الصفحة 107 من 285

فقال فيه: (وخلق الأشياء لا من شيءٍ) : أي أبدع أصول الأشياء لا من سبق مادة ولا مدخلية شيء آخر، وتأثريه في خلها كما دلّ عليه العموم بالوقوع في سياق النفي، ففيه إشارةٌ إلى إثبات علمه الشامل لجميع الأشياء بوجوهٍ:

الأول: إثبات بخلقه للأشياء، فإنه يقتضي معلومية الأشياء قبل أن تخلق.

الثاني: أنه يدل على قدرة الخالق: أي كونه فاعلًا بالقصد والاختيار؛ لأن الخلق إيجاد عن عدم، ولا يتصور الفعل بالقصد والاختيار إلا مع العلم بالمقصود.

الثالث: أن الخلق البديع يدل على علم الخالق.

وتقريره: أن خلقه تعالى وأفعاله متقنٌ مشتملٌ على الصبع الغريب والتتريب العجيب، وكل من كان فعله كذلك فهو عالمٌ، أما الصغرى فظاهرة لمن نظر في الآفاق ولأنفس، وارتباط العلويات بالسفليات، وما أعطى الحيوانات من الأسباب، والآلات المناسبة لمصالحها، وما أعطى النحل والعنكبوت من العلم، بما يفعاه من التيوت بلا فرجار وآلة، كما دلَّ قوله تعالى: (( وَأَوْحى ربَّك إلى النحل أن اتَخِذي من الجبال بيوتا ) ) (النحل: 68) ، وأما الكبرى فضرورية.

وقد ينبه عليها بأن من رأى خطوطًا حسنة أو سمع ألفاظًا عذبة تدل على معانٍ دقيقةٍ جزم بأن مصدرها عالم، وتوهم كفاية الظن مدفوع بالتكرر و التكثر على أن التصور ضروري، وهو كاف في القصود، وفيه تصريحٌ بما مرّت الإشارة إليه من نفي قدم الهيولى، كما قالت الفلاسفة، ونفي كون إحداث الحادث متوقفًا على استعدادات متعاقبةٍ، و كون كل سابقٍ شرطًا للاحق، ونفي إسناد الحوادث في عالم العناصر إلى العقل العاشر كما زعموا، وتصريح بكون أصول الأشياء مستندة إلى الله تعالى خلقًا من غير واسطةٍ فيه، وإشارة إلى الأخذ من قوله تعالى: (( ألا يعلم من خلق و وهو اللّطيفُ الخبيرُ ) ) (الملك: 14) ، وقوله: (بَدِيعُ السموات) (البقرة:117) .

(يعلم لا كعلمنا) ؛ لأن علمه تعالى ذاتيُّ قديمٌ، كامل منزهٌ عن المعارضة، وعلمنا عرضٌ محدثٌ قاصرٌ معارضٌ بالوهم في بعض أحكامه، (يعلم المعدوم في حال عدمه معدومًا) ؛ لتعقل المعقل المعدومات و الممتنعات من غير اقتضاء الثبوت في الجملة كما مرَّ، أو لتحقق صورته بل صورة الممتنعات أيضًا عنده تعالى، بمعنى تحقق أمر يناسبه او وجد، ولتميز كل فردٍ من العدم عن الآخر بحسب العلم؛ لكون (العلم صفة حقيقية ذات@

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت