بمداد السماء {منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى} .
في هذا السكون الشامل، والمنظر الرهيب، وصوت الفتى الحزين، تذكَّر يسار حديث الشيخ عن الآخرة، كان ينصت إليه بكل جوارحه، والشيخ يصف الآخرة وصفًا كأنَّه رآها بعينيه، كأنه اطَّلع على كل ما فيها ثم جاء يحدثنا ولسان حاله يقول: أنا النذير العريان. لم ير الشيخ يبكي في يوم من الأيام، ولا يخرج عن حاله، ولكنه كان يشعر من خلال صوته، من اهتزاز نبراته، من شدة تأثره، كأن الدموع تنزل من قلبه، كأنه يبكي بصمت .. أما هو .. الشاب المرهف الرقيق الحس، الذي يتفجر قلبه بالعواطف فلا يستطيع أن يتمالك نفسه من البكاء ..
كان حديث الشيخ يبدأ بعد صلاة الفجر، وكان لا يزيد على دقائق معدودات، وكان يهز القلوب، يملؤها، ويحرك النفوس إلى طاعة الله، إلى معرفة الطريق إلى الله.
كان يبدأ حديثه هادئًا هدوء الفجر طريًا نديًا، جميلًا جديدًا جادًا، لا يتكلف، ولا يأتي بالغريب، ولا يذهب مذاهب الوعَّاظ والمعلمين ..
كانت كلماته تسري إلى نفوس مريديه فتنجذب إليه، تهفو لسماعه وترغب في المزيد، يود الواحد منهم لو يقول له: لا تتوقف يا شيخ .. لا تُنه حديثك ..
ولكنهم لم يكونوا يقولونها؛ لأنهم يعلمون أن الشيخ يرى أن ما حدَّثهم فيه الكفاية، وسوف يواصل حديثه غدًا، وفي مثل هذا الوقت.
لقد عاش يسار هذه المعاني الإيمانية، وامتلأت بها نفسه، ووقف على باب قلبه يرد عنه كل طارق غير الله، فنشطت أعضاؤه إلى طاعة الله، وازدانت نفسه بالإيمان، الإيمان الذي يضيء القلب، وينعش الروح ويخلع عنها أردية الكسل والخمول، ويضفي عليها حلل البهجة والراحة والسرور.
وكانت قراءة الإمام، وهو يؤم المصلين، حزينة مترسِّلة، وفي صوته رعشة تهز القلوب. وقناديل المسجد التي تنشر نورًا خافتًا دافئًا، والجدران السميكة البيضاء،