الصفحة 69 من 118

-إلى الشام.

قال أبو الحسن الورَّاق: واهتزت الجارية لسماع الخبر، وقد فوجئت به .. إلى الشام .. !!

ماذا يريد مريد من الشام؟!

أتراه يريد أن يتركها .. دون أن يخبرها أو يطلعها على موضوع سفره؟!

هل نسي مريد يوم جاء به أبوها طريدًا شريدًا عاريًا ..

كان ذلك منذ سنين مضت ..

يوم كانت سرشير صغيرة تلعب في حديقة البيت عندما أقبل أبوها على جواد أدهم، وأقد أردف خلفه غلامًا نحيفًا في غير هزال لا يستر جسمه البرونزي إلا خرقة تستر عورته. كان الغلام يبدو غريبًا متوحشًا، تلمع عيناه ببريق مخيف. فلما رأته تملكها رعب مفاجئ، فهربت صارخة إلى أحضان أمها التي طوقتها بذراعيها وهي تقول:

-لا تخافي .. لا تخافي يا بنتي.

ثم ترجل أبوها، وأمر بأن يؤخذ الغلام إلى الحمام. وحاول أن يتمرد، فكلمه بلطف، وربت على رأسه، فانصاع الغلام. ثم كساه بدلة بيضاء أضفت عليه سمتًا مقبولًا، وأحضر له مؤدبًا علَّمه كثيرًا مما يحتاج إليه أمثاله، وبقيت مدة لم تحاول الاقتراب منه أو الكلام معه. وكان هو أيضًا ينعزل في ركن من الحديقة الكبيرة التي تطرز حواشيها الأزهار من كل نوع، وتنتشر في أرجائها الطيور الصغيرة الملونة، طيور الجنة، وعدد من البط يختال قرب حوض الماء.

ولم تمض أيام حتى تغير الغلام تمامًا .. لم يعد ذلك الغلام النحيف العري الجسم الموحش .. كانت تسترق إليه النظر وهو يأكل، وتسترق إليه النظر وهو يجلس أمام مؤدبه. وقد كانت ترميه بكرة الصوف أحيانًا أو ببقايا التفاح، فإذا نظر إليه شزرًا لاذت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت