النظام) [1] وقد أوضح المؤلف أدوار وفوائد هذه الكتب في المقدمة الأولى من مقدماته لكتاب المفردات كما أوردها محققه.
ومما جاء في مقدمة كتابه (المفردات) :"... وذلك لأن المعرفة بالألفاظ المفردة هي الخطوة الأولي لفهم الكلام، وبعضُ الجهل بالجزء يُفضي إلى زيادة جهل بالمجموع، وإنما يَسلم المرء من الخطأ إذا سد جميع أبوابه، فمن لم يتبين معنى الألفاظ المفردة من القرآن أغلق عليه باب التدبر، وأشكل عليه فهم الجملة، وخفي عليه نظم الآيات والسورة، ولأن سوء فهم الكلمة يؤدي إلى سوء فهم الكلام وكل ما يدل عليه من العلوم والحكم." [2]
وكتاب المفردات جعله بمثابة مقدمة أو فرش لتفسيره (دلائل النظام) يحيل عليه من التفسير، ومن يطلع على مفردات الفراهي يتأكد من قول محققه: إن للمؤلف منهجية فائقة كشف بها عن تفسيرات جديدة لبعض الألفاظ، كما كشف عن أصول جديدة ترجع إليها مشتقات المواد اللغوية [3]
ولايتسع المجال للإيراد شواهد من اجتهادات المؤلف، خاصة من مفرداته الذي بين أيدينا، ولعل سؤالا يطرح هنا وهو: هل من علاقة بين مدرسة الفراهي ومدرسة المنار؟
ما أورده محقق كتاب المفردات عن شهادة الشيخ رشيد رضا ـ الذي عاش بعد وفاة الفراهي خمس سنوات تقريبا ـ وإعجاب الشيخ بالفراهي يدل على أن الفراهي لم يأخذ عن أصحاب المنار ولا هم أخذوا عن الفراهي، يقول المحقق:
"اطلع العلامة المرحوم السيد رشيد رضا على أجزاء من تفسير الفراهي فكتب في مجلة المنا ر (عدد صفر 1327) ، ومما قال فيها:"... وقد ألقينا على بعض هذه الرسائل لمحة من النظر فإذا طريق جديد في أسلوب جديد من التفسير يشترك مع طريقنا في القصد إلى المعاني من حيث هي هداية إلهية، دون المباحث الفنية العربية ... وإنَّ للمؤلف لفهما ثاقبا في القرآن، وإنَّ له فيه مذاهب في البيان ... وإنه لكثير الرجوع باللغة إلى مواردها والصدور عنها ريان من شواهدها .." [4] "
المقصود بالمدرسة البيانية هي المدرسة التي تتبنى الاتجاه الأدبي في التفسير، هذا الاتجاه أسسه ودافع عنه بقوة الأستاذ أمين الخولي ـ رحمه الله ـ مع تلامذته في الجامعة المصرية وفي مقدمتهم الدكتورة عائشة عبد الرحمن بنت الشاطئ، ومنطلقهم أن القرآن كتاب العربية الأكبر وأثرها الأدبي الأعظم، الذي أخلد العربية وحمى كيانها فصار فخرها وزينة تراثها
ويرى الأستاذ الخولي أن (الاهتداء بالقرآن) مقصد جليل، إلا أنه ليس هو الغرض الأول من التفسير [5] ، بل المقصد الأسبق والغرض الأبعد ـ في نظره ـ هو النظر في القرآن من حيث هو كتاب العربية الأكبر وأثرها الأدبي الأعظم، هذا الغرض تنشعب عنه الأغراض المختلفة وتقوم عليه المقاصد المتعددة ... [6]
توضح الدكتورة، عائشة عبد الرحمان هذه الفكرة وتعللها بقولها:
"ما سبق أن قرره أستاذنا من أن الدراسة المنهجية لنص القرآن الكريم، يجب أن تتقدم كل دراسة أخرى فيه، لا لأنه كتاب العربية الأكبر فحسب، ولكن ـ كذلك ـ لأن الذين يعنون بدراسة نواح أخرى"
(1) ـ مصنفاته منها المطبوع ومنها المخطوط وجملة منها رسائل وأبواب متفرقة لم يفرغ ا المؤلف منها في حياته، انظر ص. 32. من تحقيق أيوب الإصلاحي لكتاب المفردات.
(2) ـ من تلخيص المحقق لكلام المؤلف في مقدمة التحقيق، ص: 50.
(3) ـ مثل كلمة (الآلاء) المكررة في سورة الرحمان ثلاثين مرة يجمع المفسرون على أن معناها (النعم) في كل مواطنها، بينما أدرك أن معناها الدقيق هو الفِعال العظيمة أو الرحمة. انظر ص 68 من المفردات.
(4) ـ مقدمة المفردات ص: 40)
(5) ـ كما يرى ذلك أصحاب مدرسة المنار.
(6) ـ أخذ بتصرف من كتاب المؤلف (مناهج تجديد) في النحو والبلاغة والتفسير والأدب، الهيئة المصرية العامة للكتاب 1995 ص: 229.