الصفحة 18 من 118

والأعمدة الصاعدة الصامتة وكل حجر، كل نأمة، كل شيء .. كل شيء .. كأن جبريل قد نزل في تلك الساعة يتلو بصوته الملائكي {إن قرآن الفجر كان مشهودًا} .

قال أبو الحسن الورَّاق:

وبعد صلاة الفجر جلس الشيخ يتحدث .. بعد تلك الرحلة السماوية التي استمد فيها المصلون من السماء سببًا إلى السماء. جلس الشيخ يتحدث عن يوسف الصديق، الفتى الذي ضرب مثلًا أعلى في الصبر عن المرأة المغرمة العاشقة الوَلْهى. وأخذ يصف ثباته وعِفَّته، وخشيته لله، ومراقبته له، وتعبُّده وتصوُّنه ..

كان يتكلم بأسلوب القرآن الواضح البليغ، وبعرضه التصويري البديع، كانت أنفاس الكتاب الكريم تعبق من أنفاسه، وشذى السلف الصالح ونسيم ريَّاهم من نسيمه .. وكل مُريد يشعر أنه يوسف نفسه.

قال: ومما يزيد في تأثير حديث الشيخ، مكانته في نفوس مريديه، وسطوع حجته، ونبرات صوته، وحسن إلقائه، ومحكم إشاراته، وكانت عيونه تنطق بالحب لكل واحدٍ منهم، كان يشعر كل واحد بأنه يهتم به وحده، دون غيره، يهتمُّ بشؤونه وشجونه .. فتتفتح نفس المريد، ويصارح الشيخ بما لم يصارح به أحدًا من الخلق، والشيخ يصغي إليه، ثم يشير عليه، ويثبته ويرشده، ويأخذ بيده، يُعينه على مواصلة السير في قافلة الإيمان ..

قال أبو العرفان: كان يسار يتردد بين حين وآخر على سوق العطَّارين، وإلى هذا السوق تُجلب أجود أنواع العطور في الدنيا، ويؤمَّه الرجال والنساء من شتى الأجناس. ولا شيء يستهوي النساء، وخاصة الأعجميات، كهذا السوق .. وهو أول ما يستهوي الوفود القادمة من بلاد الروم والترك وفارس والهند، ومن بلاد الحبشة .. وبلاد أخرى بعيدة لم نسمع بها ..

وسوق العطَّارين .. يمتاز بالأناقة والنظافة والجمال، فيه الدكاكين الصغيرة المتناسقة، التي زينت واجهاتها وعني بمظهرها .. والمصابيح الملونة، وقوارير العطر، وشدات الورد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت