وفي أفعال العباد يرد وقوع الواجب ويكره تركه، وفي احام بعكسه، ويريد قوع المندوب ولا يكره تركه، وفي المكروه بعكسه؛ وأما المباح وأفعال غير المكلف فلا يتعلق بها إرادة ولا كراهة، كما في شرح المواقف متمسكين فيه بوجوهٍ:
الوجه الأول:
أنه تعالى لو كان مريدًا لكفر وقد أمره بالإيمان، والأمر بخلاف ما يريده يُعدُّ سفهًا، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا، وأشار إلى الجواب بالمنع فيما رواه أبو عبد الله الصيري، وأبو محمد الحارثي، وعلاء الدين عبد القادر القرشي، وصارم ادين المصري في كتب المناقب أنه (قال في رواية محمد: والأمر أمران: أمر الكينونة) بالأمر النفسي المتعلق بالأشياء المعلومة عند إرادة إيجادها، كما اختاره بعض مشايخنا (إذا أمر شيئا كان) ، ووجد عقيب تعلقه بلا تعذرٍ ولا تراخ، (وأمر الوحي) وهو الأمر التكليفي، (وهو ليس من إرادته، وليس إرادته) ناشئة (من أمره) ولازمة له، فأشار إلى منع استلزامه للإرادة، ومنع أن الأمر بخلاف ما يريده يُعدُّ سفهًا، وإنما يكون كذلك لو كان فائدة الأمر منحصرًا في الإيقاع المأمور به وهو ممنوعٌ؛ وبيّنه بسندٍ متينٍ وبرهانٍ مبينٍ، أشار إليه بقوله: (وتصديق ذلك) : أي برهانه المصدّق له (قول إبراهيم) إسماعيل على الصحيح، كما في شرح التحرير وغيره: (( إني أرى في المنام ) )، بإلقاء ملك في حال مشاهدة الروح، وعلمه أمر الله تعالى على القيقة، كما دلّ عليه قوله: ما تؤمر (( إني أذبحُك ) ): أي أُمرت بذلك، (( فانظر ماذا ترى ) )؟: أي كيف رأيك فيه؟ الإمضاء، أو التوقف، وهو امتحانٌ منه، وتعرّف لحاله في الطاعة، وإلا فإمضاء الأمر متحقق، (( قال يا أَبَتِ افعَلْ ما تُؤْمرُ ) ): أي ما أُمرت ته، فالمضارع للحال على معنى المأمور به الآن، كما في التيسير، أو الاستمرار لتكرار الرؤيا منا في البيضاوي، (( ستجدني إن شاء الله ) )أي صبري على الذبح، (( من الصابرينَ ) ) [الصافات:102] عليه، (ولم يقل:(( ستجدني صابرًا ) )من غير (( إن شاء الله ) )، ولو استلزم الأمر الإرادة لما كان للاستثناء موقع، فإن أمر إبراهيم بذبح ابنه يستلزم الأمر بالصبر عليه لابنه، فلو كان الأمر بالذبح مستلزمًا لإرادته من إبراهيم كان السبر من اتنه مرارًا أيضًا بدلالة الأمر، فلا يبقى لتعليقه بالمشيئة والإرادة وجهٌ، (( فطان ذلك ) )الذي رآه وعلمه (( أمر تعالى ) )الحال أنه (( لم يكن من إرادته تعالى ) )في ذلك (( الأمر ذبحه ) )ابنه، ولذا فداه بذبحٍ عظيمٍ.
قال الإمام أبو منصور الماتريدي: فيه دلالةٌ على أنه ليس كل بأمرٍ من الله @