له الخطبة بأعمال مصر، ويذكر أن قلاوون هذا هو السابع من ملوك الترك بالديار المصرية، والرابع ممن مسه الرق. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
وفاة الملك العادل بدر الدين سلامش بن الظاهر.
690 - 1291 م الملك العادل بدر الدين سلامش بن الظاهر بيبرس، كان قد بويع بالملك بعد أخيه الملك السعيد، وجعل الملك المنصور قلاوون أتابكه ثم استقل قلاوون بالملك لصغر سلامش وقتها، وأرسلهم إلى الكرك ثم أعادهم إلى القاهرة ثم سفرهم الأشرف خليل في أول دولته إلى بلاد الأشكري من ناحية اصطنبول، فمات سلامش في هذه السنة، وبقي أخوه نجم الدين خضر وأهلوهم بتلك الناحية، وقد كان سلامش من أحسن الناس شكلا وأبهاهم منظرا، وقد افتتن به خلق كثير، وكان عاقلا رئيسا مهيبا وقورا، ويذكر أن الظاهر بيبرس كان قد اعتقل الملك المنصور لما استلم السلطنة وأرسله مع أمه إلى بلاد الأشكري فجرى لولده وأمه ما فعله هو بغيره. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
خلع الملك الناصر محمد بن المنصور وسلطنة الملك العادل كتبغا.
694 محرم - 1294 م في يوم الأربعاء حادي عشر المحرم خلع الملك الناصر ابن قلاوون، وكانت أيامه سنة واحدة تنقص ثلاثة أيام، لم يكن له فيها أمر ولا نهي، بل كل ذلك بيد السلطان الملك العادل زين الدين كتبغا المنصوري الذي كان في مدة سلطنة الملك الناصر هو القائم بجميع أمور الدولة، وليس للناصر معه تصرف ألبتة، ثم إنه أخذ في أسباب السلطة بعد قتل الشجاعي المنافس الأول لكتبغا، ولما دخل المحرم انقطع في دار النيابة وأظهر أنه ضعيف البدن، وباطن أمره أنه يريد أن يقرر أموره في السلطنة فخرج إليه الناصر وعاده، فلما كانت فتنة المماليك، جلس في صباح تلك الليلة بدار النيابة وجمع الأمراء وقال لهم: قد انخرق ناموس المملكة، والحرمة لا تتم بسلطنة الناصر لصغر سنه، فاتفقوا على خلعه وإقامة كتبغا مكانه، وحلفوا له على ذلك، وقدم إليه فرس النوبة بالرقبة الملوكية، وركب من دار النيابة قبل أذان العصر من يوم الأربعاء حادي عشر المحرم، ودخل من باب القلة إلى الأدر السلطانية، والأمراء مشاة بين يديه حتى جلس على التخت بأهبة الملك، وتلقب بالملك العادل، ويذكر أن أصله من التتار من سبي وقعة حمص الأولى التي كانت في سنة تسع وخمسين وستمائة؛ فأخذ الملك المنصور قلاوون وأدبه ثم أعتقه، وجعله من جملة مماليكه، ورقاه حتى صار من أكابر أمرائه. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
خروج بيبغاروس نائب حلب عن الطاعة وتسلطنه بها وتلقبه بالملك العادل.
753 رجب - 1352 م اتفق الأمير بيبغا روس نائب حلب مع الأمير أحمد الساقى نائب حماة، والأمير بكلمش نائب طرابلس على العصيان، فجرد في يوم السبت سابع عشر رجب جماعة من الأمراء وأجناد الحلقة إلى الصعيد، منهم عمر شاه الحاجب، وقماري الحاجب، ومحمد بن بكتمر الحاجب، وشعبان قريب يلبغا، وكتب لبيبغا روس نائب حلب بالحضور إلى مصر، على يد سنقر وطيدمر من مماليك الحاج أرقطاي وكتب معهما ملطفات لأمراء حلب تتضمن أنه إن امتنع عن الحضور فهو معزول، ورسم لهما أن يعلما بيبغا بذلك أيضا مشافهة بحضرة الأمراء فقدم البريد من دمشق، بموافقة ابن دلغادر لبيبغا روس، وأنه تسلطن بحلب، وتلقب بالملك العادل، وأظهر أنه يريد مصر لأخذ غرمائه، وهم طاز وشيخو وصرغتمش وبزلار وأرغون الكاملي نائب الشام، ثم قدم البريد بأن قراجا بن دلغادر قدم حلب في جمع كبير من التركمان، فركب بيبغا روس وقد واعد نائب حماة ونائب طرابلس على مسيرة أول شعبان، وأنهم تلقوه بعساكرهم على الدستن، فركب الأمير أرقطاى الدوادار الكبير البريد، بملطفات لجميع أمراء حلب وحماة ونائب طرابلس، فقدم دمشق وبعث بالمطلفات لأصحابها، فوجد أمر بيبغا روس قد قوي، ووافقه النواب والعساكر وابن دلغادر تركمانه وكسابته، وجبار بن مهنا بعربانه فكتب الأمير أرغون الكاملي نائب الشام بأن سفر السلطان لابد منه، " وإلا خرح عنكم جميعه "، فاتفق رأي الأمراء على ذلك، وخرج الأمير طاز في يوم الخميس ثالث شعبان، ومعه الأمير بزلار، والأمير كلتاي أخو طاز، وفارس الدين ألبكي ثم خرج الأمير طيبغا المجدي وابن أرغون النائب، ثم إن بيبغاروس حاول أخذ دمشق وحاصرها واشتد الأمر على أهل دمشق وامتنعوا عليه فأمر بنهب البلد من الضياع والبساتين ثم إن عسكر مصر بقيادة طاز وصل إلى دمشق فهرب بيبغا إلى حلب، ثم لجأ منها إلى الأمير زين الدين قراجا بن دلغادر ذو القدر أمير ألبستان وملاطية، ولكن لم يلبث الأمر كثيرا حتى كان القبض عليه ومن معه من أعوانه ثم تم قتله بعد ذلك في السنة التالية بحلب حيث سلمه الأمير قراجا إلى نائب حلب الجديد أرغون الكاملي بعد أن حلف له الأخير أنه لا يحاربه، ثم يوم الاثنين ثامن عشري ذي الحجة: قدم البريد من حلب بأخذ أحمد الساقي نائب حماة، وبكلمش نائب طرابلس، من عند ابن دلغادر، وقد قبضهما، فدخلا حلب في حادي عشريه، وسجنا بقلعتها، فأجيب الأمير أرغون الكاملي نائب حلب بالشكر والثناء، وأنه يشهر المذكورين بحلب، ويقتلهما، وجهز لنائب حلب خلعة. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
مقتل الأمير جكم الذي تسلطن وتلقب بالملك العادل.
809 ذو القعدة - 1407 م تسلطن الأمير جكم بحلب يوم حادي عشر رمضان، وتلقب بالسلطان الملك العادل أبي الفتوح عبد الله جكم، وخطب باسمه من حلب إلى الفرات إلى غزة، ما عدا صفد وذلك أنه عظم أمره جدا وخاصة أن السلطان فرج بن برقوق حاول أن يزيله عن عصيانه على حلب وغيرها فكان أولا قد هرب جكم منه ثم لما رحل السلطان عن حلب رجع إليها واستطاع أن يتغلب على أكثر المناطق حتى وصل أمره إلى أن ولى هو من عنده على دمشق نائبا له، ثم كان سبب قتله أنه لما تسلطن بمدينة حلب، ووافقه وأطاعه غالب نواب البلاد الشامية، وعظم أمره، وكثرت عساكره، وخافه كل أحد حتى أهل مصر، وتهيأ الملك الناصر إلى الخروج من مصر لقتاله، ابتدأ جكم بالبلاد الشامية واستعد لأخذها، على أن الديار المصرية صارت في قبضته، وأعرض عنها حتى ينتهي من بلاد الشرق، وجعل تلك الناحية هي الأهم، وخرج من مدينة حلب بعساكره إلى نحو الأمير عثمان بن طر علي المعروف بقرايلك، صاحب آمد، وغيرها من ديار بكر، وكان قرايلك المذكور يومئذ نازلاً بآمد، فسار جكم حتى نزل على البيرة، وحصرها وأخذها، وقتل نائبها الأمير كزل، فأتته بها رسل قرايلك رغب إليه في الطاعة، ويسأله الرجوع عنه إلى حلب، وأنه يحمل إليه من الجمال الأغنام عدةً كبيرة، ويخطب له بديار بكر، فلم يقبل جكم ذلك، وسار حتى نزل قرب ماردين، فأقام هناك أياماً حتى قدم الملك الظاهر مجد الدين عيسى الأرتقي ساحب ماردين، ومعه حاجبه فياض بعساكره، فاستصحبه جكم معه إلى نحو مدينة آمد، وقد تهيأ قرايلك لقتال جكم المذكور، فعبأ جكم عساكره، ومشى على آمد، فالتقاه قرايلك بظاهرها، وتقاتلا قتالاً شديداً قاتل فيه جكم بنفسه، وقتل بيده إبراهيم بن قرايلك، ثم حمل على قرايلك بنفسه، فانهزم قرايلك بمن معه إلى مدينة آمد وامتنعوا بها، وغلقوا أبوابها، فاقتحم جكم في طائفة من عسكره القرايلكية، وساق خلفهم حتى صار في وسط بساتين آمد، وكان قرايلك قد أرسل المياه على أراضي آمد حتى صارت ربواً، يدخل فيها الفارس بفرسه فلا يقدر على خلاص، فلما وصل جكم إلى ذلك الموضع المذكور أخذه الرجم هو ومن معه من كل جهة، وقد انحصروا من الماء الذي فاض على الأرض، وجعلها ربواً، فصاروا لا يمكنهم فيه الكر والفر، فصوب عند ذلك بعض التراكمين من القرايلكية على جكم، وهو لا يعرفه، ورماه بحجر في مقلاع أصاب جبهته وشجه، وسال الدم على ذقنه ووجهه، وجكم يتجلد ويمسح الدم عن وجهه، فلم يتمالك نفسه وسقط عن فرسه مغشياً عليه، وتكاثر التركمان على رفقته فهزموهم بعد أن قتلوا منهم عدة كبيرة، فنزل بعض التراكمين وقطع رأس جكم، وجال العسكر واضطرب أمر جيش جكم ساعة، ثم انكسروا لفقد جكم، ثم أخذ التركمان في الأسر والقتل والنهب في عساكر جكم وعساكر ماردين، حتى إنه لم ينج منهم إلا القليل، فلما ذهب القوم نزل قرايلك وتطلب جكم بين القتلى حتى ظفر به، فقطع رأسه، وبعث به إلى السلطان الملك الناصر إلى الديار المصرية، وقتل في هذه الواقعة مع الأمير جكم من الأعيان: الملك الظاهر عيسى صاحب ماردين، وكان من أجل الملوك، والأمير ناصر الدين محمد بن شهري حاجب حجاب حلب، والأمير قمول نائب عينتاب، وصارو سيدي، وفر الأمير تمربغا المشطوب، وكمشبغا العيساوي، حتى لحقا بحلب في عدة يسيرة من المماليك. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
خلع السلطان الأشرف جانبلاط وتسلطن العادل طومان باي.
906 جمادى الآخرة - 1501 م بعد أن خرج الأمير قوصروه بالشام وأعلن العصيان فأرسل إليه السلطان جانبلاط جيشا بقيادة طومان باي الذي اتفق مع قوصروه فسارا إلى مصر واتفق مع بعض الأمراء أيضا على خلع الأشرف جانبلاط وسلطنة طومان باي وجاءه القضاة الأربعة وبايعوه وألبسوه لباس السلطنة ودخل القلعة فقبض على الأشرف جانبلاط وسجنه بالإسكندرية ثم قتل في السجن خنقا، وبويع طومان باي سلطانا بعده، بعد أن كانت مدة سلطنة جانبلاط ستة أشهر وعدة أيام، وتلقب السلطان الجديد بالملك العادل أبو النصر طومان باي، ويذكر أن أصله من الشراكسة كان من مماليك الأشرف قايتباي الذي استخدمه ورقاه وأعتقه. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
قتل السلطان العادل طومان باي وتسلطن الأشرف قانصوه الغوري.
906 شوال - 1501 م بعد أن تسلطن العادل طومان باي قام بعزل أنصار الأشرف جانبلاط وولى أنصاره هو وقتل بعض الأمراء وقبض على آخرين وسجنهم، فأثار هذا حفيظة بعض الأمراء عليه حتى الذين كانوا نصروه بالأمس على جانبلاط فاتفق الأمراء بقيادة قانصوه الغوري وقاموا بخلعه فهرب العادل طومان باي ولكنه قبض عليه ثم قتل بعد أن كانت مدة سلطنته ثلاثة أشهر وعشرة أيام، وكان قانصوه الغوري أولا قد هاب السلطنة لكن اتفق الأمراء على سلطنته فبويع بحضور الخليفة المستمسك بالله والقضاة الأربعة وتلقب بالملك الأشرف قانصوه بن عبدالله الأشرفي الغوري، ويذكر أن أصله من بلاد الغور وهي بلاد في جبال خراسان قريبا من هراة، كان قد اشتراه الملك الأشرف قايتباي ثم أعتقه. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
212 - عَبْد اللَّه بْن طاهر بْن الْحُسَيْن بْن مُصْعَب، الأمير العادل أبو العبّاس الخُزَاعيّ المُصْعَبيّ، [الوفاة: 221 - 230 ه]
أمير إقليم خُراسان وما يليه. وُلد سنة اثنتين وثمانين ومائة، وتأدَّب في صِغَره، وقرأ العِلْم والفقه، وَسَمِعَ مِنْ: وَكِيع، ويحيى بن الضُّرَيْس، وعبد الله المأمون. رَوَى عَنْهُ: إسحاق بن رَاهَوَيْه وهو أكبر منه، ونصر بن زياد القاضي، وأحمد بن سعيد الرباطي، والفضل بن محمد الشعراني، وابنه محمد بن عبد الله الأمير، وابن أخيه منصور بن طَلْحة، وآخرون. قال المرزبانيّ: كان بارع الأدب، حَسَن الشِّعْر، تنقّل في الأعمال الجليلة شرقًا وغربًا، قلّده المأمون مصر والمغرب، ثمّ نقله إلى خُراسان. وقال ابن ماكولا: رزيق بتقديم الراء: الحسين بن مصعب بن رزيق بن أسعد، مولى سَعْد بن أبي وقّاص، كذا قال، وصوابه: مولى طلحة بن عبد الله الخُزَاعيّ، وهو طلحة الطَّلحات أمير سِجِسْتان. وروى الحاكم في " تاريخه " عن أبي الحسين محمد بن يحيى الحسيني، أنّ أسعد جدّ بني طاهر كان يعرف في العجم بفرخ زرين موزة، فأسلم على يد عليّ عليه السّلام، على أن لا يغيّر اسمه، فسأل عن اسمه فقيل: اسمٌ مُشْتَقٌّ من السّعادة، فقال: هو إذًا أسعد، وكان والده يُسَمّى فيروز. وقال إبراهيم نِفْطَوَيْه: لمّا غلب عبد الله بن طاهر على الشّام، وَهْب له المأمون ما وصل إليه من الأموال هناك، ففرّقها على القوّاد. ولما دخل مصر وقف على بابها وقال: أخزى الله فرعون، ما كان أخسّه، وأدنى هِمَّته، ملك هذه القرية فقال: أنا ربكم الأعلى، والله لا دخلتَها. وكان ابن طاهر جوادًا ممدحًا. وفَدَ عليه دعبل الخزاعي، فلمّا أكثر عطاياه توارى عنه، وكتب إليه: -[602]- هجرتك لم أَهْجُرْك من كُفْرِ نِعْمَةٍ ... وهل يُرْتَجَى نَيْلُ الزّيادة بالكُفْر ولكننّي لمّا أتيتك زائرًا ... فأفرطت في بري عجزتُ عن الشُّكْر فمِلان لا آتيك إلّا معذّرًا ... أزورك في الشهرين يومًا وفي الشهر فإنْ زدت في بِرّي تزّيدتُ جَفْوَةً ... ولم نلتقِ حَتّى القيامة والحشرِ فوصل إليه منه ثلاث مائة ألف درهم. وعن العبّاس بن مُجَاشع قال: لمّا قدم ابن طاهر اعترضه دعبل فقال: جئتُكَ مستشفعًا بلا سببٍ ... إليك إلّا بحُرمةِ الأدب فاقضِ ذمامي، فإنّني رجلٌ ... غيرُ مُلِحٍّ عليك في الطَّلب فبعث إليه بعشرة آلاف درهم، وبهذين البَيْتَيْنِ: اعَجَلْتَنَا فأتاك عاجلُ بِرّنا ... ولو انتظرت كثيرة لم نُقْلِلِ فخُذِ القليلَ وكنْ كمَنْ لم يسألِ ... ونكون نحن كأنّنا لم نفعل وفيه يقول عوف بن ملحم: يا ابنَ الّذي دان له المشرقان ... طُرًّا وقد دان له المغربان إنَّ الثمانين وبُلِّغْتَها ... قد أحوجت سمعي إلى ترجمان وبدلنني بالشطاط أنْحِنا ... وكنت كالصَّعْدة تحت السّنان ولم تدع فيّ لمستمتِع ... إلّا لساني وبحسْبي لسان أدعو به الله وأُثْنى على ... فضل الأمير المُصْعَبي الهجّان فقرِّباني بأبي أنتما ... منْ وطني قبل اصفرار البنان وقبل منعاي إلى نسوة ... أوطانها حران فالرقمتان وقال أحمد بن يزيد السُّلَميّ: كنت مع ابن طاهر، فوقّع على رِقاع مرّةً، فبلغت صِلاته ألفي ألف وسبع مائة ألف، فدعوتُ له وحسَّنْت فعاله. وَرُوِيَ نحوها بإسناد آخر. وقال ابن خلّكان: كان ابن طاهر شهْمًا نبيلًا، عالي الهِمّة، ولي الدِّينَوَر، فلمّا خرج بابَك على خُراسان بعث لها المأمونُ عبدَ الله، فسار إليها في -[603]- سنة ثلاثٍ عشرة، وحارب الخوارج، وقدِم نَيْسَابُور سنة خمس عشرة، فأُمْطِروا. فقال شاعر: قد قُحِطَ النّاسُ في زمانهمُ ... حَتّى إذا جئتَ جئتَ بالمطرِ غَيْثان في ساعةٍ لنا أتيا ... فمرحبًا بالأمير والدُّرَر وقد رحل إليه أبو تمام، وعمل فيه قصائد، وصنّف " الحماسة " في هذه السَّفرة بهمَذان، لأنه انحبس بهمذان للثلوج، وأقام في دار رئيس له كُتُب عظيمة، فرأى فيها ما لا يوصف من دواوين العرب، فاختار منها أبو تمّام كتاب " الحماسة ". ومن كلام ابن طاهر: سِمَنُ الكِيس، ونُبْلُ الذَّكْر، لا يجتمعان. ويقال: إن البِطّيخ العَبْدَلاويّ بمصر منسوب إلى عبد الله بن طاهر. ومما ينسب إلى عبد الله بن طاهر من الشعر قوله: نبّهتُه وظلامُ الّليل منسدلٌ ... بين الرياض دفينًا في الرياحين فقلت خُذْ قال كَفّى لا تُطَاوِعُني ... فقلتُ قُمْ قال رِجْلي لا تُؤاتيني إنّي غفلتُ عن السّاقي فصيَّرني ... كما تراني سليبَ العقل والدِّين وله: نحنُ قوم تليننا الحدق النجـ ... ـل على أنّنا نُلِينُ الحديدا نملك الصَّيد ثمّ تملكنا البيـ ... ـض المصوناتُ أعْيُنًا وخُدودا تتّقى سُخْطَنا الأُسُود ونخشى ... سَخَطَ الخِشف حين يُبْدي الصُّدُودا فترانا يوم الكريهة أحرا ... رًا وفي السّلْم للغَواني عَبِيدا وعن سهل بن مَيْسَرة أنّ جيران دار عبد الله بن طاهر أمرَ بإحصائهم، فبلغوا أربعة آلاف نفس، فكان يقوم بمؤونتهم وكِسْوَتهم، فلمّا خرج إلى خُراسان، انقطعت الرواتب من المؤونة، وبقيت الكِسْوة مدّة حياته. وروى الخطيب بإسناده إلى محمد بن الفضل: أنّ ابن طاهر لمّا افتتح مصر ونحن معه، سوّغه المأمون خَرَاجَها، فصعد المنبر، فلم ينزل حَتّى أجاز -[604]- بها كلها، وهي ثلاثة آلاف ألف دينار، أو نحوها، فأتى مُعَلّى الطّائيّ قبل أن ينزل، فأنشده، وكان واجدًا عليه: يا أعظمَ النّاسِ عفوًا عند مَقدرةٍ ... وأظلَمَ النّاس عند الْجُود بالمال لو يصبحُ النِّيل يجري ماؤه ذَهَبًا ... لمّا أشرت إلى خزنٍ بمِثْقال فضحك وسُرّ بها، واقترض عشرة آلاف دينار، فدفعها إليه. وكان ابن طاهر عادلًا في الرعيّة، عظيم الهَيْبَة، حَسَن المذهب. قال أحمد بن سعيد الرباطيّ: سمعته يقول: والله لا استجيز أن أقول إيماني كإيمان يحيى بن يحيى، وأحمد بن حنبل، وهؤلاء يقولان: إيماننا كإيمان جبريل وميكائيل. وقال أبو زَكَريّا يحيى العَنْبريّ: سَمِعْتُ أبي يقول: خلّف ابن طاهر في بيت ماله أربعين ألف ألف درهم، هذا دون ما في بيت العامّة. وقال أحمد بن كامل القاضي: مات عبد الله بن طاهر، وكان قد أظهر التَّوبة، وكسر الملاهي، وعمّر الرِّباطات بخُراسان، ووقف لها الوقوف، وافتدى الأسرى من التُّرْك بنحو ألفي ألف دِرهم. وقال أبو حسّان الزّياديّ: مات بمرو في ربيع الأول سنة ثلاثين، مرض ثلاثة أيّام بحلْقه، يعني الخوانيق، وله ثمانٍ وأربعون سنة. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
213 - عبد الرَّحيم بن الحسين، الوزير الأوحد أبو عبد اللَّه الكاتب، ويُلقَّب بالعادل. [المتوفى: 447 هـ]
وَزَرَ للملك الرَّحيم أبي نصر بن أبي كالَيْجَار، وخلع عليه الخليفة، وكان سمحا جوادا، ظالمًا سفّاكًا للدِّماء. غضب عليه أبو نصر وطلبه، وقد غطُّوا على حُفيْرة في دار المَلِك بحصيرة، فلما مرَّ نزل فيها وطُمَّ عليه في الحال، وذلك في شهر رمضان سنة سبعٍ. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
124 - ألْب أرسلان بْن جُغْري بك، واسمه دَاوُد بْن ميكائيل بْن سلجوق بْن تُقاق بْن سلجوق، السّلطان عَضُد الدولة أبو شجاع، الملقَّب بالعادل، واسمه بالعربي مُحَمَّد بْن دَاوُد. [المتوفى: 465 هـ]
أصله من قرية يقال لها النور. وتقاق: بالتركي قوس حديد، وهو أول مَن دخل فِي الْإِسْلَام. وألْب أرسلان أول مَن ذُكر بالسلطان على منابر بغداد. قدِم حلبَ فحاصرها فِي سنة ثلاثٍ وستين، حَتَّى خرج إليه محمود بن نصر بن صالح بن مرداس صاحبها مع أمّه، فأنعم عليه بحلب، وسارَ إِلَى الملك ديوجانس، وقد خرج من القسطنطينية، فالتقاه وأسره، ثُمَّ مَنَّ عليه وأطلقه. ثُمَّ سار فغزا الخَزَر، والأبخاز. وبلغ ما لم يبلغ أحدٌ من الملوك. وكان ملكًا عادلًا، مَهِيبًا، مطاعاً، معظماً. ولي السلطنة بعد وفاة عمه السلطان طُغْرُلْبَك بْن سلْجُوق فِي سنة سبْعٍ وخمسين. وبلغ طُغْرُلْبَك من العُمر نيِّفًا وثمانين سنة. -[213]- قال عَبْد الواحد بْن الحُصَيْن: سار ألْب أرسلان فِي سنة ثلاثٍ وستين إِلَى ديار بَكْر، فخرج إليه نصر بْن مروان، وخَدَمه بمائة ألف دينار. ثُمَّ سار إِلَى حلب ومنَّ على ملكها. ثُمّ غزا الروم، فصادف مقدّم جيشه عند خِلاط عشرة آلاف، فانتصَر عليهم، وأسَر مقدّمهم. والتقى ألْب أرسلان وعظيم الروم بين خِلاط ومَنَازكُرْد فِي ذي القعدة من العام، وكان في مائتي ألف، والسّلطان فِي خمسة عشر ألفًا. فأرسل إليه السلطان فِي الهدْنة. فقال الكلب: الهُدْنةُ تكون بالرّيّ. فعزم السلطان على قتاله، فلقِيَه يوم الجمعة فِي سابع ذي القعدة، فنُصِر عليه، وقَتَل فِي جيشه قتلًا ذريعًا، وأسره ثمّ ضربه ثلاث مقارع، وقطع عليه ألف ألف دينار وخمسمائة ألف دينار، وأي وقت طلبه السلطان بعساكره حضر، وأن يُسلم إليه كلّ أسير من المسلمين عنده. وأعزَّ اللَّه الْإِسْلَام وأذلَّ الشِّرْك. وكان السلطان ألْب أرسلان فِي أواخر الأمر من أعدل الناس، وأحسنهم سيرة، وأرغبهم فِي الجهاد وَفِي نصر الدين. وقنعَ من الرّعّية بالخراج الأصليّ. وكان يتصدَّق فِي كل رمضان بأربعة آلاف دينار ببلْخ، ومرْو، وهَراة، ونَيْسابور، ويتصدق بحضرته بعشرة آلاف دينار. ورافعَ بعضُ الكُتّاب نظامَ المُلْك بقصة، فدعا النّظَّامَ وقال له: خُذْ هَذِهِ الورقة، فإنْ صدقوا فيما كتبوه فهذِّب أحوالك، وإنْ كذبوا فاغفر لكاتبها وأَشْغِلْهُ بمهمٍ من مهمات الديوان حَتَّى يُعْرِض عن الكذب. وغزا السلطان فِي أول سنة خمس وستين جيْحُون. فعبر جيشه فِي نيِّفٍ وعشرين يومًا من صَفَر، وكان معه زيادة على مائتي ألف فارس، وقَصَدَ شمس المُلْك تِكِين بن طغماج. وأتاه أعوانه بوالي قلعة اسمه يوسف الخُوارَزْمي، وقربوه إِلَى سريره مع غلامين، فأمر أن تُضرب له أربعة أوتاد وتُشدّ أطرافه إليها، فقال يوسف للسلطان: يا مخنث، مثلي يُقتل هَذِهِ القتلة؟ فغضب السلطان، فأخذ القوس والنشاب وقال: خلوه. ورماه فأخطأه، ولم يكن يُخْطئ له سهم، فأسرع يوسف إليه إِلَى السرير، فنهض السلطان، فنزل فعثر وخرَّ على وجهه، فوصل يوسف، فبرك عليه وضَرَبه بسِكَينٍ كَانَتْ معه فِي خاصرته، ولحِق بعض الخدم يوسف فقتله، وحُمِل السلطان وهو مُثْقَل، وقضى نَحْبَه. وجلسوا لعزائه ببغداد فِي ثامن جُمَادَى الآخرة، وعاش أربعين -[214]- سنة وشهرين. وعهِد إِلَى ابنه ملكشاه، ودُفن بمرْو. ونقل ابن الأثير: أنّ أَهْل سَمَرْقَنْد لما بلغهم عبور السلطان النَّهر تجمّعوا ودَعُوا الله، وختموا ختمات، وسألوا الله أن يكفيهم أمره، فاستجاب لهم. وقيل إنه قال: لما كان أمس صعدت على تلّ، فرأيت جيوشي، فقلتُ فِي نفسي: أَنَا ملك الدنيا، ولن يقدر عليَّ. فعجَّزني اللَّه بأضعف من يكون. فأنا أستغفر الله من ذلك الخاطر. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
