وفي المقام إشاراتٌ إلى مسائل:
الأولى: أن تلك الصفات صفاتٌ حقيقيةٌ، وليست من الأحوال كالعالمية والقادرية وغيرهما كنا زعمه المعتزلة، وإليه أشار ببيان الصفات.
الثانية: أن الصفات الحقيقية باقية ببقاء الذات، فإنه للذات والصفات، فعلمه تعالى وقدرته وسائر صفاته لا يحتاج إلى بقاء مغاير يقوم به؛ لما مرّ أن البقاء هو الوجود مع الزمان الثاني، وليس صفة زائدة.
وإليه أشار بقوله: عالمًا بعمله، والعلم صفته في الأزل، وقوله: قادرًا بقدرته، والقدرة صفته في الأزل، واختاره عامة المتكلمين، واستدلوا بأنها ليست غير الذات ومنفكاًّ عنها، فبقاء الذات بقاء لها، بخلاف بقاء الجوهر، فإنه لا يكون بقاء لأعراضه لكونها مغايرة له.
وإليه أشار الإمام أبو منصور الماتريدي بقوله بعدما أثبت الصفات الحقيقية: إن الله عالمٌ بذاته، قادرٌ بذاته؛ تنصيصًا على دفع وهم المغايرة، والاحتياج إلى بقاء مغاير لبقاء الذات.
والاعتراض بأنه لو كانت الصفات باقية ببقاء الذات لعدم التغاير لكابت عالمة بعلمه، قادرة بقدرته إلى غير ذلك، مدفوع بأن ذلك فرع صحة الاتصاف، وقد صحّ كون العلم مثلًا باقيًا، بخلاف قادرًا.
الثالثة: الرد على المعتزلة القائلين بأن الصفات لو كانت باقية فيلزم قيام العرض بالعرض؛ إذ البقاء عرضٌ.
وقد يُجاب بأنه إن أريد بالعرض الموجود القائم بغيره فلا نسلم وجود البقاء، وإن أريد المعنى القائم بغيره مطلقًا وجوديًّا كان أو عدميًّا فلا نسلم استحالة قيامه بالعرض، ألا ترى أن كل عرضٍ متصف بالبقاء في زمانٍ ما اتفاقًا، فكيف يُقال باستحالته، وبأن الصفة باقية ببقاءٍ هو نفسها؟ فالعلم مثلًا صفة للذات، بها يمون الذات عالمًا، وبقاء لنفسه به يكون هو باقيًا، كما أن بقاء الله تعالى بقاء له، وبقاء للبقاء، وهو رواية أيضًا عن الأشاعرة، واختاره الأستاذ وبعض أصحابنا كما في التسديد والاعتماد.
(ص) : (ويرى لا كرؤيتنا الأشياء) .
(ش) : الصفة الثالثة: ما أشار إليه بقوله في الفقه الأبسط: (ويرى لا كرؤيتنا الأشياء) ؛ لأنا نحتاج إلى الآلة لسبب عجزنا وقصورنا، وذات الباري تعالى منزهةٌ عن القصور، فيحصل له بلا آلةٍ ما لا يحصل لنا إلا بها، فرؤيته تعالى خلاف رؤيتنا، وفيه إشارةٌ إلى أن رؤيته تعالى تتعلق بالموجودات دون المعدومات، كما صرَّح به صاحب التلخيص@