وأخذ يحدثها بكل ما يعرف عنه، عن علمه وورعه، وزهده وتواضعه وعن حسنه وأخلاقه وعذوبة منطقه.
وسكت قليلًا، ثم أضاف قائلًا:
-نظرة واحدة إليه تكفي لاستيعاب كل ما كتبه الزهاد .. فما حوى الكتاب بين دفتيه، ترينه في هذا الفتى الذي يسير على قدميه.
وتنهَّد حسَّان بن معيقيب وقال:
-ذلك الرجل عرف الطريق إلى ربه ..
قال أبو العرفان: فأنصتت الجارية بكل اهتمام، وأخذت بما سمعت، وعزمت في قرارة نفسها على أن تحظى به ..
كانت غرفة الاستقبال مفروشة بالسجاد العبقري الموشى، والستائر خضراء تتخللها خيوط صفراء بلون الذهب، والقناديل الملونة تتدلى من السقف وهي تتمايل سكرى. وفي زوايا الغرفة قناديل أخرى تفوح منها رائحة المسك.
ومالت الجارية برأسها، وسألت حبيب بن مسعود:
-هل هو متزوج؟
واستطاع أبو محمود، وكان حاضر النكتة، سريع البديهة، يتقن اللغة التركية، وعددًا من اللغات الأعجمية، وكان قد سافر إلى بلاد شارلمان وجرت له من الحوادث ما لا يتسع المجال لذكرها .. قال، وكان يتحف الحاضرين بما رأى في تلك البلاد ..
استطاع أبو محمود أن يدرك ما يدور في خلد الجارية، فقال وهو يضحك:
-لا سبيل لك إلى يسار.
فالتفتت إليه متحدِّية وقالت:
-سوف ترى ..