فعطف التدارس على القراءة فعلم أن الدراسة أخص من القراءة ومادة درس تستلزم التمكن من المفعول، فلذلك صار درس الكتاب مقصود به فهمه واتقانه.
وفي الحديث:] وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمِ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ، وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ، لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ [[1] .
وطريقة المدارسة قائمة على السؤال والجواب، وهي طريقة موجودة في طرق التدريس لكل العلوم لكن للتفسير في ذلك خصوصية ولذلك يذكرها المفسرون في مناهج كتبهم في مقدمات التفاسير مما أوردوه في كتبهم كمنهج للمؤلف، ومبدأ العلم بالسؤال، وقد سئل ابن عباس رضي الله عنه بما نلت العلم؟ قال:"بلسان مسؤول وقلب عقول" [2] ، فكان السؤال أحد عوامل نبوغه في التفسير.
لكن انتقاء السؤال في التفسير من حيث كون النص موجودًا لكن قد يخفى على القارئ مفهومه أو شيء من مقاصده يحتاج لفن، فإذا اتخذ السؤال منهجا ً كان ذلك سبيلًا لتحصيل علم التفسير. ويمكن تقسيم مجالات الأسئلة التفسيرية إلى ما يلي:
مدارسة (الجانب العلمي) الدلالات، مدارسة (الجانب العملي) الهدايات الإيمانية والعملية، مدارسة ربط الآيات بالواقع، طرح الأسئلة التدبرية لابد أن يكون السؤال تدبريًا بحيث يحتمل أثرًا إيمانيًا وعمليًا، ثم المدارسة الموضوعية [3] .
وقد طبقت هذه الطريقة في تدريس التفسير قبل سنة ووجدت أن من وسائل تفعيل هذه الطريقة أن تتلقى الطالبة الأسئلة قبل المحاضرة بأسبوع تقريبًا ليكون تحضيره للمادة التفسيرية بناء عليها فيتعلم الأولويات في تلقي التفسير وترتيب المادة العلمية كذلك، ثم بعد ذلك تترقى الطالبة لأن يكون هي من تعد الأسئلة التفسيرية، فكان لها أثر على المتلقيات.
ومن فوائد هذه الطريقة: إثارة العقل والتفكير في فهم القرآن بحيث لا يدعي الإنسان لنفسه الفهم -وكثيرًا ما يحصل ذلك- فالسؤال إذا ظهر اشتدت الحاجة للفهم ومن ثم البحث، وهنا تظهر الفائدة من أن قارئ القرآن بحاجة مستمرة لتدبر القرآن ومراجعة كلام السلف، وتأمل كيف يكون العمل بالآية وبالتالي تأمل الواقع
(1) صحيح مسلم (4/ 2074) برقم: 2699.
(2) الإصابة 4/ 125، إعلام الموقعين.
(3) للدكتور محمد الربيعة اهتمام كبير بأسلوب المدارسة، ويجري التدريس في معهد تدبر بالرياض على هذا الأسلوب بإشرافه.