الصفحة 40 من 118

حتى إذا انتهى الأذان، انتفض قائمًا، وأسرع فتوضأ، ثم ارتدى ملابسه وغادر البيت ..

وبعد صلاة الفجر، تحلَّق المصلون حول الشيخ يستمعون إلى حديثه.

وتحدث الشيخ عن منازل السائرين ..

كان يستعين في تجسيم المعنى وتوضيحه وتقريبه إلى أذهان مريديه، بالأمثلة الواضحة اللامعة، كما يستعين الملاَّح بالنجم الثاقب في الليلة الظلماء.

كانت كلمات الشيخ تسطع في النفس كما تسطع النجوم في السماء، وتتصل بالروح تمد لها بسبب إلى التقوى، وهي بعد ذلك أشبه بالماء الزلال عصرته العيون، فخرج خالصًا سائغًا شرابه، يرف بندى الحياة ..

وضرب مثلًا للسائرين إلى الله، كجماعة أرادوا الصعود إلى جبل، فمنهم من تخلَّف من أول الطريق، وقد هاله ارتفاع الجبل، فانهارت عزيمته. ومنهم من أدركه التعب وهو لم يبلغ ربع المسافة. ومنهم من وصل إلى نصفه، لكنه عثر فتدحرج .. فقد يقوم هذا المتدحرج ليعاود تسلق الجبل .. وقد تقعد به الهمة فيبقى في مكانه الذي انتهى إليه.

والسعيد السعيد من استطاع أن يبلغ القمة.

كان الشيخ يتحدث والجماعة المحيطة به تصغي إليه إصغاء تامًا وقد أخذ بعضهم يكتب على لوح أحضره معه، حديث الشيخ لكي لا ينساه .. وكان بعضهم يتنهد بحرارة وهو يقارن حاله بما يسمع.

وكان مما يزيد من تأثير حديث الشيخ، أنه لسان حاله .. وحاله ظاهر في لسانه. وكان عفيفًا عابدًا ناسكًا، صوامًا قوامًا، ذاكرًا لله تعالى في كل أمر وعلى كل حال، رجَّاعًا إلى الله تعالى في سائر الأحوال، وقَّافًا عند حدود الله تعالى وأوامره. لا تكاد نفسه الكبيرة تشبع من العلم ولا تروي من المطالعة ولا تمل من الانشغال، مع تصوُّن تام، وتعبد واقتصاد في المأكل والملبس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت