إن هذه العقود في الأصل عدم شرعيتها لأمور، منها الربا, وبيع الثمر قبل بدو صلاحه, وللغرر، وللجهل، إلا أن هذه العقود أجيزت، وسبب إجازتها هو الحاجة، هنا ليست حاجة الأفراد أطراف العلاقة، أي مالك الأرض، أو الشجر، أو المال، وإنما هي حاجة المال نفسه للخدمة، ففي المساقاة أساس شرعيتها حاجة الشجر للخدمة، ولهذا حصرها العلماء في الأشجار المحتاجة للخدمة، وإن اختلف تقدير الأموال المحتاجة للخدمة، فهذا اختلاف في تقدير الحاجة، لا بناء الحكم على الحاجة، أي خلاف تطبيقي، وليس في الأساس، والأمر في بقية العقود لا يختلف، ففي المضاربة حاجة المال للخدمة، وفي المزارعة حاجة الأرض للخدمة, وكذلك الأمر في الإجارة، ولهذا السب لا يختلف الأمر إذا كان المالك غنيا، أو فقيرا, محتاجا أو غير محتاج، لأنه لا عبرة بحالة صاحب المال، الأرض، أو الشجر، أو المال أي النقد، وما في حكمه، وهو المال النامي، أو في معنى النماء. أساس الشرعية, وفي الاستصناع الحاجة للصناعات في المجتمع, وهذه الأحكام محل اتفاق عند الفقهاء بالنسبة لهذه الموارد, وإن اختلف اسم العقد, فمثلا أعمال المساقاة، والمزارعة، والمغارسة أساس شرعيتها حاجة الأصول التي يقع عليها العمل للخدمة، والخلاف بين أبي حنيفة والجمهور في تقدير ما تندفع به الحاجة، كما أن الغرر والجهالة يكتنفان العقد، إجارة كان، أو مساقاة ,إن اختلفت صورته، وكذلك الاستصناع، فحاجة الصناعات للخدمة هي أساس شرعية عقد الاستصناع, كان العقد إجارة، أو سلما، أواستصناعا، لأن جميع هذه العقود لا تخلو من محظور، ربا، أو جهالة، أو غرر، والعمل واحد، وإن اختلف اسمه.
هذه أهم الأحكام الدالة على توظيف الموارد الاقتصادية، ومكانتها في الفقه الإسلامي، ونوضح وجه دلالة هذه الأحكام على ترسيخ الفقه الإسلامي لمبدأ توظيف الموارد الاقتصادية.
تدل الأحكام السابقة على أهمية توظيف الموارد الاقتصادية جملة, ونظرة الفقه الإسلامي لتوظيف الموارد الاقتصادية، فالأحكام السابقة شملت الحاجة لخدمة الأرض، والشجر، والأموال النامية، أو القابلة للنماء، كالنقود، وعروض التجارة، والنفط، والغاز، وغيرها مما هو في معنى هذه الأموال, كما شملت الصناعات، وذلك من خلال أحكام الاستصناع، وشملت كذلك التمويل الزراعي من خلال عقد السلم، ولا معنى لخدمة هذه الموارد إلا توظيفها، فالتوظيف هو أثر الخدمة، أي يترتب على خدمة المال توظيفه،