الصفحة 2 من 18

الأمة إلا بما صلح به أولها، وهو التمسك بالكتاب والسنة ويقتضي ذلك أن تؤخذ العقيدة والشريعة من ينابيعهما الصافيين (القرآن والسنة) قبل أن أن تلوثها الفلسفات والمذاهب الدخيلة على الإسلام، وأساس هذا الأخذ الفهم السليم للقرآن وذلك بتحرير ألفاظه وتنقية تفاسيره مما علق بها من بدع وإسرائيليات واستطرادات نحوية أو كلامية وغيرها ..

والدعوة إلى التمسك بالألفاظ القرآنية والنبوية هي في الواقع امتداد لدعوة ابن تيمية وتلميذه ابن القيم الداعيين ـ مند زمان ـ إلى الرجوع إلى المصطلحات والمفاهيم القرآنية بدل المصطلحات الكلامية والفلسفية التي كدرت صفاء العقيدة الإسلامية، وأثر هده الدعوة واضح على زعماء الإصلاح والسلفية الجديدة، الشيوخ: جمال الدين الأفغاني و محمد عبده و رشيد رضا الذين كانت دعوتهم للنهوض بالأمة الإسلامية تقوم على تجديد أمر الدين وإصلاح أحوال المسلمين، ولايتم ذلك إلا بتجديد أساليب تربية الأفراد، وإحياء النفوس والقلوب بالقرآن، ولازالت هذه الدعوة المباركة مستمرة في منظور متجدد على أيدي بعض العلماء الدعاة الناصحين للدين وللأمة أمثال الدكتور الشاهد البوشيخي الذي يقول:"لقد صار تجديد بنيان الأمة فريضة لتعود، وصار تجديد كيان الأمة ضرورة لتنقذ، ولا سبيل إلى شيء من ذلك بغير تجديد فهم الأمة للقرآن ... وما لم يتجدد فهم الأمة للقرآن فلن تتجدد الأمة، ولن يتجدد فهم القرآن حتى يتجدد فهم مصطلحات القرآن، مفاهيم ونسقا". لذلك وجب تجديد الفهم، من أجل تجديد العمل، من أجل تحسين الحال" [1] "

في إطار الدعوة إلى تجديد مناهج تفسير القرآن الكريم وإحلال قيمه وشريعته مكانتها اللائقة بها في حياة المسلمين ظهرت جهود مختلفة- نظرية وعملية - في مجال الاهتمام بدراسة الألفاظ والمفاهيم القرآنية وفق مناهج جديدة وأبرز هذه الجهود ما يلي:

أـ جهود مدرسة المنار في تجديد تفسير القرآن:

كانت هذه المدرسة أول مدرسة) وهي أم المدارس (التي نادت ـ في بداية القرن العشرين ـ بتجديد التفسير وتنقيته من شوائب البدع والإسرائيليات، ومن استطرادات نحوية وبلاغية و فلسفية / كلامية، وغيرها مما يشوش على قارئ التفسير أكثر مما يقرب له حقيقة الوحي، وفي هذا السياق نجد أستاذ المدرسة الأول الشيخ جمال الدين الأفغاني رحمه الله ينبه لقضية منهجية هامة في تفسير القرآن هي التفريق بين كلام رب الناس الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وبين كلام الناس(التفسير) الذي هو رأي واجتهاد يؤخذ منه ويترك، إذ يقول:

"القرآن وحده سبب الهداية والعمدة في الدعاية وما تراكم عليه وتجمع حوله من آراء الرجال واستنباطاتهم ونظرياتهم ينبغي ألا نعول عليه كوحي وإنما نستأنس به كرأي ... ولا نحمله على أكفنا مع القرآن في الدعوة إليه وإرشاد الأمم إلى تعليمه ... وتفسيره وإضاعة الوقت فيه" [2]

وقد كانت دعوة الشيخ بمثابة جذور للشجرة المنهجية التي تفرعت أغصانها وأثمرت فيما بعد، سواء على يد الشيخين؛ محمد عبده ورشيد رضا، أو على يد غيرهما من دعاة التجديد، وفي هدا الصدد يقول الشيخ الإمام (محمد عبده) :

".. التفسير الذي نطلبه هو فهم الكتاب من حيث هو دين يرشد الناس إلى مافيه سعادتهم في حياتهم الدنيا وحياتهم الآخرة فإن هذا هو المقصد الأعلى منه وماوراء هذا من المباحث تابع له أو وسيلة لتحصيله ..."

و حيث إ ن المقام لايتسع لإيراد كل ما جاء في تفسير المنار وفي ثناياه من الأفكار والنظرات المنهجية على لسان الشيخين محمد عبده ورشيد رضا، فنكتفي بالإشارة هنا لأهم هذه النظرات ومنها:

(1) ـينظر كتيب) القرآن الكريم والدراسة المصطلحية (رقم 4 في سلسلة دراسات مصطلحية التي يصدرها معهد الدراسات المصطلحية بفاس، مطبعة أنفو برانت فاس 2002 ص: 18،19.

(2) 4 - من مقالاته في مجلة العروة الوثقى، والنص منقول من كتاب: الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالإستعمار الغربي للدكتور محمد البهي (طبعة دار الفكر بيروت 1973 - ) ص 102

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت