وبين إبصارنا إياه، فإنا نعلم بالضرورة أن الحالة الثانية تشتمل على أمرٍ زائدٍ مع حصول العالم فيهما، وكذا حل السمع.
وإليه أشار بقوله: بالسوق مسوق مساق الصفات، والتعرض لرؤيتنا وسمعنا بعد ذكر العلم الشامل للمعلومات.
الرابعة: الرد على الفلاسفة الإسلامية، والأشعري ومتبعيه، وبعض المعتزلة القائلين بإرجاع السمع إلى العلم بالمسموعات، والبصر إلى العلم بالمبصرات، كما في المحصل والمواقف كما مرّ تفصيله.
(ص) : (يتكلم لا ككلامنا؛ نحن نتكلم بالآلات من المخارج والحروف، والله متكلمٌ بلا آلةٍ ولا حرف؛ فصفاته غير محدثةٍ ولا مخلوقةٍ، والتغير والاختلاف في الأحوال يحدث في الخلوقين، ومن قال: أنها محدثةٌ أو مخلوقةٌ أو بوقف فيها أو شك فيها فهو كافرٌ) .
(ش) : الصفة الخامسة: ما أشار إليه بقوله فيه: (ويتكلم لا ككلامنا) ، وفيه إشارةٌ أيضًا إل أن كونه تعالى متكلمًا مما عُلم بالضرورة الدينية؛ لإجماع الأنبياء على كونه متكلمًا، وتواتر نقل ذلك عنهم، ولا يتوقف ثبوت النبوة على الكلام حتى لا يمكن إثبات الكلام بالنقل عن الأنبياء؛ لجواز إرسال الرسل بأن يخلق الله تعالى فيهم علمًا ضروريًّا برسالتهم من الله تعالى في تبليغ أحكامه، ويصدقهم بخلق المعجزة حال تحدّيهم، فثبتت رسالتهم من غير توقف على ثبوت الكلام، ثم ثبتت صفة الكلام بقولهم كما في شرح العقائد العضدية، بيّن مخالفة كلامه تعالى لكلام المخلوقين بقوله: (نحن نتكلم) في كلامنا الحسِّي (بالآلات من المخارج) المعهودة والعضلات الممدودة، (والروف) المترتبة في الوجود، والألفاظ المتعاقبة لعدم مساعدة الآلة على التلفظ بدون الترتيب للعجز والقصور، (والله متكلمٌ) بكلامه الذي هو صفته (بلا آلة) ؛ لتنزه ذاته عن القصور والاحتياج إلى الآلة، فيحصل له تعالى بلا آلةٍ ما لا يحصل لنا إلا بها، (ولا حرف) لتنزهه عن الصوت، وكيفيته القائمة بالهواء لحدوثها، فلو تألف كلامه من الحروف لزم الحدوث ضرورة توقف الحروف المقطعات على التموجات المتعاقبات.
وفيه إشاراتٌ إلى مسائل:
الأولى: أن كلامه القائم به خلاف كلام المخلوقات [1] .@
(1) قال أبو المعين النسفي: إن كلام الله تعالى صفة أزلية لله تعالى عند أهل السنة والجماعة، وقالت المعتزلة: إنه مُحدَثٌ مخلوقٌ. والخلاف بيننا وبينهم في الحقيقة في ماهية الكلام. فعندنا كلام الله تعالى صفة أزلية قائمة بذات الله تعالى ليس من جنس الروف والأصوات وأنه واحد غير متجزئ وليس بعبري ولا سوري ولا عربي، غير أن الخلوقين يعبرون عن هذا الواحد بعبارات مختلفة. فإذا عبروا عنه بالعبرية سمي توراة وإذا عبروا عنه بالسورية سمي إنجيلًا، وإذا عبروا عنه بالعربية سمي قرآنًا. وصار القول فيه كالقول في ذات الله تعالى فإنه يعبر عنه بعبارات مختلفة حتى يسمى بكل لسان باسم آخر مع أن ذات الله تعالى واحد لا يتعدد. فكذلك في نحن فيه. والدليل على كلام الله تعالى صفة أزلية قائمة بذاته أنه لو كان حادثًا لكان الحال لا يخلو إما أن يكون حادثًا في محل آخر أو لا في محل، والكل باطل.