455 - عليّ بْن السَّلَّار، الوزير أبو الحسن الكردي، الملقّب بالملك العادل سيف الدّين، [المتوفى: 548 هـ]
وزير الخليفة الظّافر العُبَيْديّ، صاحب مصر. كَانَ كُرْديًّا، زرْزاريًّا فيما قِيلَ، وتربّى في القصر بالقاهرة، وتنقّلت بِهِ الأحوال في الولايات بالصّعيد وغيره إلى أنّ وُلّي الوزارة في رجب سنة ثلاثٍ وأربعين وخمسمائة. وقد كَانَ الظّافر استوزر نجم الدّين سليم بْن مَصّال في أوّل دولته، وكان ابن مَصّال من كبار أمراء دولته، ثمّ تغلّب عَلَيْهِ ابن السَّلَّار، فعدّى ابن مَصّال إلى الْجِيزة في سنة أربع وأربعين، عندما سَمِعَ بقدوم ابن السّلّار من ولاية الإسكندريَّة طالبًا الوزارة ليأخذها بالقَهْر، فدخل ابن السَّلّار القاهرَة، وغلب عَلَى الأمور، وتولّى تدبير المملكة، ونُعت بالعادل أمير الجيوش، فحشد ابن مَصّال وَجَمَعَ عسكرًا من المغاربة وغيرهم، وأقبل، فجرّد ابن السّلّار لحربه جيشًا، فالتقوا، فكُسر ابن مَصّال بدَلاص من الوجه القَبْليّ، وقُتل، وأُخذ رأسُه ودُخل بِهِ القاهرة عَلَى رُمح في ذي القعدة من السّنة. وكان ابن السَّلّار شَهْمًا، شجاعًا، مِقدامًا، مائلًا إلى أرباب العِلْم والصّلاح، سُنّيًّا، شافعيًّا، وُلّي ثغر الإسكندريَّة مدَّةً، واحتفل بأمر أَبِي طاهر السِّلَفيّ، وزاد في إكرامه وبنى لَهُ المدرسة العادليَّة، وجعله مدرّسَها، وليس بالثَّغْر مدرسة للشّافعيَّة سِواها، إلا أنّه كَانَ جبّارًا، ظالمًا، ذا سَطْوة، يأخذ -[937]- بالصّغائر والمحقَّرات، فمّما نقل ابن خَلِّكان في ترجمته عنه أنه لمّا كَانَ جُنْديًّا دخل عَلَى الموفّق بْن معصوم التنيسي متولي الديوان، فشكى إليه غرامةً لزِمَتْه في ولايته بالغربيَّة، فقال: إنّ كلامك ما يدخل في أُذُني، فحقدها عَلَيْهِ، فلمّا وزر اختفى الموفَّق، فنودي في البلد: إنّ من أخفاه فَدَمُهُ هَدَر، فأخرجه الّذي خبَّأه، فخرج في زِيّ امْرَأَة، فعُرف، وأُخذ، فأمر العادل بإحضار لوح خشبٍ، ومِسْمارٍ طويل، وعُمل اللَّوحُ تحت أُذُنه، وضُرب المِسْمار في الأُذُن الأخرى حتّى تسمَّر في اللّوح، وصار كلّما صرخ يَقُولُ لَهُ: دخل كلامي في أُذنك أم لا؟ وكان قد وصل من إفريقيَّة أبو الفضل عبّاس بْن أَبِي الفُتُوح بْن يحيى بْن تميم بْن المُعِزّ بْن باديس الصَّنْهاجيّ، وهو صبيّ مَعَ أُمّه، فتزوَّج بها العادل قبل الوزارة، وأقامت عنده مدَّةً، وتزوَّج عبّاس، وجاءه ولد، فسّماه نصرًا، فأحبّه العادل، وعزَّ عنده، ثمّ إنّ العادل جهّز عبّاسًا إلى الشّام بسبب الجهاد، وفي صُحْبته أسامة بن منقذ، فلما قدِم بلبيس تذاكر هُوَ وأُسامة طِيب الدّيار المصرّية، وكرِها البيكار والقتال، فأشار عَلَيْهِ أُسامة، عَلَى ما قِيلَ، بقتل العادل، وأن يستقلّ هُوَ بالوزارة، وتقرَّر الأمر بينهما أنّ ولده نصرًا يباشر قتْل العادل إذا نام، وحاصل الأمر أنّ نصرًا قتل العادل عَلَى فراشه في سادس المحرّم بالقاهرة، ونصر المذكور هُوَ الّذي قتل الخليفة الظافر إسماعيل ابن الحافظ أيضًا في العام الآتي. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
340 - محمود ابن قسيم الدولة أَبِي سَعِيد زنكي بْن أقْسُنْقُر التّركيّ، الملك العادل نور الدِّين، ناصر أمير المؤمنين، أَبُو القاسم. [المتوفى: 569 هـ]
قَالَ ابن عساكر: كَانَ أقْسُنْقُر قد ولي نيابة حلب للسّلطان ملك شاه بْن ألب رسلان، ووُلّي غيرها من بلاد الشّام. ونشأ قسيم الدَّولة زنكي بالعراق، وندبه السُّلطان محمود بْن مُحَمَّد بْن مِلكْشاه بْن ألْب رسلان برأي الخليفة المسترشد بالله لولاية المَوْصِل، وديار بَكْر، والبلاد الشّاميَّة، بعد قتل أقْسُنْقُر البُرْسُقيّ، وموت ابنه مسعود. وظهرت كفاية زنكي، وعُرِفت شهامته وثَبَاته عند ظهور ملك الروم، ونزوله عَلَى شَيْزَر، حَتَّى رجع إلى بلاده خائبًا. وقد حاصر ابن قسيم الدَّولة زنكي دمشقَ مرّتين، فلم يفتحها، وافتتح الرُّهَا، والمَعَرَّة، وكَفَرْطاب وغيرها من أيدي الكُفّار، وتُوُفّي. وقام مقامه فِي ولاية الشّام ابنه الملك نور الدِّين. وُلِدَ فِي شوَّال سَنَة إحدى عشرة وخمسمائة، ودخل قلعة حلب بعد قتل والده عَلَى جعبر في ربيع الآخر سَنَة إحدى وأربعين، فخلع عَلَى الأمراء. قلت: تملَّك ولَهُ ثلاثون سَنَة. وكان أعدل ملوك زمانه بالإجماع، وأكثرهم جهادًا، وأحرصهم عَلَى الخير، وأَدْيَنَهم وأَتْقَاهم لله. قَالَ ابن عساكر: ظهر منه بذل الاجتهاد فِي قيام الجهاد، وخرج من -[425]- حلب غازيًا فِي أعمال تلّ باشِر، فافتتح حصونًا كثيرة، وقلعة أفامية، وحصن البارَة، وقلعة الراوندان، وقلعة تل خالد، وحصن كفرلاثا، وحصن بسرفوت بجبل بني عُلَيْم، وقلعة عزاز، وتلّ باشِر، ودُلُوك، ومَرْعَش، وقلعة عين تَاب، ونهر الجوز. وغزا حصن إنَّب، فقصده الإبْرِنْس صاحب أنطاكية، فواقعه، فكسره نور الدِّين وقتله، وقتل ثلاثة آلاف إفْرنجي، وبقي لَهُ ولدٌ صغيرٌ مَعَ أمّه بأنطاكية، فتزوّجت بإبْرِنْسٍ آخر، فخرج نور الدِّين فِي بعض غزواته فأسر الإبْرِنْس الآخر، وتملك أنطاكية ابنُه، وباعه نور الدِّين نفسَه بمالٍ عظيم. قَالَ: وأظهر السُّنَّة بحلب، وغيَّر البدعة التي كانت لهم فِي التّأذين، وقمع الرّافضة، وبنى بها المدارس، وأقام العدل. وحاصر دمشق مرَّتين، ثُمَّ قصدها الثالثة. وقد كان صالح معين الدين أنر نائب صاحبها، وصاهره، واجتمعت كلمتهما على العدو، فسلَّم أهل دمشق إِلَيْهِ البلد لغلاء الأسعار، وللخوف من العدوّ، فتملّكها وسكنها، وحصّن سورها، وبنى بها المدارس والمساجد، ووسّع أسواقها، ورفع عَنِ النَّاس الأَثقال، ومنع مِنْ أخذ ما كَانَ يؤخذ منهم من المغارم بدار بِطّيخ وسوق الغَنَم. وضمان النّهر والكَيّالة، وأبطل الخمر. وأخذ من الفِرَنج ثغر بانياس، والمُنَيْطِرة. وكان فِي الحرب رابط الجأش، ثابت القَدَم، حَسَن الرَّمْي. وكان يتعرَّض بنفسه للشّهادة، فلقد حكى عَنْهُ كاتبه أبو اليُسْر شاكر بْن عَبْد اللَّه أَنَّهُ سمعه يسأل اللَّه أن يحشره من بطون السباع وحواصل الطير، فالله يقي مهجته من الأسواء. فلقد أحسن إلى العلماء وأكرمهم، وبنى دُور العدل، وحضرها بنفسه أكثر الأوقات، ووقف عَلَى المرضى، وأَدَرَّ عَلَى الضُّعفاء والأيتام وعلى المجاورين، وأمر بإكمال سور مدينة النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، واستخراج العين الّتي بأُحُد، وكانت قد دفنتها السيول. وفتح سبيل الحجّ من الشّام، وعمّر الرُّبَط والخوانق، والبيمارستانات فِي بلاده، وبنى الجسور والطُّرُق والخانات، ونصَّبَ مؤدبين للأيتام. وكذلك صنع لما ملك سنجار، وحران، والرقة، والرها، ومنبج، وشيزر، وحماه، وحمص، وصَرْخَد، وبَعْلَبَكّ، وتَدمُر. ووقف كُتُبًا كثيرة عَلَى أهل العِلْم، وكسر الفِرَنج والأرمن عَلَى حارِم هُوَ وأخوه قطب الدِّين فِي عسكر الموصل، وكان العدو ثلاثين ألفا، فلم يفلت منهم إِلَّا القليل. وقبلها كسر الفِرَنج عَلَى بانياس. -[426]- قَالَ سِبْط الْجَوْزيّ: سبب أخْذ نور الدِّين دمشقَ ما ظهر من صاحبها مُجير الدِّين من الظُّلْم ومصادرات أهلها، وقبْضة عَلَى جماعةٍ من الأعيان، واستدعى زين الدولة ابن الصُّوفيّ الَّذِي ولّاه رياسة دمشق لَمّا أخرج أخاه وجيه الدَّولة منها، فقتله فِي القلعة، ونهب داره، وأحرق دُور بني الصُّوفيّ، ونهب أموالهم. وتواترت مكاتباته للفرنج يستنجد بهم ويُطْمعهم فِي البلاد، وأعطاهم بانياس، فكانوا يشنُّون الغارات إلى باب دمشق، فيقتلون ويأسرون. وجعل للفِرَنج عَلَى أهل دمشق قطيعةً، فكاتب أهل دولته نور الدِّين، فأخذ نور الدِّين معه فِي الملاطفة والود، وخاف إن شدد عَلَيْهِ أن يستعين بالفِرَنج، ولم يزل إلى أن تسلّم دمشق. قَالَ ابن عساكر: وقد كَانَ شاور السَّعْديّ أمير الجيوش بمصر وصل إلى جنابه مستجيرًا به لما عاين الذعر، فأكرمه وأكرم مورده واحترمه، وبعث معه جيشًا ليرده إلى درجته، فوصلوا معه، وقتلوا خصمه، ولم يقع منه الوفاء بما ورد من جهته، واستجاش بجيش الفرنج طلبا لبقائه في مرتبته ثم وجه إليه بعد ذلك جيشا آخر فأصرّ عَلَى المشاققة وكابر، واستنجد بالعدوّ المخذول، فأنجدوه، وضمِن لهم الأموالَ العظيمة، فرجع عسكر نور الدين إلى الشام، فحدَّث صاحب الفرنج نفسَه بأخْذ مصر، فتوجَّه إليها بعد سنتين لينتهز الفرصة، فأخذ بَلبيس، وخيَّم بعَرَصَة مصر، فلمّا بلغ نورَ الدِّين ذَلِكَ، بذل جهده فِي توجيه الجيش إليها، فلمّا سَمِعَ العدوّ بمجيء جيشه رجعوا، وأمِن أهلُ مصر بقدوم الجيش وانتعشوا، واطُّلِع من شاور عَلَى المخامرة، وأنّه أنفذ يراسل العدوّ ليردَّهم إلى مصر، ويدفع بهم الجيش، فلمّا عرف غدْره تمارض أسد الدِّين، فجاء شاور يعوده، فوثب جورديك وبُزْغُش النُّوريّان