الصفحة 123 من 285

قصدًا كسبق الإيجاد إيجابًا، في جواز كونهما بالذات دون الزمان، وفي جواز كون أثرهما قديمًا، فلا يوجد في كتاب الأبكار إلا ما قال على سبيل الاعتراض من أنه لا يمتنع أن يكون وجود العالم أزليًَا مستندًا إلى الواجب تعالى، ويكونان معًا في الوجود بلا تقدمٍ إلا بالذات، كما في حركة اليد والخاتم، واقتصر في الجواب على دفع السند، قالًا: لا نسلم استناد حركة الخاتم إلى حركة اليد، بل هما معلولان لأمرٍ خارجٍ، نعم صرّح في شرح الإشارات بأن الفلاسفة لم يذهبوا إلى أن القديم يمتنع أن يكون فعلًا لفاعلٍ مختارٍ، ولا إلى أن المبدأ الأول ليس بقادرٍ، بل إن قدرته واختياره لا يوجبان كثرة في ذاته تعالى، وإن فاعليته ليست كفاعلية المختارين من الحيوان، ولا كفاعلية المجبورين من ذوي البائع الجسمانية؛ وإلى أنه أزليّ تامٌّ في الفاعلية، وأن العالم أزلي مستند إليه.

وأنت خبير بأن هذا احترازٌ عن شناعة نفي القادرة والاختيار عن الصانع، وإلا فكونه عندهم موجبًا بالذات لا فاعلًا بالاختيار أشهر من أن يمنع، واستشكل الإمام الرازي استناد القديم إلى الموجب أيضًا بأن تأثيره في شيءٍ يمتنع أن يكون حال بقائه، وإلا يلزم إيجاد الموجود، فتعين أن يكون حال حدوثه أو عدمه فيكون حادثًا لا قديمًا.

وجوابه أن الممتنع إيجاد الموجود بوجود حاصل بغير هذا الإيجاد، وهو غير لازمٍ، وأن معنى تأثير المؤثر في الشيء وإيجاده إياه حال بقائه هو أن وخوده يفتقر إلى وجود المؤثر، ويدوم بدوامه من غير أن يكون هناك تحصيل ما لم يكن حاصلًا؛ ليلزم حدوثه كما في شرح المقاصد.

الثانية: أن الصفات الحقيقية ليست واجبات بالذات، بل قديمات مفتقرة إلى الذات.

وإليه أشار بقواه: وصفاته في الأزل .. إلى آخره.

وقد تكلم في هذه المسألة قدماء الحكماء والمتكلمين، كما نفله الإمام في المسائل الأربعين عن الرئيس، وجزم بأن علة الإمكان الافتقار.

ونازعه فيه الإمام القرافي في حواشيه عل هذا المسائل فقال: الصفات يجب قيامها بالموصوف، ويستحيل عليها القيام بنفسها، فإن عنيتم بالافتقار هذا القدر فمسلمٌ، لكن العبارة رديئة ولا يلزم منه الإمكان؛ إذ الإمكان؛ إذ الافتقار على هذا التقدير في القيام لا في الوجود، ولا يلزم من الافتقار في القيام الافتقار في الوجود، فإن العرض مفتقر للجوهر في قيامه، ونستغنٍ عنه في وجوده، فإنه من الله تعالى، فلا يلزم من مطلق الافتقار الإمكان، فبطل قوله: كل مفتقرٍ ممكنٌ، بل المفتقر يكون افتقاره باعتبار تركيبه وباعتبار قيامه، وأن افتقار صفة لموصوفها باعتبار قيامها لا باعتبار وجودها كافتقار الأثر للمؤثر، وهذا هو القاضي@

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت