والكفاية، واختاره عامة المتكلمين، واستدلوا عليه بأن الرؤية إنما تتعلق بما يصح أن يكون مرئيًّا، والمعدوم في حال عدمه ليس كذلك، فلا يتعلق به إلا بعد وجوده، ولا يلزم نقص فيها بعدم التعلق بالمعدومات، كعدم تعلق السمع بالألوان، ولا يلزم التغير في الصفة نفسها عند تعلقها بالمجودات، بل هي في التعلق كسائر الصفات كما في الاعتماد، وإلى الأخذ من قوله تعالى: (( ألم يعلم بأن الله يرى ) ) (العلق:14) ، (( وهو السميع البصير ) ) (الشورى:11) .
(ص) : (ويسمع لا كسمعنا) .
(ش) : الصفة الرابعة: ما أشار إليه بقوله في تعض نسخ الفقه الأكبر: (ويسمع لا كسمعنا) للأصوات، وفي سوقها مساق الثابت المفروغ عن إثباته من الضروريات، أشار إلى أن كونه تعالى سميعًا بصيرًا مما عُلم بالضرورة من دين نبينا صلى الله عليه وسلم، والقرآن والحديث مملوء منه بحيث لا يمكن إنكار، والإجماع منعقدٌ عليه، فلا حاجة للاستدلال عليه كما هو حق سائر الضروريات الدينية، وأنه لما دلّت القواطع العقلية والنقلية على أنه تعالى منزهٌ عن الآلات ثبت أن رؤيته وسمعه خلاف رؤية المخلوقين وسمعهم؛ لاحتياجهم إلى الآلة بسبب عجزهم وقصورهم، بخلاف ذاته تعالى.
وفيه إشاراتٌ إلى مسائل:
الأولى: الرد على النافين للسمع والبصر عنه تعالى، متمسكين بأنهما لتأثر الحاسة عن المسموع والمبصر، أو مشروطان به كسائر الإحساسات، وإنه محالٌ في حقه تعالى، وبأن إثبات السمع والبصر في الأزل، ولا مسموع ولا مبصر فيه خروج عن المعقول.
وأجيب: بمنع المقدمة الأولى؛ إذ لا يلزم من حصولهما مقارنا للتأثر فينا، كونهما، نفس ذلك الأثر أو مشروطين به، وإن سلمنا أنه كذلك فلا نسلم أنه في الغائب كذلك، فإن صفاته تعالى مخالفة بالحقيقية لصفاتنا، فجاز ألا يكون سمعه ولا بصره نفس التأثر ولا مشروطًا به، وجاز أن يكون ثابتًا له في الأزل بلا وجود مسموع ولا مبصر فيه، وإليه أشار بقوله: لا كرؤيتنا.
الثانية: أن كلًا منهما صفة قديمة لها متعلقات حادثة: كالعلم والقدرة، وإليه أشار بسوقهما مساق سائر الصفات.
الثالث: كونهما صفتين مغايرتين للعلم كما دلّ العطف؛ لورودهما بصيغة المشتقات من الصفات الدالة على ما يلزم معانيها المصدرية من الأمور العينيات، وقيامها بالذات بالاستقلال كسائر الصفات، وللفرق البديهي بين علمنا بشيءٍ علمًا تامًا تامًا جلياًّ@