فقتلاه، وأراح اللَّه منه، وصفى الأمر لأسد الدِّين، وتملّك وحُمِدت سيرته، وظهرت السُّنَّة بمصر. وكان حَسَن الخطّ، حريصًا عَلَى تحصيل الكُتُب الصِّحاح والسُّنَن، كثير المطالعة للفِقه، والحديث، مواظبًا عَلَى الصَّلَوات فِي جماعةٍ، كثير التِّلاوة، -[427]- والصِّيَام، والتّسبيح، عفيفًا، متحرّيًا فِي المطعم والمشرب، عُرْيًا عَن التَّكَبُّر. وكان ذا عقل متين ورأي رصين، مقْتديًا بسيرة السَّلَف، مُتَشَبِّهًا بالعلماء والصُّلحاء، روى الحديث وأسمعه بالإجازة، وكان من رآه شاهَدَ من جلال السّلطنة وهَيْبة المُلك ما يُبْهِره، فإذا فاوضه رَأَى من لطافته وتواضعه ما يُحيِّره، ولقد حكى عَنْهُ مَن صَحِبَه فِي حَضَره وسَفَره أَنَّهُ لم يسمع منه كلمةَ فحش في رضاه ولا في ضَجَره، وإنَّ أشهى ما إِلَيْهِ كلمةُ حقٍّ يسمعها، أو إرشاد إلى سُنَّة يتَّبِعُها، يؤاخي الصّالحين ويزورهم، وإذا احتلم مماليكه أعتقهم، وزوَّج ذكرانهم بإناثهم ورزقهم. ومتى تكرَّرت الشِّكاية من وُلاته عَزَلهم. وأكثر ما أخذه من البلدان تسلّمه بالأمان. وكان كُلَّما فتح اللَّه عَلَيْهِ فتحًا، وزاده ولايةَ، أسقط عَنْ رعيّته قسْطًا، حَتَّى ارتفعت عَنْهُمُ الظُّلامات والمُكُوس، واتَّضعت فِي جميع ولايته الغرامات والنحوس. وقال أبو الفرج ابن الْجَوْزيّ: نور الدِّين وليَ الشّامَ سِنين، وجاهد الثّغور، وانتزع من أيدي الكُفَّار نيِّفًا وخمسين مدينة وحصْنًا، وبنى مارستانًا فِي الشّام، فأنفق عَلَيْهِ مالًا، وبنى بالمَوْصِل جامعًا غرِم عَلَيْهِ سبعين ألف دينار؛ ثُمَّ أثنى عَلَيْهِ. وقال: كان يتدين بطاعة الخلافة، وترْك المُكُوس قبل موته؛ وبعث جُنودًا فتحوا مصر. وكان يميل إلى التَّواضُع، ومحبَّة العلماء والصُّلَحاء، وكاتَبَني مِرارًا. وأحْلَفَ الأمراءَ عَلَى طاعة ولده بعده، وعاهد ملك الفرنج، صاحب طَرَابُلُسَ، وقد كَانَ فِي قبضته أسيرًا، عَلَى أن يطلقه بثلاثمائة ألف دينار وخمسمائة حصان، وخمسمائة زردية، ومثلها تراس إفرنجية، ومثلها قنطوريات، وخمسمائة أسيرٍ مسلمين، وبأنّه لا يُغير عَلَى بلاد المسلمين سبْع سِنين وسبعة أشهر وسبعة أيّام. وأخذ منه فِي قبضته عَلَى الوفاء بذلك مائة من كبار أولاد الفرنج وبطارقتهم، فإن نكث أراق دماءهم. وعزم عَلَى فتح بيت المقدس، فتُوُفّي فِي شوَّال. وكانت ولايته ثمانيًا وعشرين سَنَة. وقال المُوفَّق عَبْد اللّطيف: كَانَ نور الدِّين لم ينشف لَهُ لبدٌ من الجهاد، وكان يأكل من عمل يده، ينسخ تارة، ويعمل أغلافًا تارةً، ويلبس الصوف، -[428]- ويلازم السَّجّادةَ والمُصْحَف، وعمّر المدارس، وعمّر المارستان بدمشق للمهذّب ابن النّقّاش تلميذ أوحد الزّمان. وكان حنفيًّا، ويُراعي مذهب الشّافعيّ ومالك. وكان ولده الصّالح أحسن أهل زمانه صورةً. ونزل نور الدِّين عَلَى حارِم، فكبستهم الفِرَنج، وهرب جيشه عَلَى الخيل عُرْيًا، وقام هُوَ حافيًا، فركب فَرَس النَّوْبة، وأخذت الفِرَنج الخِيَم بما حَوَت، فلمّا دخل حلبَ غرِم لجميع الْجُنْد ما ذهب، حَتَّى المِخْلَاة والمِقْوَد، وخرج بعد شهرٍ بأتمّ عُدَّة، وكسرهم كسرةً مُبِيدة. ونقل الْحَسَن بْن مُحَمَّد القليوييُّ فِي " تاريخه " قَالَ: لَمّا جاءت الزّلزلة بنى نور الدِّين فِي القلعة بيتًا من خشب كَانَ يبيت فِيهِ، فدُفِن فِي ذَلِكَ البيت، ورثاه جماعة من الشُّعراء، وأخرجت الأمراء ولده مشقوق الثّياب، مجزوز الشَّعْر، وأجلسوه على التَّخْت الباقي من عهد الملك تُتُش، والنّاس حوله يبكون، ثُمَّ حلف لَهُ الأمراء. وقال القاضي ابن خَلِّكان: وسيَّر نور الدِّين الأمير أسد الدِّين شِيَركُوه إلى مصر ثلاثٍ دفعات، ثُمَّ ملكها صلاح الدِّين نيابةً لَهُ، وضرب باسمه السِّكَّة والخُطْبة. قَالَ: وكان زاهدًا، عابدًا، متمسّكًا بالشّريعة، مجاهدًا، كثير البِرّ والأوقاف. وبنى بالمَوْصِل الجامع النّوريّ. ولَهُ من المناقب ما يستغرق الوصف. تُوُفّي فِي حادي عشر شوَّال بقلعة دمشق بالخوانيق، وأشاروا عَلَيْهِ بالفصد فامتنع، وكان مهيبًا، فما روجع، وكان أسمر طويلًا، حَسَن الصّورة، لَيْسَ بوجهه شَعْر سوى حَنَكه. وعُهِد بالمُلك إلى ولده الملك الصّالح إِسْمَاعِيل، وهُوَ ابن إحدى عشرة سَنَة. وقال ابن الأثير: حكى لي الطّبيب قَالَ: استدعاني نور الدِّين مَعَ غيري، فدخلنا عَلَيْهِ، وقد تمكّنت الخوانيق منه، وقارب الهلاك، ولا يكاد يُسمع صوتُه، فقلت: ينبغي أن ينتقل إلى موضعٍ فسيحٍ مضيء، فله أثر في هذا -[429]- المرض. وأشرنا بالفَصْد، فقال: ابن ستّين سَنَة لا يفتصِد. وامتنع منه، فعالجناه بغيره، فلم ينجع. وقال ابن الأثير: كَانَ أسمر طويلًا، لَيْسَ لَهُ لحية إِلَّا في حَنَكه. وكان واسع الجبهة، حَسَن الصّورة، حُلْو العينين، قد طالعت السِّيَر، فلم أر فيها بعد الخلفاء الرّاشدين وعُمَر بْن عَبْد العزيز أحسن من سيرته، ولا أكثر تحرّيًا منه للعدل. وكان لا يأكل، ولا يلبس، ولا يتصرّف فِي الَّذِي يخصّه إِلَّا من مُلْكٍ كَانَ لَهُ قد اشتراه من سهمه من الغنيمة، ومن الأموال المُرْصَدَة لمصالح المسلمين. ولقد طلبَتْ منه زوجته فأعطاها ثلاثة دكاكين بحمص كراؤها نحو عشرين دينارًا في السّنة، فاستقلَّتها فقال: لَيْسَ لي إِلَّا هذا، وجميع ما بيدي أَنَا فِيهِ خازن للمسلمين. وكان رحمه اللَّه يصلّي كثيرًا بالّليل. وكان عارِفًا بالفقه عَلَى مذهب أَبِي حنيفة، ولم يترك فِي بلاده عَلَى سَعتِها مُكْسًا. إلى أن قَالَ فِي أوقافه عَلَى أنواع البِرّ: سَمِعْتُ أنّ حاصل وقْفه فِي الشّهر تسعة آلاف دينار صوريّ. قال له القطب النيسابوري مرة: بالله لا تُخَاطِرْ بنفسك، فإنْ أُصِبتَ فِي معركةٍ لا يبقي للمسلمين أحدٌ إِلَّا أخذه السّيف. فقال: ومن محمود حتى يقال هذا؟ مَن حفظ البلاد قبلي؟ ذَلِكَ اللَّه الَّذِي لا إله إِلَّا هُوَ. وقال يحيى بْن مُحَمَّد الوهْرانيّ، وذكر نور الدِّين: هُوَ سهم للدّولة سديد، ورُكنٌ للخلافة شديد، وأميرٌ زاهد، وملك مجاهد، تساعده الأفلاك، وتعضدُه الجيوشُ والأملاك، غير أَنَّهُ عرف بالمرعى الوكيل لابن السبيل، وبالمحل الجديب للشاعر الأديب، فما يُرزّى ولا يُعزّى، ولا لشاعرٍ عنده نعمةٌ تجزي. وإيّاه عني أُسامة بْن منقذ بقوله: سلطانُنا زاهدٌ والنّاس قد زَهِدُوا ... لَهُ فكلٌّ عَن الخيراتِ مُنْكمِش أيَّامُه مثلُ شهر الصَّوم طاهرةٌ ... من المعاصي وفيها الجوعُ والعَطَشُ قلت: وفي كتاب " البرق الشّاميّ " وغيره من مصنَّفات العماد الكاتب كثيرٌ من سِيرة نور الدِّين وأخباره. وقد عُنيَ الْإِمَام أَبُو شامة فِي كتاب " الروضتين " لَهُ بأخبار الدّولتين النُّورّية والصلاحية. -[430]- ودُفِن نور الدِّين بتُربته عَلَى باب الخوّاصين رحمه اللَّه، وعاش ابنه عشرين سَنَة، ومات بالقولنج في حلب. وقال مجد الدِّين ابن الأثير الْجَزَريّ، فِي " تاريخ الموصل " على ما حكاه أبو المظفر ابن الْجَوْزيّ عَنْهُ، قَالَ: لم يلبس حريرًا قطّ، ولا ذهبًا ولا فضة، ومنع من بيع الخمر فِي بلاده. قلت: قد لبس خلْعة الخليفة وهي من حرير وطَوْق ذهب، فلعلّه أراد أَنَّهُ لا بُدّ من لبْس ذَلِكَ. قَالَ: وكان كثير الصّيام، ولَهُ أوراد فِي اللّيل والنّهار، كثير اللَّعِب بالكُرة، فكتب إِلَيْهِ بعض الصّالحين يُنْكِر عَلَيْهِ، ويقول: تُتْعِب الخيلَ فِي غير فائدة، فكتب إِلَيْهِ بخطّه: واللهِ ما أقصد اللَّعِبَ، وإنّما نَحْنُ فِي ثغرٍ، فرُبَّما وقع الصُّوت، فتكون الخيلُ قد أدمنت عَلَى سُرعة الانعطاف بالكَرّ والفَرّ. وأُهْدَيَت لَهُ عمامه مذهَّبة من مصر، فوهبها لشيخ الصُّوفية ابن حَمُّوَيْه، فبعث بها إلى العجم، فأُبيعت بألف دينار. قَالَ: وكان عارفًا بمذهب أَبِي حنيفة، وليس عنده تعصُّب، والمذاهب عنده سواء. قَالَ: وكان يلعب يومًا في ديوان دمشق، وجاءه رَجُلٌ فطلبه إلى الشَّرْع، فجاء معه إلى مجلس القاضي كمال الدِّين الشهرزوري، وتقدمه الحاجب يقول للقاضي: قد قال لك لا تنزعِجْ، واسلْك معه ما تسلك مَعَ آحاد النَّاس. فلمّا حضر سوّى بينه وبين خصْمه وتحاكما، فلم يثبت للرّجل عَلَيْهِ حقّ، وكان يدّعي مُلْكًا فِي يد نور الدِّين، فقال نور الدِّين: هَلْ ثبت لَهُ حقّ؟ قَالُوا: لا. قَالَ: فاشهدوا أنّي قد وهبت لَهُ المِلْك، وإنّما حضرت معه لئلّا يُقال عنّي أنّي دُعيت إلى مجلس الشَّرع فأَبَيْت. قَالَ: ودخل يومًا فرأى مالًا كثيرًا، فقالوا: بعث بهذا القاضي كمال الدِّين من قابض الأوقاف. فقال: رُدُّوه، وقولوا لَهُ: أَنَا رقبتي رقيقة، لا أقدر عَلَى حمله غدًا، وأنت رقبتك غليظة تقدر عَلَى حمله. ولَمّا قَدِمَ أمراؤه دمشق -[431]- اقتنوا الأملاك، واستطالوا عَلَى النَّاس، خصوصًا أسد الدِّين شِيرَكُوه، ولم يقدر القاضي عَلَى الانتصاف من شِيرَكُوه، فأمر نور الدِّين ببناء دار العدل، فقال شِيرَكُوه: إنّ نور الدِّين ما بنى هذه الدّار إِلَّا بسببي، وإلا فمن يمتنع عَلَى كمال الدِّين؟. وقال لديوانه: واللهِ لئن أُحضِرتُ إلى دار العدل بسببٍ واحد منكم لأصلبنَّه، فإنّ كَانَ بينكم وبين أحدٍ منازعةٌ فأرضوه بمهما أمكن، ولو أتى على جميع مالي. وكان نور الدِّين يقعد فِي دار العدل فِي الأسبوع أربع مرات، ويحضر عنده الفقهاء والعلماء، ويأمر بإزالة الحاجب والبوّابين. قَالَ: وكان إذا حضرت الحربُ حمل قوسين وتركشَيْن، وكان لا يتّكل الْجُنْد عَلَى الأمراء، بل يتولاهم بنفسه، ويُباشر خيولهم وسلاحهم. قَالَ: وأنفق على عمارة جامع الموصل ستّين ألف دينار، وفوّض عمارته إلى الشَّيْخ عُمَر المُلّا الزّاهد. قَالَ: ويُقال: أنفق عَلَيْهِ ثلاثمائة ألف دينار، فتمّ فِي ثلاثٍ سِنين. وبنى جامع حماه عَلَى العاصي. قَالَ: ووقع فِي أسْره ملك إفرنجيّ، فأشار الأمراء ببقائه فِي أسره خوفًا من شرِّه، وبذل هُوَ فِي نفسه مالًا. فبعث إِلَيْهِ نور الدِّين سرًّا يقول: أحضر المال، فأحضر ثلاثمائة ألف دينار، فأطلقه، فعند وصوله إلى مأمنه مات، فطلب الأمراء سهمهم من المال، فقال: ما تستحقون منه شيئًا؛ لأنكم نهيتم عن الفداء، وقد جمع اللَّه لي الحُسْنَيَيْن: الفداء، وموت اللّعين، وخلاص المسلمين منه. فبنى بذلك المال المارستان، والمدرسة بدمشق، ودار الحديث. قَالَ: وما كَانَ أحدٌ من الأمراء يتجاسر أن يجلس عنده من هَيْبته، فإذا دخل عَلَيْهِ فقيرٌ أو عالم أو رب خرقة قام ومشى إِلَيْهِ وأجلسه إلى جانبه، ويُعطيهم الأموال، فإذا قِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ يَقُولُ: هَؤُلَاءِ لهم حقٌّ فِي بيت المال، فإذا قنعوا منّا ببعضه فلهم المِنَّة علينا. وقال العماد الكاتب فِي " البرق الشّاميّ ": أكَثَر نور الدِّين فِي السَّنة الّتي تُوُفّي فيها من الصَّدقات، والأوقاف، وعمارة المساجد، وأسقط كلَّ ما فِيهِ حرام، فما أبقى سوى الجزْية والخراج، وما يحصل من قسمة الغَلَّات عَلَى قويم المنهاج، وأمرني بكتابة مناشير لجميع أهل البلاد، فكتبت أكثر من ألف -[432]- منشور، وحَسَبْنا ما تصدَّق بِهِ فِي تِلْكَ الشّهور، فكان ثلاثين ألف دينار. وكان لَهُ برسم نفقته الخاصَّة فِي كلّ شهرٍ من الجزية ما يبلغ ألفي قِرْطاس، يصرفها فِي كسوته ومأكوله، وأجرة خياطه، وجامكيَّة طبّاخة، ويستفضل منها ما يتصدَّق بِهِ فِي آخر الشّهر. وقيل إنّ قيمة كلّ ستّين قرطاسًا بدينار. وذكر العماد جملةً من فضائله. وقال فِي ترجمته القاضي ابنُ واصل: حكى مَعِين الدِّين مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن خَالِد بْن محمد ابن القَيْسرانيّ قَالَ: انكسر عَلَى ضامن الزّكاة مالٌ، وهُوَ ابن شمّام، فباع أملاكه بثمانية آلاف دينار صوريَّة وحملها، فحُبِس عَلَى ما بقي عَلَيْهِ، وكان جدّي خَالِد هُوَ الوزير والمشير، فقال لنور الدِّين: رَأَيْت البارحة كأنّ المولى قد نزع ثيابه ودفعها إليَّ، وقال: اغسِلْها. فأخذتُها وغسّلتها. فأطرق وسكت، فندِمت وخفْت أن يكون تطيَّر منِّي، فخرجت وأنا ضيق الصَّدر، فبقيت ثمانية أيّام لم يطلبني، فساء ظنيّ، فدخل عَلَى نور الدِّين الشَّيْخ إِسْمَاعِيل المكبس، وكان يحبّه، فقال: يا مولانا قد حضر مَن زاد فِي دار الزّكاة خمسة آلاف دينار فِي السّنة، فانتهره وقال: قد أصبحت عَلَى سجّادتي بعد أداء فريضتي أذكر اللَّه، واستفتحتَ أنت تبشّرني بمُكْسٍ. فوجم الشَّيْخ إِسْمَاعِيل، ثُمَّ قَالَ: اطلبوا خالدًا. قَالَ: فحضرت، فتبسَّم وقال: قد تفسَّر منامك. فقلت: بخيرٍ إن شاء اللَّه. فقال: لا تظنّ أنّ تَرْكي لك لموجدة، بل كنت مفكّرًا فِي المنام حَتَّى فتح اللَّه بتأويله. اعلم أنّ غسْل الثياب غسْل أوساخِ الذُّنوب، ولا ذَنب أوسَخَ مِن تناول أموال المُكُوس. فلا تترك من يومنا هذا فِي بلدٍ من بلادي مُكْسًا، ولا دِرْهمًا حرامًا، واكتب بذلك تواقيع تكون مخلَّدَةً فِي البلاد. والتفت إلى إسماعيل فقال: مر أطلق ابن شمّام، ورُدَّ عَلَيْهِ ما أُخِذ منه. فلمّا عرف ابن شَمّام بذلك، اقترح بأن يجعل الذَّهَب فِي أطباق، وتُزَفّ بالطُّبول والبُوقات فِي الأسواق. فأمر نور الدِّين بإجابته، وأن يُخلَع عَلَيْهِ. وكتب جدّي خَالِد بذلك تواقيع ونسختُها كلَّها: " الحمد لله فاتح أَبُواب الخيرات بعد إغلاقها، وناهج سُبُل النّجاة لطُلّابها وطُرّاقها، وفارج الكُرُبات بعد إرتاجها -[433]- وإطْباقها، الَّذِي منح أولياءه التّوفيق، وأوضح لهم دليله، ونصر أهل الحقّ، وأعان قبيله، نحمده عَلَى جزيل مواهبه، وجليل رغائبه، ونسأله أن يُصلّي عَلَى مُحَمَّد الَّذِي أوضح الطّريق والمَحجَّة، وأوجب الحُجَّة، وعلى آله "، إلى أن قَالَ: " وبعد، فقد اتّضح عَلَى الأَفْهام، ووضح عند الخاصّ والعامّ، ما نغاديه ونراوحه، ونُماسيه ونُصابحه، ونشتغل به عامة أوقاتنا، ونعمل فيه رؤيتنا وأفكارنا من الاجتهاد فِي إحياء سنَّةٍ حَسَنة، وإماتة سُنَّة سيّئة، وإزالة مَظْلِمة، ومحو سِيرةٍ مؤلمة "، إلى أن قَالَ: " وقد علمتم معاشرَ الرعايا وفَّقكم اللَّه، ما كَانَ مُرَتَّبًا من المظالم المجحِفَة بأحوالكم، والمُكُوس المستولية عَلَى شطْر أموالكم، والرُّسوم المضيقة عليكم فِي أرزاقكم، فأمرْنا بإزالة ذَلِكَ عنكم أوّلًا فأوّلًا، ولا نتبع فِي إقراره عَلَى وجوهه شُبْهة ولا تأوُّلًا، وقد كَانَ بقي من رسم الظُّلم ومعالم الجور في سائر ولايتنا ما أقررنا بإزالته رأفة بكم ولُطْفًا، " الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عنكم وعلم أن فيكم ضعفًا "، وسنذكر ما أزلناه من المظالم والمُكوس أوّلًا وآخرًا من سائر أعمال ولايتنا - عمّرها الدَّهْر - فِي هذا السِّجِلّ من الدّيوان ". قَالَ: ثُمَّ كتب بقلم دقيقٍ ما صورته: " ذِكْر ما أُطْلِق مِنَ الرسوم والمكوس والضّرائب فِي هذا التّاريخ، ورسْم إطلاق ذَلِكَ وتعفية آثاره، وإخماد ناره، ومبلغ ما يتحصل من ذلك في كل سنة خمسمائة ألف وستة وثمانون ألفًا وأربعمائة وسبعون دينارًا نقد الشام. فمن ذَلِكَ دمشق بتواريخ متقدّمة: مائتا ألف وعشرون ألفًا وخمسمائة وثلاثة وثمانون دينارًا. دمشق فِي تاريخ هذا الكتاب: خمسون ألفًا وسبعمائة وثلاثون دينارًا، تدمر: خمسمائة دينار، صرخد: سبعمائة، القريتين والسخنة: خمسمائة دينار، بانياس: ألف ومائتا دينار، بَعْلَبَكّ وأعمالها: ستة آلاف وتسعمائة وعشرون دينارًا، حمص وأعمالها: ستَّة وعشرون ألف دينار ونيف، حماه وأعمالها: ستَّة وعشرون ألف دينار ونيّف، حلب: ستة وتسعون ألف دينار ونيف، سرمين: ألفان وثلاثمائة وستّون دينارًا، المَعَرَّة: سبعة آلاف دينار، كَفَرْطاب: ألف دينار، عزاز: ستة آلاف وخمسمائة دينار، تل باشر: ألف وخمسمائة دينار، عين تاب: تسعة وثمانون دينارًا، بالِس: أربعة آلاف دينار، مَنْبِج وأعمالها: ثمانية عشر ألفًا وخمسمائة وستَّة وستّون دينارًا، الباب وبزاعة: ثلاثة آلاف دينار، قلعة نجم: ثلاثمائة دينار، قلعة جَعْبَر: سبعة آلاف -[434]- وستمائة دينار ونيف، الرقة: ستة وعشرون ألف دينار ونيف، والرها: ثمانية آلاف وخمسمائة دينار، حران: ستة عشر ألفًا وستّمائة ونيِّف دينارًا، سِنْجار: سبعة آلاف دينار، المَوْصِل: ثمانية وثلاثون ألف دينار، نصيبِين: عشرة آلاف وأربعمائة دينار، عرابان: خمسة آلاف وسبعمائة دينار، بطامان من أعمال الخابور: مائتان وخمسون دينارًا، الأرسل: سبعمائة وخمسون دينارًا، السّمسمانيَّة: ألف دينار، قرقيسيا: ألف دينار، السلين: مائتا دينار، ماكسين: خمسة آلاف دينار، المَجْدَل: ثلاثة آلاف دينار، الحُصَيْن: ستّمائة دينار ونيِّف، الْجُحَيْشة هِيَ وما قبلها من الخابور: مائتا دينار، المحولية: مائةٌ وثلاثةٌ وستّون دينارًا، الرَّحْبَة: ستة عشر ألفًا وسبعمائة وأربعون دينارًا. ثُمَّ كتب بعد ذَلِكَ بالقلم الجافي: " تحقيقًا للحقّ، وتمحيقًا للباطل، ونشرًا للعدل، وتقديمًا للصّلاح الشّامل، وإيثارًا للثواب الآجل عَلَى الحطام العاجل "، إلى أن قال: " وأيقنوا أنّ ذَلِكَ إنعامٌ مستمرّ عَلَى الدّهور، باق إلى يوم النُّشُور، فـ " كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ "، وسبيل كلّ واقفٍ عَلَى هذا المِثال من الوُلاة والعمّال حذْف ذَلِكَ كلّه، وتَعْفية رسومه، ومحو آثاره وأوزاره، وإطلاقه على الإطلاق، " فمن بدله بعدما سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ الله سميع عليم "، والتوقيع الأعلى حجة لمضمونه ومقتضاه، وكتب بالمشافهة الكريمة شرّفها اللَّه، فِي مُسْتَهَلّ رجب سَنَة سبع وستين وخمسمائة. ومن شجاعته، نقل ابن واصل وغيره أَنَّهُ كَانَ مِن أقوى النَّاس بَدَنًا وقلبًا، وأنّه لم يُرَ عَلَى ظهر فَرَسٍ أشد منه، كأنما خلق عليه لا يتحرَّك. وكان من أحسن النَّاس لعبًا بالكُرَة، تجري الفَرَس ويتناولها من الهواء بيده، ويرميها إلى آخر الميدان، وكان يمسك الجوكان بكم قبائه استهانةً باللّعب، وكان إذا حضر الحرب أخذ قوسين وتركاشَيْن، وباشر القتال بنفسه، وكان يَقُولُ: طالما تعرّضتُ للشّهادة فلم أُدْرِكْها. قلت: قد أدركْتَها عَلَى فراشك، وبقي ذَلِكَ فِي أفواه المسلمين تراهم يقولون: نور الدِّين الشّهيد، وما شهادته إِلَّا بالخوانيق، رحمه اللَّه. -[435]- ومن فضائله، قَالَ سِبْط ابن الْجَوْزيّ: إنّه كان له عجائز بدمشق وحلب، وكان يخيط الكوافر ويعمل السكاكر وتبيعها له العجائز سرًا، فكان يوم يصوم يفطر عَلَى أثمانها. حكى لي شرف الدِّين يعقوب بْن المعتمد أنّ فِي دارهم سُكْرة عَلَى حرستان من عمل نور الدِّين يتبرّكون بها، وهي باقية إلى سَنَة خمسين وستّمائة. ومنها ما حكاه لي الشَّيْخ أَبُو عُمَر قَالَ: كَانَ نور الدين يزور والدي في المدرسة الصغيرة المجاورة للدَّير، ونور الدِّين بنى هذه المدرسة، والمصنع، والفُرن؛ فجاء لزيارة والدي، وكان فِي سقف المسجد خشبةٌ مكسورة، فقال لَهُ بعض الجماعة: لو جدّدت السَّقْف، فنظر إلى الخشبة وسكت، فلمّا كَانَ من الغد جاء مِعْمارُه ومعه خشبة، فزرقها موضِعَ المكسورة ومضى. فقال لَهُ بعض الحاضرين: فاكرتنا فِي كشْف سقْف. فقال: لا واللهِ، وإنّما هذا الشَّيْخ أَحْمَد رجلٌ صالحٌ، وإنّما أزوره لأنتفع بِهِ، وما أردت أن أُزخرف لَهُ المسجد. ومنها ما حكاه لي نجم الدين الحسن بْن سلام قَالَ: لَمّا ملك الأشرف دمشقَ، وعمّر فِي القلعة مسجد أَبِي الدّرداء، قَالَ لي: يا نَجْمَ الدِّين، كيف ترى هذا المسجد؟ قد عمّرتُه وأفردتُه عَن الدُّور، وما صلّى فِيهِ أحدٌ من زمان أَبِي الدّرداء. فقلت: اللَّه اللَّه يا مولانا، ما زال نور الدِّين منذ ملك دمشقَ يصلّي فِيهِ الصَّلَوات الخمس. حدَّثني والدي، وكان من أكابر عُدُول دمشق، أنّ الفِرَنج لَمّا نزلت عَلَى دِمْياط بعد موت أسد الدِّين، وضايقوها، أشرفت عَلَى الأَخْذ، فأقام نور الدِّين عشرين يومًا صائمًا، لا يُفطر إِلَّا عَلَى الماء، فضعُف وكاد يتلف، وكان مَهِيبًا لا يتجاسر أحدٌ أن يُخاطبه فِي ذَلِكَ، وكان لَهُ إمامٌ ضريرٌ اسمه يحيى، وكان يقرأ عَلَيْهِ القرآن، فاجتمع إليه خواص نور الدين، فكلموه فِي ذَلِكَ، فلمّا كَانَ تِلْكَ اللّيلة رَأَى الشَّيْخ يحيى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَنَامِ يَقُولُ لَهُ: يا يحيى بِشِّر نورَ الدِّين برحيل الفِرَنْج عَنْ دِمياط. فقلت: يا رسول اللَّه، ربّما لا يصدِّقني! فقال: -[436]- قُلْ لَهُ: بعلامة يوم حارِم. قَالَ: وانتبه يحيى، فلمّا صلّى نور الدِّين خلْفَه الفجْرَ، وشرع يدعو، هابه أن يكلّمه، فقال لَهُ نور الدِّين: يا يحيى. قَالَ: لَبَّيْكَ. قَالَ: تحدِّثْني أو أحدّثْك؟ فارتعد يحيى وخرِس، فقال: أَنَا أحدّثك، رَأَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هذه اللّيلة، وقال لك: كذا وكذا. قَالَ: نعم، فباللهِ يا مولانا، ما معنى قوله: بعلامة يوم حارِم؟ قَالَ: لَمّا التقينا خفتُ عَلَى الْإِسْلَام، فانفردت ونزلت، ومرَّغْتِ وجهي عَلَى التّراب، وقلت: يا سيّدي، مَن محمود فِي البَيْن، الدِّين دِينُك، والْجُنْد جُنْدُك، وهذا اليوم هُوَ، فافعلْ ما يليق بكَرَمِك. قال: فنصرنا الله عليهم. وحكى لنا شيخنا تاج الدِّين الكِنْديّ قَالَ: ما تبسَّم نور الدِّين إِلَّا نادرًا. حكى لي جماعة من المحدثين أنهم قرؤوا عنده حديث التَّبَسُّم، وكان يرويه، فقالوا لَهُ: تبسم. فقال: لا والله لا أتبسم من غير عجب. وللعماد الكاتب في نور الدين يرثيه: يا ملكًا أيامه لم تزل ... بفضله فاضلة فاخِرَة ملكتَ دنياك وخلّفتها ... وسِرْتَ حَتَّى تملك الآخرة |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
247 - إسماعيل، الملك الصالح نور الدين، أبو الفتح ابن الملك العادل نور الدين محمود بْن زنكي التركي. [المتوفى: 577 هـ]
خَتنه أَبُوهُ فِي سنة تسعٍ وستين، وسر به، وزينوا دمشق، وكان وقتًا مشهودًا وهو يوم عيد الفِطْر. وزُينت دمشق أيامًا وضُرِبت خيمة بالميدان، وصلى هناك بالناس شمس الدين قاضي العسكر، وخَطَب، ثم مُدَّ السّماط العام، وأُنِهبَ على عادة التُّرْك. وعاد نور الدين إلى القلعة فمد سماطه الخاص، ولعب من الغد بالكرة، فاعترضه برتقش أمير آخر وقال له: باش. فاغتاظ بخلاف عادته، وزبر برتقش، ثم ساقَ ودخل القلعة، فما خرج منها إلَّا ميتًا. وتُوُفي نور الدين بعد الخِتان بأيام، فحلف أمراء دمشق لابنه أنْ يكون فِي السَّلْطَنة بعده، وهو يومئذ صبي، ووقعت البطاقة إلى حلب بموت نور الدين، ومتوليها شاذبخت الخادم، فأمر بضرب البشائر، وأحضر الأمراء والعلماء وقال: هذا كِتَاب من السلطان بأنه ختن ولده وولاّه العهد بعده. ومشى بين يديه فسروا بذلك ثم قال تحلفون له كما أمر بأن حلب له؟ فحلفوا كلهم فِي الحال. ثم قام إلى مجلس فلبس الحِداد، وخرج إليهم وقال: يُحسِن الله عزاكم في الملك العادل وبكى. وأما صلاح الدين فسار إلى الشام ليكون هو المدبّر لدولة هذا الصبي، ويستولي على الأمور. ووقعت الفتنة بحلب بين السنة والرافضة. ونهبت الشيعة دار قطب -[597]- الدين ابن العجمي، ودار بهاء الدين ابن أمين الملك. ونزل جماعة من القلعة وأمَرهُم الأمير شمس الدين علي بْن مُحَمَّد ابْن الداية والي القلعة أن يزحفوا إلى دار أبي الفضل ابن الخشاب رئيس الشيعة، فزحفوا إليها ونهبوها، واختفى ابْن الخشاب. ثم وصل الصالح إِسْمَاعِيل إلى حلب فِي ثاني المحرم من سنة سبعين، ومعه سابق الدين عثمان ابْن الداية، فقبض عَلَيْهِ، وصعِد القلعة، وظهر ابْن الخشاب، وركب فِي جَمْعٍ عظيم إلى القلعة، فصعدِ إليها، والشيعة تحت القلعة وُقُوف. فَقُتِلَ بها ابْن الخشاب وتفرق ذلك الْجَمْع. وسُجِن شمس الدين علي ابن الداية وأخواه: سابق الدين عثمان، وبدر الدين حَسَن. ودخل السلطان صلاح الدين دمشق فِي سلخ ربيع الآخر، ثم سار إلى حمص فملكها. ثم نازلَ حلب فِي سَلْخ جُمادى الأولى، فنزل الملك الصالح إلى البلد، واستنجد بأهل البلد، وذكرهم حقوق والده، فوعدوه بالنَّصْر، وجاءته النجدة من ابْن عمّه صاحب الموصل مع عز الدين مَسْعُود بْن مودود. فرد السلطان صلاح الدين إلى حماه، وتِبعه عز الدين مَسْعُود، فالتقوا عند قرون حماه فِي رَمَضَان. فانكسر عز الدين وانهزم، ورد صلاح الدين فنازل حلب، فصالحوه وأعطوه المَعَرَّة، وكَفَرْطاب، وبارين. ثم جاء صاحب الموصل سيف الدين غازي فِي جيشٍ كثيف، وجاء صلاح الدين بعساكره، فالتقوا فِي شوال سنة إحدى وسبعين، فانكسر صاحب الموصل على تل السلطان، وسار صلاح الدين، فأخذ منبج، ثم نازل عزاز ففتحها، ثم نازل حلب فِي ذي القعدة، وأقام عليها مدة. وبذل أهلها المجهود فِي القتال، بحيث أنهم كانوا يحملون ويصلون إلى مخيم صلاح الدين، وأنه قبض على جماعة منهم، فكان يشرح أسافل أقدامهم، وَلَا يمنعهم ذلك عَن القتال، فلما ملَّ صالَحَهُم وسار عَنْهَا. وخرجت إليه أخت الملك الصالح، وكانت طفلة، فأطلق لها عزاز لما طَلَبَتْها منه. وكان تدبير أمر حلب إلى والدة الصالح، وإلى شاذبخت، وخالد ابن القيسراني. -[598]- ثم إن الصالح مرض بالقولنج جُمعَتَين، ومات فِي رجب من سنة سبْع، وتأسَّفوا عَلَيْهِ، وأقاموا عليه المآتم، وفرشوا الرَّماد فِي الأسواق، وبالغوا فِي النوح عَلَيْهِ. وكان أمرًا مُنْكَرًا. وكان ديِّنًا، عفيفًا، ورِعًا، عادلًا، محببًا إلى العامة، متِبعًا للسنة، رَحِمَهُ اللَّهُ، ولم يبلغ عشرين سنة. وَذَكَرَ الْعَفِيفُ بْنُ سُكَّرَةَ الْيَهُودِيُّ، لَا رَحِمَهُ اللَّهُ، وَكَانَ يُطَبِّبُهُ، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: يَا مَوْلانَا، وَاللَّهِ شِفَاؤُكَ فِي قَدَحِ خَمْرٍ، وَأَنَا أَحْمِلُهُ إِلَيْكَ سِرًّا، وَلَا تُعْلِمْ وَالِدَتَكَ، وَلَا اللالا، ولا أحد. فَقَالَ: كُنْتُ أَظُنُّكَ عَاقِلًا، نَبِيُّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: " إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَ أُمَّتِي فِيمَا حُرِّمَ عَلَيْهَا ". وَتَقُولُ لِي أَنْتَ هَذَا. وَمَا يُؤَمِّنُنِي أَنْ أَشْرَبَهُ وَأَمُوتُ وَهُوَ فِي جَوْفِي؟!. وقيل: تُوُفي وَلَهُ قريبٌ من ثماني عشر سنة. فتملك حلبَ بعده عز الدين مَسْعُود ابْن عمّه مودود. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
125 - الخاتون والدة السلطان الملك العادل سيف الدين أَبِي بَكْر بْن أيّوب. [المتوفى: 593 هـ]
تُوُفّيت بدمشق فِي ذي الحجّة بدارها المعروفة بدار العقيقيّ التي صارت ترُبة السّلطان الملك الظّاهر. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
470 - لؤلؤ الحاجب العادليّ. [المتوفى: 598 هـ]
من كبار الدولة، وله مواقف مشهودة بالسّواحل. وكان مقدَّم الغُزاة حين توجّهوا إِلَى العدوّ الّذين قصدوا الحجاز فِي البحر المالح بعدة مراكب وشوكة ومنعة، وسولت لهم أنفسهم أمرا، فما كان الله ليفعل، بل خذلهم وأرسل لهم الغزاة أدركتهم، فأحاطوا بهم، واستولوا عليهم بأسرهم. وكانت غزوة عظيمة القدر، وقدِموا بالأَسرى إِلَى القاهرة، وكان يومًا مشهودًا. تُوُفّي لؤلؤ بالقاهرة فِي صَفَر. قال الموفّق عَبْد اللّطيف: كان شيخًا أرمنيًّا فِي الأصل، من أجناد القصر، وخدم مع صلاح الدين مقدمًا للأسطول. وكان حيثما توجه فتح وانتصر وغنم. أدركتُه وقد ترك الخدمة. وكان يتصدَّق كل يوم باثني عشر ألف رغيف مع قُدُور الطعام. وكان يُضعّف ذلك فِي رمضان، ويضع ثلاثة مراكب، كلّ مركب طوله عشرون ذراعًا مملوءة طعامًا، ويدخل الفقراء أفواجًا، وهو مشدود الوسط، قائم بنفسه، وبيده مغرفة، وَفِي الأخرى جرَّة سَمْن، وهو يُصْلح صفوف الفُقراء، ويقرّب إليهم الطعام، ويبدأ بالرجال، ثُمَّ بالنّساء، ثُمَّ بالصبيان. ومع كَثرتهم لا يزدحمون لِعلمهم أن المعروف يعمّهم. فإذا فرغوا بَسَط سِماطًا للأغنياء يعجز الملوك عن مثله. ولمّا كان صلاح الدّين على حَرّان توجّه فرنج الكَرَك والشَّوْبك لينبشوا الحُجرة النّبوية، وينقلوه إليهم، ويأخذوا من المسلمين جُعْلًا على زيارته، فقام صلاح الدّين لذلك وقعد، ولم يمكنه أن يتزحزح من مكانه، فأرسل إِلَى سيف الدولة ابن مُنقذ نائبه بمصر أنْ جهز لؤلؤا الحاجب. فكلمه فِي ذلك فقال: حسْبُك، كم عددهم؟ قال: ثلاث مائة ونيّف كلّهم أبطال. فأخذ قيودًا بعددهم، وكان معهم طائفة من مرتدَّة العرب، ولم يبق بينهم وبين المدينة إلا مسافة يوم، فتداركهم وبذل الأموال، فمالت إليه العرب للذهب، فاعتصم الفرنج بجبلٍ عالٍ، فصعد إليهم بنفسه راجلًا في تسعة -[1154]- أنفُس، فخارت قوى الملاعين بأمرِ اللَّه تعالى، وقويت نفسه بالله، فسلّموا أنفسهم، فصفّدهم وقدِم بهم القاهرة. وتولّي قتْلهم الفقهاء، والصّالحون، والصُّوفيَّة. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
229 - الحَسَنُ، المَلِك الأمجدُ ابن العادل أَبِي بَكْر مُحَمَّد بْن أيّوب، شقيق المَلِك المعظّم. [المتوفى: 605 هـ]
|
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
332 - أرسلان شاه ابن السُّلطان عزَّ الدين مسعود بن مودود ابن أتابك زنكي بْن آقسنقر، السّلطان المَلِك العادل نور الدّين أَبُو الحارث، [المتوفى: 607 هـ]
صاحب المَوْصِل وابن صاحبها. تملك الموصل ثمان عشرة سنة، وولي الموصل بَعْدَه ابنهُ السّلطان عزّ الدّين مسعود. قَالَ أَبُو المظفّر سِبطُ ابن الجوزيّ: كَانَ ملكًا جَبّارًا سافكًا للدّماء بخيلًا. وقال ابن خَلِّكان: كَانَ ملكًا شهمًا، عارفًا بالأمور، وانتقل إِلى مذهب الشّافعيّ، ولم يكن في بيته شافعيّ سواه. وبنى المدرسة المعروفة بِهِ بالموصل للشّافعيَّة قَلَّ أن توجدّ مدرسة في حُسنها. تُوُفّي في التّاسع والعشرين من رجب. قَالَ أَبُو شامة: وفيها كَانَ إمْلاكُ صاحب المَوْصِلِ نور الدّين أرسلان شاه عَلَى ابنةِ السّلطان المَلِك العادل بقلعة دمشق عَلَى صداق ثلاثين ألف دينار، وكان العقد مع وكيله، ثُمَّ انكشف الأمرُ أَنَّهُ قد مات من أيامٍ بالموصل. وقال ابنُ الأثير: كَانَ مرضُه قد طال، ومزاجُه قد فسد، وكان مدَّةُ ملكه سبعَ عشرة سنة وأحد عشر شهرًا. وكان شهمًا شجاعًا ذا سياسة للرعايا، شديدًا عَلَى أصحابه، فكانوا يخافونه خوفًا شديدًا، وكانت لَهُ همَّة عالية، أعاد ناموسَ البيت الأتابكيّ وحُرمته. سَمِعْتُ مِن أخي أَبِي السّعادات، وكان مِن أكثر الناسِ اختصاصًا بِهِ، يَقُولُ: ما قلتُ لَهُ يومًا في فِعْلِ خَيْرٍ فامتنع منه بل بادر إِلَيْهِ. -[157]- وقال عز الدين ابن الأثير: وكان سريعَ الحركة في طلب المُلْك، إلّا أَنَّهُ لم يكن لَهُ صبرٌ، فلهذا لم يتّسع ملكُه، ولمّا احتضر أمرَ أن يُرتّب في المُلْك ولده المَلِك القاهر مسعود، وأعطى ولَدَهُ عمادَ الدّين زنكي قلعتين، وجعل تدبيرَ مملكتهما إِلى فتاه بدرِ الدّين لؤلؤ. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
337 - المَلِك الأوحد أيوب ابن العادل، [المتوفى: 607 هـ]
صاحب خِلاط ومَيّافارقين. ذكر ابنُ واصل وفاته في سنة سبْعٍ هذه، وقد ذكرتُه في سنة تسع، فيحرر أمره. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
384 - بزغُش، الأمير صارم الدّين العادليّ. [المتوفى: 608 هـ]
تُوُفّي بدمشق، وله تربة غربي جامع الجبل. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
439 - أيّوب، المَلِك الأوحد نجم الدين أيوب ابن السّلطان الملك العادل سيف الدّين أَبِي بَكْر بن أيوب بن شاذي، [المتوفى: 609 هـ]
صاحب خِلاط. مَلَك خِلاط نحوًا من خمس سنين، وسفكَ دماء الأمراء بخلاط، وظلمَ وعَسَفَ، فابتُلِيَ بأمراضٍ مزمنة حتّى تمنَّى الموت، وتملّك بعده أخوه السلطان الملك الأشرف موسى، فأحسن إِلى أهل خِلاط فأحبّوه. تُوُفّي في ربيع الأول. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
185 - مَعْن، الْأمير ناصر الدين أَبُو الْجُود ابن الملك العادل طيّ ابن الوزير أمير الجيوش شاوَر بْن مُجير السَّعدي الْمَصْرِيّ. [المتوفى: 613 هـ]
سَمِعَ من السِّلَفيّ، وأبي الحَسَن عَليّ بن إِبْرَاهِيم بن المُسلَّم المعروف بابن بنت أَبِي سعْد، وَحَدَّثَ. تُوُفِّي في صَفَر أَيْضًا. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
• - مُحَمَّد بن أيوب، أَبُو بَكْر الملك العادل. [المتوفى: 615 هـ]
إنما يُعرف بكنيته فأخّرته. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
340 - أَبُو بَكْر السُّلْطَان الملكُ العادل، سيفُ الدُّنْيَا والدين، ابن الْأمير نجم الدِّين أيوب بْن شاذي بْن يَعْقُوب بن مروان الدُّويني ثُمَّ التَّكْرِيتيّ ثُمَّ الدمشقي. [المتوفى: 615 هـ]
وُلِدَ ببَعْلَبَكّ في سنة أربعٍ وثلاثين، إِذْ أَبُوه نائبٌ عليها للأتابك زنكي والد -[454]- نور الدِّين محمود. وَهُوَ أصغر من أخيه السُّلْطَان صلاح الدِّين بسنتين. وَقِيلَ: مولده سنة ثمانٍ وثلاثين. وَقِيلَ: وُلِدَ في أَوَّل سنة أربعين. قَالَ أَبُو شامة: تُوُفِّي الملك العادل، سيف الدِّين أَبُو بَكْر مُحَمَّد بن أيوب، وهو بكنيته أشهر، وولده ببعلبك، وعاش ستاً وسبعين سنة. ونشأ في خدمته نور الدِّين مَعَ أَبِيهِ، وإخوته. وحضر مَعَ أخيه صلاح الدِّين فتوحاته. وقامَ أحسن قيام في الهدنة مع الإنكليز ملك الفرنج بعد أخذهم عَكَّا. وَكَانَ صلاح الدِّين يعوِّل عَلَيْهِ كثيرًا، واستنابه بمصر مُدَّة، ثُمَّ أعطاه حلب، ثُمَّ أخذها منه لولده الظّاهر، وأعطاه الكَرَك عِوَضَها، ثُمَّ حَرّان. وَقَالَ غيرُه: كَانَ أقعد الملوك بالمُلك، ومَلَك من بلاد الكرج إلى قريب همذان، وَالشَّام، والجزيرة، وَمِصْر، والحجاز، واليمن، إلى حضرموت. وقد أبطل كثيرًا من الظلم والمُكُوس. وَقَالَ أَبُو المُظَفَّر سبط ابن الْجَوْزيّ: امتدَّ ملكه من الكرج إلى همذان، والجزيرة، وَالشَّام وَمِصْر، واليمن. وَكَانَ خليقًا بالمُلك، حسن التدبير، حليماً، صَفوحاً، مُجاهدًا عفيفًا، ديّنًا، متصدّقًا، آمرًا بالمعروف، ناهيًا عن المنكر طهَّر جميع ولايته من الخُمور والخواطئ والمُكوس والمظالم. كذا قَالَ أَبُو المُظَفَّر والعهدة في هذه المجازفة عَلَيْهِ. قَالَ: وَكَانَ الحاصل من جهة ذَلِكَ بدمشق خصوصًا مائة ألف دينار، فأبطل الجميع لله، وأعانه عَلَى ذَلِكَ وإليه المعتمِد. وفعل في غلاء مِصْر عُقيب موت العزيز ما لم يفعله غيره. كان يخرج بالليل ومعه الْأموال فيفرّقها، ولولاه لمات النَّاس كلّهم. وكفَّى في تلك السنة ثلاثمائة ألف نفس من الغُرباء. قُلْتُ: هَذَا خسف من لَا يتقي اللَّه فيما يقوله!. قَالَ ابن خلِّكان: وَلَمَّا ملك صلاح الدِّين حلب في صفر سنة تسع وسبعين، أعطاها للعادل، فانتقل إليها في رمضان، ثُمَّ نزل عَنْهَا في سنة اثنتين -[455]- وثمانين للملك الظّاهر، فأعطاه صلاح الدِّين الكَرَك، وقضاياه مشهورة مَعَ الْأفضل والعزيز. وآخر الْأمر استقلّ بمملكة الدّيار المصرية. ودخل القاهرة في ربيع الآخر سنة ستٍّ وتسعين، وملك معها البلاد الشامية والشرقية، وصَفَت لَهُ الدُّنْيَا. ثُمَّ ملك اليمن سنة اثنتي عشرة وستمائة، وسيّر إليها وُلِدَ ولده الملك المسعود صلاح الدين يوسف المنعوت بأقسيس ابن الكامل. وَكَانَ ولده نجم الدِّين - الملك الْأوحد - ينوب عَنْهُ بميّافارقين، فاستولى عَلَى خِلاط، وبلاد أرمينية في سنة أربع وستمائة. وَلَمَّا تمهدت لَهُ البلاد، قسّمها بين أولاده الكامل، والمعظَّم، والْأشرف. وَكَانَ عِظمُ ملكه، وجميل سيرته، وحُسن عقيدته، ووفور دينه، وحزمه، وميله إلى العُلَمَاء مشهورًا؛ حَتَّى صنَّف لَهُ فخرُ الدِّين الرَّازِيّ كتاب " تأسيس التّقديس " وسيَّره إليه من خُرَاسَان. وَلَمَّا قسّم الممالك بين أولاده كَانَ يتردّد بينهم، وينتقل من مملكة إلى أخرى، وكان في الغالب يصيف بالشام، ويُشتي بالدّيار المصرية. قَالَ: وحاصل الْأمر أَنَّهُ تمتع من الدُّنْيَا، ونال منها ما لم ينله غيره. قَالَ: وولد بدمشق في المحرّم سنة أربعين، وَقِيلَ: سنة ثمانٍ وثلاثين. قُلْتُ: وَلَمَّا افتتح ولدّه إقليم أرمينية فَرِحَ العادل فرحاً عظيماً، وسير أستاذ داره ألْدُكْز، وقاضي العَسْكَر نجم الدِّين خليل إلى الخليفة يطلب التقليد بمصر وَالشَّام وخِلاط وبلاد الجزيرة، فأُكرما، وأُرسل إليه الشَّيْخ شهاب الدِّين السُّهْرَوَرْدي بالتشريف، ومرّ بحلب ووعظ بها، واحترمه الظاهر، وبعث معه بهاء الدين ابن شدَّاد بثلاثة آلاف دينار ينثرها إِذَا لبس العادل الخِلعة. وتلقّاه العادل إلى القَصْر، وَكَانَ يومًا مشهودًا ثُمَّ من الغدّ أُفيضت عَلَيْهِ الخِلَع، وَهِيَ جُبَّة سوداء بطراز ذهب، وعمامة سوداء بطراز ذهب، وطوق ذهب فيه جوهر. وقلِّد بسيف محلّى جميع قرابه بذهب، وحصان أشهب بمركب ذهب، وعَلَم أسود مكتوب فيه بالبياض ألقاب الناصر لدين اللَّه. ثُمَّ خَلَعَ السُّهْرَوَرْدي عَلَى المُعَظَّم والْأشرف، لكلّ واحد عمامة سوداء، وثوب أسود واسع الكُمّ. وخلع عَلَى الصاحب ابن شُكر كذلك، ونُثر الذَّهَب -[456]- من رُسل صاحب حلب وحماة وَحِمْص، وغيرهم. وركب الْأربعة بالخلع، ثُمَّ عادوا إلى القلعة. وقرأ ابن شُكر التّقليد عَلَى كُرسي وخُوطب العادل فيه بـ " شاه أرمن ملك الملوك خليل أمير المؤمنين ". ثُمَّ توجّه السُّهْرَوَرْدي إلى مصر، وخلع عَلَى الكامل. وفيها أمر السُّلْطَان بعمارة قلعة دمشق، وألزمَ كلَّ واحد من ملوك أهل بيته بعمارة برج. أعني في سنة أربع وستمائة. وَقَالَ الموفَّق عَبْد اللطيف في سيرة العادل: كَانَ أصغر الإخوة، وأطولهم عمرًا، وأعمقهم فكرًا، وأنظرهم في العواقب، وأشدَّهم إمساكًا، وأحبَّهم للدِّرهم. وَكَانَ فيه حلم، وأناة، وصبر عَلَى الشدائد، وَكَانَ سَعِيد الجدّ، عالي الكَعب، مُظَفَّرًا بالْأعداء من قبل السماء. وَكَانَ أكولًا نَهِمًا، يحبّ الطعام واختلاف ألوانه. وَكَانَ أكثر أكله في الليل، كالخيل، وله عندما ينام آخر الأكل رضيع، ويأكل رِطلاً بالدمشقي خبيص السُّكَّر يجعل هَذَا كالجواشِن. وَكَانَ كثير الصَّلَاة، ويصوم الخميس، وَلَهُ صدقات في كثير من الْأوقات؛ وخاصة عندما تنزل بِهِ الآفات. وَكَانَ كريمًا عَلَى الطعام يحبّ من يؤاكله. وَكَانَ قليل الْأمراض، قَالَ لي طبيبه بمصر: إني آكل خُبز هَذَا السُّلْطَان سنين كثيرة، ولم يحتج إليَّ سوى يوم واحد؛ أُحضر إِلَيْهِ من البطّيخ أربعون حملًا، فكسَرَ الجميع بيده، وبالغ في الْأكل منه، ومن الفواكه والْأطعمة، فعرض لَهُ تخمة، فأصبح، فأشرت عليه بشرب الماء الحار، وأن يركب طويلًا، ففعل، وآخر النهار تعشَّى، وعاد إلى صحتّه. وَكَانَ نكّاحًا، يكثر من اقتناء السَّراري. وَكَانَ غيورًا؛ لَا يدخل داره خصيّ إِلَّا دون البلوغ. وَكَانَ يحبّ أن يطبخ لنفسه، مَعَ أَنَّ في كلّ دار من دور حظاياه مطبخا دائرا. وَكَانَ عفيف الفَرْج لَا يُعرف لَهُ نظر إلى غير حلائله. نجب لَهُ أولاد من الذّكور والإناث؛ سَلْطَن الذكور وزوّج البنات بملوك -[457]- الْأطراف. آخر ما جرى من ذَلِكَ بعد وفاته أَنَّ ملك الروم كَيْقُباذ خطب إلى الملك الكامل أخته، واحتفل احتفالًا شديدًا، واجتمع في العرس ملوك وملكات. وَكَانَ العادل قد أوقع اللَّه بُغضته في قلوب رعاياه، والمخامرة عَلَيْهِ في قلوب جُنده، وعملوا في قَتْله أصنافًا من الحِيلَ الدَّقيقة مرّات كثيرة. وعندما يُقَال: إِنَّ الحيلة قد تمّت، تنفسخ، وتنكشف، وتحسم موادّها. ولولا أولاده يتولون بلاده لَمَا ثبت ملكه بخلاف أخيه صلاح الدِّين فَإِنَّهُ إنّما حفظ ملكه بالمحبَّة لَهُ، وحُسن الطّاعة، ولم يكن - رحمه اللَّه - بالمنزلة المكروهة؛ وإنّما كَانَ النَّاس قد ألفوا دولة صلاح الدِّين وأولاده. فتغيّرت عليهم العادة دفعة واحدة، ثُمَّ إن وزيره ابن شُكر بالغ في الظُّلم وتفنَّن. ومن نيّاته الجميلة أَنَّهُ كَانَ يعرف حقَّ الصُّحبة، ولا يتغيّر عَلَى أصحابه، ولا يضْجر منهم، وهم عنده في حَظْوة. وَكَانَ يواظب عَلَى خِدمة أخيه صلاح الدِّين؛ يكون أَوَّل داخل وآخر خارج؛ وبهذا جَلَبَهُ، فَكَانَ يشاوره في أمور الدَّوْلَة لِما جرَّب من نفوذ رأيه. وَلَمَّا تسلطن الْأفضل بدمشق، والعزيز بمصر، قَصَد العزيز دمشق، وذاقَ جندهُ عليها شدائد، فرحل عَنْهَا، ثُمَّ حاصرها نَوْبة ثانية ومعه عمُّه العادل فأخذها، وعُوِّض الْأفضل بصرخد، ولم يزل العادل يَفْتل في الذّروة والسنام، حتى أقطعه العزيز دمشق وَهِيَ السبب في أنْ تملَّك البلاد كُلّهَا. وأعطى ابن أَبِي الحجّاج - يعني كاتب الجيش - لَمَّا جاءه بمنشورها ألف دينار. ثُمَّ أخذ يدقّق الحيلة حَتَّى يستنيبه العزيز عَلَى مِصْر، ويقيم هُوَ بدمشق يتمتع في بساتينها بعضُ أصحابه فرمى قُلُنسوته بين يديه، وَقَالَ: ألم يكفِك أنك أعطيته دمشق، حَتَّى تُعطيه مِصْر؟ فنهض العزيز لوقته عَلَى غرة ولحق بمصر. ثُمَّ شغّب الْجُند، وجرت أمور إلى أن اجتمع الْأفضل والعادل، وقصدا مصر، وخامر جميع الأجناد عَلَى الملك العزيز، وصاروا إلى الأفضل والعادل، حَتَّى خلت مِصْر والقاهرة منهم، وتهدَّمت دولة العزيز، ثُمَّ أصبحت، وقد عادت أحسن ممّا كانت، وصار معه كلّ من كَانَ عَلَيْهِ، ورجع الملك العادل في خدمته، وردَّ الْأفضل إلى الشَّام. -[458]- ثُمَّ إن العادل توجّه إلى الشَّام، وحَشَد وعبر الفُرات، ونازل قلعة ماردين يحاصرها، وبذل الْأموال، وأخذ الرَّبض. ثُمَّ إِنَّ الملك الْأفضل وجد فُرصة ونزلَ هُوَ وأخوه الملك الظّاهر صاحبُ حلب عَلَى دمشق يوم الثلاثاء فأصبح الملك العادل خارجًا من أبواب دمشق، فانقطعت قلوبُهم، وتعجّبوا مَتَى وصل؟ وَكَانَ لَمَّا سَمِعَ بنزولهم استناب ابنه الكامل، وسارَ عَلَى النجائب في البرية فلحق دمشق قبل نزولهم بليلة، وَمَعَ هَذَا فضايقوه. وَكَانَ أكثر أهل المدينة معهم عَلَيْهِ إلى أن اختلف الإخوان أيّهما يملكها؛ وتنافسا فتقاعسا. ورحلَ الملكُ الظاهر فضعُف الأفضل، ورحلَ. وبلغت نفقة العادل عليها وَعَلَى ماردين ألف ألف دينار. وَسَعْد العادل بأولاده، فمن ذَلِكَ أمر خِلاط فإنّ ملكها شاه أرمن ملّك مملوكه بكتُمر، ومات بعد صلاح الدِّين بنحو شهرين؛ قتلته الملاحدة. وملك بعده هزار ديناري مملوكه وبقي قليلًا، ومات. وتملّك بعده وُلِدَ بكتُمر، وَكَانَ جميل الصورة، حديث السن، فاجتمع إِلَيْهِ الْأراذل والمُفسدون، وحسّنوا لَهُ طرقهم؛ فغار الْأخيار، وملَّكوا عليهم بلبان مملوك شاه أرمن، وقَتَلَ ولد بكتمر أَوْ حبسه. وكانت أخته بنت بكتُمر مزوَّجة بالملك المُغيث طُغْريل بن قِلِج أرسلان صاحب أرْزَن الروم، وبين بلبان والمُغيث معاقدة ومُعاضدة، ولابن بكتُمر جماعة يهوونه، فكاتبوا الملك الْأوحد ابن العادل صاحب ميافارقين، فقصد خِلاط، فسار المُغيث لينصر بلبان، فانكف الْأوحد، وطَمِع المُغيث في خلاط، فاغتال بلبان، قتله ابن حُق باز. وتسلَّم المغيث خِلاط، فحصلَ لأهلها غبن؛ إِذْ غدر بمَلكهم فمنعوه. ثُمَّ إِنَّهُ قبض يده عن الإحسان المُنْسي الضَّغائن، وَقَالَ لَهُ بعض الْأمراء: ابذل قدر ألف دينار، وأنا الضَّامن بحصول البلد. قَالَ: أخاف أن لَا يحصل ويضيع مالي. فعلموا أَنَّهُ صغير الهمة؛ فتفرّقوا عَنْهُ، وكاتبوا الْأوحد فجاء وملكها، ثُمَّ اختلفوا عَلَيْهِ؛ ونكثوا، فبذل فيهم السِّيف، وانهزم طائفةٌ. قَالَ الموفق: فَقَالَ لي بعض خواصّه: إِنَّهُ قتل في مُدَّة يسيرة ثمانية عشر ألف نفسٍ من الخواصّ. وَكَانَ يقتلهم ليلًا بين يديه، ويُلقون في الآبار. وما لبثَ إِلَّا قليلًا واختل عقله؛ ومات، وتوهَّم أَبُوه أَنَّهُ جُنّ، فسيَّر إِلَيْهِ ابن زيد المعزِّم وصدقة الطبيب من دمشق. -[459]- وتملَّك خِلاط بعده أخوه الْأشرف. ومات الظاهر قبله بسنتين، فلم يتهنَّ بالمُلك بعده. وَكَانَ كلُّ واحدٍ منهما ينتظر موتَ الآخر، فلم يصف له العَيْش لأمراض لزمته بعد طُول الصحة، والخوف من الفرنج بعد طول الْأمن. وخرجوا إلى عَكَّا وتجمّعوا عَلَى الغور، فنزل العادل قبالتهم عَلَى بَيْسان، وخفيَ عَلَيْهِ أن ينزل عَلَى عُقْبَة فَيْق، وكانوا قد هدموا قلعة كوكب وكانت ظهرهم. ولم يقبل من الجواسيس ما أخبروه بما عزم عَلَيْهِ الفرنج من الغارة، فاغترّ بما عوّدته المقادير من طول السّلامة، فغشيت الفرنج عسكره عَلَى غرَّة. وَكَانَ قد أوى إليهم خلقٌ من أهل البلاد يعتصمون بِهِ. فركب مُجدّاً ورماح الفرنج في أثره حَتَّى وصل دمشق عَلَى شفا، وهمَّ بدخولها، فمنعه المُعْتَمد وشجَّعه، وَقَالَ: المصلحة أن تقيم بظاهر دمشق. وأمّا الفرنج فاعتقدوا أَنَّ هزيمته مَكِيدة، فرجعوا من قريب دمشق بعدما عاثوا في البلاد قَتْلًا وأسرًا، وعادوا إلى بلادهم وقصدوا دِمْيَاط في البَحْر فنازلوها. وَكَانَ قد عرض لَهُ قبل ذَلِكَ ضعفٌ، ورَعْشة، وصارَ يعتريه ورم الْأنثيين، فَلَمَّا هزّته الخيل عَلَى خلاف العادة، ودخله الرعب، لم يبق إِلَّا مُدَّة يسيرة، ومات بظاهر دمشق. وَكَانَ مَعَ حرصه يهين المال عند الشدائد غاية الإهانة، ويبذله. وشرع في بناء قلعة دمشق، فقسّم أبرجتها عَلَى أُمرائه وأولاده، وَكَانَ الحفّارون يحفرون الخندق، ويقطعون الحجارة، فخرج من تحته خرزة بئر فيها ماء معين. ومن نوادره أَنَّ عنتر العاقد بلغه أَنَّ شاهدَا شهد عَلَى القاضي زكيّ الدِّين الطّاهر بقضية مزوّرة فتكلَّم عنتر في الشاهد وجرحه، فبلغ العادل، فَقَالَ: من عادة عنتر الْجَرْح. وتوضّأ مرة، فَقَالَ: اللَّهمَّ حاسبني حسابًا يسيرًا. فَقَالَ رجل ماجنٌ لَهُ: يا مولانا إِنَّ الله قد يسَّر حسابك. قَالَ: ويلك وكيف ذَلِكَ؟ قَالَ: إِذَا حاسَبَك فقل لَهُ: المال كلُّه في قلعة جَعْبَر لم أفرط منه في قليل ولا كثير! وقد كانت خزائنه بالكرك ثُمَّ نقلها إلى قلعة جَعْبَر وبها ولده الملك الحَافِظ، فسوَّل لَهُ بعض أصحابه الطَّمع فيها، فأتاها الملك العادل ونقلها إلى قلعة دمشق، فحصلت في قبضة المعظَّم فلم ينازعه فيها إخوته. وَقِيلَ: إِنَّ المعظَّم هُوَ الَّذِي سوَّل لأخيه الحَافِظ الطّمع والعصيان، ففعل، ولم يفطن بأنّها مكيدة لترجع -[460]- الْأموال إِلَيْهِ. ثُمَّ إِنَّهُ أخرج سراري أَبِيهِ من دمشق واستصفى أموالهم وحُليهم، وشرَعَ يضع عَلَى أملاك دمشق القطائع والخراجات الثَّقيلة، والخُمْس عَلَى البساتين، والثُّمن عَلَى المزروعات. قرأت بخط الكندي في " تذكرته ": حدثنا شرف الدين ابن فضل الله سنة اثنتي عشرة بدمشق، قال: حَدَّثَنَا والدي أَنَّ القاضي بهاء الدِّين إِبْرَاهِيم بن أَبِي اليُسر، حدَّثه، قَالَ: بعثني الملك العادل رسولًا إلى علاء الدِّين سلطان الروم، فبالغ في إكرامي، فجرى ذِكر الكيمياء، فأنكرتها، فَقَالَ: ما أحدّثك إِلَّا ما تمَّ لي؛ وقفَ لي رجل مغربي، فسلَّم عَليّ، وكلَّمني في هَذَا، فأخذته، وطلب منّي أصنافًا عيَّنها، فشرع يعمل لي ذهبًا كثيرًا حَتَّى أذهلني. ثُمَّ بعد مُدَّة طلب منّي إذنًا في السّفر، فأبيت، فألحّ حَتَّى غضبت، وكدت أقتله، وهدّدته، وجذبت السيف، فَقَالَ: ولا بدَّ، ثُمَّ صفَّق بيديه وطار، وخرج من هَذَا الشبّاك. فهذا رجل صحّ معه الكيمياء والسيمياء. قُلْتُ: وقد سمع من أبي الطاهر السلفي، وغيره. وحدَّث؛ رَوَى عَنْهُ ابنه الملك الصالح إسماعيل، والشهاب القوصي، وأبو بكر ابن النُّشبي. وَكَانَ لَهُ سبعة عشر ولدًا، وهم شمس الدِّين ممدود، والد الملك الجواد، والملك الكامل مُحَمَّد، والملك المُعَظَّم عيسى، والملك الْأشرف موسى، والملك الْأوحد أيوب، والملك الفائز إِبْرَاهِيم، والملك شهَاب الدِّين غازي، والملك العزيز عُثْمَان، والملك الْأمجد حسن، والملك الحَافِظ رسلان، والملك الصالح إسْمَاعِيل، والملك المُغيث عُمَر، والملك القاهر إِسْحَاق، ومُجير الدِّين يَعْقُوب، وتقيّ الدِّين عَبَّاس، وقُطب الدِّين أَحْمَد، وخليل، وَكَانَ لَهُ عدَّة بنات. فمات في أيامه شمس الدِّين ممدود، وَيُقَال: مودود، والمغيث عُمَر، وخلّف ولدَا لقّب باسم أَبِيهِ، وَهُوَ المُغيث محمود بن عُمَر، وَكَانَ من أحسن أهل زمانه ربّاه عمُّه المعظم، ومات سنة ثلاثين وستمائة. ومات منهم في حياته الملك الْأمجد، ودُفن بالقُدس، ثُمَّ نُقل فدفن جوار الشهداء بمُؤتة من عمل الكَرَك. وآخر أولاده وفاةً عَبَّاس، وَهُوَ أصغر الْأولاد، بقي إلى سنة -[461]- تسع وستين وستمائة، وكان مولده في سنة ثلاث وستمائة، وقد رَوَى الحديث. وَكَانَ العادل من أفراد العالم، وَتُوُفِّي في سابع جُمَادَى الآخرة بعالقين؛ منزلة بقرب دمشق. فكتبوا إلى الملك المُعَظَّم ابنه، وَكَانَ بنابُلُس، فساقَ في ليلة، وأتى فصبَّره وصيَّره في محفَّة، وجعل عنده خادمًا يروّح عَلَيْهِ، ودخلوا بِهِ قلعة دمشق، والدَّوْلَة يأتون إلى المِحفَّة، وسُجفها مرفوعة، يعني أَنَّهُ مريض، فيقبّلون الْأرض. فلمّا صار بالقلعة أظهروا موته، ودُفن بالقلعة، ثُمَّ نُقل إلى تُربته ومدرسته في سنة تسع عشرة، رحمه اللَّه. قال أبو المظفر ابن الْجَوْزيّ: دخلوا بِهِ القلعة ولم يجدوا لَهُ كَفنًا في تِلْكَ الحال، فأخذوا عمامة وزيره النَّجِيب بن فارس، فكفنوه بها، وأخرجوا قطنًا من مِخَدَّة، ولم يقدروا عَلَى فأس، فسرقَ كريمُ الدِّين فأسًا من الخَنْدق، فحفروا لَهُ في القلعة سرَّا، وصلى عَلَيْهِ ابن فارس. قَالَ: وكنت قاعدًا بجنب المُعَظَّم وَهُوَ واجم، ولم أعلم بحاله. فَلَمَّا دُفن أَبُوه قام قائمًا وشقَّ ثيابه، ولطمَ عَلَى وجهه، وعَملَ العزاء. وَلَمَّا دخل رجب ردَّ المُعَظَّم المُكُوس والخمور وما كَانَ أبطله أَبُوه، فَقُلْتُ لَهُ: قد خلّفت سيف الدِّين غازيًا ابن أخي نور الدِّين؛ فَإِنَّهُ كذا فعل لَمَّا مات نور الدِّين، فاعتذر بقِلَّة المال وبالفرنج. ثُمَّ سار إلى بانياس، وراسل الصّارم وَهُوَ بتبنين أن يُسلّم الحصون، فأجابه، وخرَّب بانياس وتبنين وكانت قُفلاً للبلاد، وأعطى جميع البلاد التي كانت لسركس لأخيه الملك العزيز عُثْمَان، وزوَّجه بابنة سركس. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
424 - ملكة خاتون بنت السُّلْطَان الملك العادل، [المتوفى: 616 هـ]
والدة صاحب حَماة الملك المُظَفَّر. تُوُفِّيت، فحزن عليها زوجها الملك المنصور حُزنًا زائدًا، ولبس الحداد. قَالَ ابن واصل: صلّيت عليها، ولي اثنتا عشرة سنة. وعمل السُّلْطَان الملك المنصور عزاءها بالتَّقويَّة ظاهر حَماة. فرأيته وَهُوَ كئيب حزين عَلَيْهِ الحداد؛ ثوب أزرق، وعمامة زرقاء. فتكلّمت الوُعّاظ، وعُملت فيها المراثي. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
436 - إِبْرَاهِيم، الملك الفائز أَبُو إِسْحَاق ابن السُّلْطَان الملك العادل أَبِي بَكْر بن أيوب. [المتوفى: 617 هـ]
أقام بالديار المصرية مُدَّة، وبعثه الملكُ الكامل أخوهُ إلى الشرق يستنجد بأخيه الملك الأشرف، فأدركه أجله بسِنجار. فيقال: إِنَّهُ سُمَّ، ودُفن بمدرسة -[493]- والدة قطب الدِّين صاحب سِنْجار، ثُمَّ أَخْرَجَهُ منها إلى ظاهر البلد بعد ذَلِكَ بدر الدِّين لؤلؤ صاحب المَوصل. |