الحقيقية للحرية، فإن الحرية في المجتمعات الغربية لم تنتح غير الدمار الأخلاقي الذي عجز أمامها الإصلاح، والجريمة التي استفحل أمرها حتى عجزت أمامها القوانين، والأمراض التي عجز أمامها العلم والطب؟ إن النتيجة الحقيقية للحرية قد تكون آجلة وخفية، ولكنها خطيرة تهلك الفرد وتضعف الجماعة وتدمر الدولة.
الطريق إلى السعادة في الحياة في نظر أرباب النظام الرأسمالي هي المتعة البدنية، والمتعة البدنية تتحقق في نظرهم إذا أشبع الإنسان حاجاته البدنية، وإشباع الحاجات البدنية متوقف على امتلاك السلع والخدمات للانتفاع بها، وامتلاك السلع والخدمات متوقف على امتلاك الثمن، وامتلاك الثمن مرهون على العمل الذي يحصل به الإنسان على ما يحتاجه من أثمان للسلع والخدمات، لذلك يجب أن يكون الإنسان حرا، ليعمل ما يشاء ليحصل الثمن، وأن يمتلك ما يشاء، وأن يشبع حاجاته بما يشاء وكيف يشاء، ليحقق في النهاية السعادة لنفسه.
فالمادة (السلع والخدمات والمنافع) في نظر النظام الاقتصادي الرأسمالي هي غاية في ذاتها، وامتلاك المادة ـ في نظر الاقتصاد الرأسمالي ـ هو الطريق إلى السعادة، لذلك جعلت الحرية أساسا من أسس الرأسمالية، ليتمكن الإنسان من امتلاك المادة.
إن فصل المادة عن الروح في النظام الاقتصادي أضل الغربيين عن المفهوم الحقيقي للسعادة، وأضلهم عن الطريق الصحيح إلى السعادة، حيث أصبحت المادة الاقتصادية (السلع والخدمات والمنافع) غاية بحد ذاتها يسعى الغربي لحيازتها على اعتبار أنها الطريق الوحيد لتحقيق السعادة.
أدى هذا الأساس (الحرية) إلى آثار مدمرة في المجتمعات الرأسمالية، لأن اهتمام الإنسان في تلك المجتمعات أصبح منصبا على امتلاك أكبر قدر ممكن من المال، لأن المال هو الوسيلة الوحيدة للحصول على المادة التي تتحقق بها السعادة، وأدى ذلك إلى أن الإنسان الرأسمالي لم يعد يقيم وزنا أثناء معاملاته المالية للأخلاق ولا للقيم ولا لمصالح الآخرين.
وهذه النتيجة صارت مبدأ لدى الفرد الرأسمالي، فصار يستبيح كل عمل اقتصادي يؤدي إلى كسب المال، وكذلك صارت هذه النتيجة مبدأ لدى الدولة الرأسمالية، فصارت تستبيح كل عمل يؤدي إلى كسب المادة، فهي تستبيح احتلال أراضي الشعوب الضعيفة وارتكاب عمليات الإبادة الجماعية وإشعال الحروب المدمرة والحروب الأهلية في البلدان الضعيفة، وتستعمل أسلحة الدمار الشامل، وتتعمد في حروبها إبادة المدنيين، كل ذلك