غير مغلوبٍ ولا مستكرهٍ مع عدم الإرادة، وكذا قول الكرامية؛ لامتناع قيام الحوادث بذات الله تعالى كما مرّ، وكذا قول أبي علي ومن تبعه من المعتزلة؛ لأن قيام صفة الشيء بنفسها محالٌ بالضرورة، فثبت أنها صفة وجودية ذات إضافة قائمة به تعالى؛ لأنه مختارٌ كما مرّ، والفعل الإختياري لا يتجرد عن الإرادة، وزائدة على الذات لما مرّ، وقديمة لامتناع قيام الحوادث بذاته تعالى، وشاملة لجميع الكائنات، غير شاملةٍ لما لا يكون، كما أشار إليه بقوله فيه: (وأمر الكافرون بالإسلام) ، وكلّفهم بأن يختاروه، ويصرفوا استطاعتهم وقدرتهم إليه، (وشاء لهم قبل أن يخلقهم أن يكونوا كفارًا ضلالًا) من غير أن يجبرهم عليه، فإنه تعالى (قدّر بالمشيئة وشاء بعلمٍ) شاملٍ لما يختارون،
فمشيئته تعالى متعلقة بذلك على حسب ما يكون من اختياراتهم منهم، (وسبقت مشيئته) الشاملة لجميع الكائنات، بأنه تعالى خالق الأشياء ملها؛ لاستناد جميع الحوادث، بمعنى ترجيح طرف من المقدورات، وتخصيصه بأحد الأوقات، (أمره) النفسي بوجود الكائنات، سبقًا باذات، فأشر إلى الاستدلال على شمول المشيئة لجميع الكائنات بأنه تعالى خالق الأشياء كلها؛ لاستناد جميع الحوادث إلى قدرته ابتداء، وخالق الأشياء بلا إكراه مريد ما له وشاء بالضرورة، وأيضًا قد ثبت أن جميع الممكنات مقدورة اله تعالى، فلا بدّ في اختصاص بعصها بالوقوع، وبأوقاتها المخصوصة من مخصصٍ وهو الإرادة، وإلى عدم شمولها لما لا يكون بأن تعالى علم من الكافر مثلًا أنه لا يؤمن، فكان الإيمان منه ممتنع الوقوع بالنظر إليه أشر بقوله: (وشاء لهم قبل أن يخلقهم أن يكونوا كفارًا ضلالًا، قدّر بالمشيئة وشاء بعلمٍ) ، والله تعالى عالمٌ بامتناع وقوعه، والعالم بامتناع الشيء لا يريده بالضرورة، وأيضًا لو أراده فإما أن يقع فيلم الانقلاب، أو لا فيلزم العجز عن تحقيق المراد.
وقد انعقد إجماع السلف والخلف على قولهم: (( ما شاء الله كان وما لم يشاء لم يكن [1] ) كما هو المروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأول دليل الثاني؛ لأنه ينعكس بعكس النقيض إلى قولنا: كل ما لم يكن لم يشأ الله، وإلى الردّ على المعتزلة النافين لشمولها، الذاهبين إلى أنه تعالى مريد لجميع أفعاله غير إرادته الحادثة عند من أثبتها. @
(1) رواه أبو داود (4/ 319)