الصفحة 27 من 34

فان الله يعلمه ثم حذف احدهما استغناء بالآخر وهو مثل قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا} [1] وقوله {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ} [2]

قال أبو جعفر: فان قال لنا قائل: فكيف قال {فان الله يعلمه} ولم يقل يعلمهما وقد ذكر النذر و النفقة؟ قيل إنما قال فان الله يعلمه لأنه أراد فان الله يعلم ما أنفقتم أو نذرتم فلذلك وحد الكناية [3] . وهي كناية عن الجزاء عليه لان علم الله بالكائنات لا يشك فيه السامعون فأريد لازم معناه وإنما كان لازما له لان القادر لا يضده عن الجزاء إلا عدم العلم بما يفعله المحسن أو المسئ [4] .

واعلم انه تعالى لما بين أن النذر يجب أن يكون من أجود المال والأعمال قال {فان الله يعلمه} ولم يقل يعلمهما.

قال أبي حيان: ولهذا صير إلى التأويل في قوله عز وجل {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا} [5] وأخرى إلى المؤخر رعاية للقرب كما في هذه الآية الكريمة وفي قوله تعالى: {وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا} [6] ، وحمل النظم على تأويلها بالمذكور ونظائره أو على حذف الأول ثقة بدلالة الثاني عليه كما في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [7] [8]

وشعور المؤمن بان عين الله سبحانه على نيته وضميره وعلى حركته وعمله يثير في حسه مشاعر حية متنوعة، شعور التقوى والتحرج أن يهجس في خاطره هاجس رياء أو تظاهر وهاجس شح أو بخل وشعور الاطمئنان على الجزاء والثقة بالوفاء وشعور الرضا والراحة بما وفى لله وقام بشكر نعمته عليه بهذا الإنفاق [9] .

قال مجاهد (يعلمه) : يحصيه، وقال الزجاج: يجازي عليه، وقيل يحفظه وهذه الأقوال متقاربة وتضمنت هذه الآية وعدا ووعيد بترتيب علم الله على ما أنفقوا أو نذروا. [10]

ثم أوعد جل ثناؤه من كانت نفقاته رياء ونذوره طاعة للشيطان فقال {وما للظالمين من أنصار} يعني وما لمن انفق ماله رئاء الناس وفي معصية الله

(1) سورة التوبة: 34.

(2) سورة البقرة: 45.

(3) جامع البيان عن تأويل آي القرآن: 3/ 91.

(4) التحرير والتنوير:3/ 66.

(5) سورة الجمعة: 11.

(6) سورة النساء: 112.

(7) سورة التوبة: 34.

(8) البحر المحيط: 2/ 336؛ روح المعاني: 3/ 43 4.

(9) في ظلال القران:1/ 313.

(10) إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم: 1/ 263؛ ينظر البحر المحيط: 2/ 336.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت