إن الفقر في اللغة هو الحاجة، ورد في لسان العرب (الفقر هو الحاجة ... والفقير هو المحتاج .... ووجوه الفقر لا واحد لها) [1] , أما الفقر في باب الزكاة فالسائد أنه خاص بحاجة المأكل والملبس، وتحديد الفقر تحديد للوسيلة، إلا أن تطبيقات الفقهاء وتحليلاتهم وشروحهم تظهر نقض هذا الحصر لمعنى الفقر إذا أخذناه على ظاهره، وترجح عموم الفقر من حيث المبدأ، وركزنا على عموم الفقر لأن عمومه يقضي عموم وسيلته، ويؤيد عموم الفقر شواهد من القرآن والسنة، وأقوال الصحابة، كما أن حمل الفقر على المعنى الضيق يترتب عليه تناقض عبارات الفقيه الواحد، وهذا ما دفعنا لترجيح القول بعموم لفظ الفقر في الآية [2] ، ونذكر أهم الأسانيد لتأييد القول بعموم لفظ الفقر من حيث المبدأ، وتكون البداية بالشواهد القرآنية.
إن القرآن الكريم استخدم لفظ الفقر لعدة حاجات، منها الحاجة للمأكل والملبس، والزواج، والمغفرة، ورحمة العون، والعون والسن، فمن النصوص التي ذكرت الفقر للمعاني السابقة قوله تعالى: {لِلْفُقَرَاء الَّذِينَ أُحصِرُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ} (273) سورة البقرة, وقوله تعالى: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء وَاللّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} (268) سورة البقرة ,وقوله تعالى: {فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} (24) سورة القصص, وقوله تعالى: {وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} (32) سورة النور، ثم عبر بعد ذلك بالفقر فقط كوعاء للصدقة, فقال تعالى: {إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} (271) سورة البقرة، واتفق الفقهاء وعلماء التفسير على شمول هذا النص لكل مصارف الصدقات [3] ، وهذا دليل على عموم لفظ الفقر، وشموله لكل أنواع الفقر من حيث المبدأ، وغن كان هناك حصر فلابد له من قرينة.
(1) -ابن منظور - أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم - لسان العرب - بيروت - دار صادر - ب ط - ب ت - 5/ 60 وما بعدها.
(2) - لفظ الآية في هذا البحث يراد به آية الصدقات.
(3) - ابن كثير , تفسير ابن كثير 1/ 572 - 574. القرطبي, الجامع لأحكام القرآن 2/ 352 وما بعدها. الطبرسي , مجمع البيان المجلد الأول 2/ 349. بن عاشور , التحرير والتنوير 3/ 66.