فالتوظيف نتيجة طبيعية للخدمة، والأمر لم يقتصر على مورد دون مورد بل شمل كل الموارد الموجودة زمنهم، ولو توسعنا في معنا المورد فلا يمكن خروج الموارد الحالية عن هذه الموارد.
إن دلالة الأحكام السابقة على توظيف الموارد الاقتصادية ظاهرة, بل إن الأمر لم يقتصر على توظيف الموارد الاقتصادية بل تعدى ذلك إلى تفعيل هذه الموارد، ووضعها في مصاف الأولويات، والدليل على ذلك من خلال الأحكام السابقة هو جعل خدمة المال- وبتعبير اقتصادي حديث توظيف المال- من الحاجات الأساسية للمجتمع، بل هي من أولويات المسلم، ولا نكون قد بالغنا إذا قلنا بان أحكام الفقه الإسلامي رسخت مبدأ مفاده جعل توظيف الموارد الاقتصادية من الضروريات، أي أن الحاجة لخدمة الأموال تنزل منزلة الضرورة، ولا نعدم الدليل على هذا المبدأ إذا أمعنا النظرة في الأحكام السابقة, فالحاجة التي من أجلها أجيز ربا الديون, وربا البيوع، والمخاطرة، والجهالة أقل ما يقال عنها أنها تنزل منزلة الضرورة، أي أن توظيف الأموال إن لم يكن ضرورة فهو حاجة من الحاجات التي تنزل منزلة الضرورة، فالمضاربة شرعت لحاجة المال للخدمة، أي لتوظيف النقود وما في معناها، أي الأموال النامية أو في معنى النماء، والمضاربة من الأصل في معنى السلف بزيادة، أي تتضمن ربا الديون، وإجازتها إباحة لربا الديون لحاجة مال المضاربة للخدمة، والسلم يقتضي ربا البيوع، وأجيز للحاجة، أي توظيف الأموال, والحاجة في المساقاة والمغارسة والمزارعة، والاستصناع، والإجارة أجيز من أجل الحاجة لتوظيف هذه الموارد الجهل والغرر، وربا البيوع.
إن تفعيل هذه الموارد وعدها من الحاجات الأساسية للمجتمع، والتي تصل إلى حكم الضرورة، وغجازة ما هو محرم من حيث الأصل لهذه الحاجة، كان التحريم لذاته كربا الديون, أو سدا للذريعة كربا الجاهلية، أو لمعنى كالجاهلة لافضائها للمنازعة دليل على اهتمام الشارع بتوظيف الموارد الاقتصادية، وجعله من أولوياته، لأن تفعيل هذه الموارد ما هو إلا توظيف لهاو ولم يقتصر الأمر على مورد دون أخر، بل شملت كل الموارد المتاحة زمن الفقهاء، فلا معنى لحاجة المال للخدمة إلا تفعيله وتوظيفه.
إذا كانت هذه العقود لسد حاجة من الحاجات الأساسية للمجتمع، وهذه الحاجة هي خدمة الموارد الاقتصادية، ونتيجتها توظيف هذه الموارد، وهذا يجعل هذه العقود وسائل لسد الحاجة, وأن هذه الحاجة لا يمكن سدها بوسيلة أخرى أكثر شرعية، ولهذا كان قدر الحاجة من أهم قيود شرعية هذه العقود، وحدودها، أي الاقتصار على قدر الحاجة، ويوضح هذا