ممنوعٌ، (ويعلم الموجود في حال وجوده موجودًا) ؛ لعلمه بوجود العالم بوجود العالم وكل فردٍ منه في حال وجوده، (ويعلم أنه كيف يكون فناؤه) ، إذا أفناه بإرادته تعالى: أي يعلم في الأزل جميع الذوات وجميع الصفات الدّائمة بأوقات حدوثها وأوقات زوالها، بحيث لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء.
وفيه إشارةٌ إلى رد ما ذهب إليه جهم بن صفوان وهشام بن الحكم وتبعهما أبو الحسين البصري: أن علمه تعالى بالجزئيات الحادث يحدث عند حدوثها، وزول عند زوالها، ويحدث علم آخر، وأن ذاته تعالى إنما تقتضي كونه عالمًا بالمعلومات بشرط وقوعها، وأما في الأزل فإنما يعلم الماهيات والحقائق الكلية، متمسكين بأنه لو علم في الأزل جميع الكائنات لكان ما علم وقوعه واجبًا، و ما علم عدمه ممتنعًا، ولا قدرة على الواجب والممتنع، فيلزم ألا يقدر على كل شيءٍ، و سيأتي جوابه وأوضحه بما يجري في الأشخاص أيضًا، فقال فيه: (و يعلم الله) الشخصَ، (القائم في حال قيامه قائمًا) ؛ لشمول علمه الجميع المعلومات؛ لأن الموجب للعلم ذاته تعالى، وللمعلومية ذوات المعلومات ومفهوماتها، ونسبة الذات إلى الكلِّ سواء، فذاته تقتضي كونه عالمًا بجميع المعلومات لا بشرطٍ، (فإذا قعد علمه قاعدًا في حال قعوده) ، وفيه إشارةٌ إلى أنه تعالى عالمٌ بجميع الحوادث الجزئية وأزمنتها الواقعة هي فيها بخصوصها، وإليه أشار بعلمه بالقائم والقاعد في حالهما من غير تغيرٍ في العلم؛ لشموله لجميع الأشياء ودوامه، وإلى الردّ على الفلاسفة الذاهبين إلى أنه يعلمها، لا من حيث إن بعضها واقعٌ الآن، وبعضها في الماضي، وبعضها في المستقبل، كعلم أحدنا بالحوادث المختصّة بأزمنة معينة، فإن العلم بها من هذه الحيثية يتغير، بل يعلمها علمًا متعاليًا عن الدخول تحت الأزمنة ثابتًا أبدًا، وأشار إلى الجواب عنه وعما تمسّك به القائلون بحدوث علمه بالجزئيات بقوله فيه: (من غير أن يتغير علمه) بأن يزول (أو يحدث له علمٌ آخر) ، فأشار إلى منع لزوم التغير في العلم من تعلقه بالجزئيات المتغيرة، بل التغير إمنا هو في الإضافة والتعلق؛ لأن العلم صفة حقيقية ذات إضافةٍ، يتغير بإضافته فقط في تعلقه بالمتغيرات، وهو مفهومٌ اعتباريٌّ يجوز التغير فيه.
والحاصل: أن تعلق علمه تعالى بالمتجددات على وجثين:
الأول: تعقه بأنها ستوجد أو ستعدم: أي علمه بوجود كل منها مقيدًا بوقت وجوده وتدمه كذلك.
والثاني: بعلقه بأنها وجدت الآن أو قبل هذا، وكل من هذين العلقين متناهٍ، متغير بتناهي المتجددات، وتغيرها من غير إيجابٍ تغير في صفة العلم، ولا تغير أمر حقيقي في@