ولكن يمكن أن يكون لكل علم خصوصيته في الطرائق، وكذلك الامر في التفسير فإنه يمكن تخصيصه بوسائل يكون لها أثر في في تعميق التفسير في المتلقي ومن ذلك:
أسلوب المدارسة:
الأصل في هذه الطريقة مستنبط من قوله تعالى: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ} (79) آل عمران [1] ، والشاهد قوله: {وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ} التي جاءت بعد النفي القاطع لعبادة الأنبياء حيث ذكر المدارسة للكتب. وكلمة رباني، ورب، وربيون، وربان كلها مأخوذة من (رب) التي تدل على التربية والولاية وتعهد المربي [2] ،والمبالغة في النسبة إلى الرب هنا لبيان أن كل ما عنده من حصيلة البلاغ لابد أن تكون صادرة عن الله، فهو رباني الأخذ. والوسيلة لتحصيل هذه النسبة (بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ) فالعلم تلقي النص المنهجي، والدراسة هي البحث الفكري في النص المنهجي.
والدراسة في كلام العرب: تحوم حول معاني التأثر من تكرر عمل يعمل في أمثاله يقال درست الريح رسم الدار إذا عفته وأبلته من شدة تكررها عليه ودرس الكتاب إذا قرأة بتمهل لحفظه أو للتدبر. وقيل درس تدل على تكرار العمل حتى يصير ملكة وهو يختلف عن قراءة الكتاب مرة واحد، فالعلم تلقي المعلومات، أما من درس المعلومات وطبقها حتى صارت المسألة أكيدة فهنا امتلك ناصية العلم حتى صار ملكة له [3] .
(1) هذه الآية وردت في سياق مجادلة نصارى نجران الذين أتى وفد منهم إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يجادلونه في دينهم، ومعلوم أن اليهود والنصارى حرفوا دينهم وكتبهم يطلبون من الناس طاعتهم. فجاء هنا لبيان المنهج الحق الذي يرتضية الله من الرسل والدعاة أن تكون دعوتهم لله لا لأنفسهم والرسول مهمته تبليغ الوحي من جهة ثم يطبق هذا الوحي ليصبح منهجًا سلوكيًا يقتدى به في تنفيذ شروع الله. فجاء في الآية بعد النفي القاطع لعبادة الأنبياء ذكر المدارسة للكتب.
(2) فإذا أريد النسبة مثل (ربي) ، فإذا أريد المبالغة في النسبة أضيفت (ألف ونون) (رباني) ، ومثلها علم (علمي) وللمبالغة (علماني) وهو الذي يزعم لنفسه أن كل أموره تمشى على العلم المادي لتأكيد النسبة إلى العلم.
(3) انظر: التحرير والتنوير (3/ 295) ، وتفسير الشعراوي (3/ 1565) .